بدعوة من «حزب الله»… أهالي الجنوب يتوافدون لليوم الثالث إلى القرى المحتلة

الجيش الإسرائيلي أفرج عن 9 لبنانيين ولا يزال يعتقل 9 عناصر من «حزب الله»

TT

بدعوة من «حزب الله»… أهالي الجنوب يتوافدون لليوم الثالث إلى القرى المحتلة

مواطنون لبنانيون يتجمعون على مقربة من الجيش اللبناني بعد منعهم من العودة إلى بلدة عيترون (إ.ب.أ)
مواطنون لبنانيون يتجمعون على مقربة من الجيش اللبناني بعد منعهم من العودة إلى بلدة عيترون (إ.ب.أ)

لليوم الثالث على التوالي يواصل أهالي الجنوب بدعوة من «حزب الله» توافدهم إلى قراهم الحدودية المحتلة، حيث يستمر الجيش اللبناني بالانتشار في البلدات التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية التي أفرجت عن 9 مواطنين كانت قد اعتقلتهم، يوم الأحد.

وتَقَدَّمَ رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بالشكر لـ«الصليب الأحمر» الدولي على «الجهود التي بذلها لإطلاق 9 من المعتقلين اللبنانيين في السجون الإسرائيلية»، وطلب منه متابعة عملية الإفراج عن المعتقلين اللبنانيين التسعة الآخرين المحتجَزين في إسرائيل».

وأشار إلى «أن هذا الملف كان بنداً أساسياً في الاتصالات التي أجراها مع الجانب الأميركي خلال مرحلة البحث في الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان».

وقالت مصادر عسكرية لـ«الشرق الأوسط» إن اللبنانيين الذين أُفْرِج عنهم، الثلاثاء، اعتقلهم الجيش الإسرائيلي، يوم الأحد، في بلدتي حولا ومركبا خلال توافد الأهالي إلى القرى الحدودية، والتسعة الذين تحدث عنهم ميقاتي هم عناصر في «حزب الله» اعتُقلوا خلال الحرب الأخيرة».

سكان قرية يارون بجنوب لبنان مع جنود الجيش اللبناني وقوات الـ«يونيفيل» عند مدخل بلدتهم (أ.ف.ب)

ومنذ الصباح الباكر شهدت مداخل بلدتي مارون الراس ويارون حشوداً كبيرة من الأهالي الذين تمكنوا من الدخول إلى أطرافها الغربية ظهراً برفقة الجيش اللبناني، وسجّل إلقاء درون إسرائيلية قنبلة في محيط مكان تجمع الجيش والمواطنين في البلدة، بينما كان الجيش اللبناني يتجهز عند مدخل بلدة ديرميماس تمهيداً للدخول إلى بلدة كفر كلا مع الأهالي من دون أن يتمكن من ذلك، بحسب ما أفادت به «الوكالة الوطنية للإعلام».

وفي حين كان الجيش الإسرائيلي يرفع سواتر ترابية بالقرب من مركز الجيش اللبناني عند المدخل الغربي لبلدة حولا، كما يقوم بجرف منازل في منطقة مرج حولا، كان الأهالي يتجمعون عند مدخل حولا مصرين على الدخول إلى بلدتهم.

هذا في وقت استمرت فيه الخروقات الإسرائيلية في الجنوب؛ حيث نفذ الجيش الإسرائيلي عملية تفجير قرب المسجد في بلدة الوزاني، حيث تجمع الأهالي عند مدخلها بعدما كان قد أعاد الجيش الإسرائيلي إقفاله، الاثنين.

