«طيارو مصر الجدد» يوصلون البضائع ويفجرون الأزمات

عدد كبير من عمال «الدليفري» يعتبرون مهنتهم «مؤقتة» و«غير آمنة»

هيثم خلال توصيله أحد الطلبات في شوارع القاهرة (الشرق الأوسط)
هيثم خلال توصيله أحد الطلبات في شوارع القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«طيارو مصر الجدد» يوصلون البضائع ويفجرون الأزمات

هيثم خلال توصيله أحد الطلبات في شوارع القاهرة (الشرق الأوسط)
هيثم خلال توصيله أحد الطلبات في شوارع القاهرة (الشرق الأوسط)

يقف عادل عبد الكريم الشهير بـ«أبو عمر» أمام مطعم مشويات في منطقة حدائق 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) يتابع الاتصالات الواردة بترقب، فكلما «طار» أكثر لتوصيل الطلبات، زاد ما يتحصل عليه نهاية الشهر.

الشاب الثلاثيني الذي التحق بالعمل في مجال توصيل الطلبات للمنازل «الدليفري» بالصدفة يحقق دخلاً شهرياً يصل إلى 9 آلاف جنيه (الدولار يعادل 50.27 جنيه مصري). عادل واحد من آلاف الشباب الذين وجدوا في العمل بتوصيل الطلبات ملجأً يوفر دخلاً يفوق الحد الأدنى للأجور (6 آلاف جنيه) دون أن يحتاج مهارات كثيرة. لكن ذلك يثير حفيظة جزء آخر من المواطنين ممن دخلوا في صدامات مع عمال «الدليفري» لأسباب كثيرة أبرزها طريقة قيادتهم على الطريق.

«الطيار» عادل عبد الكريم ينتظر أمام مطعم مشويات لتوصيل الطلبات (الشرق الأوسط)

والتصق لقب «الطيار» بعمال «الدليفري» لقدرتهم على التحرك بسرعة واجتياز مسافات طويلة في وقت قصير. يبتسم هيثم سعيد، «دليفري» ينشط في منطقة المعادي (جنوب القاهرة)، وهو يقول لـ«الشرق الأوسط»: «في مصر يطلقون على الطيارين الحقيقيين لقب (كابتن)، بينما يصفوننا نحن بـ(الطيارين)».

ولا توجد إحصائية بأعداد العاملين في توصيل الطلبات بمصر، فيما تعكس الأرقام الصادرة عن شركات متخصصة في توصيل الطلبات حجم العمالة الكبير والمتزايد. ففي عام 2020 أعلنت شركة «طلبات» توفير 50 ألف فرصة عمل لـ«السائقين المصريين بنظام العمل الحر».

وفي عام 2022، افتتحت الشركة مقراً جديداً وقالت المديرة التنفيذية، هدير شلبي، إن «مصر خيار استراتيجي لنا؛ نظراً لمجموعتها الكبيرة من المواهب الشابة التي نتوق للاستفادة من إمكاناتهم». وقُدرت إيرادات الشركة في مصر عام 2023 بـ370 مليون درهم إماراتي (الدولار يساوي 3.67 درهم)، حسبما كشفته نشرة اكتتاب لطرح أسهمها في بورصة الإمارات.

«الدليفري» هيثم سعيد يسلم الطلبات في منطقة المعادي (الشرق الأوسط)

رغم ذلك، يتحفظ الباحث في علم الاجتماع عصام فوزي، على وصف «الدليفري» بـ«المهنة»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنها مجرد «سلعة راجت في ظل الحاجة إليها، مع التكدس الكبير في المدن، وصعوبة التحرك بالسيارات لجلب الأسرة حاجاتها».

ويعتبر أن «الدليفري» يكشف عن أزمات؛ أولها البطالة، التي يهرب منها هؤلاء الشباب باللجوء إلى هذا العمل الهامشي، فتعكس فشلاً في إدارة موارد المجتمع البشرية، التي تذهب في التوصيل بدلاً من الإنتاج».

