في «اليوم العالمي للسرطان»: العلماء يستكشفون أسراره

إجابات علمية عن أسئلة كبرى

في «اليوم العالمي للسرطان»: العلماء يستكشفون أسراره
TT

في «اليوم العالمي للسرطان»: العلماء يستكشفون أسراره

في «اليوم العالمي للسرطان»: العلماء يستكشفون أسراره

كل يوم، تنقسم، أو تموت، مليارات الخلايا في أجسامنا. وكل هذا جزء من العمليات المعقدة التي تحافظ على تدفق الدم من قلبنا، وتحرك الطعام عبر أمعائنا، وتجدد جلدنا. ومع ذلك، من حين إلى آخر، يحدث خلل ما، فالخلايا التي كان من المفترض أن تتوقف عن النمو أو تموت، ببساطة لا تتوقف. وإذا تُرِكَت دون علاج، فقد تتحول هذه الخلايا إلى سرطان، كما كتبت نينا أغراوال (*).

لقد حيرت الأسئلة بشأن متى ولماذا يحدث هذا بالضبط، وما الذي يمكن فعله لوقفه، علماء السرطان والأطباء مدة طويلة. وعلى الرغم من الأسئلة التي لم يُجَبْ عنها، فإنهم قد قطعوا خطوات هائلة في فهم وعلاج السرطان.

يقول الدكتور جورج ديميتري، نائب الرئيس الأول لـ«العلاجات التجريبية» بـ«معهد دانا فاربر للسرطان» في بوسطن: «نحن أقل خوفاً كثيراً بشأن إخبار المرضى بما نعرفه وما لا نعرفه؛ لأننا نعرف الكثير».

أسئلة كبرى وإجابات علمية

في ما يلي بعض أكبر الأسئلة بشأن السرطان التي بدأ العلماء الإجابة عنها:

* لماذا يؤدي بعض الطفرات الجينية إلى السرطان بينما لا يؤدي الآخر إلى ذلك؟

ساد لدى العلماء الاعتقاد أن الطفرات الجينية (التغييرات في تسلسل الحروف في الحمض النووي) هي أساس جميع أنواع السرطان. وكانوا على حق؛ جزئياً فقط.

يقول دوغلاس هاناهان، من «معهد لودفيغ لأبحاث السرطان» في لوزان بسويسرا: «الطفرات مهمة جداً؛ لكنها ليست التفسير الكامل للورم. يظل بعض الطفرات كامناً طوال حياتنا، ولا يؤدي أبداً إلى السرطان».

تغيرات «فوق جينية»

من الواضح الآن، بصرف النظر عن طفرات الحمض النووي، أن هناك عوامل أخرى تغير كيفية التعبير عن الجينات. وتسمى هذه التغيرات «التغيرات فوق الجينية (epigenetic changes)»، وقد اكتشف العلماء أنها تلعب دوراً كبيراً في دفع السرطان. («التغيرات فوق الجينية» تحدث لأسباب لا تتعلق بتغير تسلسل «الحمض النووي (دي إن إيه)»، أي لا تتعلق بالجينات نفسها، مثل تأثيرات البيئة على الجينات - المحرر).

لا يفهم العلماء تماماً ما يؤدي إلى «التغيرات فوق الجينية»، ولكن يُعتقد أن الشيخوخة والتعرض الغذائي والبيئي والالتهاب المزمن... كلها من الأسباب المحتملة.

عوامل التلوث

* هل يمكن أن يؤدي التلوث إلى الإصابة بالسرطان؟ ماذا عن البلاستيك الدقيق؟

لقد عرف العلماء منذ مدة طويلة أن بعض المواد الكيميائية، مثل الأسبستوس والرادون، أو مثل تلك الموجودة في دخان السجائر والكحول، يمكن أن تسبب السرطان. ولكن في السنوات الأخيرة، دق بعض الأبحاث الناشئة ناقوس الخطر بشأن مخاطر تلوث الهواء والبلاستيك الدقيق، و«المواد الكيميائية الخالدة التي لا تتحلل (PFAS)».

يقول الدكتور دبليو كيمرين راثميل، المدير السابق لـ«المعهد الوطني للسرطان»: «هناك إشارات إلى أن هذه الأشياء قد تكون مسببة للسرطان، ولكن أي أنواع السرطان، ومتى، وكيف؟ يتعين علينا الحصول على مزيد من المعلومات».

تلوث الهواء

تقول الدكتورة لوريتا إرهونمونسي، الأستاذة المساعدة لجراحة الصدر في «سيتي أوف هوب (مدينة الأمل)»، وهي منظمة وطنية لأبحاث وعلاج السرطان، إنه ثبت أن الجسيمات الدقيقة، المعروفة باسم «PM 2.5 (دقائق بقطر 2.5 ميكرون)»، تزيد من خطر الإصابة بسرطان الرئة والثدي.

