«مهرجان برلين» يرفع ميزانيته مُجابهاً التحديات

يعرض 3 أفلام شاركت السعودية في تمويلها

«بلو مون» (سينيتك ميديا)
«بلو مون» (سينيتك ميديا)
TT

«مهرجان برلين» يرفع ميزانيته مُجابهاً التحديات

«بلو مون» (سينيتك ميديا)
«بلو مون» (سينيتك ميديا)

75 سنة مرّت على تأسيس «مهرجان برلين السينمائي» الذي سينطلق في 13 فبراير (شباط) المقبل ويسدل ستارة الختام في يوم 23 من فبراير.

10 أيام ستمر تحت بصمة المديرة العامّة الجديدة تريشيا تاتل التي خلفت إدارة لم تنجح في صيانة المهرجان من النقد ولا في حشد المطلوب أو المتوقع من الأفلام الكبيرة. لا يمكن تجاهل أن مهرجان برلين كان تراجع عما كان عليه قبل انتشار «كوفيد - 19» ليس لأنه توقف لسنة عمد فيها إلى إرسال الأفلام لمتابعيه عبر الأثير، لكن بسبب إدارة أخفقت في جلب السينمائيين الأهم كما كان الحال في عقود برلين الغابرة.

تريشيا تاتل مديرة «مهرجان برلين» الجديدة (برلينالي).

فشل الإدارة السابقة سبب رئيسي في هذا التراجع لكنه ليس الوحيد. هناك حقيقة أن المهرجان يبدأ مبكراً في كل عام، مما يحد من قدرة الأفلام المعروضة فيه للانتقال إلى رحاب موسم الجوائز وصولاً إلى الأوسكار كما حال مهرجاني «كان» و«ڤينيسيا» اللذين يتنافسان حالياً على من يستطيع إيصال فيلمه لترشيحات أوسكار العام الحالي. تقوم المنافسة بين فيلم «ذا بروتاليست» (The Brutalist) الذي عُرض في ڤينيسيا و«إيميليا بيريز» الذي عرضه «كان». كلاهما سيدخل سباق الأوسكار رسمياً لكن واحداً فقط قد يفوز بالجائزة الثمينة.

كذلك بين مخرجيه، برادي كوربيت وجاك أوديار، وبين أبطالٍ من كلا الفيلمين مثل أدريان برودي عن «ذا بروتاليست» وزوي سالادنا في «إيميليا بيريز».

عقبات

هذا وضعٌ دخيل يترك أثره على مجمل عمليات الاختيار والعروض في الوقت الذي يحاول فيه مخرجون أوروبيون وعرب وآسيويون كثيرون إيجاد موطئ قدم في مثل هذه المناسبات. في هذا الاتجاه يبدو أن «برلين» هو الذي يحظى باهتمام المخرجين والمنتجين الذين ما زالوا أكثر استقلالية وأقل شهرة من سواهم.

على أن المشكلة الأساسية الكامنة في تفضيل المخرجين والمنتجين «الكبار» في مهرجاني «كان» و«ڤينيسيا» لا تزال قائمة ومؤثرة. عقبة لا يمانع المهرجان الألماني من تجاوزها في الدورات المقبلة إذا ما استطاع.

حالياً، معظم الأفلام المشاركة في مسابقة هذه الدورة وخارجها، هي لأسماء قليلة الشهرة أو جديدة وغير معروفة كثيراً، كما تفصح قائمة الأفلام المتسابقة لدورة العام الحالي.

هذه تضمّ 19 فيلماً من بينها فيلمان فقط لأسماء تتمتع بالحضور الفني والإعلامي، هما الأميركي ريتشارد لينكلاترالذي سيعرض فيلمه الجديد «Blue Moon» والروماني رادو جود الذي يتقدّم بفيلم «كونتيننتال 25». كلاهما اشترك في مسابقات «برلين» ودوراته من قبل.

الباقون من ذوي الأسماء الأقل شهرة مروراً بمن لا شهرة لهم على الإطلاق. هذا لا يعني حكماً لصالح أحد أو ضد أحد، بل واقعَ حالٍ لمهرجان ما زال يلعب دوراً كبيراً في حياة السينما العالمية رغم هذه العقبات المذكورة.