مواطنون في بلدة يارون في جنوب لبنان يرفعون علم «حزب الله» على مقربة من آلية لقوات الـ«يونيفيل» (أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي يجدد تحذيره من عودة الأهالي

في غضون ذلك، جدّد الجيش الإسرائيلي تحذيراته للأهالي بعدم العودة، وتوجه المتحدث باسمه أفيخاي أدرعي عبر منصة «إكس» قائلاً: «إلى سكان جنوب لبنان، كما تعلمون، أعاد جيش الدفاع انتشاره في الفترة الأخيرة في مواقع مختلفة من جنوب لبنان، عملاً ووفقاً لاتفاق وقف إطلاق النار، وذلك بهدف تمكين انتشار فعال للجيش اللبناني تدريجياً، وتفكيك وإبعاد (حزب الله) الإرهابي بعناصره وبنيته التحتية، من جنوب لبنان». وأضاف: «أذكركم أنه تم تمديد فترة الاتفاق، ولا تزال قوات جيش الدفاع منتشرة ميدانياً، حيث تتم عملية الانتشار بشكل تدريجي وفي بعض القطاعات تتأجل وتحتاج إلى مزيد من الوقت، وذلك لضمان عدم تمكين (حزب الله) من إعادة ترسيخ قوته ميدانياً».

ورأى أدرعي أن «(حزب الله) كعادته يضع مصلحته الضيقة فوق مصالح الدولة اللبنانية، ويحاول من خلال أبواقه تسخين الوضع، وذلك رغم كونه السبب الرئيسي في تدمير الجنوب»، لافتاً إلى أنه «في الفترة القريبة سنبقى على هذا النهج، وسنقوم بإعلامكم حول الأماكن التي يمكن العودة إليها. لحين الوقت، نطالبكم بالانتظار، ولا تسمحوا لـ(حزب الله) بالعودة واستغلالكم في محاولة للتستر على التداعيات المدمرة لقراراته غير المسؤولة على حساب أمن دولة لبنان».

وأفادت قناة «المنار» التابعة لـ«حزب الله» بأن هناك 5 تلال حاكمة في الجنوب يسعى الجيش الإسرائيلي للبقاء فيها دائماً وهي: جبل بلاط وتلة اللبونة وتلة العزية وتلة العويضة وتلة الحمامص.

عناصر من الجيش اللبناني يقطعون الطريق منعاً لعودة الأهالي إلى ميس الجبل حيث لا يزال الجيش الإسرائيلي موجوداً (إ.ب.أ)

الأمم المتحدة: استخدام القوة المميتة ضد العائدين لجنوب لبنان انتهاك للقانون للدولي

وفي حين أعلنت وزارة الصحة أن الحصيلة النهائية للاعتداءات الإسرائيلية خلال محاولة مواطنين الدخول إلى بلداتهم، يوم الاثنين، بلغت قتيلين و26 مصاباً، بعدما كان قد سقط يوم الأحد 24 قتيلاً و122 جريحاً.

وبناءً على ذلك، أكدت الأمم المتحدة، أن استخدام القوة المميتة ضد المدنيين العائدين لجنوب لبنان انتهاك للقانون للدولي.

ونددت الأمم المتحدة، الثلاثاء، بما وصفته باستخدام «القوة المميتة» ضد المدنيين العائدين إلى منازلهم في جنوب لبنان، مؤكدةً على أن ذلك يشكل «انتهاكاً» للقانون الدولي.

وقال المكتب الإقليمي لمفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: «نشعر بالقلق إزاء التقارير التي تفيد بمقتل 24 شخصاً على الأقل، وإصابة أكثر من 100 آخرين في الأيام الأخيرة أثناء محاولة المدنيين العودة إلى منازلهم في جنوب لبنان».

وشدد المكتب الأممي في حسابه على منصة «إكس» على ضرورة السماح للمدنيين بالعودة إلى قراهم «في ظل ظروف طوعية وكريمة وآمنة»، مضيفاً أنه يجب أن يتحول وقف إطلاق النار إلى سلام دائم ومستدام.

«حزب الله» يطلق مشروح مسح الأضرار في القرى الحدودية

والثلاثاء، أطلق عضو كتلة «حزب الله» النائب حسن فضل الله مسح الأضرار في قرى الحافة الحدودية، وقال فضل الله: «أهل الجنوب لن يقبلوا أن يبقى أي جندي محتل على هذه الأرض، أياً تكن الاتفاقات والقرارات»، وقال: «ما يعنينا أمر واحد، هو طرد هذا الاحتلال من هذه الأرض، وإعمار هذه القرى والبلدات، وإعادة الحياة الطبيعية إليها». وأشار إلى أن «هدف المشروع الإسرائيلي هو تدمير هذه البلدات والقرى، وجعلها منطقة عازلة، وإخراج أهلها منها، ولكن الأهل عادوا إليها، وجدد التأكيد على أن معادلة الجيش والشعب والمقاومة تكرسّت؛ لأنها ليست كلمات أو حبراً على ورق، لا سيما أن دم المقاومين ودم الجيش ودم الشعب قد امتزج على أرض الجنوب».


