«Mo» باع الفلافل في المكسيك وقطفَ الزيتون في فلسطين

مسلسل محمد عامر يعود إلى نتفليكس في موسمٍ مثيرٍ لدموع الضحك والحزن

محمد عامر أو Mo في الموسم الثاني من مسلسله على نتفليكس (موقع عامر الإلكتروني)
محمد عامر أو Mo في الموسم الثاني من مسلسله على نتفليكس (موقع عامر الإلكتروني)
TT

«Mo» باع الفلافل في المكسيك وقطفَ الزيتون في فلسطين

محمد عامر أو Mo في الموسم الثاني من مسلسله على نتفليكس (موقع عامر الإلكتروني)
محمد عامر أو Mo في الموسم الثاني من مسلسله على نتفليكس (موقع عامر الإلكتروني)

على رأسه قبّعة الـ«كاوبوي» الخاصة بسكّان تكساس الأصليين، وعلى كتفه الكوفيّة الفلسطينية. لا بدّ أنه «مو» أو محمد عامر، أشهر فلسطيني بين الأميركيين وأشهر أميركي بين الفلسطينيين.

يعود الممثل الكوميدي الفلسطيني الأميركي إلى شاشة نتفليكس في موسمٍ ثانٍ من سلسلة «Mo»، حيث من المفترض أن يكون الأخير وفق المنصة العالمية. إلا أنّ عامر لم يؤكّد المعلومة، على اعتبار أنّه ما زال لديه الكثير ليقوله، وفق تصريحٍ لمجلة «Variety». وهذا ما أوحى به الجزء الجديد من السلسلة، الذي تفوّق على سابقِه عمقاً إنسانياً وبُعداً اجتماعياً ووطنياً.

هذا لا يعني أنّ الضحكة التي ميّزت الموسم الأول من Mo غابت عن الثاني، إلّا أنّ الدموع التي يثيرها فائض الفكاهة تمتزج هنا بدموع التأثّر، ليستحقّ المسلسل عن جدارة الدخول ضمن خانة الدراما الكوميديّة.

بعد أن اختُتم الموسم الأول قبل سنتَين ونصف السنة، باختطاف محمد عن طريق الخطأ إلى المكسيك، يُفتتح الموسم الثاني والرجل ما زال عالقاً في مكانه. يتجوّل نهاراً في عربة خشبية صغيرة يبيع عليها وصفته المبتكرة من «التاكو» بالفلافل، ويتنقّل مساءً بين حلبات المصارعة الحرة وجولات «المارياتشي» الموسيقية، جامعاً بعض النقود وحالماً بالعبور مجدّداً إلى الأراضي الأميركية.

بين سيرة محمد عامر الحقيقية، وقصة Mo التي ترويها السلسلة، نقاطٌ مشتركة كثيرة. فهو يسرد تجربته الخاصة في الولايات المتحدة، مضيفاً إليها بعض العناصر المتخيّلة التي تُثري العمل. يقف هذه المرة وراء عدسة المخرج، ويتعاون كتابة مع رامي يوسف كما في الموسم السابق، ويتولّى البطولة إلى جانب عددٍ من الممثلين ومعظمهم فلسطينيون وعرب.

Mo بائع التاكو بالفلافل في المكسيك (نتفليكس)

أمضى محمد أكثر من 20 عاماً في هيوستن تكساس، حيث لجأت عائلته هرباً من حرب الخليج، بعد أن كانت قد استقرّت في الكويت عقب الخروج من فلسطين بعد النكبة. عقدان من الزمن لم تحصل خلالها العائلة على اللجوء الشرعي، ما اضطرّه إلى تدبّر أمره بممارسة أعمالٍ عشوائية وغير قانونية، مثل بَيع السلع المقلّدة التي يكدّسها في صندوق سيارته.

يكافح محمد من أجل أن يصبح مواطناً شرعياً وصالحاً، لكنّ سوء الحظّ يقف دائماً في المرصاد. وعندما غامر بالعودة خلسة من المكسيك إلى الولايات المتحدة، انتهى به الأمر خلف القضبان في مركزٍ لاحتجاز المهاجرين غير الشرعيين. هذه أوّل معاناة يسلّط عليها المسلسل الضوء، فيصوّر باقتضابٍ هادِف الكابوس الذي يعيشه العابرون من المكسيك إلى الأراضي الأميركية.