من المرجح أن يكون مقدار التلوث الذي تتعرض له، ومدة تعرضك له، مهمَّين. وتُظهِر الأبحاث أن الأشخاص السود في الولايات المتحدة يتعرضون لمستويات عالية بشكل غير متناسب من تلوث الهواء؛ كما أن معدلات الإصابة بسرطان الرئة والوفاة بسبب المرض لديهم أعلى من المعدلات لدى المجموعات العرقية الأخرى.

لقد فهمنا الآن أن «السياق الاجتماعي هو الذي يحرك بالفعل كثيراً مما يخص الإصابة بالسرطان التي نراها، بل وحتى تطور السرطان، ومخاطر الإصابة به في حد ذاتها»، كما تقول إرهونمونسي.

دور الالتهابات

* كيف يرتبط الالتهاب بكل هذا؟ لسنوات طويلة، بحث العلماء عن مواد كيميائية في أنظمتنا الغذائية وبيئتنا تسبب طفرات جينية. ولكن أصبح من الواضح أن مثل هذه التعرضات إذا أثرت في خطر الإصابة بالسرطان، فإنها على الأرجح تفعل ذلك عن طريق إثارة الالتهاب، وليس عن طريق إتلاف الحمض النووي بشكل مباشر، كما يقول روبرت وينبرغ، أستاذ علم الأحياء في «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا».

خذ الأمعاء: اتباع نظام غذائي غير صحي يمكن أن يخل بتوازن الميكروبيوم لدينا، مما يسمح لبعض البكتيريا بالنمو دون رادع. يعتقد العلماء أن هذا قد يسبب التهاباً مزمناً، مما قد يؤدي إلى سرطان القولون أو البنكرياس، كما يقول الدكتور دافيندرا سوهال، اختصاصي الأورام في «مركز جامعة سينسيناتي للسرطان» والمختص في سرطانات الجهاز الهضمي.

يمكن أن يعزز الالتهاب أيضاً السرطان في الخلايا التي تحورت بالفعل. على سبيل المثال، ثبت أن «دقائق PM 2.5» تسبب التهاباً في الرئتين، مما يوقظ الخلايا الطافرة الخاملة لتغذية تكوين الورم.

نمو لا نهائي للأورام

* ما الذي يعطي الأورام القدرة على النمو دون رادع؟ السرطان ليس مجرد مجموعة من الخلايا غير الطبيعية التي تنمو بطريقة ينبغي ألا تنمو بها. يدرك العلماء الآن أن الأورام أنسجة معقدة تتكون من خلايا سرطانية بالإضافة إلى خلايا طبيعية جرى تجنيدها لدعم نموها.

كثير من هذه الخلايا الطبيعية هي النوع نفسه من الخلايا المناعية التي ستغمر موقع الإصابة لمكافحة العدوى للمساعدة في التئام الجرح، والتي تؤدي واجبها من خلال مساعدة الخلايا الجديدة على التكاثر، وتوليد الأوعية الدموية، وتحفيز الأنسجة الضامة الجديدة، وتجنب الهجمات من أجزاء أخرى من الجهاز المناعي... هذه هي القدرات التي يمكن للخلايا السرطانية الاستفادة منها إلى أجل غير مسمى لدعم نموها.

«الأورام جروح لا تلتئم» يقول هاناهان، مستشهداً بملاحظة غيرت التصورات لأول مرة في الثمانينات من قبل اختصاصي علم الأمراض بجامعة هارفارد الدكتور هارولد دفوراك.

ألغاز انتشار السرطان

يقول الدكتور كيفن تشيونغ، من «مركز فريد هاتش للسرطان» في سياتل، إن كثيراً من المعلومات بشأن الأورام وكيفية انتشارها واستقرارها في أماكن بعيدة، لا يزال لغزاً. وقد أظهرت أبحاثه أخيراً أن الخلايا الميتة والمحتضرة داخل الورم قد تخلق بيئة تجعل من السهل على الخلايا السرطانية الحية الخروج والانتشار. وقد افترضت أبحاث أخرى أن الخلايا المناعية قد تنقل محتوياتها إلى الخلايا السرطانية لجعلها أكبر غزواً.

عوامل الخطر

* ما عوامل الخطر التي نتحكم فيها فعلياً؟ يتشكل كثير من أنواع السرطان لأسباب خارجة تماماً عن سيطرتنا. يقول راثميل: «سيكون هناك دائماً بعض أنواع السرطان، حتى لو كانت لدينا أفضل وسائل الوقاية». لكن الوقاية يمكن أن تحدث فرقاً كبيراً.

يقدر علماء الأوبئة الآن أن 40 في المائة من حالات السرطان، وحصة مماثلة من الوفيات بالسرطان، يمكن أن تُعزى إلى عوامل الخطر التي يمكن للناس معالجتها. أكبر هذه العوامل هو التدخين، لكن القائمة تشمل أيضاً التعرض لأشعة الشمس، وتعاطي الكحول، وزيادة وزن الجسم.

