أنسي الحاج... الصمت الناطق

«نفسي ليست صحراء»... عودة إلى زمن الحداثة الشعرية

أنسي الحاج
أنسي الحاج
TT

أنسي الحاج... الصمت الناطق

أنسي الحاج
أنسي الحاج

غادرنا أنسي الحاج قبل عقد ونيف، ولا يزال مريدوه ومحبوه يكتبون عنه ويقيمون له الاحتفاليات ويعيدون قراءة شعره ومساره وتأثيره على الحركة الشعرية. والكتاب الذي أصدره الشاعر إسكندر حبش عن «دار نلسن» بعنوان «نفسي ليست صحراء» يأتي في هذا السياق الاستعادي لشاعر «لن». فهو يتضمن مقابلتين طويلتين، كان قد أجراهما حبش مع أنسي الحاج، ونُشرتا في جريدة «السفير» التي توقفت عن الصدور، وأصبحت من الماضي، كما أنه يُلقي الضوء على بعض المعلومات الخاصة عن الشاعر، وطريقة تعاطيه مع المقابلات الصحافية. وفي الكتاب مقالتان، إحداهما عن أعمال أنسي الحاج، بعد أن أعادت «دار الجديد»، نشر كلّ كتبه التي سبقت «الوليمة»، وأخرى عن اللقاء الذي نظمته «دار نلسن» واجتمع له من تبقى من شعراء مجلة «شعر» حينها. وفي الختام «التحية» الوداعية، التي نشرها حبش غداة رحيل الشاعر.

غلاف الكتاب

مقابلتان ومقالتان

الحواران نُشرا في الكتاب، كما في «السفير»، ولم يخضعا لأي تعديلات، رغم أن التسجيل الصوتي لا يزال موجوداً. حبش أراد أن يبقى أميناً لرغبة أنسي الحاج، الذي حرص كعاداته في كل مقابلاته، على أن يقرأ النص قبل نشره، فيحذف ويضيف ويغيِّر وقد يختصر. ورغم أن حبش راودته نفسه أن يعود إلى تسجيلاته وينقذ ما حُذف منها فإنه يقول: خلصت إلى «أنني لن أتصرف إلا وفق رغبته (التي وافقت عليها مسبقاً قبل إجراء الحوارين)، من حيث نشر ما أراد هو أن يقوله، ومن حيث إيصال ما كان يرغب في إيصاله فقط».

يشرح الكاتب في مقدمته ظروف تعارفه بأنسى الحاج، وأن لقاءات عدة جمعت بينهما، وفي جعبته كثير مما يمكن أن يكتبه عن شخص الشاعر وما عرفه عنه، إلا أنه يترك البوح بما يعرف، ربما لمرات أخرى.

الصمت عن الشعر

قبل الحرب الأهلية (1975) كان أنسي الحاج كاتباً مُكْثراً؛ يكتب مقالاً أسبوعياً، ونشر خمس مجموعات، في فترة زمنية قصيرة نسبياً، لكنه دخل بعد ذلك في صمت طويل، استمر 17 عاماً، وانتهى بإصدار «خواتم» عام 1991، ليشكل «حدثاً استثنائياً». والفضل في هذه العودة التي لقيت احتفاء في الوسط الثقافي، يرجع إلى رياض الريس الذي أقنع أنسي بالكتابة في مجلته «الناقد». وما «خواتم» إلا حصيلة ما كتبه أنسي خلال هذه الفترة.

كان صمتاً عن النشر إذن، أكثر مما هو غياب عن الكتابة، علّله الشاعر بالحرب الأهلية التي طرحت عليه سؤالاً كبيراً حول جدوى الكتابة، في ظلّ القتل والدمار اللذين كانا يلفّان لبنان.

منذ عام 1975 لم يجمع أنسي الحاج قصائده في كتاب. صمتٌ عن الشعر، لكنه لم يكن متوقفاً عن الكتابة. «الشاعر كان لا يزال شاعراً، والعبارة لم تختلف عن العبارة بكل ما تحمله من حقد وحب، وقساوة وحنوٍّ، وصراخ وسكينة. عبارة مُشرّعة على انفجارات داخلية، يعرف الشاعر متى يدعها تَنعَم بالغفران».

من لقاءات مجلة شعر

صدمة الحرب

يشرح الشاعر: «لم أسكت لأنني ضائع، بل لأنني اضطُررت إلى إلهاء نفسي باختراعات كثيرة لأغيبَ عن وعي هذه الحالة التي كنت فيها. كان هناك موت. كان هناك استمرار للصَّلْب ما قبل الموت. لو كان موتاً لارتحت. كنت ميتاً وفي الوقت نفسه لم أرتح».