وتأكيداً على أهميّة دوره، منحت الحكومة الألمانية المهرجان مبلغ مليوني يورو علاوة على الميزانية المقررة له سابقاً. وهناك صعود تدريجي في تكلفة هذا الحدث منذ 2011 عندما بلغت ميزانيته 19 مليوناً ونصف، وحافظت على هذا القدر للعامين التاليين وارتفعت إلى 21 مليون يورو، ومن ثم أضافت مليون يورو كل سنة حتى عام 2020 عندما ارتفعت مجدداً إلى 27 مليوناً و200 ألف يورو. في 2021 قُلّصت الميزانية لـ21 مليوناً و300 ألف يورو، وارتفعت مجدداً في العام التالي إلى 28 مليوناً و800 ألف يورو، وواصلت ارتفاعها في عام 2023 لتبلغ 32 مليوناً و300 ألف يورو. في العام الماضي ارتفعت الميزانية مجدداً إلى 33 مليون يورو قبل إضافة المنحة الجديدة لدورة العام الحالي.

جورج خبّاز وهانا شيغولا في «يونان» (فريسكو فيلمز)

ثلاثية خاصّة

الاشتراك السعودي لافت هذه السنة ومضمون عبر 3 أفلام مُوّلت مشاركة في دول عربية وغربية أخرى.

في المسابقة «يونان» لعمير فخر الدين الذي يحمل اسم المملكة إلى جانب ألمانيا وكندا وإيطاليا غرباً، وفلسطين وقطر والأردن شرقاً. دراما عن مؤلف كُتبٍ عربي يترك بلاده مهاجراً إلى جزيرة تقع في شمال أوروبا بغية الانتحار. سيعدل عن ذلك بتأثير من امرأة مسنّة تُدير الفندق الذي حلّ به. أسماء مهمّة في هذا الفيلم منها الفلسطيني علي سليمان والألمانية هانا شيغولا كما اللبناني جورج خبّاز.

الفيلم الثاني انطلق إنتاجاً مصرياً في الأساس تحت عنوان «التسوية» لمحمود رشاد (يعرض في قسم «رسبكتيفز») وتمويله الغالب جاء من السعودية وقطر وفرنسا وألمانيا. قصّة شقيقين أمام أزمة ناتجة عن حادث وقع لوالدهما في المصنع حيث يعمل ويعرض تسوية غير مناسبة.

الفيلم الثالث سيُعرض خارج المسابقة «برلينال سبَيشال» مع أعلام 3 دول ترفرف فوقه وهو «رؤى موروثة للمستقبل» (Ancestral Visions of the Future) المنتمي إنتاجياً إلى السعودية وألمانيا وفرنسا، ومن إخراج سينمائي جديد ليموهانغ جريمايا موسَس. هذا فيلم غير روائي لم يُكشف بعد عن موضوعه.

في حين من المبكر الحكم على هذه الأفلام وعلى كل الأفلام الأخرى، حتى بقراءة خلفيات بعض مخرجيها الذين سبق لهم وحققوا أفلاماً، إلا أنه يمكن القول إن 17 فيلماً من تلك المتسابقة تُعرض عالمياً للمرّة الأولى باستثناء فيلمين هما الأميركي «لو كان عندي سيقان لرفستك» (If I Had Legs I‪’‬d Kick You) كوميديا من الجديدة ماري برونستين، الذي سيُعرض في «مهرجان صندانس» خلال الأيام القليلة المقبلة.

الفيلم الثاني من النرويج بعنوان «أحلام. جنس. حب» لداغ يوهان هوغرود الذي بُوشر عرضه في النرويج هذا الشهر.