مقالات ذات صلة

سكان ضاحية بيروت يستغلون هدنة غير معلنة لتفقد منازلهم

المشرق العربي دراجات نارية تمرّ أمام ملصقات تُظهر المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

سكان ضاحية بيروت يستغلون هدنة غير معلنة لتفقد منازلهم

يتحرّك سكّان بيروت وضاحيتها الجنوبية داخل هامشٍ ضيّق من الأمان المعلن والخطر الفعلي، حيث لا تُقاس الحياة بعودة الاستقرار.

صبحي أمهز (بيروت)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القدس - 19 مارس 2026 (رويترز)

نتنياهو: قواتنا ستواصل استهداف «حزب الله»

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأربعاء، إن الجيش يواصل ضرب جماعة «حزب الله» اللبنانية، وإنه على ‌وشك «اجتياح» منطقة ‌بنت جبيل في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي مركبات ومدرعات عسكرية إسرائيلية أمام مبانٍ مدمرة في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

لبنان يشترط وقف النار قبل استئناف المفاوضات مع إسرائيل

تعرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لضغوط متعددة لمطالبة إسرائيل بوقف النار

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي جنود إسرائيليون بجوار مركبات مدفعية قرب الحدود الإسرائيلية اللبنانية شمال إسرائيل 15 أبريل 2026 (رويترز)

الجيش الإسرائيلي تلقّى أمراً بقتل أي عنصر ﻟ«حزب الله» في جنوب «الليطاني» بلبنان

تلقى الجيش الإسرائيلي أمراً بقتل أي عنصر في «حزب الله» في منطقة بجنوب لبنان تمتد من الحدود الإسرائيلية اللبنانية حتى نهر الليطاني الذي يبعد 30 كلم شمالاً.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي أشخاص يزيلون حطام سيارة من موقع استهدافها بغارة إسرائيلية في بلدة السعديات جنوب بيروت (إ.ب.أ)

غارات من الجنوب إلى الساحل: لبنان تحت تصعيد متعدد الجبهات

تتسارع وتيرة التصعيد العسكري في لبنان غداة الاجتماع اللبناني - الإسرائيلي المباشر، مع توسّع غير مسبوق في رقعة العمليات من عمق الجنوب إلى الساحل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

سكان ضاحية بيروت يستغلون هدنة غير معلنة لتفقد منازلهم

دراجات نارية تمرّ أمام ملصقات تُظهر المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
دراجات نارية تمرّ أمام ملصقات تُظهر المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
TT

سكان ضاحية بيروت يستغلون هدنة غير معلنة لتفقد منازلهم

دراجات نارية تمرّ أمام ملصقات تُظهر المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
دراجات نارية تمرّ أمام ملصقات تُظهر المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

يتحرك النازحون من ضاحية بيروت الجنوبية، بحذر وقلق، باتجاه منازلهم. يتفقدون ما حل بها، وعلى عجل، يحاولون سحب جزء من الملابس أو الحاجيات اليومية، ويعودون أدراجهم إلى حيث نزحوا، مستغلين تهدئة هشّة، لا يعرفون ما إذا كانت وهماً، أو حقيقة.

ومنذ التصعيد الكبير يوم الأربعاء في الاسبوع الماضي، لم تتعرض ضاحية بيروت الجنوبية لأي غارة إسرائيلية، رغم أن المسيَّرات لا تفارق أجواءها. نقلت وسائل إعلام عن مسؤول في «حزب الله» أن هناك «ما يبدو أنه تحييد للعاصمة وضاحيتها الجنوبية»، من غير أن يجزم بذلك... لكن الدولة اللبنانية، لم تعلن شيئاً من هذا القبيل، كما لم تعلنه إسرائيل أو الولايات المتحدة، مما أبقى السكان في دائرة القلق.