شكَّلت الحرب صدمةً كبرى للشاعر الصاعد كالسهم، يرى أنها دمَّرت أوهامه وأحلامه «لأن الحرب عكس الحلم». ثم كيف لا يتغير وتتبدل كتابته والحروب أظهرت أن الأحداث هي عملية تزوير ضخمة؟ لا يريد المشاركة فيها، لأنها كذبة كبيرة. «حرب الخليج؛ ألم تكن كذبة عالمية لضرب العراق والكويت معاً؟ ليس لي أمام هذا التاريخ إلا وقفة احتقار».

وهو ما يفسّر، ربما، أن نصوص «خواتم» جاءت مختلفة عن سابقاتها. فبعد الشعر الذي كتبه أنسي في المرحلة الأولى، جاءت المقالة الصحافية، ثم في مرحلة ثالثة، حسب حبش، كان هذا النمط الكتابي الذي رافقه حتى النهاية.

«خواتم» التفكير في الوجود

ويصف حبش هذه الكتابة بأنها عبارة عن «شذرات تملك في قوة اختصارها طاقةً واسعةً، لا على الحلم فقط بل على قول الذي لا يُقال؛ كأن كلّ جملة فيها تأتي من اختصارات كتب شتى، من تجارب متراكمة، لتصل مباشرةً إلى غاية القول». هكذا يبدو أن كلّ ما كتبه أنسي الحاج، في «خواتم»، «كان هدفه إعادة التفكير في هذا الوجود - الحياة، ليعيد صوغه وفق رؤى، تراكَم فيها العمر، والخبرة والتجربة الطويلة».

هذا يشرحه أنسي نفسه معتبراً أنه لا يقوم بمحاولة كتابية جديدة في الشكل فقط: «إن دوافعي النفسية هي التي تُملي عليَّ تغيير نمط حياتي... أحبّ أن أجدد نفسي دائماً، وليس ذلك في سبيل القارئ، وإنما من أجل ذاتي، لأنني أملّ الأشياء التي كتبتها».

أين ذهبت الكتابة المجنونة؟

لكنه لم يكن سعيداً بهذا النمط الثالث الذي يتحدث عنه حبش، ويرى أن أسلوبه تغير كثيراً ولم تعد لديه الحماسة بنفس زخمها. يستذكر الكتابات الأولى بشيء من الحزن: «كانت كتابتي مجنونة، والآن لم تعد كذلك. كتاباتي الآن فيها كثير من الألم. مليئة بالجرح والخوف الشديد. خوفي من الوجود. كنا نقف على ألغام الحياة ولم نكن نعرف ذلك... حين أكتب اليوم، أعمل جاهداً حتى أستعيد تلك اللحظات التي كنت فيها قبلاً...».

لافتٌ أيضاً أن يُنكر كل ما قيل عنه من أنه شاعر «متمرد»، «مارق»، حين روَّج لقصيدة النثر: «لمّا كتبت قصيدة النثر، لم يكن همي التمرد أو التغيير، كنت أرغب في أن أكون أميناً لنفسي لا أكثر ولا أقل، بدليل أنه حين اقتضت نفسي السكوت سكتُّ ولم أكتب. فالصمت ليس لديه أي صورة كتابية». لا، بل ينفي أنه كان يلاحق التيارات الكتابية في العالم، أو يتأثر بها كما كتب تكراراً. أكثر من ذلك، في اعتراف جريء للغاية، يبوح بأنه قرأ كثيراً في فترة الصمت صحيح. لكن «أعترف... لم أقرأ، في الماضي، إلا القليل جداً من الشعر الذي كنا نتحدث عنه كل الوقت ونتجاذب أطراف النقاش والتخاصم حوله مع النقاد والشعراء». عمَّ كان يدور النقاش إذن؟ وهل روادنا كانوا يتحدثون عمّا لا يعلمون؟

الأب الشرعي الوحيد

وحين يُسأل إن كان يعجبه أن يُدعى «الأب الشرعي الوحيد» لقصيدة النثر، منذ ظهور ديوان «لن»، يجيب بأنه لا يعتقد أن ما يُنسَب إليه صحيح، ومع ذلك «شيء واحد يعجبني... هو أنه تبنٍّ لكائن لم يكن ولم يصبح وأرجو ألا يصير، كائن (شرعي) في معنى الارتباط بمؤسسة الواقع والانتماء إلى عالم المصنفات المحنطة». وذلك لأنه يريد هذه القصيدة كائناً متمرداً، «يستمد وجوده من محض الشّعر، من محض التجربة، بلا مرجع غير ذاته وذات قارئه - الذات المتواجهة مع شياطينها».