مقالات ذات صلة

فيلم «عزيزي أنت» يُشعل جدلاً حول الهوية في سنغافورة

يوميات الشرق صُوِّر الفيلم الصيني «عزيزي أنت» بلهجة «تيوتشيو» (غولدين فيليش)

فيلم «عزيزي أنت» يُشعل جدلاً حول الهوية في سنغافورة

في قصة حنين إلى الماضي تمزج بين العائلة والأمل والمعاناة، حقق فيلم «عزيزي أنت» موجة اكتساح واسعة في شبابيك التذاكر الصينية هذا الصيف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فيلم الافتتاح (ملك الأكتاف) في الحفل الذي شهده حضور كبير من السينمائيين السعوديين (المهرجان)

«أفلام السعودية»... افتتاح ينسج حكاية جديدة

من غرزة إبرة تبدأ الحكاية... هكذا استهل الفيلم الوثائقي «ملك الأكتاف» للمخرجة مرام الخالدي حفل افتتاح الدورة الثانية عشرة من مهرجان أفلام السعودية.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق المخرجة السعودية هيفاء المنصور (مهرجان أفلام السعودية)

هيفاء المنصور لـ«الشرق الأوسط»: المرأة الحقيقية بطلة أفلامي

تنسج المخرجة السعودية هيفاء المنصور رؤيتها لشخصياتها من خلال أفلامها؛ عبر قصص لنساء يحملن القوة والضعف، والانتصار والانكسار.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق محمد إمام وشيكو في أحد مشاهد فيلم «صقر وكناريا» (الشركة المنتجة)

«صقر وكناريا»... لقاء محمد إمام وشيكو في مغامرة تجمع الأكشن والكوميديا

الكوميديا التي تحتل مساحة بارزة من الأفلام المتنافسة حالياً، هي الأنسب لموسم الصيف السينمائي.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق يقدَّم الفيلم للمرة الأولى ضمن سوق مهرجان «أنسي» في فرنسا (الشركة المنتجة)

آلان سميث: الذكاء الاصطناعي يوسِّع خيال صنّاع الأفلام ولا يلغيهم

«ألعاب المملكة» يُمثّل فرصة لإظهار ما يمكن تحقيقه عندما تعمل التكنولوجيا والإبداع البشري جنباً إلى جنب.

أحمد عدلي (القاهرة )

التصوير بالأبيض والأسود يتحدى الزمن بجمالياته

«حظيرة الطائرات الحمراء» (فيلانو فيلمز)
«حظيرة الطائرات الحمراء» (فيلانو فيلمز)
TT

التصوير بالأبيض والأسود يتحدى الزمن بجمالياته

«حظيرة الطائرات الحمراء» (فيلانو فيلمز)
«حظيرة الطائرات الحمراء» (فيلانو فيلمز)

هناك جمهور كبير يبلغ تعداده بضعة ملايين حول العالم ينكبّون كل يوم على مشاهدة أفلام الأمس ذات اللونين الأبيض والأسود. وهؤلاء ليسوا فقط من المعمِّرين أو مِمَّن تجاوزوا سنّ الشباب؛ بل على العكس، فإن بين من هم دون الثلاثين من العمر عدداً كبيراً ممَّن يشاهدون أفلام الأبيض والأسود اليوم، مستمتعين بها وبقيمة فنِّ التصوير السينمائي الخالي من ألوان الحياة.

واقع مجرد من ألوانه

أن تشاهد «المواطن كاين» (Citizen Kane) لأورسن ويلز (1941)، أو «من الماضي» (Out of the Past) لجاك تورنور (1947)، أو «الساموراي» (Le Samouraï) لجان-بيير ملفيل (1967)، أو «سايكو» لألفرد هيتشكوك (1960)، ومئات سواها، يعني أنك تتواصل مع فنِّ السينما في مصادره وأشكاله الأولى، عندما كان التصوير بالأبيض والأسود خياراً فنياً قائماً بذاته ومقبولاً من ملايين رُوَّاد السينما من دون سؤال أو تساؤل.

التصوير باللونين وحدهما هو تجريد الواقع من ألوانه وإضفاء حالة فنية جديدة عليه. وتجريد الواقع هو إحالته إلى صورة تتلاءم مع العالم الخيالي الذي تدور السينما في محيطه الكبير. وقد بدا هذا التلاؤم لمئات ملايين الناس الذين كانوا يؤمُّون دور السينما في عشرينات القرن الماضي وما بعدها أمراً طبيعياً، رغم إدراكهم أن الواقع نفسه ليس كذلك. وحال خروجهم من الصالات كانوا يكتشفون مجدداً الألوان الطبيعية المنتشرة، من إشارات المرور إلى العمارات، ومن أضواء النيون وألوان الملابس والزهور إلى الإعلانات وواجهات المحال والفنادق.