دراجات نارية تنتظر أوامر التشغيل أمام صيدلية في الجيزة (الشرق الأوسط)

وتقدَّر نسبة البطالة في مصر بـ6.7 في المائة في الرُّبع الثالث من عام 2024، حسب تقرير للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

يتبنى «الدليفري» الشاب يوسف عبد الله، وجهة نظر فوزي؛ إذ أكد لـ«الشرق الأوسط» أنه «يعتبر هذا العمل مؤقتاً، ولا يرى فيه مهنة مستقبلية يعتمد عليها»، مضيفاً: «شغل مثل أي شغل، ميزته ربما أنه لا يوجد فيه مدير مباشر يعسّفك».

عمال «الدليفري» يزاحمون وسائل النقل في طرق مصر (الشرق الأوسط)

لكن «الدليفري» الأربعيني محمود عبد المنعم، يختلف مع عبد الله؛ إذ ينظر إلى عمله بتقدير، ويعتبره ذات قيمة إنسانية، حيث يعمل في مجال توصيل الأدوية.

يعدّ عمال «الدليفري» ضمن فئة العمالة غير المنتظمة في مصر؛ إذ يحصلون على مرتباتهم من عدد المشاوير التي يقضونها يومياً في توصيل الطلبات، وإذا قررت الجهات التي يعملون لديها التأمين عليهم اجتماعياً وطبياً يكونون من سعداء الحظ، وهو ما حدث مع هيثم سعيد الذي يعمل في شركة «طلبات» منذ 4 سنوات، وأمّنت الشركة عليه تأميناً صحياً العام الماضي.

 

أزمات على الطريق

لا يعدّ «الدليفري» على انتشاره عملاً يحمل قدراً كبيراً من الأمان، ليس فقط لعدم ارتباطه بدخل ثابت، لكن لارتفاع معدلات الخطورة فيه جراء التنافس على «الطيران» بسرعة لتوصيل الطلبات.

لا يخفي هيثم قلقه من أن يصيبه مكروه فيفقد عمله دون أي أمان مادي يستند إليه. وينبع قلقه جراء تعرضه لـ3 حوادث سابقة، كان آخرها قبل عام.

«الدليفري» يوسف عبد الله يعمل في توصيل الطلبات (الشرق الأوسط)

ويتشارك كل عمال «الدليفري» المخاوف نفسها. يقول «أبو عمر» إنه كان يجتاز الطرق من فوق الأرصفة، وفي إحدى المرات تعرض لحادث كسر فيه مرآة سيارة فنزل صاحبها وكسر له مرآة دراجاته النارية، من حينها أصبح يتقيّد بأنظمة المرور بشكل أكبر.

وفقد 970 شخصاً أرواحهم في عام 2023 بسبب حوادث «الموتوسيكلات» حسب الجهاز المركزي للإحصاء، في منحنى شهد انخفاضاً مقارنة بعام 2022 الذي توفي فيه 1015 شخصاً إثر هذا النوع من الحوادث.

وبسبب السرعات «الزائدة» و«القيادة المتهورة» أحياناً يفضل أصحاب السيارات الخاصة إفساح المجال لهؤلاء الطيارين الذي يظهرون ويختفون في لمح البصر من جميع الاتجاهات، ويتمايلون يميناً ويساراً في حركات بهلوانية مفعمة بالحماسة.

«الطيار» عادل عبد الكريم ينتظر أمام مطعم مشويات لتوصيل الطلبات (الشرق الأوسط)

ويؤكد الروائي المصري أحمد شوقي، الذي يقيم في حلوان (جنوب القاهرة) وهو أب لطفلين، أن أقصى ما يخشاه وهو يقود سيارته، هم عمال «الدليفري».

ويتابع شوقي، لـ«الشرق الأوسط»، أنهم «يظهرون من تحت الأرض، ويقطعون عليك الطريق، وتكون مطالباً بتفاديهم طوال الوقت، حيث يحاولون العبور من أي اتجاه حتى لو كان من الجانب الأيمن عكس ما تقضي قواعد الطريق، دون حتى منح إشارة، ما يمثل خطراً دائماً عليهم وعلى قائدي المركبات الخاصة».

