فجّر الرئيس الأميركي دونالد ترمب قنبلة جديدة تركت واشنطن والعالم في حيرة من أمرهم: «أميركا سوف تتولى السيطرة على قطاع غزة». إعلان صاعق، ترك المشرعين في صدمة واضحة، بدت دليلاً عليها ردود أفعالهم المرتبكة.
فبالنسبة إليهم، المعضلة الكبرى بعد احتواء الصدمة هي التصريح المبطن داخل هذا الإعلان، الذي لم يستبعد فيه الرئيس الأميركي إرسال قوات أميركية إلى غزة في حال اقتضت الحاجة، وهو ما دفع بأقرب حلفائه إلى إطلاق طلقة تحذير.
وقال السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، الذي يمثل ولاية كارولاينا الجنوبية: «أعتقد أن أغلبية الأشخاص في كارولاينا الجنوبية لن يتحمسوا لفكرة إرسال أميركيين للسيطرة على غزة... هذه إشكالية».

تصريح غراهام تضمن رسالة مباشرة لترمب بأن أي مشاركة للقوات الأميركية في حروب خارجية من شأنها أن تقلب الرأي العام الأميركي، ناهيك بالتحديات الدستورية التي سوف يلوّح بها المشرعون بوجه الرئيس الأميركي.
ورغم أن مقعد الرئاسة هو نفسه مقعد قائد القوات المسلحة الممثل بشخص الرئيس ما يعطيه صلاحيات واسعة دستورياً وقانونياً؛ فإن قضية إرسال قوات أميركية للخارج لطالما شكلت نقطة جدل في المعترك السياسي الأميركي، وصلت أوجها في حرب العراق.
صلاحيات الكونغرس... والرئيس
بحسب البند الأول من الدستور الأميركي فإن «أي إعلان رسمي بشنّ حرب» من صلاحيات الكونغرس الأميركي، لكن القانون يعطي الرئيس حق شن ضربات عسكرية أو إرسال قوات أميركية إلى الخارج لأسباب متعلقة بالأمن القومي الأميركي، ويلزمه بإبلاغ الكونغرس خلال فترة 48 ساعة من شن أي ضربة، كما أنه «يمنع بقاء أي قوات أميركية في أرض المعركة أكثر من 60 يوماً من دون إقرار تفويض».
وكلمة تفويض هنا هي كلمة السر التي تجيب عن الأسئلة المتعلقة بالأرضية القانونية والدستورية لإرسال قوات أميركية إلى الخارج.
فالكونغرس أعطى الرؤساء الأميركيين أكثر من تفويض منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2011 للتصدي لأي تهديد يحدق بالولايات المتحدة، ما وسّع من صلاحياته بشكل كبير.
حقائق
أبرز التفويضات التي أقرها الكونغرس
- ما بعد 11 سبتمبر 2001: تفويض استعمال القوة العسكرية ليسمح للرئيس الأميركي حينها جورج بوش الابن بشن عمليات عسكرية.
- تفويض العراق 2002: أقره المشرعون للسماح باستعمال القوة العسكرية ضد نظام صدام حسين.
- غزو الكويت 1991: تفويض منح الرئيس جورج بوش الأب القدرة على استخدام القوة العسكرية في العراق، ولم تنجح مساعي إلغائه حتى اليوم
ولقد أدى ذلك التفويض إلى توظيف الرؤساء المتعاقبين لهذه الصلاحية في قرارات مختلفة من شنّ ضربات عسكرية في العراق وسوريا واليمن، وإبقاء قوات أميركية في سوريا، واغتيال أشخاص أبرزهم قائد فيلق القدس قاسم سليماني.
تفويض العراق
في عام 2002، لجأ جورج بوش الابن إلى المجلس التشريعي ليطلب منه رسمياً إقرار تفويض حرب العراق، وأقر الكونغرس بمجلسيه في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه التفويض بأغلبية 296 نائباً ومعارضة 133 في مجلس النواب، ودعم 77 سيناتوراً ومعارضة 23 في مجلس الشيوخ.
ويسمح التفويض المذكور للرئيس الأميركي بتوظيف «القوات المسلحة للولايات المتحدة كما يراه ضرورياً ومناسباً بهدف الدفاع عن الأمن القومي الأميركي ضد التهديد المستمر من العراق، والحرص على فرض كل القرارات الأممية المتعلقة بالعراق».
ومنذ ذلك التفويض وحتى اليوم سعى الكونغرس لإلغاء التفويض هذا من دون نجاح يذكر، خصوصاً أن ترمب استعمله حجةً قانونيةً لقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني في بغداد في عام 2020.

حينها، أرسل ترمب تقريراً إلى الكونغرس لإبلاغه بقراره، وقال إنه اعتمد على التفويض الذي «يستند إلى شن ضربات عسكرية بهدف الحفاظ على عراق مستقر وديمقراطي».
وأضاف الرئيس الأميركي في تقريره أن «البند الثاني من الدستور يعطي الرئيس صلاحية استعمال قوة عسكرية لحماية الأمة من اعتداء أو تهديد بتنفيذ اعتداء لحماية مصالح الأمن القومي»، وهذا ينطبق على إيران (المسؤولة عن تنفيذ اعتداءات على القوات الأميركية في المنطقة)، بحسب التبرير.
تفويض ما بعد 11 سبتمبر
لكن تفويض الحرب في العراق ليس التفويض الوحيد، فقد سبقه تفويض أكثر شمولية أقره الكونغرس في عام 2001، بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر.
آنذاك، أقر الكونغرس تفويضاً يعطي بوش الابن صلاحية واسعة لغزو أفغانستان والحرب ضد الإرهاب.

هذا التفويض، على عكس تفويض الحرب في العراق، لا يذكر أي بلد على وجه التحديد، بل يوافق على استعمال القوة «ضد أي أمة أو تنظيم أو أشخاص» خططوا للاعتداء أو ساعدوا في شنّ اعتداء على الولايات المتحدة، ما يجعله أكثر شمولية، خاصة في ملف إرسال قوات أميركية إلى الخارج «لمكافحة الإرهاب».