من «سايكو» لألفرد هيتشكوك (يونيفرسال)

وعلى الرغم من ذلك، لم يشتكِ أحد من هذا التباين الكبير وغير «الواقعي». ولم يرفض أحد الفيلم الأبيض والأسود لأن الحياة ليست كذلك. فالفيلم، سواء أكان واقعياً في قصته، مثل «سارقو الدراجات» (Bicycle Thieves) لفيتوريو دي سيكا (1948)، أم خيالياً جامحاً مثل «تارانتولا» (Tarantula) لجاك أرنولد (1955)، يبقى حالة فنية متميزة بعدد من العناصر، في مقدّمتها اغترابه عن الواقع وألوانه المعيشة.

الاختلاف بين هذا الفن من التصوير وبين الألوان الطبيعية كبير. ومن أبرز هذه الاختلافات أن التعبير في أفلام الأبيض والأسود (الجيَّدة منها طبعاً) يوظِّف الإضاءة على نحو مختلف عن الأفلام الملوَّنة. فهناك قدر كبير من الفهم لتوظيف الضوء والتصوير في تلك الأفلام، بما يُبرز التباين بين جزءٍ وآخر من المشهد الواحد.

في فيلم بيلي وايلدر البوليسي «تأمين مزدوج»، هناك ذلك المشهد الذي نرى فيه باربرا ستانويك وفرد ماكموري ليلاً. فهي تقف تحت ضوء ساطع مرتدية رداءً أبيض، في حين يظهر هو ببذلة داكنة في جزء معتم من اللقطة. ولا شيء يُترك للصدفة مطلقاً في أي فيلم جيِّد. فهي تمثّل الضوء، وككل ضوء تبدو بالأبيض؛ لأنها الحافز إلى الجريمة، وهو القاتل المخدوع؛ ولذلك يظهر ببذلة سوداء تُناسب سوداوية الجريمة التي يُقدِم عليها.

جماليات ودلالات

في عام 1998، أعاد المخرج المستقل غَاس فان سانت صُنع فيلم ألفرد هيتشكوك «سايكو» بالألوان. واستخدم المشاهد نفسها وحسب ترتيب ورودها. وكانت النتيجة باهتة، وفي أفضل الأحوال غير ضرورية.

يستطيع المرء أن يستمتع بنسخة هيتشكوك في كل مرة يشاهد فيها هذا الفيلم، أما نسخة فان سانت فقد ماتت فنياً منذ عرضها في صالات السينما، بل منذ أسبوعها الأول.

وكمثال واحد، احتوى مشهد القتل في الحمَّام على لقطة لدماء تسيل إلى البالوعة (من دون أن نرى لقطات طعن لجسد الضحية). وفي فيلم هيتشكوك تبدو هذه الدماء سوداء اللون لأن الفيلم غير ملوَّن، لكن تأثيرها أقوى من اللقطة نفسها في فيلم فان سانت، حيث نرى الدم باللون الأحمر.

ستانويك وماكموري في «تأمين مزدوج» (باراماونت)

والسبب هو أن هيتشكوك ومدير تصويره جون ل. راسل اعتمدا على التأثير المفجع للمشهد بأكمله. وقد ساعدت طريقة تصوير المشهد والتوليف المستخدم فيه على بلورة شعور بالخوف بدلاً من الشعور بالاشمئزاز. فالدم في الأبيض والأسود يضع المشاهد في حالة سوريالية وكابوسية، أما تصوير المشهد بالألوان فأقصى ما استطاع الوصول إليه هو حالة عادية تتدرج نحو الشعور بالاشمئزاز.

ومن الأمور الثابتة أن يمنح التصوير غير الملوَّن الفيلم تركيبة ذات تعبير أعمق، شأنه في ذلك شأن مئات الأفلام المماثلة التي حققتها السينما في عقودها الأولى وحتى اليوم. وهو تعبير يمضي بعيداً في ثنايا الصورة من حيث جمالياتها وعمق دلالاتها الدرامية والنفسية.