ويعتبر قطاع كبير من المصريين أن «الدليفري» بات قطاعاً حيوياً ومهماً للغاية يصعب الاستغناء عنه في ظل صعوبات التنقل في الكثير من شوارع العاصمة المصرية والمدن الكبرى الأخرى، حيث يوفر عنصري الراحة والسرعة للزبائن، لكنه في المقابل يعد عنصر إزعاج للكثير من سكان الأحياء الراقية والهادئة، لا سيما في ضواحي العاصمة المصرية المكتظة بالسكان، حيث تكسر أصوات الدراجات النارية فائقة السرعة حالة الهدوء والصمت التي تعم تلك الأحياء.

وبعيداً عن أزمات وحوادث الطريق «المروعة»، فإن نورا إمام، وهي صاحبة مشروع لبيع المنتجات الغذائية، كان لديها مشكلة مع «الدليفري»، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إنها «خلال مرحلة التوسع في مشروعها، قررت الاعتماد على (الدليفري) لتخرج من دائرة الأصدقاء والمحيطين إلى دوائر أخرى، لكن رهانها عليهم لم يصب دائماً، لكنها بعد خيبات عدة، عثرت على عمال جيدين».


مقالات ذات صلة

التوسع في استقدام الطلاب الوافدين... هل «يجور» على حقوق المصريين؟

تحليل إخباري مقر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في مصر (صفحة الوزارة على فيسبوك)

التوسع في استقدام الطلاب الوافدين... هل «يجور» على حقوق المصريين؟

أثارت خطط حكومية للتوسع في استقطاب الطلاب الوافدين إلى الجامعات المصرية جدلاً بشأن مدى تأثير زيادة أعدادهم على فرص الطلاب المصريين.

منى أبو النصر (القاهرة )
شمال افريقيا اجتماع وزيري الري المصري والسوداني في القاهرة الأربعاء (صفحة وزارة الري المصرية على «فيسبوك»)

تحذير مصري - سوداني من المساس بـ«الحقوق المائية» للبلدين

أكد وزير الري المصري، هاني سويلم، خلال لقاء نظيره السوداني عصمت قرشي عبد الله في القاهرة، الأربعاء، «حقوق بلديهما التاريخية في مياه النيل».

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري أكد لنظيره الفلسطيني الأربعاء دعم بلاده للسلطة الوطنية الفلسطينية (الرئاسة المصرية)

«قمة السيسي-عباس» بالقاهرة: المصالحة الفلسطينية أولوية الفترة المقبلة

استحوذ ملف المصالحة الفلسطينية على جزء من محادثات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره الفلسطيني محمود عباس.

محمد محمود (القاهرة )
العالم العربي وفد دبلوماسي مصر رفيع يزور دمشق (وكالة الأنباء السورية)

مصر وسوريا... لقاءات رسمية متتالية تدفع وتيرة التعاون

تدفع لقاءات رسمية متتالية جرت مؤخراً بين مسؤولين بمصر وسوريا وتيرة التعاون الثنائي بين البلدين بعد فترة جمود حسب مصدر دبلوماسي مصري ومراقبين

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا محادثات سابقة بين وزير الخارجية المصري ورئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في بيروت (الخارجية المصرية)

مصر تجدد رفض الانتهاكات الإسرائيلية لسيادة لبنان

أكدت مصر رفضها الكامل لكل الانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية على السيادة اللبنانية، وطالبت بانسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

السعودية تستضيف «مهرجان ليونز الرياض» ديسمبر 2027

يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
TT

السعودية تستضيف «مهرجان ليونز الرياض» ديسمبر 2027

يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)

أعلن وزير الإعلام السعودي، سلمان الدوسري، إطلاق «مهرجان ليونز الرياض»، الذي يجمع كبار مسؤولي التسويق وقادة الإبداع والوكالات والعلامات التجارية وصنّاع المحتوى والمواهب الصاعدة من المنطقة والعالم، وذلك خلال الفترة بين 6 و8 ديسمبر (كانون الأول) 2027، في مركز الملك عبد الله المالي «كافد» بمدينة الرياض.