يمكن لبعض أنواع العدوى؛ بما فيها تلك التي تسببها فيروسات التهاب الكبد «بي (B)» و«سي (C)»، و«فيروس الورم الحليمي البشري»، و«الجرثومة الملوية البوابية (H. pylori)» المعدية، أن تسبب أيضاً بعض أنواع السرطان. يمكن أن يؤدي التطعيم ضد «فيروس الورم الحليمي البشري» والفحص للكشف عن التهاب الكبد و«البكتيريا الملوية البوابية» إلى تقليل المخاطر.

طرق علاج مطورة

* ما الطريقة الصحيحة لعلاجه؟ قبل بضعة عقود فقط، كان علاج السرطان ينطوي على قدر لا بأس به من التخمين. يقول ديميتري: «كنا ندفع السموم فقط ونأمل الأفضل».

لكن الآن، أصبح لدى أطباء الأورام فكرة أوضح عمن قد يستفيد من العلاج الكيميائي، الذي يوفر السموم التي تقتل الخلايا السليمة بالإضافة إلى الخلايا السرطانية، ومَن قد يستفيد من علاج أكثر استهدافاً، مثل عقار يستهدف بروتيناً معيباً محدداً في السرطان.

كما يمتلك الأطباء علاجات أفضل، وذلك جزئياً بفضل الفهم الأكثر تقدماً لدور الجهاز المناعي.

يقول راثميل: «كيف يعمل الجهاز المناعي، وما الذي يجعل هذه الخلايا مختلفة، وما الذي يجعلها نشطة، وما الذي يجعلها خاملة، ومتى يجري ضبطها ثم ضبطها مرة أخرى...؟ كان عليك أن تعرف كل ذلك قبل أن تتمكن من محاولة اللعب بالضوابط».

إن القدرة على اللعب بهذه الضوابط فتحت مجالاً جديداً تماماً لعلاج السرطان، المعروف باسم «العلاج المناعي». يمكن للأطباء الآن إزالة المكابح عن الخلايا التائية (مقاتلات الجهاز المناعي التي تقتل الخلايا السرطانية) باستخدام علاجات مثبطة لـ«نقاط التفتيش» في الخلايا، وذلك لعلاج سرطان الرئة والجلد، من بين كثير من الأمراض الأخرى. يمكنهم أيضاً هندسة الخلايا التائية للعثور على السرطان ومحاربته. هذا هو النهج وراء «علاج الخلايا التائية (CAR)»، الذي كان الأكثر فاعلية في علاج سرطانات الدم.

* هل يمكن علاج السرطان بالإطلاق؟ على الرغم من أن الناس قد يعتقدون أن السرطان «تم الشفاء منه» بمجرد أن يكون الشخص في «حالة هدوء»، فإن الأطباء كانوا مترددين تاريخياً في الوعد بأنهم يمكنهم التخلص من سرطان المريض تماماً... «لم نجرؤ قط على استخدام كلمة (علاج)»، يقول الدكتور مارسيل فان دِن برينك، رئيس «المركز الطبي الوطني» في «سيتي أوف هوب». ولكن العلاجات الأحدث، مثل زراعة الخلايا الجذعية وخلايا «CAR.T»، أعطته وغيره من الأطباء مزيداً من الأمل.

ويعقب راثميل: «لقد كان الأمر تغييراً كبيراً؛ من القول للمريض: (سوف تموت من هذا السرطان)، إلى: (لدينا قائمة طويلة من العلاجات المتاحة والمثيرة التي سنعمل عليها)».

حتى مع عدم وجود دليل على المرض، فإنه يمكن لبعض أنواع السرطان أن يعود، وفي هذه الحالات يكون الأطباء أكثر حذراً بشأن النتائج المحتملة.

ومع ذلك، فهناك سبب للتفاؤل؛ إذ انخفضت معدلات الوفيات بالسرطان على مدى السنوات الثلاثين الماضية. ولدينا الآن أدوية تستهدف الجينات المسببة للسرطان التي كان منذ مدة طويلة من المستحيل علاجها.

ويقول سوهال إن بعض أنواع السرطان كانت «أحكاماً بالإعدام». الآن أصبحت أقرب إلى مرض السكري، وهو مرض معقد يمكن علاجه بآثار جانبية يمكن التحكم فيها: «يعيش الناس مع المرض مدة طويلة».