عام 1993، أي بعد عامين من الحوار الأول، يصدر «الوليمة» الذي هو عودة إلى الشعر وينابيعه. «هو هنا، يعود إلى العين، إلى الأحلام، إلى الوعي، إلى اللاوعي، أي يعود إلى كل ما شكَّل غاباته وكهوفه»، فيما «خواتم» كان نصوصاً تقترب من الشعر، وتلامس الحكمة والتأمل.

شاعر غير محترف

بهذه المناسبة يطلب حبش من أنسي لقاءً صحافياً ثانياً، فيسارع إلى الموافقة. وكان قد عاد وقتها إلى العمل في جريدة «النهار»، لا لقناعة في نفسه بل لأنه لا يجيد فعل أي عمل آخر، كما كان يقول.

يحاول أنسي أن يشرح أنه ليس محترف كتابة شعر، بدليل أن مسافة زمنية كانت تفصل بين المجموعة والمجموعة، كما بين القصيدة والقصيدة. وها هو يعود من جديد: «حتى لا أظل أسمع سؤال: لماذا توقفت عن الكتابة؟ ولكن الآن، إذا ظل يلاحقني سؤال: لماذا عُدْتَ إلى الكتابة؟ فقد يكون الحل هو التوقف مجدداً».

وإذا كان أنسي يبدو كأنه يحب فك ارتباطه بكل ما حوله ولا يُبدي حماسة للدفاع عن شيء، فهو يدافع عن الشّعر العربي الحديث، ويرى أنه «هو الذي خلق اللغة التي يحاول بها إنسان العالم العربي اليوم أن يخرج من القبور ويدخل في صميم الحياة».

وهي لغة تصلح للوصول إلى الذات، وليست بالضرورة لإرضاء الآخر: «ما أكتبه، أكتبه ليُرضيني أولاً وأخيراً. وإذا أرضاني، فلماذا لا يُرضي سواي؟ أقصد قارئاً يشبهني، أو يكرهني، أو يحبني أكثر مما أحبه. في شِعري لا يعنيني قارئ الجريدة، ولا الأديب (العمومي)، ولا مثقف (الاختصاص)».

وهو إذ يبدو متبرماً، إلا أنه يرفض اليأس، يقول: «نفسي ليست صحراء... والأمل يومض ما دمت قادراً على الألم وعلى الحب».

حواران نُشرا في الكتاب، كما في «السفير»، لم يخضعا لأي تعديلات، رغم أن التسجيل الصوتي لا يزال موجوداً

بوح حول مجلة «شعر»

في الجزء المخصص للقاء مجلة «شعر»، يوم اجتمع مَن تبقى من شعرائها في بيروت، بمناسبة إعادة إصدار العدد الأول، نجد كل منهم يغمز من قناة الآخر. وهو ما لا يشبه في شيء الصورة الرومانسية التي تشكلت حول هؤلاء الرواد، ومجلة «شعر» تحديداً. أدونيس يقول: «أشك في أن يكون أحدنا كان يحب الآخر». أما أنسي الحاج فيقيم مراجعة صادمة: «لم يكن عندي الدور الكبير في المجلة، وأنا نادم على الجانب الذي ساهمت فيه. لذلك أشعر اليوم بفرح المغلوب على أمره، هو فرح كاذب... ربما سيأتي وقت يتخطانا فيه الجميع. هذا إن لم يكن قد تم تخطّينا». رياض الريس ليس أقل صراحةً، إذ يرى أنه كان «كومبارساً في المجلة، وسط حفنة من الشعراء، كانوا يجلسون في البلكون، أما أنا فكنت أجلس في الصالة». معترفاً بأن ما ربطه بالمجلة هو يوسف الخال.

يوسف الخال هو جامع الشمل، كما قال فؤاد رفقة، معلناً في خبر غير منتظر، أن قبره لم يعد موجوداً. أما أدونيس فقد وجد أن شخصية يوسف الخال «كانت شخصية مختلفاً عليها شعرياً فيما بيننا، وهو لم يكن رائياً شعرياً متميزاً فحسب بل كان رائياً ثقافياً أيضاً». أما شوقي أبي شقرا الذي كان يعد نفسه سبق الجميع إلى كتابة قصيدة النثر، فقد استعاد في كلمته روح مجلة «شعر» التي كانت تجد امتدادها مع روح العصر وروح يوسف الخال. هؤلاء الشعراء في غالبيتهم رحلوا، لكنهم في ذاك اللقاء يبدو أنهم نعوا مجلتهم، كأنهم يتبرأون منها.

