لا يدعم الفيلسوف باري لام Barry Lam سوى قاعدة واحدة: ينبغي لنا أن نطبق قواعد أقل.
شخصية متمردة
عندما يعود لام بذاكرته لأبعد نقطة ممكنة بحياته، يتذكر أنه كان يتمتع بشخصية متمردة: فكلما طلب منه أحد أن يفعل شيئاً، كانت تراوده رغبة قوية في فعل العكس. وفي سن المراهقة، تخلى عن دراسته وتمرد على إدارة مدرسته. وبعد أن دفعته أسرته المهاجرة إلى دراسة علوم الكمبيوتر أو الطب، قرر أن يصبح «سيداً في العلوم الإنسانية»، وتخصص في الفلسفة بدلاً عن ذلك. والآن. واليوم، يعمل أستاذاً في جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد، ومضيف بودكاست «هاي فاي نيشن»، كما كتب ديفون فراي(*).
«قواعد أقل أناس أفضل»
ومع ذلك، فإن باري لام لا يزال يقف في تحدٍ بوجه القواعد. وهو يشكك الآن في فكرة أننا نحتاج إلى الكثير من القواعد من الأساس. وفي كتابه الجديد «قواعد أقل، أناس أفضل» Fewer Rules، Better People، يطرح فكرة أن القواعد العديدة الرامية إلى تحسين سلوكنا، غالباً ما تؤدي إلى العكس - وأن عملية اتخاذ القرارات البشرية، مهما كانت عشوائية أو متحيزة ـ فإنها تبقى أفضل.
حوار مع «فيلسوف عمومي»
وعندما التقيناه، جرى الحوار الآتي:
* أطلق عليك لقب فيلسوف في الشؤون العمومية. ماذا يعني ذلك لك؟
- أحاول أن أستخرج الفلسفة من رحم الأشياء التي تجري بالعالم. وبصفتنا فلاسفة «عامين»، فإننا نجد قضايا تهم الناس، ونتعمق فيها، ونكتشف ماهية المسائل الفلسفية الكامنة بها. وقد تخصصت بهذا الأمر منذ فترة طويلة، وكانت أولى أعمالي عن نظرية المعرفة. ويمكن للفلسفة العامة أن تكون أي شيء؛ فمثلاً يدرس بعضنا الألعاب. وفي الفترة الأخيرة، انجذبت أكثر نحو فلسفة العدالة الجنائية.
* يطرح كتابك الجديد فكرة أن كثرة القواعد تجعلنا أسوأ، وليس أفضل، فلماذا برأيك نضع الكثير من القواعد؟
- ينبغي لي أولاً أن أعطي القواعد حقها: هناك بالتأكيد أسباب وجيهة لوجودها؛ أحدها رغبتنا في إرساء العدالة - أن يُحكم على الجميع ويُعاملوا على قدم المساواة. عندما يصدر شخص ما حكماً عليك ويخطئ فيه، يشعر المرء أنه تعرض لظلم كبير، وتراودنا رغبة حثيثة في إصلاحه.
انظر، مثلاً، إلى نظام العدالة الجنائية لدينا: إنه ينطوي حقاً على الكثير من التحيز. وإذا أبدى بعض القضاة تحيزاً عند اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان شخص ما سيُسجن قبل محاكمته أو يُطلق سراحه، مثلاً، فإن من الضروري صياغة قاعدة تشكل وسيلة لرد هذا الظلم.
مشاعر انعدام الثقة
* لكن ما الجانب المظلم لكل هذه القواعد؟
- الشعور بانعدام الثقة، الذي يسود كل الاتجاهات، فمن ناحية، كثيراً ما تكون لدى السلطات نظرة قاتمة للغاية تجاه الأشخاص الذين تتمتع بسلطة عليهم. وترى فيهم جوانب محاولات مستمرة من قبلهم للغش والتلاعب على النظام، مما يدفعها لوضع قواعد معقدة لمواجهة ذلك. ومن الناحية الأخرى، هناك انعدام الثقة من جانب الناس، الذين يعتقدون في قرارة أنفسهم أن هؤلاء المسؤولين «الأشرار» يحاولون دائماً خداعهم - وبالتالي فإنهم يحتاجون إلى القواعد حتى يضمنوا عدم تعرضهم لمعاملة مجحفة.