ويأتي هذا الحدث، الذي تنظمه شركة «تحالف» بالشراكة مع وزارة الإعلام ومنظومة «ليونز» العالمية، بوصفه مهرجاناً إقليمياً متخصصاً يهدف إلى تبادل الخبرات، واستعراض أحدث الاتجاهات والتجارب المميزة في صناعة الإبداع والتسويق.

ويتناول برنامج المهرجان التميز الإبداعي والفاعلية والثقافة ومستقبل القطاع، بما يتيح لمواهب الشرق الأوسط وأفكارها وأساليب سردها، منصة للتأثير في الحوار الإبداعي العالمي.

وأوضح وزير الإعلام أن «الإبداع وسرد القصص لهما جذور راسخة في السعودية وفي ثقافة الشرق الأوسط»، مضيفاً: «اليوم، يبني جيل جديد على هذا الإرث بثقة وقدرة وطموح لرسم ملامح مستقبل هذه القصة».

وأبان الدوسري أن «المهرجان يُجسِّد التقدم الذي تشهده صناعاتنا الإبداعية، والتزام السعودية برعاية المواهب والأفكار التي تقف وراءها»، مؤكداً أنه يُمثِّل «فرصة للاحتفاء بما يميز إبداع منطقتنا، وتعزيز إسهامه في اقتصادنا وثقافتنا، وتمكين أصواتنا الإبداعية من الاضطلاع بدور أكبر في المستقبل».

يتيح المهرجان لمواهب الشرق الأوسط منصة للتأثير في الحوار الإبداعي العالمي (واس)

ويسهم «مهرجان ليونز الرياض» في دعم نمو الاقتصاد الإبداعي في السعودية من خلال استقطاب الخبرات والمواهب والمنصات العالمية، ونقل المعرفة، وتنمية القدرات الوطنية، وفتح آفاق جديدة للاستثمار والشراكات وفرص العمل النوعية.

ويشكّل المهرجان منصة لتمكين المبدعين السعوديين وربطهم بالشبكات والأسواق الدولية، بما يدعم نمو المنشآت المحلية، ويعزز توطين الصناعات الإبداعية، وإسهام القطاع في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً؛ لتواصل الرياض ترسيخ مكانتها عاصمة للإبداع، ووجهة عالمية لصناعة القرار والفرص.

من جانبه، قال فيصل الخميسي، الرئيس المشارك لمجلس إدارة «تحالف» رئيس مجلس إدارة الاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز، إن «المملكة رسَّخت سريعاً منذ إطلاق (رؤية السعودية 2030) مكانتها بوصفها إحدى أبرز الوجهات العالمية لاستضافة الفعاليات الدولية الكبرى، وأثبتت مراراً جاهزيتها لجمع العالم وتقديم فعاليات وفق أعلى المستويات».

وأشار الخميسي إلى أن قرار منظومة «ليونز» إطلاق المهرجان في الرياض «يمثل محطة مهمة أخرى في هذه المسيرة، ويعكس تنامي الأهمية الدولية للمملكة والإمكانات الإبداعية الاستثنائية للعالم العربي».

يفتح «مهرجان ليونز الرياض» آفاقاً جديدة للاستثمار والشراكات وفرص العمل النوعية (واس)

بدوره، ذكر فيليب توماس، رئيس مجلس إدارة «ليونز»، أن «الشرق الأوسط يدخل حقبة إبداعية جديدة لافتة»، مضيفاً: «فمن السينما والأزياء والألعاب والتصميم والترفيه إلى سرد قصص العلامات التجارية، نشهد موجة من الطموح والأصالة تقودها تركيبة سكانية شابة سريعة النمو».

ولفت توماس إلى «توسع القطاعات الإبداعية بوتيرة متسارعة، مع ظهور منصات ومواهب وأعمال جديدة»، مبيناً أن «الإبداع والتسويق يضطلعان بدور متزايد الأهمية في كيفية تعبير الدول والعلامات التجارية والمجتمعات عن نفسها على الساحة العالمية».