كتاب جديد عن أنسي الحاج، يرمي حجراً في مياه الحداثة الشعرية وركودها الذي طال.


مقالات ذات صلة

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر
كتب النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

عن دار «العربي» بالقاهرة، صدر كتاب «النيل – نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت الذي يرصد فيه حضور النهر في الفكر الأوروبي عبر حقب زمنية

رشا أحمد (القاهرة)
كتب عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

«ياسر عرفات/ وجهات نظر إسرائيلية» كتاب جديد لماجد كيالي، من إصدار «دار كنعان»، دمشق (2026). يتحدث الكتاب عن مكانة الزعيم الفلسطيني الراحل.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون «قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

روي بلانت جونيور
روي بلانت جونيور
TT

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

روي بلانت جونيور
روي بلانت جونيور

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load»، الذي أرّخ فيه لمسيرة فريق «بيتسبرغ ستيلرز» عام 1973. كتب بلانت حينها واصفاً الصخب العارم: «يا له من أمر عظيم ذلك الذي تمنحنا إياه كرة القدم؛ إنها تتيح لنا في لحظات نادرة أن نتحرر من كل قيد وننغمس في فوضى صاخبة ومبهجة».

غير أن تشاك كلوسترمان يجادل في كتابه الجديد الذي يحمل عنوان «كرة القدم»، بأن هذا الصخب والهرج سيبلغان المنتهى في وقت أقرب مما نتصور، ربما في غضون أربعة أو خمسة عقود؛ فكرة القدم، في نظره، محكوم عليها بالفناء.

يرى المؤلف أن هذه الرياضة دخلت بالفعل في «دوار الموت» (وهو تعبير قد يشبه في قوته تمريرة لـ«جوش ألين» بسرعة 62 ميلاً في الساعة). ويشبه كلوسترمان كرة القدم بسباقات الخيول؛ تلك الرياضة التي هيمنت يوماً على الخيال الجمعي للأمة قبل أن تتحول إلى نشاط هامشي غريب ومهجور.

إنني أستمتع بالقراءة لكلوسترمان؛ فهو يمتلك روح الفيلسوف الذي يحلل الأمور بعمق، وهو في القضايا الشعبية «المفكر الذي يبارز كبار المفكرين» تأملاً. وثمة ملحوظتان سريعتان لا بد من ذكرهما بشأن كتابه «كرة القدم»؛ وهو الكتاب الذي استمتعت به رغم إسهابه في التفاصيل الدقيقة، على الأقل بالنسبة لمشجع عابر ومشتت الذهن مثلي.

الملحوظة الأولى هي أن إطلاق تنبؤات جنونية بعيدة المدى ليس بالأمر الشجاع تماماً، فكما قال جون ماينارد كينز ذات مرة: «على المدى الطويل، سنكون جميعاً في عداد الموتى». وكلوسترمان يدرك ذلك جيداً، إذ يكتب: «الأحياء ليسوا جمهوري المستهدف»، وكأنه يتقمص روح الروائية آن رايس (بنزعتها الجنائزية) بدلاً من روح غرانتلاند رايس (المحلل الرياضي الشهير).

أما الملحوظة الثانية، فهي أن حجته هذه لا تشغل سوى حيز متواضع من الكتاب، وتحديداً في بدايته ونهايته؛ فمادة «فناء كرة القدم» تشبه طبق «البانكيك» الذي يُقدم كطبق جانبي لطبق «بط بكين» الرئيسي؛ إذ إن المحتوى الأكثر دسامة يكمن في التفاصيل المطوية بالداخل.

يجادل كلوسترمان مثلاً بكلمات قد تمزق قلوب البعض بأن كرة القدم هي «النموذج الأكثر نجاحاً ووضوحاً للاشتراكية الأميركية»، وذلك بسبب الطريقة التي تُوزع بها عائدات البث التلفزيوني بالتساوي بين الفرق الاثنين والثلاثين (بينما قد يصفها آخرون بأنها مجرد تكتل احتكاري تجاري آخر).

كما يستفيض كلوسترمان في شرح الأسباب التي تجعل جيم ثورب يتربع على عرش أعظم لاعبي هذه الرياضة، ولماذا تبدو كرة القدم الكندية مثيرة للسخرية، ولماذا لم يقتنع الكثيرون بصورة حاكم ولاية داكوتا الشمالية، تيم والز، كمدرب لكرة القدم، رغم أنه كان كذلك بالفعل، ورغم إصرار كامالا هاريس على مناداته بلقب «المدرب». ويكتب كلوسترمان، الذي نشأ في ولاية «حمراء» (محافظة) هي داكوتا الشمالية:

«لم يبدُ والز مدرباً لكرة القدم إلا في عيون الناخبين الذين لا تربطهم صلة مسبقة بهذه الرياضة؛ فقد جسدت صورته المفهوم الليبرالي لـ(الرجولة غير السامة)، فكان بمثابة نسخة عكسية من مارغريت ثاتشر».