* خدمة «نيويورك تايمز»

حقائق

40 %

من حالات السرطان وحصة مماثلة من الوفيات بالسرطان يمكن أن تُعزى إلى عوامل الخطر التي يمكن للناس معالجتها

اقرأ أيضاً

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

علاج مناعي جديد يقضي على السرطان من دون إضعاف جهاز المناعة

علوم شكل تصويري بالكمبيوتر لخلية دم بيضاء عند الإصابة باللوكيميا

علاج مناعي جديد يقضي على السرطان من دون إضعاف جهاز المناعة

يستهدف خلايا سرطاني اللمفوما واللوكيميا بدقة عالية ولا يؤثر في الخلايا المناعية السليمة

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم تحسين «اليانصيب الجيني» البشري: فخّ تجاري... أم اختراق بيولوجي؟

تحسين «اليانصيب الجيني» البشري: فخّ تجاري... أم اختراق بيولوجي؟

«لماذا يقتصر الحصول على جينات الطول على طوال الناس؟ ولماذا يقتصر الحصول على جينات الذكاء على الأذكياء منهم؟ هذه تساؤلات طرحتها شركة «بوتستراب بايو» (Bootstrap…

علوم عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

تشكيك علمي في أن يكون تضخم عضلة القلب ناتجاً عن طفرات جينية فردية

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم الجينات وتجارب الحياة تحددان مصير العدوى داخل أجسامنا

الجينات وتجارب الحياة تحددان مصير العدوى داخل أجسامنا

عوامل وراثية، وبيئية، وصحية تترك بصمات جزيئية دائمة في الجسم

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم حذف جينات محددة يسهّل العلاج المناعي للسرطان

حذف جينات محددة يسهّل العلاج المناعي للسرطان

دراستان علميتان حديثتان كشفتا عن أن فقدان جينات بعينها داخل الخلايا السرطانية قد يجعل الأورام أكثر هشاشة أمام هجوم الجهاز المناعي

د. وفا جاسم الرجب (لندن)

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات
TT

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

التساؤل عن المستقبل وعما سيحدث لاحقاً، جزء متمم لحياة الإنسان. وفي كل مجتمع بشري، يوجد أفرادٌ يهتمون بدراسة أنماط العالم للتنبؤ بالمستقبل. ففي العصور القديمة، كان الملوك يوظفون المنجمين. أما اليوم، فإن أولئك الأفراد يُطورون النماذج الكمية التي تُحفز الحكومات على ضخ رؤوس الأموال، ويُحددون الشركات الرابحة في «وول ستريت»، ويُقدرون لشركات التأمين احتمالية وقوع الزلازل، ويُخبرون تجار السلع في صناديق التحوط، عن حالة الطقس للشهر المقبل.

مسابقات نخب المتنبئين

وعلى مدى سنوات، يتنافس بعض من نخب المتنبئين في مسابقات يُجيبون فيها على أسئلة حول أحداث ستقع - أو لن تقع - في الأشهر أو السنوات المقبلة. وتشمل الأسئلة مواضيع متنوعة لأنها تهدف إلى قياس القدرة العامة على التنبؤ، وليس التخصص الدقيق. فقد يُطلب من اللاعبين التنبؤ بما إذا كان سيحدث انقلاب في بلد غير مستقر، أو توقع معدل إزالة الغابات في منطقة ما من الأمازون. ويستطيع المتنبئ الذي يُقدم أدق التوقعات، في أقرب وقت ممكن، ربح جائزة نقدية. وربما الأهم من ذلك، الحصول على تقدير من أبرز المتنبئين في العالم.

وقد ازدادت شعبية هذه المسابقات بشكل ملحوظ خلال الطفرة الأخيرة لأسواق التنبؤات مثل بولي ماركت Polymarket وكالشي Kalshi، حيث يتداول مئات الآلاف من الأشخاص حول العالم مليارات الدولارات شهرياً للإجابة على أسئلة تنبؤية مماثلة. والآن، تشارك برامج الذكاء الاصطناعي فيها أيضاً. وفي البداية، لم تحقق هذه البرامج نتائج جيدة: ففي نهاية عام 2024، لم يتمكن أي برنامج ذكاء اصطناعي من احتلال المركز المائة في أي من المسابقات الكبرى. لكنها منذ ذلك الحين قفزت إلى قمة قوائم المتصدرين.

وإن كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي أثبتت بالفعل قدرتها قبل سنوات على تقديم تنبؤات فائقة الدقة في سياق لعبة بشرية، لكنها قد تتفوق علينا قريباً في استشراف مستقبل عالمنا المعقد والمتغير باستمرار.

دخول الذكاء الاصطناعي

تستضيف منصة التنبؤات «ميتاكولوس» Metaculus ثلاث مرات في السنة، بطولةً تُعرف بطرح أسئلتها الصعبة للغاية. ويقول بن شيندل، عالم المواد الذي حاز على المركز الثالث بين المشاركين في مسابقة حديثة، إنها تجذب عادةً المتنبئين الأكثر جدية. في العام الماضي، وخلال بطولة «كأس الصيف»، شاركت شركة «مانتيك» الناشئة، ومقرها لندن، بمحرك تنبؤات «مانتيك» Mantic يعمل بالذكاء الاصطناعي. وكغيره من المشاركين، كان على البرنامج الإجابة على 60 سؤالاً بتحديد احتمالات نتائج معينة.