لكن بين التهدئة غير المعلنة، وغياب الغارات، يتحرك الناس على قاعدة الفرصة المؤقتة، يختبرونها سريعاً، ثم ينسحبون، لأنهم لا يعرفون متى تُقفل مجدداً.

بحث عن عام دراسي

في منطقة المريجة، تختصر زينب هذه المفارقة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «ما يُقال عن تحييد بيروت، لم يمنحها شعوراً حقيقياً بالأمان، لكنه أتاح لها نافذةً صغيرة لاتخاذ قرارٍ ظلّ مؤجلاً». نزلت إلى منزلها، مترددة، محكومةً بحسابٍ دقيق بين الخوف والحاجة، فقط لتجلب الكتب المدرسية لابنتها البالغة من العمر خمسة عشر عاماً.

تقول: «لم يكن النزول قراراً سهلاً، لكنني شعرت بأن عليّ استغلال أي هامش يُقال إنه متاح، مهما كان هشّاً». بالنسبة إليها، لم تكن الخطوة مجرّد إجراء عملي، بل محاولة لحماية ما تبقّى من انتظام حياة ابنتها. وتفصح: «يكفي ما نخسره يومياً من أمان واستقرار، لا أريد أن تخسر عامها الدراسي أيضاً».

داخل المنزل، بدت اللحظة مشحونة بالتناقض. الشوارع هادئة أكثر من اللازم، والحيّ مألوف وغريب في آنٍ معاً. تحرّكت بسرعة، كأنها تختصر الزمن، جمعت الكتب والدفاتر وبعض الحاجيات، وغادرت من دون أن تطيل البقاء. «كان فعلاً من أفعال الأمومة في وجه القلق»، تقول إن التعليم في مثل هذه الظروف يتحول إلى «محاولة للتمسّك بالحياة».

لكن هذا الهامش لا يبدّل في القاعدة العامة، فالأمان لا يزال غائباً. تتعامل زينب مع عناوين التهدئة بحذر، مشيرةً إلى أنها لا تبني عليها «قرارات طويلة الأمد»، بل تتحرك «وفق فرص صغيرة». في نظرها، الهدوء الحالي «ليس طمأنينة، بل صمت ثقيل يسبق المجهول».

مبنى متضرر جراء غارة جوية إسرائيلية في بيروت (د.ب.أ)

نزول خاطف

في بئر العبد، يصف حسن ما جرى خلال الأيام الماضية بأنه «نزول خاطف» لا أكثر. لم تكن عودةً فعلية إلى الحياة، بل لحظات قصيرة اقتنصها الأهالي لاستعادة بعض ما تركوه خلفهم. يؤكد أنّ «الذي كان ينتظر الفرصة، كان ينزل لعشر دقائق أو ربع ساعة بالكاد، يلتقط ما يستطيع، ثم يغادر فوراً».

هذا السلوك، برأيه، يعكس تبدّل حسابات الناس مع امتداد الحرب. «كثيرون نزلوا لجلب ملابس صيفية وربيعية، بعدما ظنّوا في البداية أن النزوح سيكون قصيراً. الآن صار واضحاً أن الأمور قد تطول».

يضيف: «لكن الحاجة ليست وحدها ما يدفع الناس إلى النزول. أحياناً الحنين هو الدافع الأول». يستعيد حسن تجربته الشخصية حين توجّه إلى برج البراجنة، حيث غيّر زيت سيارته. يكشف عن أنّه «لم يكن الأمر مجرد تصليح سيارة، بل محاولة للتمسّك بتفصيل صغير من حياتي الطبيعية». في تلك اللحظة، بدت بعض المحال مفتوحة بشكل متقطّع، في مشهد يعكس إصراراً خجولاً على الاستمرار.

المشهد في الضاحية، كما يصفه، متقلّب ومربك: «في لحظة تشعر بشيء من الأمان، ترى الناس في الشارع أو محالاً مفتوحة، فتقول إن الحياة عادت. لكن هذا الإحساس هشّ. بعض الطرق تشهد حركة محدودة، فيما تبدو أخرى شبه مشلولة، كأنها تعيش بين حالتين: الحياة والتوقف».