يتناول كلوسترمان وضع فريق «دالاس كاوبويز» بوصفه «فريق أميركا» قائلاً: «الكل يقبل هذه التسمية، لكن لا أحد يؤمن بها حقاً»، ويحلل سر براعة نيك نولتي في فيلم «نورث دالاس فورتي»، مشيراً إلى أن «كل ما كان عليه فعله هو تجسيد دور الشخص الضجر الذي يعاني من آثار الثمالة، وهما أقوى نقاط قوته كأداء تمثيلي».

ثم يغوص بعمق في عوالم «دوري الفانتازيا»، وألعاب الفيديو مثل «مادن إن إف إل»، لا سيما المراهنات، مسلطاً الضوء على ذلك «الشر الانتشائي» الكامن في تمني الفوز ببعض الرهانات ضد «فارق النقاط». ويكتب أن مباريات كرة القدم الحقيقية قد تكون مملة، لكن النسخة التي تدور في رؤوس المراهنين نادراً ما تكون كذلك: «ركلة ميدانية محجوبة واحدة كفيلة بنقل ملايين الدولارات غير المرئية، وربما تكون سبباً في انهيار زواج أحدهم». ويرى أن واضعي خطوط المراهنات في لاس فيغاس هم من بين أكثر الأشخاص كفاءة في العالم.

ويساور كلوسترمان الشك في أن فضيحة مراهنات كبرى، قد تصل لدرجة التسبب في «زوال» هذه الرياضة، ستلوح في الأفق يوماً ما، لكنه يعتقد أن المراهنة تُثري اللعبة، «على الأقل من الناحية الحوارية»؛ إذ يكتب: «الاستماع لشخص يتحدث عن فريقه في (الفانتازيا) يشبه الاستماع لشخص يتحدث عن حديقة منزله، أما الاستماع للشخص نفسه وهو يروي إخفاقاته في المراهنات، فهو أمر مثير للاهتمام إلى أبعد الحدود».

كما يخوض في نقاش حول العلاقة بين كرة القدم والعِرق، وهو نقاش لافت للنظر، جزئياً، لأنه يتناول الموضوع من زوايا غير معتادة، واضعاً تساؤلات من شاكلة:

ماذا يعني غياب اللاعبين السود تقريباً عن مركز «الهداف»؟ هل هذا دليل على التحيز، أم هو تقليل من شأن هذا المركز؟ وهل حقيقة ندرة اللاعبين البيض في مركز «الظهير الركني» تشير إلى أن هذا المركز هو الأكثر تطلباً من الناحية البدنية في خط الدفاع الخلفي، بما أن اللاعبين البيض غالباً ما يتألقون في مركزي «الظهير القوي» و«الظهير الحر»؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يتجاوز متوسط راتب لاعب «الظهير» متوسط راتب «الظهير الركني»؟

ينثر كلوسترمان في طريقه الحِكَم والعبارات الموجزة وكأنها زجاجات مشروبات فارغة يلقيها وهو يركض؛ فيقول: «لا شيء أكثر زيفاً من التواضع الزائف»، و«عالم الرياضة علماني بقدر علمانية إيران»، و«لا يمكنك هزيمة جدار من الطوب في التنس»، وأخيراً «الحياة غير عادلة، لكنها أحياناً تكون غير منصفة لصالحك».

يذكرني كلوسترمان بنسخة عصرية من أولئك الشباب الثرثارين في فيلم باري ليفينسون الرائع «داينر»، وهم يتساجلون حول الأسطوانات الموسيقية وفريق «بالتيمور كولتس» بحماس محموم وكأن سمعة أمهاتهم تتوقف على نتيجة الجدال. كما يذكرني بالصحافي والمعلق الساخر «درو ماغاري»، مع فارق أن كلوسترمان يتسم بالبرود بينما يتوقد ماغاري حماساً؛ وكم وددت رؤيتهما - كجهاز ترطيب وجهاز تجفيف - وهما يتصارعان في قبو رطب واحد.

يجادل كلوسترمان بأن كرة القدم هي «عضو» لا يتجزأ من جسد المجتمع، سيُبتر في نهاية المطاف. ويكتب: «اللعبة لن تختفي تماماً، تماماً كما لا يزال بإمكانك سماع موسيقى الجاز على إذاعة (إن بي آر)، أو تدخين سجائر (لاكي سترايك) القديمة داخل الكازينوهات»؛ لكن المقدر لها هو الخروج من تلك المكانة المركزية التي تحتلها في الحياة الأميركية.

