الحيوان يستفيد من فائض الكرامة

الميراث الغربي أقل احترامًا من الشرقي للحيوانات.. لكن فكرة حقوقها ولدت لديه

الحيوان يستفيد من فائض الكرامة
TT

الحيوان يستفيد من فائض الكرامة

الحيوان يستفيد من فائض الكرامة

اعتاد سكان في بلدة صغيرة تدعى هيجنز، في بنسلفانيا الأميركية، الاحتفال بعيد العمال بنكهة خاصة جدا، حيث كان يقام مهرجان لصيد الطرائد الحية، يفد إليه الناس من جميع أنحاء العالم، ليعيشوا مراسم الاحتفال على الطريقة التالية: يجري إطلاق نحو 5 آلاف حمامة من محابسها، واحدة تلو الأخرى، ليطلق عليها الرصاص، فيقتل بعض هذا الحمام والبعض الآخر يصاب بجروح بليغة، فتموت ببطء في الغابات المجاورة. لكن الأدهى من كل هذا، هو ما كان يفعله الأطفال الصغار. فقد كانوا يجمعون الحمام الجريح ويقتلونه إما دهسا بالأقدام، أو بفصل رؤوسها عن أجسادها، أو سحقها، أو قذفها في البراميل لتموت مختنقة. لم يكن هؤلاء الصيادون والأطفال يقومون بأنشطتهم في الخفاء، إذ كان المتفرجون وهم بالآلاف، يدفعون تذاكر لحجز مقاعدهم، ويشربون الجعة، ويصرخون معربين عن تأييدهم ومتعتهم بما ينجزه الصيادون والأطفال.
لقد أخذنا هذا المثال من مؤلف بعنوان «حقوق الحيوان»، لمؤلفه ديفيد ديغراتسيا، الذي قام بترجمته للعربية محمد سعد طنطاوي، وهو من إصدار مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة سنة 2014، ضمن سلسلة مقدمة قصيرة جدا، وهو مثال يجسد عادات قتل الحمام فرحا وليس حاجة.
إلا أن الجانب الآخر من هذا المثال، يختلف تماما عن عبث الصيادين والأطفال بمصير الحمام، حيث إنه وجراء ضغط بعض المؤسسات الحقوقية، جرى سنة 1998، حظر إقامة هذا المهرجان، مما يدل على أن هناك تقدمًا أخلاقيًا كبيرًا تجاه الحيوان. فمن الذي يجعل إطلاق الرصاص على الحمائم الحية من أجل المتعة والقفز عليها حتى الموت، وفصل رؤوسها عن أجسادها معضلة أخلاقية؟ بعبارة أخرى، أين الخطأ في تصرفات الصيادين والأطفال؟ وما دلالة أن الحيوانات لها مكانة أدبية؟ بكلمة واحدة ما حقوق الحيوان؟
عمومًا وعبر التاريخ، كان يجري التعامل مع الحيوانات على أنها مجرد وسيلة، فهي موجودة من أجل الاستخدام الآدمي، وإن كنا نجد أن الفكر الشرقي هو أقل تعنيفا للحيوان من الفكر الغربي. فالمذاهب الهندية والهندوسية والبوذية، تقبل، بصورة أو أخرى، بمبدأ «أهيمسا»، وهو مبدأ يدعو لعدم إيذاء جميع المخلوقات الحية، واحترام جميع أشكال الحياة. فالكائنات مترابطة فيما بينها. فلا يزال بعض الهندوس مثلا، يرون اليوم، أن إلحاق الأذى بالحيوان سيؤدي إلى التسبب في معاناة لاحقة للطرف المتسبب في الأذى. بل إن رحمة الحيوانات وعدم القسوة عليها، نجد لها ما يدعمها من نصوص الإسلام.
ومما يوضح بعضا من التصورات التي تجعل للحيوان المكانة السافلة في الفكر الغربي، هو ما راج عن الفيلسوف رينيه ديكارت، في القرن السابع عشر، عن كونها مجرد آلات عضوية تخلو من العقل والمشاعر. فديكارت، كما هو معلوم، وجراء نزعته الميكانيكية للعالم، كان يقسم الإنسان إلى نفس وجسد. فأما النفس فهي ميزة بشرية خاصيتها الفكر والحرية. بينما الجسد هو امتداد للطبيعة، وخاصيته القصور والعطالة والخضوع لعلية الطبيعة وقوانينها الصارمة. فهو أصم لا روح فيه ولا حرية ولا فكر. ومن ثم سيبالغ ديكارت بجعله الحيوان مجرد جسد شبيه بالآلات التي يصنعها الإنسان، وكل الفرق في كمال الصنع.