ومن أحدث هذه الأفلام، ولن يكون آخرها، فيلم «حظيرة الطائرات الحمراء» (The Red Hangar) للمخرج التشيلي خوان بابلو سالاتو (جرى نقده في عدد 19/4/2026 من هذه الصفحة). وفي هذا الفيلم ينجح التصوير بالأبيض والأسود في التعبير ليس عن فترة ماضية فقط (مطلع السبعينات)، بل عن مجمل المشاعر التي ولَّدتها الأحداث داخل شخصية بطله، ضابط الطيران جورج (نيكولاس زاراتي): الحزن، والإحباط، والكبت، والخوف من قول الحقيقة.

وكما سبق القول، يمكن للفيلم الملوَّن أن يُوفِّر هذه المشاعر كلها، لكن الأبيض والأسود يوفِّرها بعمق أكبر ناتج من النسيج الفريد للمشاعر والمزاج العام والأجواء.

وكل ما سبق لا يعني وضع الأفلام الملوَّنة في خانة أدنى فنّاً أو تشكيلاً أو معنى. فهناك أفلام ملوَّنة عدَّة تجيد استخدام الألوان على مستوى فني رفيع. ولدينا أفلام ترنس مالك، وأفلام أندريه تاركوفسكي (أنجز أفلاماً من النوعين بجدارة لافتة)، وأفلام فرنسيس فورد كوبولا، ومارتن سكورسيزي، وديفيد لين، ومايكل أنجلو أنطونيوني، وعشرات المخرجين المبدعين. فلكلٍّ من هذين النمطين السينمائيين شروطه وعالمه الخاص ومتطلبات إنجازه المختلفة.


شاشة الناقد: جديد سبيلبرغ في قديمه

«يوم الإفصاح» (يونيفرسال)
«يوم الإفصاح» (يونيفرسال)
TT

شاشة الناقد: جديد سبيلبرغ في قديمه

«يوم الإفصاح» (يونيفرسال)
«يوم الإفصاح» (يونيفرسال)

Disclosure Day★★★

إخراج: ‪ستيفن سبيلبرغ‬

الولايات المتحدة

النوع: خيال علمي (2026)

عروض: تجارية حول العالم

سواء كانت هناك مخلوقات أخرى تعيش على كواكب قريبة أو بعيدة أم لا، فإن التأكيد على ما لم يُثبت بعد يُعدّ جنوحاً نحو تبنّي وجهة نظر في قضية لم يُحسم أمرها. فيلم ستيفن سبيلبرغ الجديد (الرابع والثلاثون)، «يوم الإفصاح»، يريد التأكيد على ما لا يزال غير مؤكد. وهذا يوجّه الفيلم نحو رسالة مختلفة عن تلك التي كان يمكن للناقد الدفاع عنها. بكلمات أخرى، لو أن كاتب السيناريو ديفيد كوب اكتفى باقتراح وجود حياة أخرى في الفضاء، لكان الفيلم أكثر قبولاً وربما أكثر متعة. ما يفرضه السيناريو هو أن الخيال حقيقة، ويطلب منا التعامل معه على هذا الأساس.

هذا أحد الفوارق المهمة بين هذا الفيلم والعديد من أفلام الخيال العلمي التي سبقته، بما فيها فيلم سبيلبرغ الآخر «لقاءات قريبة من النوع الثالث» (Close Encounters of the Third Kind). ففي ذلك الفيلم افترض وجود كائنات من عالم آخر؛ كائنات أكثر ثقافة، وأفضل علماً، وأرقى من بشر هذا الكوكب.

وإذ يستعيد سبيلبرغ فيلمه السابق (1977) هنا من زاوية وجود مخلوقات أخرى في أحد الكواكب البعيدة، فإنه يتوسع في فكرة أن الحكومة الأميركية ليست في وارد الاعتراف بوجود تلك الكائنات. وفي «يوم الإفصاح» يحتل هذا الموضوع مساحة واسعة.

