سعيد الطنيجي: «النشر الرقمي» يتصدر مستقبل توزيع الكتب

قال لـ«الشرق الأوسط» إنه يسمح بوصول الكتب العربية إلى جمهور عالمي بلمسة زر

سعيد الطنيجي: «النشر الرقمي» يتصدر مستقبل توزيع الكتب
TT

سعيد الطنيجي: «النشر الرقمي» يتصدر مستقبل توزيع الكتب

سعيد الطنيجي: «النشر الرقمي» يتصدر مستقبل توزيع الكتب

في هذا الحوار، يتحدّث المدير التنفيذي لمركز أبوظبي للغة العربية، سعيد حمدان الطنيجي لـ«الشرق الأوسط» عن مشروعات المركز، وخاصة في مجال الترجمة، التي يعتبر مشروع «كلمة» عموده الفقري، وأهم تحدياتها في ظل الثورة الرقمية، وكذلك عن المشروع الذي أطلقه المركز ويحمل اسم «سلسلة عيون الشعر العربي» لتعزيز السياق المعرفي والثقافي العربيّ، والعناية الخاصة بالتراث وإبراز ثَرائه شعراً ونثراً. وكان من بين أهم مبادراته إصدار مركز أبوظبي للغة العربية، بالتعاون مع دار المعارف في مصر طبعة خاصة من الأعمال الكاملة لعميد الأدب العربي د. طه حسين. وهنا نص الحوار:

سعيد حمدان الطنيجي (المدير التنفيذي لمركز أبوظبي للغة العربية)

> الترجمة وسيلة للتقارب الثقافي بين الشعوب، كيف يساهم مشروع «كلمة» في بناء جسور التواصل بين العالم العربي وبقية العالم؟

- لطالما كانت الترجمة حجر أساس في ازدهار الحضارات، وقد استفاد العرب من الترجمة وأفادوا بها، فكما كانت الترجمة بين العربية ولغات العالم الأخرى سبباً في نهوض الحضارة العربية، كانت سبباً بعد ذلك في نهوض القارة الأوروبية بأكملها.

ويسعى مركز أبوظبي للغة العربية لتنويع مشاريعه ومبادراته في خدمة الترجمة وتعزيز دورها كونها صلة وصل بين الشعوب، تجسِّر المسافات وتقرب المفاهيم وتعزز قيم التسامح والإخاء والانفتاح، وهي القيم التي توليها دولة الإمارات موضع الأولوية في كل خططها التنموية. ويُعدُّ مشروع كلمة للترجمة، الذي يحظى بدعم رئيس الدولة، كونه أحدَ أبرز المشروعات المؤثرة في مسيرة الترجمة إلى العربية، من خلال ترجمته 100 كتاب سنوياً، وبلغ عدد ترجماته أكثر من 1300 كتاب من 24 لغة في 10 تصنيفات معرفية.

> كيف تساعد الشراكات مع دور نشر في العالم في تحسين نوعية الكتب المترجمة؟

- حرص مشروع كلمة منذ انطلاقته على تكوين شراكات مع دور النشر العالمية تجسيداً لاحترام حقوق الملكية الفكرية، والتزم المشروع بتوفير حقوق الترجمة والنشر لجميع الكتب التي يتم ترجمتها. وقد أدى هذا إلى تأسيس علاقات قوية مع مؤلفين عالميين، ومع أكثر من 300 دار نشر عالمية مبنية على الثقة والتفاهم باعتبارهم شركاء في صناعة النشر مثل: أكسفورد، كامبريدج، غاليمار، بنجوين، زوركامب، كارلسن، آكت سود، هارفارد وغيرها.

> كيف يمكن التعامل مع التحديات الثقافية للترجمة، خاصة فيما يتعلق بتقديم محتوى يعبّر عن الهوية العربية؟

- من المهم أن يكون المترجم على دراية بالثقافات المختلفة المعنية، وأن يتعرف على دلالات الكلمات في كل من اللغتين المصدر، والهدف، فهذا يساعده على أن يتفاعل مع النص وينتقي الكلمات المناسبة التي تنقل المعنى وتحافظ عليه من دون تشويه. كما أن تقديم التفسيرات والشروحات من خلال المقدمات والهوامش عند الحاجة سوف يساعد الجمهور المستهدف على أن يفهم السياق الكامل للنص. كما يتم انتقاء المترجمين بناء على المعايير التي ذكرناها سابقاً، وبما ينسجم مع خبرتهم في مجالات الترجمة المتنوعة والمتخصصة.