وتابع: «لطالما كانت ليونز منصة عالمية لأفضل ما في العالم من فكر إبداعي وفاعلية تسويقية»، منوهاً بأنهم يتيحون عبر «ليونز الرياض» الوصول للمعايير العالمية والرؤى المعرفية وفرص التعلم، و«نصل المواهب والطموحات الإقليمية بالخبرات والفرص العالمية، بما يدعم المرحلة المقبلة من نمو العلامات التجارية والأعمال والاقتصاد الإبداعي الأوسع نطاقاً».

ويأتي المهرجان ضمن سلسلة منصات إقليمية تكمل «كان ليونز»، بإتاحة مزيد من خبرات المنظومة العالمية المتخصصة في فعالية التسويق الإبداعي على مدار العام، وتعزيز الروابط بين المجتمعات المحلية والساحة الدولية.

وبينما يظل «كان ليونز» محور المنظومة الذي يجتمع فيه القطاع العالمي ويُعترف فيه بالمعيار الدولي للتميز الإبداعي، صُمم «ليونز الرياض» ليجمع منظومة التسويق الأوسع في السعودية، وتنمية المواهب، وربط الأفكار الإقليمية بالشبكات والخبرات العالمية.


«الطلاق الغذائي» بين الأزواج... ظاهرة قد تدفعهم إلى التباعد

قد يؤدي تناول الزوجين وجباتهما بصورة منفصلة إلى نشوء ما يصفه خبراء بـ«ديناميكية رفقاء السكن» (بكسلز)
قد يؤدي تناول الزوجين وجباتهما بصورة منفصلة إلى نشوء ما يصفه خبراء بـ«ديناميكية رفقاء السكن» (بكسلز)
TT

«الطلاق الغذائي» بين الأزواج... ظاهرة قد تدفعهم إلى التباعد

قد يؤدي تناول الزوجين وجباتهما بصورة منفصلة إلى نشوء ما يصفه خبراء بـ«ديناميكية رفقاء السكن» (بكسلز)
قد يؤدي تناول الزوجين وجباتهما بصورة منفصلة إلى نشوء ما يصفه خبراء بـ«ديناميكية رفقاء السكن» (بكسلز)

بين اختلاف الحميات الغذائية، وعدم تحمّل بعض الأطعمة، وتعارض جداول العمل، يتجه بعض الأزواج إلى ما بات يُعرف على مواقع التواصل الاجتماعي بـ«الطلاق الغذائي»، أي أن يتولى كل شريك إعداد وجباته أو طلبها وتناولها بصورة منفصلة عن الآخر.

وقد يبدو هذا الخيار حلاً عملياً لمشكلة اختلاف المواعيد والعادات الغذائية، لكن خبراء يحذرون من أن الفصل بين الزوجين على مائدة الطعام قد تكون له انعكاسات على العلاقة. وتشير مؤسسات صحية، بينها «مايو كلينك»، إلى أن الوجبات المشتركة تساعد على التواصل وتعزيز الروابط العاطفية وتقليل التوتر.

ويرى خبراء أن تناول الزوجين الطعام بصورة منفصلة بانتظام قد يصبح مدعاة للقلق إذا كان يعكس تباعداً عاطفياً أوسع، أو يقلل الفرص اليومية المتاحة لقضاء وقت مشترك. فالمشكلة، وفق متخصصين في التغذية، ليست دائماً في الطعام نفسه، بل في خسارة لحظة يومية طبيعية للتواصل.

وتقول اختصاصية التغذية المسجلة تانيا فرايريش إن الظاهرة تعكس إلى حد كبير جداول الحياة المزدحمة، مضيفة: «يمكن أن يكون وقت الطعام مناسبة للاجتماع والتواصل وبناء العلاقات الاجتماعية وتعزيز الترابط». وتحذر من أن تناول الطعام منفرداً أو في أوقات مختلفة عن الأشخاص المهمين في حياتنا قد يخلق قدراً من الانفصال.