كان على البرنامج تخمين أحداث مثل: تغير خطوط المواجهة في أوكرانيا، واختيار الفائز بسباق فرنسا للدراجات، وتقدير إيرادات فيلم «سوبرمان» العالمية خلال عطلة نهاية الأسبوع الافتتاحية، وتحديد ما إذا كانت الصين ستحظر تصدير عنصر أرضي نادر، والتنبؤ بما إذا كان إعصار كبير سيضرب ساحل المحيط الأطلسي قبل شهر سبتمبر (أيلول) الماضي.

وبعد بضعة أشهر، تم تقييم توقعات محرك التنبؤ الخاص بشركة مانتيك، بالإضافة إلى توقعات المشاركين الآخرين في المسابقة، مقارنةً بالنتائج الواقعية وتوقعات كل منهما على حدة. حقق الذكاء الاصطناعي المركز الثامن من بين أكثر من 500 مشارك، وهو رقم قياسي جديد للبرامج الآلية. ووصف توبي شيفلين، الرئيس التنفيذي لشركة مانتيك، هذا الإنجاز بأنه «اختراق غير متوقع».

وقام شيفلين وفريقه بطرح نسخة جديدة من برنامجه الذكي في مسابقة «كأس ميتاكولوس الخريفي»، الذي حقق أداءً أفضل، إذ لم يكتفِ باحتلال المركز الرابع، وهو رقم قياسي آخر، بل تفوق أيضاً على المتوسط المرجح لتوقعات جميع المتنبئين البشريين. لقد أثبت أنه أكثر حكمة من حكمة جمهور يتمتع بقدر كبير من الحكمة.

تصميم «متعدد النماذج»

يئيجمع محرك التنبؤ الخاص بشركة «مانتيك» مجموعةً من نماذج اللغة الكبيرة ذات التعلم الموجه ويُسند لكلٍ منها مهام مختلفة. وقد يوظف أحدها كخبيرٍ في قاعدة بيانات نتائج الانتخابات، بينما قد يُطلب من نموذجٍ آخر تحليل بيانات الطقس، أو المؤشرات الاقتصادية، أو إيرادات شباك التذاكر، وذلك بحسب السؤال المطروح. وتعمل النماذج معاً كفريقٍ واحدٍ للوصول إلى التنبؤ النهائي.

خدمة تنبؤات

في العام الماضي أنشأ فريقٌ بإشراف هايفنغ شو، الأستاذ بجامعة شيكاغو، خدمةً مرجعيةً لتقييم تنبؤات الذكاء الاصطناعي بشكلٍ مستمر. تطرح الخدمة، بشكلٍ شبه يومي، أسئلةً جديدةً على النماذج الرئيسية لروبوتات الدردشة المعروفة، وهي أسئلة يستقيها برنامج «كالشي» من أسواق المراهنات.

وتُحدَّث درجات دقة هذه النماذج باستمرار مع إجابة الأسئلة. يقول شو: «لكل نموذجٍ منها أسلوبه الخاص في التنبؤ»، فنسخة «تشات جي بي تي» ChatGPT التي تُقيّمها الخدمة متحفظة، وربما متحفظةٌ أكثر من اللازم؛ فهي تتخلف حالياً في قائمة شو لأفضل النماذج عن نسخ «غروك» Grok و«جيميناي» Gemini.وتجري شركة «لايتنينغ رود» أبرز تجارب على نماذج تنبؤية مصممة خصيصاً لمجالات محددة. وقد صممت نموذجاً للتنبؤ بسلوك الرئيس ترمب المتقلب. وقال بن تورتل، الرئيس التنفيذي للشركة، إن فريقه قدم للنموذج مجموعة تضم أكثر من 2000 سؤال تنبؤي بنتائج معروفة لم تكن مدرجة في بيانات التدريب. ثم قارن النموذج إجاباته بأفعال ترمب الفعلية، وتعلم من أخطائه. وعندما خضع النموذج المصغر للشركة لاختبارات تنبؤية لسلوك ترمب بناءً على مجموعة جديدة من الأسئلة - مثل ما إذا كان سيلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ شخصياً، أو سيحضر مباراة كرة القدم بين الجيش والبحرية - تفوق أداؤه على أحدث نماذج OpenAI شركة «أوبن إيه آي».