الأسباب وراء ذلك عديدة، لكنني سوف أوجزها في سببين؛ الأول مباشر وبسيط: يرى كلوسترمان أن المعلنين سيعودون إلى رشدهم ويدركون أن إنفاق مبالغ طائلة «مقابل 30 ثانية من العرض (الذي يتم تجاهله غالباً) هو استثمار سيئ».

أما السبب الثاني فيتطلب توضيحاً أعمق، وخلاصته هي أن سباقات الخيول انحسرت من المخيلة الأميركية لأن الناس فقدوا صلتهم اليومية الوثيقة بالخيول. وشيء مماثل سيحدث لكرة القدم؛ فنحن نفقد بالفعل صلتنا الفطرية بها.

يعود هذا التراجع جزئياً إلى أن أعداداً أقل من الأمهات - حتى في الولايات المهووسة بهذه الرياضة - سيرغبن في ممارسة أبنائهن للعبة، وذلك بدافع الخوف من إصابات الرأس (الارتجاجات). وعليه، فإن معظم الشباب لن يعرفوا هذه الرياضة إلا من خلال شاشات التلفاز وألعاب الفيديو، لتصبح بذلك منفصلة تماماً عن التجربة الحياتية المُعاشة.

كما يلقي المؤلف باللوم على «الرابطة الوطنية للرياضة الجامعية» (NCAA) بسبب سلسلة من القرارات الخاطئة؛ من بينها إنهاء الاتحادات التقليدية، وإتاحة «بوابة الانتقالات» التي تسمح للاعبين بجني أموال طائلة، مما جعل اللعبة الجامعية تشبه إلى حد بعيد نظيرتها الاحترافية. إن كرة القدم الجامعية - كحال الكثير من تفاصيل الحياة الأميركية - تفقد ذلك الطابع المحلّي الشعبي الغريب الذي كان يمنحها نكهتها الخاصة؛ ومن ثمّ، فإن الارتباط الوجداني بها محكوم عليه بالانحسار لا محالة.

للمفكر إتش إل مينكين فكرة طريفة لإنقاذ الموقف: إذ يرى أن المباريات الجامعية ستكون أكثر إثارة إذا لعب أعضاء هيئة التدريس بدلاً من الطلاب، وستكون أفضل بكثير لو لعب أعضاء مجلس الأمناء بأنفسهم!

يمتاز كلوسترمان بقدرة فائقة على صياغة أفكاره بنبرة تنبؤية واثقة، إلا أن أجمل ما في كتاباته هو مراقبته لنفسه وهو يضع أفكاره تلك في قفص الاتهام؛ فهو القاضي وهيئة المحلفين، وهو الشهود والحاجب، وهو المدعي العام ومحامي الدفاع، كلٌ في آن واحد.

وكما كتب في مؤلف آخر له: «إن أفضل فرضية هي تلك التي تقبل بشكل تلقائي احتمالية كونها خاطئة منذ البداية».

*خدمة: «نيويورك تايمز»


النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن
TT

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

عن دار «العربي» بالقاهرة، صدر كتاب «النيل – نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت الذي يرصد فيه حضور النهر في الفكر الأوروبي عبر حقب زمنية مختلفة وبأسلوب يجمع بين التحليل الدقيق أكاديمياً والأسلوب الأدبي. يقع الكتاب في 544 صفحة من القطع الكبير وقامت بترجمته المترجمة منة الخازندار.

في البداية، يشير المؤلف إلى أن دار النشر المسؤولة عن إصدار النسخة العربية من الكتاب سألته كيف يمكن لمؤرخ نرويجي لا تربطه أي صلات سابقة بالقارة الأفريقية أن يقضي جل سنوات حياته في البحث والكتابة عن نهر النيل، فأجاب بأن السبب الأساسي وراء ذلك هو ما أصابه من «الولع المائي» في مدينة بيرجن النرويجية، عاصمة الساحل الإسكندنافي المطير.

وذكر كيف أنه منذ عقود انتقل من الجانب الشرقي من النرويج حيث تهطل الأمطار بمعدل طبيعي إلى المدينة التي يزيد فيها معدل الهطول لدراسة تاريخ العالم. ونظراً لكونه ينتمي إلى طبقة الطلاب المعدمين، فقد كانت أرضية السيارة القديمة التي يستقلها مهترئة بفعل الصدأ. كان يتعيّن عليه انتعال حذاء مطر مطاطي في الأيام المطيرة حتى لا يبتل بنطاله.