تتزامن تلك السرديّة مع قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب المتشدّدة حيال المهاجرين، لكنها لا تنقلب إلى بُكائيّة، فحتى السجن يتحوّل على يد محمد إلى ملعبٍ لكرة السلّة!

عبور Mo والمهاجرين غير الشرعيين من المكسيك إلى الولايات المتحدة (نتفليكس)

لعلّه من أكثر المسلسلات الجديدة سلاسة على مستوى المشاهَدة، فكلٌ من الحلقات الـ8 لا تتعدّى النصف ساعة. وهي مدعّمة بأحداثٍ متسارعة وبخطٍ درامي تصاعديّ، يثريه أداءٌ مميّز للممثلين كافة على رأسهم محمد عامر الذي يؤدّي شخصيته الحقيقية، والممثل المصري الأميركي ذات الموهبة المذهلة عمر إلبا بدَور «سمير» شقيق محمد والمصاب باضطراب طيف التوحّد، إضافة إلى الوالدة «يُسرى» التي تجسّدها ببراعة الممثلة الفلسطينية الأردنية فرح بسيسو.

يتنقّل المسلسل بين اللغات الإنجليزية والعربية والإسبانية، وفي تلك الخلطة المتعدّدة الهويات عنصرُ ثراءٍ يُضاف إلى تنوّع المواضيع والرموز؛ بدءاً بصحن «الحمّص» وصولاً إلى التغريبة الفلسطينية.

يقدّم الممثل المصري الأميركي عمر إلبا أداءً استثنائياً بدَور شقيق Mo (نتفليكس)

يعود محمد أخيراً إلى بيته ليكتشف أنّ الجميع تدبّر أمره في غيابه: مصنع زيت الزيتون الخاص بوالدته شقّ طريقه إلى النجاح بمساعدة شقيقه، وصديقه المفضّل ينتظر مولوداً من شريكته، أما حبيبته «ماريا» فارتبطت برجل سواه. هو الذي ظنّ أنه رجع إلى مكانه، لم يجد لنفسه مكاناً؛ ما يضاعف لديه الشعور بالغربة وعدم الانتماء.

غير أنّ الصدمة تبلغ ذروتها عندما يكتشف أنّ الرجل الذي تواعدُه ماريا إسرائيلي أميركيّ. ولا يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ إذ إنّ «غاي» الإسرائيلي طاهٍ ناجح، ويملك مطعماً يقدّم وصفاتٍ مأخوذة عن المطبخ الفلسطيني، على رأسها الحمّص بالطحينة. وهنا، تتصاعد مظاهر النزاع الثقافي والآيديولوجي، من دون أن يخسر المسلسل عنصر الفكاهة.

يعود Mo من المكسيك ليكتشف أن حبيبته تواعدُ رجلاً إسرائيلياً (نتفليكس)

على طريقته، ومن خلال حكاية محمد وعائلته، يرفع مسلسل Mo لواء القضية الفلسطينية. يرفض تسمية ما يجري «صراعاً» بل يؤكّد أنه «احتلال»، كما يصوّر الحسرة على الأرض الدامية في عيون الأمّ يسرى، ويُكثر من رموز الحنين إلى الوطن البعيد، من زيت الزيتون إلى المأكولات الفلسطينية، مروراً بالبطّيخة، وليس انتهاءً بمفتاح العودة.

لكن لماذا غيّب عامر حرب غزة عن القصة؟

في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، جلس فريق Mo حول الطاولة وباشرَ بكتابة الموسم الثاني. ما هي إلّا أيام حتى اندلعت الحرب. يقول عامر في حديث مع صحيفة «إندبندنت» إن النقاشات احتدمت على إثر ذلك، خصوصاً أنّ الفريق مؤلّف من مسلمين ويهود ومسيحيين.