إن ديكارت قد أفرغ العالم من الروح، بما فيها حتى الحيوانات التي تعد أفعالها مجرد انعكاسات واستجابات للمنبهات الخارجية. وهي الفكرة التي وجدت لها صدى في زمانها، لكن فقدت، الآن، أهميتها، إلى درجة القول إنها ساذجة. فعلى الرغم من أننا وجدنا بعضا من صداها حتى حدود القرن العشرين، داخل المدرسة النفسية المسماة بالسلوكية، التي أقامت التجارب على الحيوانات من منطلق أنها مجرد آلة تخضع لقاعدة المثير والاستجابة، الأمر الذي يجعل من الصعب علينا إيجاد سند علمي للرحمة تجاه الحيوانات.
إذا كان الميراث الغربي هو بصورة عامة، أقل احتراما من الميراث الشرقي للحيوانات، فإن فكرة حقوق الحيوان بمعناها المعاصر هي وليدة الغرب، فأول حركة مهمة لحقوق الحيوان ظهرت في بريطانيا، في القرن 19، وتمثلت في معارضة استخدام الحيوانات في الأبحاث العلمية من دون تخديرها. لكن الأمر سيزداد قوة في ستينات وسبعينات القرن العشرين، جراء الأزمة البيئية الخانقة التي تعصف بالأرض إلى درجة السؤال عن أي فضاء سنترك للأجيال اللاحقة؟ ناهيك على انقراض كثير من الحيوانات، مما يهدد السلسلة الغذائية التي يعد الإنسان أحد عناصرها، إضافة إلى تنامي الحركات الحقوقية في كل الجوانب، والدعوات إلى إيقاف كل أشكال التمييز العنصري والجنسي، مما فتح الباب أمام رفض الأشكال الأخرى من التمييز بما فيها الخاصة بالحيوان.
لقد أتاحت المخاوف بشأن التلوث وتدمير البيئة، فضاء ثقافيا مناسبا لتنامي فكرة حقوق الحيوان، التي ستترجم، عمليا، بتأسيس كثير من المؤسسات، نذكر منها: رابطة مفسدي الصيد الجائر البريطانية سنة 1963، وجماعة السلام الأخضر المناصرة للبيئة في عام 1971، ومنظمة الشعب من أجل المعاملة الأخلاقية للحيوانات في عام 1980. أما حاليا، فإن حركة حقوق الحيوان تشمل المئات من المنظمات وملايين الأعضاء، وترسانة من القوانين التشريعية الهامة، نذكر منها على سبيل المثال: قانون رفاهية الحيوان السويدي لسنة 1988، وميثاق الحماية الدولية للدلافين سنة 1992، وأخرى كثيرة. إضافة إلى تنامي الممتنعين عن أكل اللحوم، الذين ظهروا منذ ثلاثين سنة خلت كغرباء. لكن الآن الأمر انعكس تماما، إذ أصبحت النباتية أسلوبا ونمطا محبذا، ويأخذ اتجاها عاما. كل هذه الأمور، تدل على تغير في الثقافة الغربية، حيث أصبحت أكثر تقبلا لفكرة حقوق الحيوان، مما جعل التنظير الفلسفي ينشط في هذا الاتجاه، فبدأت الأسئلة تتناسل: هل تحظى الحيوانات بمكانة أو حقوق أدبية؟ وهل يمكن مساواتها بالتي للإنسان؟ ما الطرق الرئيسية التي يمكن أن تضار بها الحيوانات؟ هل أحاسيسها غير السارة من ألم وحزن وخوف وحبس؟ وهل حقا للحيوانات مشاعر؟ باختصار، ما مصالح الحيوان؟ وهل يمكن الادعاء أن جميع الكائنات التي لديها القدرة على المعاناة لديها مصلحة متشابهة في عدم المعاناة؟ ومَن الحيوانات المقصودة؟ هل هي بالإطلاق أم هي فقط الحيوانات الحساسة؟ هل تعاملنا مع أم الأربعة والأربعين يكون بالدرجة نفسها التي تعاملنا بها مع الكلب؟ أم أن هذا الكلام عبثي؟ بأي معنى يجب اعتبار ضرب الكلب مثلا عملاً خاطئًا؟ هل الكلب له قيمة في ذاته، ومن ثم وجب التعامل معه جيدا لأنه يستحق ذلك؟ أو بعبارة أخرى، هل نقول إن رفاهيته يجب أن ينظر لها بعين الجدية، وبمعزل عن مصالح البشر؟ هذه الأسئلة وأخرى هي مثار نقاش فلسفي حاد؟ بين من يجيب بالإيجاب ومن يجيب بالسلب. فما ملامح ذلك؟
إذا كان البعض يلح على الاعتبار المتساوي بين البشر والحيوان، البعض الآخر يعتبر هذا الأمر مردودًا، وذلك لأسباب متعددة، أهمها حجة العقد والتي مفادها، أنه إذا كان الحيوان غير قادر على إبرام التعاقدات والاتفاقات، فهو يفتقر للمكانة الأدبية التي للإنسان. ناهيك على أن البعض الآخر بحث عن حل وسط قائم على مقياس تراتبي. فإذا كان الإنسان له الاعتبار المتساوي الكامل، فإن الحيوانات تستحق الاعتبار بما يتناسب وتعقد قدراتها الإدراكية والشعورية والاجتماعية. فمعاناة قرد أقل من معاناة إنسان. لكن هي أهم من معاناة فأر، تعتبر معاناته أكثر أهمية من معاناة دجاجة.
وتجدر الإشارة إلى أن أهم أطروحة في مجال حقوق الحيوان، ظهرت في ثمانينات القرن العشرين، وكانت من نصيب الفيلسوف الأميركي طوم ريغان، المولود سنة 1938، بمؤلفه «حقوق الحيوانات»، حيث سعى فيه إلى دعم فكرة أن الحيوانات يجب أن تتمتع بحقوق أخلاقية، وحجته في ذلك، تمتح جذورها من التقليد المنحدر من كانط. فأطروحة هذا الأخير التي جاءت في القرن الثامن عشر، حيث كانت العبودية ما تزال طاغية، تعطي القيمة العالية للكائنات العاقلة فقط. فهي الوحيدة التي تستحق لقب شخص، ومن ثم التعامل معها كغاية في ذاتها. إذ ليس من حق أي إرادة أو أخرى، أن تبيع أو تشتري في الإنسان العاقل، لأنه، ببساطة، يمتلك الكرامة والعزة. أما ما تبقى من الأشياء والكائنات، فهي لا قيمة لها، إلا كونها وسيلة وأداة لمصلحة معينة. وهو ما جعل الفيلسوف طوم ريغان، الذي يعيش بالطبع في سياق مختلف وهو حصول الإشباع في حقوق الإنسان، ووجود فائض من الكرامة، ينتقد كانط، بدعوى أن أطروحته تهمل الحالات الخاصة والهوامش، مثل الأجنة والمعاقين ذهنيا، والرضع، والأشخاص الموجودين في حالة غيبوبة والمجانين. فهؤلاء بحسب طوم ريغان، يستحقون كل المكانة الأدبية، على الرغم من عدم امتلاكهم للعقل. فهل يعقل مثلا، أن نأخذ مجنونا ونتعامل معه كوسيلة، كأن نبيع أعضاءه مثلا، لمجرد أنه غير عاقل. أكيد هذا مخل ومنحط أخلاقيا. الأمر الذي جعل طوم ريغان يقترح حلا آخر هو: الحياة بدل العقل. فيكفي أن تكون حيا لكي تكتسي صفة شخص ومن ثم تنال الاحترام. طبعا، هذه الأطروحة جعلت طوم ريغان يقحم بسهولة، الحيوانات في منظومة الحقوق ما دام أنها تستشعر حياتها هي أيضًا.
في الختام، قد يبدو أمر التعامل باحترام مع الحيوان لذاته وليس كمتاع، أمرًا غريبًا عندنا في عالمنا العربي، مادام أننا ما زلنا نناضل لكسب حقوق الإنسان. ففاقد الشيء لا يعطيه، فالكرامة لن تفيض على المجال ما لم يجرِ إشباعها بالكامل.



بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».