هناك حكايتان متوازيتان في فيلمه الجديد. الأولى بطلها دانيال كلنر (جوش أوكونور)، الذي يكتشف أن الحكومة الأميركية، ممثلة بمنظمة تُدعى «ووردكس»، تخفي عن الأميركيين (والعالم أجمع) ما تعرف أنه موجود بالفعل. فالمخلوقات موجودة، وهذا ما يؤكده سبيلبرغ في بعض أحاديثه الأخيرة. وحين يكتشف دانيال هذه الحقيقة يقرر نشر الوثائق التي تؤكد وجود تلك الكائنات الساعية إلى التواصل مع سكان الأرض، مما يجعله عدواً لـ«ووردكس» التي تطلق رجالها لملاحقته، وقتله.

أما الحكاية الثانية، فتخص مقدمة النشرة الجوية مارغريت (إميلي بلنت)، التي تمتلك خصائص غير بشرية مخفية، ومنسية، إلى أن تفاجئ المشاهدين بتلعثمها أثناء تقديم تقريرها، فتبدأ في نطق كلمات غير مفهومة قبل أن تسقط أرضاً. وهذا تمهيد لما سيحدث معها لاحقاً. إذ سنجدها قادرة على قراءة ما يدور في أذهان الناس، واستباق ما سيقع بعد لحظات.

هناك علاقة غامضة بين دانيال ومارغريت لا يريد الفيلم كشفها إلا لاحقاً، بعد أن تدرك مارغريت أن دانيال هو محور ما سيقع إذا لم تسعفه بمعرفتها. يمر وقت طويل قبل أن يتم اللقاء بينهما، وعندها يبرز السؤال: ما السبب في تأجيل الإفصاح عن أسرار «يوم الإفصاح»؟

تلعب هذه العلاقة دوراً في إثارة بعض الغموض، لكن قدرة الفيلم على التواصل مع مشاهديه تبقى رهناً بالتنفيذ، لا بالطروحات الخلفية، ولا حتى بمستوى الألغاز الموزعة بين الأحداث. ويزيد الأمر سوءاً أن الفيلم يمضي في تأكيده أن ما يسرده لنا حقيقي، وليس خيالياً، وبذلك ينتزع منا حق اتخاذ الموقف المناسب، أو هكذا يأمل.

MOONGLOW ★★★

إخراج: إيزابيل ساندوفال الفلبين

النوع: تشويق جنائي (2026)

عروض: مهرجان روتردام

كل شيء في مكانه الصحيح لتقديم فيلم جاد متعدد الأهداف، والأبعاد، لولا التكلّف الشديد في الأجواء، ما يجعل علاقة الفيلم بمشاهديه مبنية على المظهر أكثر من اعتمادها على تفعيل عنصر التشويق، وهو أحد المقاصد الأساسية للمخرجة الفلبينية ساندوفال.

الفيلم نوار (film noir) معاصر، قريب الشبه أسلوبياً بأفلام السبعينات، والثمانينات، مثل Klute لآلان ج. باكولا، وChinatown لرومان بولانسكي، مع ملامح من فيلم In the Mood for Love لوونغ كار-واي، الذي لم يكن أقل اعتماداً على العتمة، والألوان الداكنة، والأجواء المشغولة بصرياً.

«وهج قمر» (مهرجان روتردام)

تدور الأحداث في مدينة مانيلا عام 1979، في أيام الديكتاتور فرديناند ماركوس. الفساد يعم كل شيء، وبطلته داليا (ساندوفال نفسها) محققة في الشرطة تقدم على سرقة كبيرة، وتخفيها. غايتها بناء ملجأ سكني لمن تضرروا من حريق كبير اندلع بتوجيهات حكومية. رئيسها برنال (دينيس ماراسيغان) يطلب منها التحقيق في السرقة من دون أن يعلم أنها هي من ارتكبتها.

الملاذ الوحيد أمام داليا هو إقناع شقيقتها المتدينة بإخفاء المال المسروق، وبذلك تُشركها في الجريمة. تنجح المخرجة في توظيف هذه الأزمة لإدانة المجتمع القائم، كما تلجأ إلى تفعيل مقارنة بين ما قبل عهد ماركوس وما بعده، وتلعب على النبرات في هذا السياق، إذ يتحول الحوار في ظل حكم ماركوس إلى همس تلقائي.