التنوّع بكل أنواعه هو من أهم عناصر إثراء مسلسل Mo (نتفليكس)

بعد أن هدأت النفوس والسجالات، ارتأى مؤلّف العمل ألّا يتطرّق إلى ما يحصل في غزة. وهو يوضح في حوارٍ آخر مع صحيفة الـ«غارديان» أنه «كان من الضروري أن تنتهي أحداث المسلسل قبل السابع من أكتوبر، ليس تجاهلاً للأحداث الآنيّة، وإنما حرصاً على القصة التي عُرف بها المسلسل والتي تجسّد بدَورها معاناة الفلسطينيين الممتدّة منذ 8 عقود».

غداءٌ عائلي في فلسطين يأتي تتويجاً لرحلة Mo (نتفليكس)

تسلك القصة خطاً تصاعدياً يبلغ ذروته في الحلقة الأخيرة. تحطّ العائلة في فلسطين حيث يتداخل الحنين والمشاعر بواقع الاحتلال المؤلم. جرى تصوير تلك الحلقة، المقتبسة عن حياة عامر الحقيقية، في جزيرة مالطا، بما أنّ الأراضي الفلسطينية كانت تحت النيران الإسرائيلية خلال التصوير. غير أن اختلاف الموقع الجغرافي لم يخدش روح الحلقة التي أتت بمثابة تتويجٍ للمسلسل.


مقالات ذات صلة

«بريدجرتون» الرابع يتحول إلى «سندريلا» بقفّاز فضّي

يوميات الشرق في هذا الموسم من بريدجرتون تتّجه الأنظار إلى قصة حب بينيديكت وصوفي (نتفليكس)

«بريدجرتون» الرابع يتحول إلى «سندريلا» بقفّاز فضّي

مسلسل «بريدجرتون» في موسمه الرابع يخوض من جديد قصص الحب غير المألوفة. هذه المرة، بينيديكت بريدجرتون يقع في غرام خادمة.

كريستين حبيب (بيروت)
الاقتصاد لقطة جوية التقطتها طائرة مُسيّرة لشعار شركة «نتفليكس» على أحد مبانيها في حي هوليوود بمدينة لوس أنجليس (رويترز)

عرض نقدي ضخم من «نتفليكس» يعقّد مساعي «باراماونت» للاستحواذ على «وارنر بروس»

حوّلت «نتفليكس» عرضها للاستحواذ على أصول الاستوديوهات وخدمات البث المباشر التابعة لشركة «وارنر بروس ديسكفري» إلى عرض نقدي بالكامل.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس )
يوميات الشرق رواية «لغز المنبّهات السبعة» لأغاثا كريستي تتحول إلى مسلسل (نتفليكس)

«المنبّهات السبعة» على «نتفليكس»... أغاثا كريستي تستحق أفضل من ذلك

رائدة رواية الجريمة أغاثا كريستي للمرة الأولى في إنتاج أصلي لـ«نتفليكس»، لكن «المنبّهات السبعة» لا يشفي غليل محبّي اللغز، والإثارة.

كريستين حبيب (بيروت)
الاقتصاد شعار شركة «وارنر براذرز» خلال معرض «ميبكوم» السنوي لبرامج التلفزيون في مدينة كان الفرنسية (رويترز)

«باراماونت» ترفض استبعادها من سباق «وارنر»... وتُشكك في عرض «نتفليكس»

اشتدت حدة المواجهة في هوليوود مع إعلان شركة «باراماونت سكاي دانس»، يوم الخميس، تمسكها بعرض الاستحواذ الضخم المقدم لشركة «وارنر براذرز ديسكفري».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد شعارا «باراماونت» و«وارنر براذرز» (رويترز)

«وارنر براذرز» تُجدد رفضها عرض استحواذ «باراماونت» وتتمسك بصفقة «نتفليكس»

جدّدت «وارنر براذرز ديسكفري» رفضها أحدث عروض الاستحواذ المقدمة من «باراماونت»، موجهة رسالة حازمة لمساهميها بضرورة التمسك بالعرض المنافس المقدم من «نتفليكس».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.