تنبؤات العام الجديد

قد يكون هذا العام حاسماً في مجال التنبؤ بالذكاء الاصطناعي. ففي يناير (كانون الثاني) الماضي، شاركت «مانتيك» بأحدث محركاتها المُطوّرة في مسابقة «كأس ميتاكولوس الربيعي» لعام 2026. وقد طُلب من المحرك بالفعل تحديد عدد جوائز الأوسكار التي سيفوز بها المرشحون، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستشن هجوماً قريباً على إيران. وبحلول مايو (أيار) المقبل، ستُحسم هذه الأسئلة، وسنرى كيف كان أداء المحرك. إذا تقدم مركزاً واحداً عن آخر مركز حققه، فسيكون أول ذكاء اصطناعي يحرز ميدالية في بطولة تنبؤ كبرى. وحتى الآن، أبدى خبراء التنبؤ البشريون المتميزون تقبلاً جيداً لهذا الاحتمال. يسجل شينديل، خبير التنبؤ ذي التصنيف العالي كلمات إعجاب بالذكاء الاصطناعي. ويقول: «قدراتها على الاستدلال ممتازة، وليس لديها نفس التحيزات التي لدى البشر، ويمكنها معرفة الأخبار فور حدوثها، ولا تتعلق دوماً بتوقعاتها». وعلى منصة ميتاكولوس، بدأ فريق من خبراء التنبؤ بتقدير متى سيتمكن الذكاء الاصطناعي من التفوق على فريق بشري متميز في التنبؤ. وكانوا قالوا في يناير الماضي، إن هناك احتمالاً بنسبة 75 في المائة لحدوث ذلك بحلول عام 2030، أما الآن فيعتقدون أن النسبة أقرب إلى 95 في المائة.

* «ذا أتلانتيك»، خدمات «تريبيون ميديا».


الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي
TT

الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي

في حدث لافت قد يغيّر فهمنا لطبيعة السرطان، كشفت دراسة علمية حديثة أن الأورام الخبيثة لا تكتفي بالنمو داخل الجسم بل تتلاعب بالجهاز العصبي لتأمين بقائها.

الأعصاب حليف غير متوقع للسرطان

وقد تبيّن أن السرطانات قادرة على استدراج الأعصاب الحسية القريبة منها والسيطرة عليها لتتحول هذه الأعصاب إلى ما يشبه «خطاً ساخناً» ينقل إشارات مباشرة إلى الدماغ تكبح نشاط الخلايا المناعية في موقع الورم ما يسمح له بالنمو والانتشار بلا مقاومة.

وأظهرت النتائج أن هذه الأعصاب بعد ارتباطها بالخلايا السرطانية ترسل إشارات إلى الدماغ الذي يرد بإطلاق رسائل كيميائية تثبط عمل الخلايا المناعية المسؤولة عن مهاجمة السرطان مانحاً الورم فرصة للتكاثر دون عوائق.

وقد أُجريت الدراسة التي نُشرت في مجلة «Nature» في 4 فبراير (شباط) 2026 على فئران مصابة بسرطان الرئة. وأوضحت عالمة مناعة السرطان آنا-ماريا غلوبيغ من معهد ألين لعلم المناعة في سياتل بالولايات المتحدة غير المشاركة بالدراسة، أن الورم يسيطر على محور الإشارات العصبية ويستخدمه لخدمة بقائه.

وعندما لجأ الباحثون إلى تعطيل بعض الأعصاب الحسية باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية كانت النتيجة لافتة، إذ انخفض نمو الأورام بأكثر من 50 في المائة في بعض الحالات بحسب تشنغ تشن جين عالمة مناعة السرطان الباحثة المشاركة في الدراسة من جامعة بنسلفانيا، ما يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة قد تستهدف قطع التواصل العصبي مع الأورام في المستقبل.

ولطالما أدرك العلماء وجود أعصاب تحيط بالأورام لكن الدور الحقيقي لهذه الأعصاب في نمو السرطان وبقائه ظل لغزاً لسنوات طويلة. فمع أن وجودها كان واضحاً فإن فهم تأثيرها المباشر في تطور الورم كان مهمة شديدة التعقيد.

وتعود صعوبة دراسة هذه العلاقة إلى طبيعة الخلايا العصبية نفسها فهي تُعد الأطول في جسم الإنسان ويُخزَّن جزء كبير من مادتها الوراثية في جسم الخلية بعيداًعن التفرعات الدقيقة التي تمتد نحو الأورام. وهذا التعقيد جعل جمع المعلومات الجينية عنها في أثناء أخذ الخزعات أمراً بالغ الصعوبة. كما أن أدوات التحليل الجيني لم تكن في الماضي متطورة بما يكفي لفهم هذه الآليات بدقة.

ولذلك ظل الجهاز العصبي المحيطي لسنوات طويلة أحد أقل المجالات دراسة في أبحاث السرطان قبل أن تبدأ الدراسات الحديثة في كشف دوره المحتمل في دعم نمو الأورام وتأثيره في مسار المرض.