وقد يؤدي تناول الزوجين وجباتهما بصورة منفصلة إلى نشوء ما يصفه خبراء بـ«ديناميكية رفقاء السكن»، إذ تقل فرص الحديث عن تفاصيل اليوم والتواصل المنتظم بينهما.

وتشير فرايريش أيضاً إلى خطر الشعور بالعزلة، لافتة إلى أن المجتمعات في مختلف أنحاء العالم اعتادت منذ آلاف السنين الاجتماع حول الطعام. وترى أن تناول عدد كبير من الأشخاص معظم وجباتهم بمفردهم لا يمكن أن يكون إيجابياً للصحة النفسية أو الشعور بالرفاه.

ولـ«الطلاق الغذائي» جوانب عملية أيضاً، إذ قد يؤدي إعداد وجبتين منفصلتين أو طلب الطعام من مطعمين مختلفين إلى زيادة الإنفاق على الطعام ووقت التحضير والتنظيف.

كما قد يؤثر تناول الطعام منفرداً على العادات الغذائية نفسها. وتشير دراسات إلى أن الأشخاص الذين يأكلون بمفردهم يكونون أكثر ميلاً إلى تناول الطعام بسرعة، أو تصفح هواتفهم من دون انتباه، أو الاعتماد على الأطعمة الجاهزة والمصنّعة، مقارنة بمن يتشاركون الوجبات مع آخرين.

لكن اختلاف الاحتياجات الغذائية لا يعني بالضرورة إعداد وجبتين منفصلتين. وتنصح فرايريش الأزواج الذين يتبعون أنظمة مختلفة، سواء بسبب السعرات الحرارية أو الحميات النباتية أو القيود الصحية، بإعداد وجبات تعتمد على مكونات منفصلة يمكن لكل شخص اختيار الكمية والتركيبة المناسبة له منها.

وتضرب مثالاً بوجبات التاكو أو أطباق الحبوب والمعكرونة، حيث يمكن تحضير البروتين والكربوهيدرات والخضراوات بصورة منفصلة، ثم يختار كل شخص حصته وفق احتياجاته.

أما عندما تجعل مواعيد العمل أو المسؤوليات العائلية تناول العشاء معاً يومياً أمراً صعباً، فينصح الخبراء بالتركيز على جودة الوقت المشترك بدلاً من عدد الوجبات. فقد يكون إفطاراً سريعاً في عطلة نهاية الأسبوع أو تخصيص ليلة واحدة أسبوعياً لتناول الطعام معاً كافياً للحفاظ على مساحة منتظمة للتواصل.

وتنصح فرايريش بأن يكون الأزواج أكثر حرصاً على استغلال هذه اللحظات، قائلة: «اجعلوها وجبة مميزة، وكونوا حريصين على التواصل. ضعوا الهاتف جانباً واستمتعوا فعلاً بصحبة الشخص الآخر».


تطوير أول حاسوب في العالم يعمل بالحمض النووي

يظهر هذا الإنجاز حاسوباً من خيوط الحمض النووي (جامعة ماينوث)
يظهر هذا الإنجاز حاسوباً من خيوط الحمض النووي (جامعة ماينوث)
TT

تطوير أول حاسوب في العالم يعمل بالحمض النووي

يظهر هذا الإنجاز حاسوباً من خيوط الحمض النووي (جامعة ماينوث)
يظهر هذا الإنجاز حاسوباً من خيوط الحمض النووي (جامعة ماينوث)

طوَّر باحثون في جامعة ماينوث الآيرلندية، حاسوباً يعتمد على الحمض النووي (DNA)، هو الأول من نوعه، ويُعد واحداً من أكثر الحواسيب الجزيئية تعقيداً وسرعة.

ويُظهر هذا الإنجاز العلمي الذي نُشر في دورية «نيتشر» المرموقة، الأربعاء، حاسوباً جزيئياً مكوناً من خيوط الحمض النووي القادرة على إجراء عمليات حاسوبية فريدة من نوعها. وعلى عكس الحواسيب التقليدية التي تعمل برقائق السيليكون. يتكوَّن هذا النظام من مجموعة من خيوط الحمض النووي المتفاعلة داخل الماء؛ فهو لا يحتاج إلى مصدر طاقة كهربائية مستمر، بل يتطلب فقط قدراً ضئيلاً من الحرارة لبدء عملية الحوسبة.