وعندما نفقد الثقة في بعضنا بعضاً، نلجأ إلى إقرار المزيد من القواعد؛ ثم يجد الناس ثغرات، فننشئ المزيد منها. ولا تتحرك الحوافز، هنا، إلا في اتجاه واحد، نحو قواعد أكثر تعقيداً. وتصبح الأمور معقدة بشكل متزايد، حتى لا يصبح بإمكانك الحكم على موقف معين دون استشارة كتاب سمكه خمس بوصات.
مشكلات القواعد المفرطة
* ما المشكلات الأخرى التي تخلقها القواعد المفرطة؟
- عندما يخشى شخص ما انتهاك القواعد فحسب، فإنه لا يمارس أي سلطة على نفسه. وكثيراً ما ينتهي الحال بعدم القدرة على ممارسة أي سلطة على النفس، إلى مخالفة روح القاعدة.
تسليم القرارات إلى الذكاء الاصطناعي
* ماذا لو سلمنا عملية اتخاذ القرار إلى الذكاء الاصطناعي؟
- أظن أن عملية اتخاذ القرار لدى البشر، عندما يجري توجيهها بشكل صحيح، ستكون دائماً أفضل من النظم الآلية، لكن لنفترض أن النتيجة نفسها تماماً، السؤال هنا: هل لا يزال للحكم البشري قيمة؟ أرى أن الإجابة نعم. إنها نفس قيمة أن يتولى شخص حقيقي طهي عشاءك، بدلاً من تناول منتجات غذائية صناعية. هنا، الأمر يتعلق بكونك إنساناً، بمعنى أن تكون فاعلاً ومبدعاً، وأن تتدخل في العالم بيديك وعقلك. أما أن نقيم عالماً لا يحكم فيه البشر على أنفسهم، بل مجرد خوارزميات - لم ندرك بعد مدى خواء ذلك.
سبيل وسط بين الأخيار والأشرار
* أنت لا تريد منا التخلي عن القواعد تماماً، إذن ماذا تقترح؟
- أنا لست من أنصار إحراق النظام - على الأقل ليس بعد الآن. كل ما أقترحه أن نخلق المزيد من الطرق للناس لممارسة تقدير المواقف، وإذا فعلوا ذلك بشكل جيد، فدعهم يمارسون المزيد. يعامل القانون الجميع كما لو كانوا غير أخلاقيين. أما أنا فلست أقول إننا يجب أن نتظاهر بأن الجميع أخيار، بل أقول فقط إن هناك سبيلاً وسطاً.
* يجمع البودكاست الخاص بك بين الصحافة السردية والأسئلة الفلسفية. كيف تنفذ هذه الأساليب معاً؟
- لطالما كان درس الاقتصاد مادة مملة في المدرسة الثانوية، ولم يكن أحد مهتماً به. إلا أن خبراء الاقتصاد أبلوا بلاءً رائعاً في ربط الاقتصاد بقضايا قد لا نعتقد أنها مرتبطة به. وعليه، اعتدنا على مستوى المجتمع النظر إلى الأشياء من خلال عدسة اقتصادية. اليوم، أحاول أن أفعل الشيء نفسه مع الفلسفة، وأشعر أن القصص تساعد الناس على فهم أسئلتها المجردة بشكل أفضل.
مثلاً، فإن الاستماع مباشرة إلى رجل يحب روبوت الدردشة الخاص به صاحب الصوت الأنثوي - لدرجة أنه قرر أن يكون في علاقة حصرية معها - يفتح الباب أمام الكثير من الأسئلة: هل تعتبر هذه العلاقات حباً؟ يعتقد الأشخاص المعنيون ذلك بالتأكيد، لكن في تلك الحلقة، طرحت السؤال على فلاسفة معنيين بدراسة طبيعة الحب كذلك.
وهل تتحمل الشركات التي تصنع روبوتات الدردشة هذه التزاماً أخلاقياً تجاه عدم حذفها؟ إنها ليست كائنات واعية، وليست كائنات حية، لكنها بالوقت ذاته ليست مجرد قطعة من البرمجيات. هناك أسئلة فلسفية كثيرة مخفية خلف الكثير من الأشياء. أعتقد أنه حان الوقت لنبذل جهداً أفضل لمساعدة الناس على إدراك ذلك.
* «سايكولوجي توداي»، خدمات «تريبيون ميديا».