بين من ينزل ليتفقد بيته من داخل السيارة فقط، ومن يرفض المخاطرة تماماً، تتباين ردود الفعل. إذ يشدّد على أنّ «الحنين يدفعك إلى النزول، لكن الخوف يوقفك عند أول زاوية».

صدمة في «اللسان تيريز»

في منطقة السان تيريز، تأخذ هذه التجربة منحى أكثر قسوة. يقول أحد أبناء المنطقة إنّه استند إلى ما تردّد عن تحييد بيروت لينزل إلى منزله، مدفوعاً بهامش من الأمان قيل إنه متاح. كان المنزل قد تعرّض لدمار جزئي، لكنه بقي قائماً، ما عزّز لديه الأمل بأن يجد ما تركه كما هو.

تصاعد الدخان عقب غارات جوية إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

يقول لـ«الشرق الأوسط»: «لم أكن مطمئناً بالكامل، لكنّني شعرت بأن الفرصة قد لا تتكرّر»، مضيفاً أنّه أراد «أن يرى البيت بعينيه بعد أسابيع من الغياب».

لكن اللحظة التي توقّع أن تحمل شيئاً من الطمأنينة تحوّلت إلى صدمة. «فوجئت بأنّ المنزل تعرّض للسرقة، والأغراض لم تعد موجودة». لم تكن الخسارة مادية فقط، بل نفسية أيضاً: «شعرت بأنّ الأمان الذي استندت إليه لم يكن موجوداً أصلاً».

يصف إحساسه عند الوصول بأنه «ثقيل لا يُوصف»، مضيفاً: «ما يُقال شيء، وما نعيشه شيء آخر». بالنسبة إليه، كشفت التجربة عن هشاشة كلّ ما يُبنى على عناوين التهدئة، وطرحت سؤالاً أكبر عن معنى الأمان نفسه في ظل واقع متقلّب.

الضاحية في المنطقة الرمادية

في حارة حريك، يبدو المشهد أكثر ميلاً إلى الحذر. يقول مروان إن الحركة لا تزال «محدودة ومتقطعة، مع غياب أي مؤشر إلى عودة واسعة للسكان. بعض الأحياء شبه خالية، وأخرى تشهد حركة خجولة لا تعكس اطمئناناً فعلياً».

هذا التفاوت، برأيه، يرتبط بتقدير كلّ مجموعة لمستوى المخاطر. «الناس يتصرفون بحذر شديد، هناك من يفضّل التريث، وآخرون يحاولون تدبير أمورهم بالحد الأدنى». لكن العامل الحاسم يبقى القلق، حتى لدى من يخرجون لقضاء حاجاتهم.

في تجربته الشخصية، اضطر مروان إلى النزول لتأمين احتياجات أسرته، خصوصاً الملابس. لم يكن الأمر مجرد تدبير موسمي، بل «استعداداً لمرحلة قد تطول». يقول: «جلبت ملابس صيفية وربيعية لأنني أشعر بأن الحرب لن تنتهي قريباً».

أما عن الإحساس بالأمان، فيصفه بأنه «ارتياح مؤقت سرعان ما يتلاشى». ويرى أنّ «الحديث عن التهدئة يمنح الناس لحظة نفسية أفضل، لكن في داخلهم لا يزالون يتوقعون الأسوأ. لذلك، لا يتصرفون كأن الأمور حُسمت نحو التهدئة».


سوريون أكراد يتدفقون إلى مراكز حكومية طلباً لجنسية حرموا منها لعقود

زحمة حضور كردي في مركز حكومي في المالكية القديمة بمنطقة القامشلي (أ.ف.ب)
زحمة حضور كردي في مركز حكومي في المالكية القديمة بمنطقة القامشلي (أ.ف.ب)
TT

سوريون أكراد يتدفقون إلى مراكز حكومية طلباً لجنسية حرموا منها لعقود

زحمة حضور كردي في مركز حكومي في المالكية القديمة بمنطقة القامشلي (أ.ف.ب)
زحمة حضور كردي في مركز حكومي في المالكية القديمة بمنطقة القامشلي (أ.ف.ب)

في صالة مكتظة داخل ملعب في مدينة القامشلي بشمال شرقي سوريا، ينتظر فراس أحمد، مع عشرات الأكراد الذين يحملون مستندات وصوراً شخصية، أن يحين دوره ليتقدّم بطلب الحصول على الجنسية السورية، وهو الحق الذي حرم منه عشرات الآلاف لعقود.