> لديكم مشروع لطباعة الأعمال الكاملة لعميد الأدب العربي طه حسين وعدد من رواد الأدب العرب... ماذا بشأنه؟

- نعم، بمناسبة اختيار عميد الأدب العربي د. طه حسين الشخصية المحورية في الدورة 31 من معرض أبوظبي الدولي للكتاب، أصدر مركز أبوظبي للغة العربية، بالتعاون مع دار المعارف في مصر طبعة خاصة من أعماله الكاملة ووزِّعت على القراء. كما تعاون المركز مع دار المعارف في إصدار المجموعة الكاملة للأديب المصري الكبير نجيب محفوظ، الشخصية المحورية في الدورة 33 من معرض أبوظبي الدولي للكتاب.

كما أطلق المركز «سلسلة عيون الشعر العربي» احتفاءً بالشعر العربي (ديوان العرب) ولإعادة إحياء تراثنا العربي؛ وهو من ضمن المشروعات الرّائدة التي أطلقها المركز لتعزيز السياق المعرفي والثقافي العربيّ، والعناية الخاصة بالتراث وإبراز ثَرائه شعراً ونثراً.

وتقدّم السلسلة مختاراتها الشعرية ضمن مجالات تعتمد أساساً على مجموعة واسعة من المواضيع والقضايا التي يزخر بها التراث الشعري العربي، بما يُظهر تطوّرها وتحوّلاتها من حيث الرؤية الفكرية والبنية الفنيّة، ويعكس الظروف والتصوّرات الحضاريّة للعصور التي ظهرت فيها.

وتضمُّ السلسلة مائة عنوان أعدها نخبة من الباحثين المتخصّصين في الشّعر العربيّ، جمعوها من بطون الكتب وأمهات المصادر. ويتضمن كل كتاب مختارات شعرية تتناول موضوعاً محدداً مع مقدمة وشروح للمفردات الصعبة، وتتوجه إلى شرائح واسعة من القراء لاطلاع القارئ على عيون الشعر، وما رافق هذا الشعر من تغيّرات لغوية وأسلوبية. وتغطي المختارات الشعر العربي عبر العصور منذ ما قبل الإسلام وحتى القرن الثامن عشر، مرتبة تاريخياً من الأقدم إلى الأحدث.

النشر الرقمي

> ساهمتم في تعزيز النشر الإلكتروني؛ كيف يمكن أن يعزز النشر الرقمي توزيع الكتاب العربي بما يوسع انتشاره ويحافظ على الحقوق الفكرية للمؤلف والناشر؟

- يسمح النشر الرقمي بوصول الكتب العربية إلى جمهور عالمي بكبسة زر، مما يسهم في نشر الكتاب العربي لجميع دول العالم، كما يقلل النشر الرقمي من تكاليف الطباعة والتوزيع، مما يجعل الكتب متاحة بأسعار أقل وعلى نطاق أوسع عبر منصات مثل «غوغل»، و«أمازون كيندل»، و«اقرأ لي» وغيرها. كما يضمن الكتاب الإلكتروني حماية فعالة لحقوق الملكية الفكرية، عبر استخدام تقنيات مثل ملفات النشر الإلكتروني (Epub) المستخدمة في الكتاب الإلكتروني ورفع المحتوى على منصات توفر حماية كاملة للكتب، مما يساعد في حماية حقوق المؤلف والناشر من النسخ غير القانوني.

وتشكّل نتائج الإيرادات الخاصة بالمركز دليلاً واضحاً على كفاءة الآليات والمنهجيات التي يعتمدها للوصول إلى الأهداف المطلوبة، وتحقيق الانتشار المنشود، مما يعزّز مكانة المركز وحضوره في قطاع النشر، ويحقق استراتيجيته في دعم ثقافة القراءة، وتوسيع انتشار اللغة العربية.

وشهدت إيرادات مبيعات الكتب الرقمية، حتى شهر أغسطس (آب) 2024، زيادة قدرها 644 في المائة عن عام 2023، كما بلغ عدد النسخ الرقمية المبيعة ارتفاعاً مقداره 144 في المائة عن الفترة نفسها من العام الماضي، وذلك من خلال الوكلاء الداخليين، والفعّاليات، والاتفاقيات، وموقع «كلمة»، ونقاط البيع الخاصة بالمركز.

> حظيت الأعمال الأدبية بمترجمين عرب ذوي كفاءة عالية، بعضهم غادر المشهد، هل هناك خطط لتأهيل جيل جديد من المترجمين الذين يتمتعون بالكفاءة اللغوية والأدبية؟

- اهتم مشروع كلمة منذ بدايته بتطوير مهارات المترجمين ومساعدتهم على إيجاد الحلول للتحديات التي تواجههم في الترجمة، وذلك من خلال تنظيم مؤتمر أبوظبي للترجمة الذي يناقش أهم القضايا المتعلقة بالترجمة، وترافقه ورشات ترجمة يشارك فيها المترجمون الشبان ويشرف عليها أساتذة متخصصون ومحترفون.