وتشير الأبحاث إلى آفاق جديدة في مجالات تخزين البيانات على المدى الطويل، والحوسبة الموفرة للطاقة، وتطوير أنظمة جزيئية - مستقبلاً - يمكنها العمل داخل الخلايا لأغراض، مثل الكشف عن الأمراض.

قال البروفسور داميان وودز، من معهد هاميلتون بجامعة ماينوث، إن هذا العمل يفتح مساراً جديداً في مجال الحوسبة.

وأضاف في بيان الأربعاء: «تستهلك الحواسيب القائمة على السيليكون قدراً هائلاً من الطاقة؛ إذ تذهب نسبة 23 في المائة من إجمالي استهلاك الكهرباء في آيرلندا وحدها إلى الحوسبة وتخزين البيانات. لقد حصرنا تفكيرنا في نوع واحد فقط من الحواسيب، في حين توجد أمثلة أخرى من حولنا، بما في ذلك أدمغتنا».

ومع النمو المتسارع للبيانات الرقمية، وقيود تقنيات التخزين والحوسبة التقليدية القائمة على السيليكون، برزت الحوسبة وتخزين المعلومات المستوحاة من الطبيعة والمُعتمدة على الحمض النووي كحل واعد. فكثافة الحمض النووي العالية، واستقراره، وعمره الطويل، تُمكّن من ترميز البيانات ومعالجتها واسترجاعها بكفاءة عالية، مع استهلاك مساحة تخزين ضئيلة. ومن خلال سد الفجوة بين علم الأحياء وعلوم الحاسوب والتقنيات الهندسية، يُقدّم الحمض النووي، كوسيط للحوسبة والتخزين، بدائل قابلة للتطوير ومستدامة للتقنيات الرقمية التقليدية.

وعن ذلك قال البروفسور وودز: «تتفاعل الجزيئات وتشكل بنية معينة، وتكون هذه البنية هي الإجابة المطلوبة».

وأضاف: «يتمثل أحد الابتكارات الرئيسية في أن النظام يتوصل إلى تلك الإجابة بشكل طبيعي دون الحاجة إلى إمدادات طاقة مستمرة».

ومن جانبها، قالت الدكتورة عبير عشرة، الأستاذة المساعدة وباحثة الحاسوب في معهد هاميلتون بجامعة ماينوث، والتي أجرت العديد من التجارب في هذا الإطار: «تحتوي قطرة صغيرة واحدة من أي سائل على مليارات، وأحياناً تريليونات، من خيوط الحمض النووي. وتتفاعل هذه الخيوط فيما بينها للوصول للنتائج المطلوبة».

وتستفيد جامعة ماينوث في عملها بمجال الحوسبة القائمة على الحمض النووي من منحة بقيمة 4 ملايين يورو مقدمة من المجلس الأوروبي للابتكار، تحت إشراف البروفسور وودز. ويهدف مشروع «DISCO» وهو اختصار لـ«البنية التحتية القائمة على الحمض النووي للتخزين والحوسبة» إلى تطوير طرق جديدة للحوسبة وتخزين البيانات باستخدام تقنية الحمض النووي.

وقد أثبت حاسوب الحمض النووي (DNA)، الذي طورته جامعة ماينوث كفاءته وقابليته لإعادة الاستخدام، إذ تمكن من إجراء ما يصل إلى 25 عملية حسابية مختلفة على التوالي. وفي هذا الصدد، قالت الدكتورة عشرة - وهى المؤلف الأول المشارك في الدراسة: «يحدث التفاعل بسرعة داخل أنبوب الاختبار، وإن لم تكن سرعته تضاهي سرعة معالجات السيليكون، كما أن الهدف منه ليس منافستها في ذلك؛ لكنه يُعد الأسرع مقارنة بحواسيب الحمض النووي الأخرى».