ويقول أحمد (49 عاماً): «الإنسان بلا جنسية يُعتبر من الموتى، تخيّلوا أنني لا أستطيع أن أسجل أولادي، أو البيوت بأسمائنا». ويشرح: «لم يملك جدي الجنسية، وكنا نعيش حتى الآن من دون وثائق» رسمية.

مركز لتلقي طلبات التجنيس في القامشلي (أ.ف.ب)

على طاولات اصطف أمامها طابور طويل، تناثرت استمارات التسجيل المختومة بشعار الدولة السورية، إلى جانب صور شخصية، ووثائق قديمة، بينما انهمك موظفون حكوميون في تسجيل البيانات، قبل أن تظهر على إحدى الشاشات عبارة «تمت بنجاح»، على ما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» في تقرير لها الخميس.

ومنذ الأسبوع الماضي، يتوافد سوريون أكراد من «مكتومي القيد»، وممن لا يملكون أوراقاً ثبوتية رسمية إلى مراكز مخصصة للتسجيل، وتقديم الطلبات في مدن عدة في شمال شرقي سوريا، بينها القامشلي، والحسكة، والمالكية، إضافة إلى أخرى في محافظات حلب، ودير الزور، والرقة، ودمشق، بناء على إيعاز من وزارة الداخلية.

ويأتي ذلك تطبيقاً لمرسوم أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع في يناير، ونصّ على منح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين في سوريا، بمن فيهم مكتومو القيد، بعد عقود من حرمان عشرات الآلاف منهم من الجنسية.

كما أقر حقوقاً ثقافية ولغوية للأكراد، بينها اعتبار لغتهم «لغة وطنية».

وصدر المرسوم في خضم مناوشات استمرت لأسابيع بين المقاتلين الأكراد الذين كانوا يسيطرون على مساحات واسعة في شمال وشرق سوريا والقوات الحكومية، وانتهت بتوقيع اتفاق أواخر يناير نصّ على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية وقواتها تباعاً في إطار مؤسسات الدولة.

مسنة كردية تقدم طلبها للتجنيس في القامشلي (أ.ف.ب)

وتبعت ذلك خطوات عدة، بينها دخول قوات الأمن إلى مدينتي الحسكة، والقامشلي، ثم تسلم الدولة إدارة مطار القامشلي في فبراير (شباط)، وتعيين القيادي العسكري الكردي البارز سيبان حمو في مارس (آذار) معاوناً لوزير الدفاع عن المنطقة الشرقية، في إطار تطبيق بنود الاتفاق.

«عانينا كثيراً»

وتقول غالية كلش، وهي أم لخمسة أطفال، باللغة الكردية: «عانينا كثيراً من الصعوبات، لم يستطع أولادي الخمسة استكمال دراستهم، ولم يكن بمقدورنا السفر نهائياً».

وتتابع: «حتى الآن منزلنا ليس مسجلاً باسمنا».

وانعكس الحرمان من الجنسية على تفاصيل الحياة اليومية برمّتها، من تعذُّر تسجيل الولادات، وتثبيت الملكيات، إلى صعوبات الدراسة، والتنقل، والعمل، والسفر، ما أبقى كثيرين على هامش الدولة من دون اعتراف قانوني كامل بوجودهم.

ويعود حرمان الأكراد من الجنسية إلى تدابير استثنائية نجمت عن إحصاء مثير للجدل أجري عام 1962 في محافظة الحسكة (شمال شرق)، وتمّ بموجبه سحب الجنسية من عشرين في المائة من المكون الكردي حينها.

وإثر ذلك، عانى الأكراد، الذين يشكلون أساساً نحو مليونين من أصل 20 مليون سوري، من التهميش من جانب الحكومات السورية المتعاقبة، فحرموا طيلة عقود من تعليم لغتهم، والاحتفال بأعيادهم، وممارسة تقاليدهم.