كما اهتم المشروع بإتاحة الفرصة للمترجمين الجدد بخوض غمار تجربة الترجمة من خلال توفير حقوق كتب للناشئة والأطفال وتكليفهم بترجمتها، ويتم توزيع هؤلاء المترجمين على مجموعات يشرف عليها أساتذة متخصصون يرافقون المترجمين خلال عملية الترجمة ويساعدونهم على فهم النص ونقله إلى اللغة العربية بسلاسة ويسر.

مجلّة «المركز» للدراسات العربية... قضايا تاريخيّة ونقديّة ومراجعات للكتب

يُعَدّ مشروع مجلّة «المركز: مجلة الدراسات العربية» واحداً من أهم المشروعات لدى مركز أبوظبي للغة العربيّة، ويتماشى مع استراتيجيّاته لتجديد الخطاب باللغة من خلال نشر دراسات وبحوث عن قضاياها الأدبيّة والثقافيّة والفنّيّة بالتعاون مع مؤسسة بريل العالمية.

والمجلة منضبطة وفق أرقى معايير المجلات المحكمة، ومنفتحة لتناسب كافة الطلاب والباحثين والأساتذة المختصين.

تُصدِر المجلّة عددينِ في السنة في كلٍّ منهما 6 - 8 أبحاث و4 - 6 مراجعات لكتب. وتضم الهيئة الاستشارية للمشروع مجموعة من القامات الثقافية والمتخصصين من أنحاء العالم، وقد صدر من المجلة حتى الآن خمسة أعداد، ومن المقرر صدور العدد السادس في نهاية هذا العام.

وتهدف المجلة إلى زيادة حجم البحث العلمي الرصين المكتوب باللغة العربية، وتشجيع الباحثين على الكتابة باللغة العربية، لتكون لغة للبحث العلمي كما هي لغة للإبداع.

وعززت المنهجية والحوكمة التي تتميز بها المجلة من خلال دقة الموضوعات والبحوث التي تعرضها، ونزاهتها وشفافيتها، من مصداقية المجلة عربياً وعالمياً، وأصبحت اليوم مرجعية أساسية لأرفع مراكز الدراسات والجامعات على المستوى العالمي، مما يعزز موقع إمارة أبوظبي بوصفها منارة حضارية وثقافية عالمية، ودورها العالمي في تعزيز انتشار اللغة العربية والثقافة العربية وإحياء مكانتها في العالم.

وتنسجم المجلة في مضمونها مع استراتيجية مركز أبوظبي للغة العربية في تجديد الخطاب باللغة العربية من خلال نشر دراسات وبحوث تتناول القضايا الأدبيّة والثقافيّة والفنّيّة، وارتفع عدد طلبات المقالات التي نشرتها المجلة إلى 13400 طلب في نهاية عام 2023، مقارنة بنحو 2530 طلباً في عام 2022. وبنسبة نمو 430 في المائة، كما حقق الإصدار الأول لعام 2024 نحو 6835 طلباً.

وتصدرت مكتبة جامعة إنديانا في الولايات المتحدة قائمة المؤسسات التي قامت بطلب المقالات، بالتساوي مع جامعة أليثيا في تايوان بعدد 30 طلباً في عام 2023. بينما تصدرت جامعة كامبريدج قائمة أعلى المؤسسات طلباً لمقالات المجلة في عام 2024. حيث قامت بطلب 70 مقالة تليها جامعة الإمارات بعدد 30 طلباً، تليهما جامعة السلطان قابوس في عمان، والجامعة الأميركية في بيروت بعدد 10 طلبات، مما يؤكد مكانة المجلة وحضورها بوصفها مساحة مشرقة للتعبير عن القضايا البحثية بموضوعية تامة، مع إثراء التجربة الإنسانية العربية والعالمية.


مقالات ذات صلة

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

ثقافة وفنون «أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى.

فارس الذهبي
ثقافة وفنون رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق جانب من تجهيزات افتتاح الدورة الـ57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (صفحة المعرض على «فيسبوك»)

«القاهرة للكتاب» يستقبل جمهوره بـ«حقيبة نجيب محفوظ»

يستقبل معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57، المقرر افتتاحها الأربعاء، 21 يناير (كانون الثاني) الحالي، زواره بـ«حقيبة نجيب محفوظ».

محمد الكفراوي (القاهرة )
ثقافة وفنون «حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

في الوقت الذي تحتفي فيه وسائل الإعلام بالنمو التكنولوجي للعملاق الصيني، تأتي رواية «حياتي كعامل توصيل في بكين» لتعرض الجانب المظلم من المعجزة الاقتصادية الصينية

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

بدأت الريادة الحقيقية لمسيرة النقد العراقي مع مشروع الدكتور علي جواد الطاهر النقدي الذي لفت الأنظار إلى متانته ومنهجيته ومواكبته الدؤوب للنتاج الأدبي العراقي.

جهاد مجيد

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.