غير أن الفيلم يسقط أحياناً في منهج إعلامي، ويتعثر سردياً في انتقالات غير موفقة بين الأحداث.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


مهرجان «فينيسيا» يؤسس لاستقطاب أفلام كبيرة

براد بت (يساراً) في «مغامرات كليف بوث» (بلان ب)
براد بت (يساراً) في «مغامرات كليف بوث» (بلان ب)
TT

مهرجان «فينيسيا» يؤسس لاستقطاب أفلام كبيرة

براد بت (يساراً) في «مغامرات كليف بوث» (بلان ب)
براد بت (يساراً) في «مغامرات كليف بوث» (بلان ب)

قد يبدو المشهد بالنسبة إلى مهرجانات السينما برَّاقاً. فما أجمل أن يكون هناك مهرجان كبير في كل دولة حول العالم، وأن يوجد أكثر من مهرجان يماثل «كان» و«برلين» و«فينيسيا» حجماً وأهمية. لكن ذلك مستحيل، ولسببين على الأقل: أولاً، لا تستطيع كل دولة إقامة مهرجان تقترب ميزانيته من ميزانيات تلك المهرجانات الكبرى. وثانياً، لا يوجد عدد كافٍ من الأفلام الكبيرة القادرة على تغذية جميع المهرجانات.

لذلك تتجه المهرجانات الأخرى المعروفة، مثل «روتردام»، و«سراييفو»، و«لندن»، و«كارلوفي فاري»، و«ثيسالونيكي»، و«لوكارنو» وغيرها، إلى التخصص في نوع معين من الأفلام أو في برامج محددة، أو إلى قبول أفلام أقل حظوة بالأضواء والحملات الدعائية المسبقة. يُضاف إلى ذلك أن استضافة الفنانين الكبار لمواكبة عروض أفلامهم تمثل تكلفة إضافية لا تستطيع بعض هذه المهرجانات تحمُّلها.

روني وكايت مارا في «باكينغ فاستارد» (هان واي فيلمز)

حظ أفضل

ليست المهرجانات الثلاثة الأكبر في العالم خالية من المشكلات، لكنها مشكلات مختلفة، يتقدمها التنافس على استقطاب الأفلام الجديدة للمخرجين الأكثر أهمية عالمياً. فمهرجانات «كان»، و«فينيسيا»، و«برلين» تتابع طوال العام أخبار المخرجين: من سيبدأ التصوير قريباً؟ ومن بدأه فعلاً؟ وهل سيكون الفيلم جاهزاً للمشاركة في المهرجان؟ وماذا عن هوليوود التي قلّلت خلال العامين الأخيرين من أهمية مهرجاني «كان» و«برلين» بالنسبة إليها؟ وهل سيقرر مخرج ما التوجه بفيلمه إلى مهرجان منافس؟

ثم ماذا عن الأزمات السياسية القائمة حول العالم، التي دفعت مهرجان «برلين» إلى تغيير إدارته قبل 3 سنوات، ثم هددت إدارته الجديدة بالتعرض للضغوط نفسها هذا العام؟

كل ذلك في وقت يقترب فيه موعد إطلاق الدورة المقبلة من مهرجان «فينيسيا» (الدورة 84) تحت إدارة ألبرتو باربيرا الذكية.

ومن حسن حظ هذا المهرجان الإيطالي أنه يأتي في مستهل موسم الجوائز السنوية. فالأفلام المشاركة فيه، سواء كانت أوروبية أو آسيوية أو أميركية، تحظى بفرصة أفضل للانتقال من «فينيسيا» إلى منصات الجوائز الكبرى، وتحديداً «الأوسكار» و«الغولدن غلوب».

لكن «فينيسيا» ليس وحيداً في هذا المجال؛ فهناك أيضاً منافسه الأول «كان». غير أن ما يمنح المهرجان الإيطالي أفضلية إضافية هو توقيته، إذ يُقام في الفترة التي يبلغ فيها السعي إلى دخول السباقات الأميركية ذروته، أي خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من كل عام.

في العام الماضي انتقلت 3 أفلام رئيسية من جزيرة الليدو، حيث يقام المهرجان، إلى سباق الأوسكار، هي: «صوت هند رجب» و«فرنكستاين» و«بوغونيا». وفي عام 2024 تسللت أفلام «جوكر 2» و«ما زلت هنا» و«ذا بروتاليست» إلى السباق نفسه. وقد تكرر هذا النمط خلال السنوات الخمس السابقة أيضاً، بما يؤكد أهمية المهرجان، ليس بالنسبة إلى الجوائز الأميركية فحسب، بل لصنّاع الأفلام أساساً.