اكتشاف يقود إلى التقدم

توفرت لدى فريق البحث صور مجهرية تظهر الأعصاب المحيطة والمتوغلة في أورام الرئة، لذا جرب الباحثون لمدة عام تقريباً أدوية مختلفة لتعطيل هذه الأعصاب دون نجاح، حسبما قال هاوهان وي عالم الأحياء الخلوية بجامعة بنسلفانيا الباحث ذو الاسم الأول المشارك في الدراسة.

ثم تعاون الفريق مع روي تشانغ عالم أعصاب بجامعة ييل متخصص في تقنيات تعطيل الجينات والمشارك أيضا في الدراسة لاستهداف أعصاب محددة في العصب المبهم vagus nerve وهو مسار عصبي رئيس يربط الدماغ بالعديد من الأعضاء بما فيها الرئتان. وقد سمح هذا النهج بتحديد مسار إشاري يمتد من الورم إلى الدماغ ويعود إليه. واكتشف الباحثون أن الأورام عند استغلال هذا المسار تجعل أعصاباً أخرى من جذع الدماغ إلى الورم تُفرز مادة كيميائية تُسمى النورأدرينالين noradrenaline ما يثبط الخلايا المناعية المسؤولة عن قتل السرطان والمعروفة باسم البلعميات macrophages.

وفي البداية توقع الباحثون أن الأعصاب تقوم بتنبيه الدماغ لوجود الورم ما يساعد الجهاز المناعي على محاربة السرطان. وقال روي تشانغ إننا كنا نعتقد أن هذه الأعصاب ستعمل كنظام تحذير لكن النتيجة كانت عكس ذلك تماماً.

من جهته، أوضح إسحاق تشيو عالم مناعة في كلية هارفارد الطبية غير المشارك بالدراسة أن المسار العصبي للعصب المبهم موجود في الأصل لتقليل الالتهابات الضارة، لكن الأورام تعيد برمجة الخلايا المناعية لتتحول من مهاجمة السرطان إلى حالة تهدئة التهابات وأنسجة ما يخلق بيئة مثالية لنمو الورم.

وتعزز هذه الدراسة أدلة متزايدة تشير إلى أن الأعصاب ليست مجرد عنصر محيط بالأورام بل شريك نشط في تطورها ونموها. ويزيح هذا الاكتشاف عن جانب جديد من العلاقة المعقدة بين السرطان والجسم ويفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية مبتكرة تستهدف تعطيل التواصل العصبي الذي تستغله الأورام للبقاء والانتشار.

وبدلاً من التركيز حصراً على القضاء على الخلايا السرطانية قد يصبح قطع الإشارات العصبية المرتبطة بالورم جزءاً أساسياً من علاجات المستقبل بما يسهم في إبطاء نموه وتعزيز قدرة الجهاز المناعي على مكافحته. ويرى العلماء أن فهم هذه العلاقة ما يزال في مراحله الأولى لكنه يحمل إمكانات كبيرة قد تغيّر طريقة تعامل الطب مع السرطان وتمنح المرضى أملاً بعلاجات أكثر أماناً وفاعلية في السنوات المقبلة.


حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
TT

حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع

في عيادة الأسنان، لطالما سبقت الأذنُ الأشعة: نقرة خفيفة على سطح السن، إصغاء قصير، ثم حكم سريري يتكوّن في لحظة. كان الصوت دليلاً، لكنه ظلّ دليلاً صامتاً؛ إحساساً يتشكل في ذهن الطبيب ولا يُكتب في السجل.

رقمنة «نقرة» طبيب الأسنان

لكن ماذا لو تحوّل هذا الصوت إلى رقم؟ وماذا لو أصبحت «النقرة» بصمة رقمية تُقاس، وتُحفظ، وتُقارن عبر الزمن؟

في مطلع عام 2026، نُشرت دراسة في مجلة «JADA Foundational Science» — مجلة الجمعية الأميركية لطب الأسنان العلمية، حملت عنواناً دالاً: رؤية ما لا يُرى في تشخيص صحة اللُّب وأمراضه. وقاد الدراسة الباحث جيه شِن Jie Shen بمشاركة أسماء بارزة في علوم علاج الجذور والميكانيكا الحيوية، من بينهم كليفورد رَدِل Clifford J. Ruddle وتشيريلين شيتس Cherilyn G. Sheets.

نقرة ذكية تكشف ما لا يُرى

لكن أهمية الدراسة لم تكمن في جهاز جديد، بل في سؤال قديم أعيد طرحه بصيغة علمية دقيقة: هل يمكن لصوت السن أن يتحول إلى معلومة قابلة للقياس؟

• من الطرق اليدوي إلى التحول المعرفي. الطرق اليدوي تقليد سريري راسخ. فالطبيب يطرق، والأذن تميّز بين صوت رنّان يوحي بالثبات، وصوت مكتوم قد يشير إلى التهاب أو خلل. غير أن هذه الطريقة — على بساطتها — بقيت رهينة الحدس. وهي تختلف من طبيب إلى آخر، ومن لحظة إلى أخرى، دون معيار رقمي يمكن الرجوع إليه.