وفي صباح يوم ملبد بالغيوم حيث كان المطر ينهمر بلا هوادة، قاد سيارته بحذر من مسكن الطلاب إلى الجامعة ووجد نفسه دون قصد ينظر إلى أسفل حيث قدمه، وفجأة خطر له أنه ينتعل حذاء المطر المطاطي، أخضر اللون ذا الرقبة الطويلة ذاته يومياً منذ وصوله إلى هنا طوال فصل الخريف، متسائلاً: ما الذي كان يحدث حولي؟

أدرك حينها أن الأمطار الخريفية تتحكم في حياته بشكل كامل، وحيث إن جميع المجتمعات تحتاج إلى المياه للنمو، وحيث إن مصادر المياه وخريطتها في الوقت ذاته تختلف من مكان إلى آخر وتكون دائماً في حالة تغير مستمرة، فقد رأى أن مثل هذا التركيز على علاقة المجتمع بالمياه يمكن أن يكون مفيداً لفهم الأنماط المختلفة للتنمية على مستوى العالم وقام بتحويل أبحاثه التي كانت تستهدف تاريخ العالم إلى برنامج بحثي شخصي يستمر على مدار عدة أعوام ويستهدف المياه والمجتمع في جميع أنحاء العالم.

منذ ذلك الحين أنتج أكثر من 20 كتاباً عن الدور الذي لعبته المياه في التاريخ وسافر متتبعاً مسارات العديد من أكبر وأهم الأنهار في العالم، من الصين والهند واليابان شرقاً، إلى فرنسا وألمانيا وإسبانيا غرباً، ومن فنلندا والسويد شمالاً، إلى جنوب أفريقيا والأرجنتين جنوباً، لكن كان أكثر ما أثار خياله وشغفه حبّاً، نهر النيل.

وفي عام 2023 ترأس مؤتمر الرابطة نصف السنوي الذي ينعقد في مكتبة الإسكندرية في مصر، كما تمكن بدعم من وزير الموارد المائية المصري الدكتور محمود أبو زيد، والسفير المصري في النرويج الدكتور مجدي حفني، من إطلاق برنامج أبحاث حوض النيل مع باحثين مشاركين من عشر دول من حوض النيل، كما أنهى فيلمه الوثائقي الثالث والأخير عن المياه بعنوان «تحقيق بشأن النيل» الذي أعاده مرة أخرى إلى التجول في منطقة حوض النيل.

فسيفساء النيل

يشير تارييه تافيت إلى أنه في الطابق الرابع بمتحف أثري متواضع يبعد نحو 35 كيلومتراً عن روما ستجد العمل الفني البارز الذي لا يعلم به كثيرون وهو «فسيفساء النيل» والذي يعود تاريخه إلى 2000 عام. يبلغ عرضه ستة أمتار ويتخطى ارتفاعه الأربعة أمتار ويصور النيل ومظاهر الحياة على ضفتيه بشكل إبداعي ويتناوله من مناظير مختلفة ومتعددة.

يصور الجزء العلوي منه عناصر أفريقية ويحاكي الجزء السفلي مناظر خاصة بالحياة على شواطئ البحر المتوسط. ورغم ضرورة مشاهدة الأعمال الفنية المصنوعة من الفسيفساء من مسافة لتبين تفاصيلها، مع ضرورة الالتزام بالوقوف خلف الحواجز الموضوعة لحماية الأعمال الفنية من اقتراب المتفرجين الذي قد يلحق بها ضرراً، لكن الرسوم الكاملة والزاهية بشكل استثنائي التي تكونها الأحجار الملونة الملتصق بعضها ببعض بواسطة الملاط تظهر جلية من جميع المسافات.

ولكن الأمر الإبداعي حقاً في «فسيفساء النيل» الموجودة في بلدة «بالسترينا» هو تصوير النيل وتصوير الشعوب وهي تمارس حياتها بنظرة حديثة تماماً كما لو كان الفنان الذي أبدعها قد نظر إلى النيل وهو على متن طائرة. ويعد أيضاً هذا العمل الفني مصدراً تاريخياً تعبيرياً مثيراً للإعجاب، فهو يؤكد بقاء النيل كشريان حياة المجتمع ومحور اهتمامه إلى الأبد، كما رسم البحر المتوسط كمحتضن لتاريخ القارة الذي سطرته المياه.