وبحسب تقديرات «شبكة ضحايا انعدام الجنسية» الكردية المحلية في الحسكة، يبلغ عدد مكتومي القيد في سوريا حالياً نحو 150 ألف شخص، وفق ما يشرح عضو الشبكة علي موسى.

ملفات التجنيس... (أ.ف.ب)

ويطالب موسى السلطات بإبداء «مرونة في تطبيق القرار، وتقديم تسهيلات للمقيمين خارج سوريا»، والذين لم يشملهم مرسوم الشرع، مع توفير بدائل، لا سيما أن كثيراً منهم يعانون «صعوبة السفر إلى سوريا بسبب القيود المتعلقة بكونهم طالبي لجوء في بلدان أوروبية، أو تخوفهم على إقامتهم في ظل ظروف الحرب الإيرانية التي أغلقت معظم المطارات بسببها».

ومن المقرر أن تبقي السلطات السورية مراكز التسجيل مفتوحة لمدة شهر.

ويوضح مسؤول شؤون الأحوال المدنية في الحكومة السورية عبد الله العبد الله، أن «المدة المفترضة للتسجيل هي شهر واحد قابل للتمديد». ويضيف: «أهم تعويض لهؤلاء الناس هو اكتساب الجنسية بعد حرمان استمر سنوات».

من أحد مراكز تلقي طلبات التجنيس في القامشلي (أ.ف.ب)

داخل مركز التسجيل، يروي محمّد أيو (56 عاماً) كيف لازمه الإحساس بالعجز باعتباره «مكتوم القيد». ويشرح: «تدرس سنوات طويلة، وفي النهاية يقولون لا شهادة لك»، مشيراً إلى أنه لم يتمكن بعد إنهاء المرحلة الثانوية من الحصول على وثيقة تتيح له متابعة دراسته الجامعية.

ويضيف أيو، الذي يعمل في التجارة العامة، أنّ الحرمان طال أيضاً حقوقاً مدنية أساسية، إذ «لم يكن لدينا الحق في الترشح، أو الانتخاب». ويوضح كيف تعذّر عليه الحصول على شهادة لقيادة السيارة، وحتى الإقامة في فندق في دمشق، كون ذلك تطلب الحصول على «ورقة أمنية» مسبقة.


دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)
صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)
TT

دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)
صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)

أكدت الحكومة السورية، الخميس، أنها تسلّمت كل القواعد العسكرية التي كانت تشغلها قوات أميركية انتشرت في البلاد منذ أعوام في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش».

ورحّبت الخارجية، في بيان، بـ«عملية التسليم الجارية والنهائية للمواقع العسكرية التي كانت تشغلها القوات الأميركية في سوريا إلى الحكومة السورية»، مضيفةً أن التسليم جرى «بمهنية عالية وبالتنسيق الكامل بين الحكومتين السورية والأميركية».

وأتى ذلك بعيد إعلان وزارة الدفاع أن قواتها تسلّمت قاعدة «قسرك» في شمال شرقي البلاد بعد انسحاب قوات التحالف.

ونقلت وكالة الأنباء الرسمية (سانا) عن وزارة الدفاع قولها في بيان، إن قوات الجيش السوري «تتسلم قاعدة (قسرك) الجوية بريف الحسكة، بعد انسحاب قوات التحالف الدولي». وسبق للتحالف أن انسحب من قواعد عدة في سوريا خلال الأسابيع الأخيرة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)

وأشار بيان الخارجية السورية إلى أن استعادة الدولة السورية سيادتها على المناطق التي كانت خارج نطاق السيطرة، بما في ذلك الشمال الشرقي والمناطق الحدودية، تأتي ثمرةً للجهود المتواصلة التي بذلتها الحكومة السورية لتوحيد البلاد ضمن إطار دولة واحدة.

ورأت الخارجية أن اكتمال تسليم المواقع الأميركية يشكّل نتيجة طبيعية لنجاح عملية دمج «قوات سوريا الديمقراطية» ضمن البنى الوطنية وتحمّل الدولة السورية مسؤولياتها الكاملة في مكافحة الإرهاب والتصدي للتهديدات الإقليمية على أراضيها.

Your Premium trial has ended