وهنا يبدأ التحول الحقيقي، إذ إن تقنية التشخيص بالطرق الكمي (QPD) لا تضيف جهازاً فحسب، بل تغيّر فلسفة التشخيص نفسها. فبدل أن يكون الصوت انطباعاً عابراً، يصبح إشارة رقمية دقيقة... إنه نقرة ميكانيكية قصيرة جداً، تلتقطها مستشعرات عالية الدقة، ثم تُحلّلها خوارزميات لتحويل الاستجابة الميكانيكية إلى بصمة رقمية تُعرض أمام الطبيب خلال ثوانٍ. ليست المسألة إذن في «سماع» الصوت، بل في قراءة ما يخفيه.

• ما الذي تكشفه الأرقام قبل الألم؟ أظهرت الدراسة أن النظام قادر على رصد تغيرات ميكروسكوبية في الأربطة حول السن (PDL) قبل أن تظهر على الأشعة التقليدية أو تتحول إلى ألم سريري. وهذه القدرة ليست رقماً إضافياً في جدول إحصائي، بل تحوّل في منطق المتابعة.

وكانت دراسة متعددة المراكز نُشرت في يناير (كانون الثاني) 2025 في مجلة «Journal of Prosthetic Dentistry»، وشملت 224 مريضاً و243 سناً وغرسة، أظهرت أن نظام QPD حقق دقة بلغت 87.5 في المائة في كشف العيوب الميكروسكوبية المرتبطة بالفجوات الدقيقة، ضمن فترة ثقة 95 في المائة بين 84.2 في المائة و90.3 في المائة.

وهذه ليست إضافة جهاز إلى رفّ الأدوات، بل إعادة تعريف لمفهوم الثبات نفسه. وهذه النسبة لا تُقرأ كإحصاء مجرد، بل كإشارة مبكرة لمسار خلل قد ينتهي بفشل ترميم أو تعقيد علاجي أكبر إن تُرك دون رصد.

حين تنطق الأسنان بلغة البيانات

من الحدس إلى الطب التنبؤي

هنا تكمن النقلة النوعية. فالطرق الكمي ليس أداة فحص إضافية، بل لغة جديدة لقياس الثبات البيولوجي... إنه انتقال من الحدس إلى الرقم، ومن الملاحظة إلى التنبؤ.

حين تُخزّن القراءات في السجل الطبي الإلكتروني، وتُقارن عبر الزمن كما نقارن ضغط الدم أو مستويات السكر، يصبح لكل سن «مسار استقرار» يمكن تتبعه. لم يعد السؤال: هل يبدو ثابتاً؟

بل: هل انحرف عن مساره الطبيعي؟

بهذا المعنى، نحن لا نضيف جهازاً إلى العيادة، بل نؤسس لطبٍّ استباقيٍّ في مجال كان يعتمد طويلاً على انتظار الألم.

• ماذا يربح الطبيب وماذا يربح المريض؟ يربح الطبيب وضوحاً. يربح معياراً رقمياً يمكن الرجوع إليه بدل الاعتماد الكامل على الإحساس السمعي. كما يربح أداة إنذار مبكر قبل أن يتضخم الخلل. بينما يربح المريض فحصاً سريعاً، غير مؤلم، لا يعتمد على الإشعاع، ويمنحه طمأنينة مستندة إلى قياس لا تخمين.

لكن الأهم من ذلك كله هو استعادة المعنى الحقيقي للتشخيص: الوقاية قبل التدخل.

• نحو عيادة تُصغي إلى المستقبل. لا تظهر قيمة هذه التقنية حين تُستخدم كجهاز مستقل، بل حين تُدمج ضمن منظومة رقمية أوسع: سجل طبي يحتفظ بالبصمة، وخوارزمية تتعلم من الأنماط المتراكمة، وتنبيه مبكر يُطلق عند أول انحراف غير طبيعي.

عندها تتحول «النقرة» من لحظة فحص عابرة إلى وثيقة سريرية، ومن صوت مسموع إلى معرفة تراكمية. فالابتكار الحقيقي لا يقوم على استبدال جهاز بطبيب، بل على تحالف ذكي بين الإنسان والتقنية. فالخوارزمية تمنح قياساً أدق، والطبيب يمنح الحكم السريري والمعنى الإنساني.

وفي النهاية، ليست الثورة في أن تنطق الأسنان، بل في أن نفهم همسها قبل أن يتحول إلى ألم. والوقاية الحقيقية لا تبدأ عند الشكوى، بل عند أول انحراف ميكروسكوبي في الصمت.