سام روكويل (اليمين) وجون مالكوفيتش في «وايلد هورس 9» (بلو برنت بيكتشرز)

استكمال لما سبق

لن يختلف الأمر كثيراً هذا العام، خصوصاً إذا نجح باربيرا في استقطاب الأفلام الكبيرة التي تلوح في الأفق، ومن بينها أفلام جديدة لديفيد فينشر وفيرنر هرتزوغ وناني موريتي وتوم فورد.

وكان فورد قد عرض فيلمه السابق «رجل أعزب» (A Single Man) في دورة عام 2009، لينطلق منه إلى ترشيحات 58 مؤسسة سينمائية ونقدية حول العالم، من بينها الأوسكار. أما فيلمه الجديد «صرخة إلى السماء» (Cry to Heaven)، فيختلف عن سابقه بكونه دراما تاريخية تدور حول مغني الأوبرا غويدو مافيو.

ومن بين الأفلام المنتظر عرضها في «فينيسيا» هذا العام فيلمان يمكن اعتبارهما امتداداً لفيلمين سابقين. أولهما «مغامرات كليف بوث» (The Adventures of Cliff Booth) لديفيد فينشر، وهو تكملة لفيلم «حدث ذات مرة في هوليوود» الذي أنجزه كوينتن تارانتينو عام 2019، وعُرض للمرة الأولى في مهرجان «كان». ويقود بطولة الفيلم الجديد براد بيت، فيما تتولى شركته «بلان بي» إنتاجه.

أما الفيلم الثاني فهو «حسابات مجتمعية» (Social Reckoning) لآرون سوركين. والطريف في الأمر أن هذا العمل يُعد استكمالاً لفيلم «الشبكة الاجتماعية» (The Social Network) الذي أخرجه ديفيد فينشر عام 2010.

«فينيسيا» بوابة مهمة نحو «الأوسكار» و«الغولدن غلوب»

خسارة وربح

هناك أفلام أخرى مهمة مرشحة لغزو المهرجان الإيطالي، من بينها «باكينغ فاستارد» (Bucking Fastard) لفيرنر هرتزوغ، وهو فيلم روائي غريب عن شقيقتين (روني مارا وكايت مارا) تحفران نفقاً عبر جبل للوصول إلى الجهة الأخرى منه، اعتقاداً منهما بأن هناك أرضاً جديدة يسود فيها الحب الحقيقي.

وكان هذا الفيلم في متناول مهرجان «كان»، لولا أن المخرج الألماني قرر سحبه بعدما اقترح عليه المدير الفني للمهرجان، تييري فريمو، عرضه خارج المسابقة الرسمية. رفض هرتزوغ الاقتراح، وما خسره «كان» تحوَّل إلى مكسب لـ«فينيسيا».

وفوز آخر لـ«فينيسيا» على «كان» يتمثل في فيلم المخرج الإيطالي ناني موريتي الجديد «قلب جائع» (Hungry Heart). فبعد أن عرض موريتي أفلامه التسعة الأخيرة في «كان»، آثر هذه المرة تخصيص فيلمه الجديد للمنافسة في المهرجان الإيطالي.

ومن بين الأفلام الأخرى التي يبدو أنها ستُعرض في الدورة المقبلة، التي تُقام بين 2 سبتمبر (أيلول) و12 منه، فيلم «وايلد هورس 9» (Wild Horse 9) لمارتن ماكدونا، وهو فيلم تشويق أميركي يشارك في بطولته جون مالكوفيتش وتوم وايت وسام روكويل.

كذلك يُنتظر عرض فيلم «هنا يأتي الطوفان» (Here Comes the Flood) للإسباني فرناندو ميريليس، من بطولة روبرت باتينسون ودنزل واشنطن، وهو فيلم يدور حول خطة معقدة لسرقة مصرف.

وتبدو هذه الأفلام مرشحة بقوة منذ الآن، علماً بأن المهرجان سيعلن برنامجه الرسمي في 23 من الشهر المقبل.