وتصور «فسيفساء النيل» المكانة المحورية التي يشغلها النيل في حياة أولئك الذين يعيشون على ضفافه كما تنقل لنا كذلك كيفية تشكل النيل كجزء من تاريخ أوروبا الثقافي عبر الحضارات المختلفة، لا سيما اليونانية والرومانية. وتذكرنا اللوحة بماض كان يُعبد فيه النيل كنهر مقدس ولم تقتصر عبادته على الكهنة بالمعابد الضخمة المنتشرة على ضفافه في مصر بل امتدت أيضاً إلى أوروبا.

ويضم المتحف البريطاني في لندن واحداً من عدة تماثيل للإلهة إيزيس «حامية الطبيعة وإلهة الخصوبة»، حيث يصورها هذا التمثال وهي تحمل في يدها اليسرى جرة بها مياه النيل المقدسة كوسيلة للخلاص.

روائع إبداعية

ويلاحظ المؤلف أن النحاتين في العصور الرومانية والنهضة اعتادوا تصوير النيل ككيان مهيب مقدس، كما في تمثال «إله النيل» في الفاتيكان وهو واحد من أشهر التماثيل الرومانية في القرن الأول الميلادي الذي يصور النيل كرجل عجوز مستلقٍ يحيط به 16 طفلاً يرمزون لارتفاع منسوب النيل بـ16 ذراعاً لضمان الخصوبة.

وهناك أيضاً تمثال رخامي في «ساحة النيل» بمدينة نابولي الإيطالية، يعود للقرن الثاني الميلادي، ويظهر فيه «الإله النيل» متكئاً على أبو الهول، بينما تنافس الرسامون الأوروبيون في القرن التاسع عشر على توثيق حياة النيل اليومية، كما في تجربة ديفيد روبرتس الذي اشتهر بلوحاته الدقيقة للمعابد والقرى على ضفاف النيل، مثل لوحاته لجزيرة فيلة ومدينة الجيزة. ويشير كذلك إلى ليون بيليه في لوحته الشهيرة «فلاحات على ضفاف النيل» الموجودة في متحف أورسيه، التي تصور النساء وهن يملأن الجرار بوقار ودقة واقعية، فضلاً عن لوحة «على ضفاف النيل» للفنان شارل ثيودر فرير التي تصور هدوء النهر بلمسات رومانسية.


عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية
TT

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

«ياسر عرفات/ وجهات نظر إسرائيلية» كتاب جديد لماجد كيالي، من إصدار «دار كنعان»، دمشق (2026). يتحدث الكتاب عن مكانة الزعيم الفلسطيني الراحل، ودوره في استنهاض الشعب الفلسطيني، على صعيد الهوية والكيانية والكفاح الوطني. كما يقدم عرضاً للمواقف الإسرائيلية المختلفة من ياسر عرفات. ويركز الكتاب بشكل خاص على مرحلة مفاوضات «كامب ديفيد 2» (2000)، كلحظة فصلية مكثفة، تتعلق بمكانة هذا الرجل، ودوره في الكفاح السياسي، بوجهيه التفاوضي، والمسلح، ونظرته إلى ذاته كالممثل للوطنية الفلسطينية، بتناقضاتها، في الصراع، بين الحلم والواقع، والطموح والممكن، والقوة والحق، ويتضمن الكتاب فصلاً موسعاً كشهادات ومقالات لشخصيات سياسية وصحافية إسرائيلية.

يقع الكتاب في 206 صفحات، من القطع المتوسط.

من الكتاب: «عرفات انتصر بشكل قاطع... فعرفات وضع المشكلة الفلسطينية على الخريطة بشكل يستحيل تجاهله... لقد حدد للفلسطينيين هويتهم وعناصر تميزهم في العالم العربي وأشكال نضالهم، وقد وحدهم من الناحية التنظيمية، وبث فيهم الحوافز، وهناك أجيال كاملة من الفلسطينيين ترعرعت في ظلال أسطورة ورمزية عرفات...؟»، كما يقول البروفسور شاؤول مشعال، باحث في شؤون الحركة الوطنية الفلسطينية في جامعة تل أبيب، «يديعوت أحرونوت»، (29-10-2004).

لم يعرف الشعب الفلسطيني في تاريخه زعيماً، قاده أو شغله وملأ تاريخه، كما عرف ياسر عرفات، إذ كان هذا الرجل بحق ظاهرة استثنائية في تاريخ شعبه، وربما في تاريخ حركات التحرر الوطني، على الصعيدين العربي والدولي، بغض النظر عن الخلاف أو التوافق معه، أو الإعجاب به من عكس ذلك، إذ نهض بشعبه وبقضيته من نقطة الصفر، في ظروف دولية وعربية صعبة بل ومستحيلة، وفي ظل اختلال بيّن في موازين القوى لصالح إسرائيل».