«متحف مصرف لبنان» يفتح أبوابه بعد غياب

يتعرّف فيه الزائر إلى تاريخ لبنان عبر العملات

إعادة فتح «متحف مصرف لبنان» ابتداء من 1 فبراير المقبل (موقع المتحف)
إعادة فتح «متحف مصرف لبنان» ابتداء من 1 فبراير المقبل (موقع المتحف)
TT

«متحف مصرف لبنان» يفتح أبوابه بعد غياب

إعادة فتح «متحف مصرف لبنان» ابتداء من 1 فبراير المقبل (موقع المتحف)
إعادة فتح «متحف مصرف لبنان» ابتداء من 1 فبراير المقبل (موقع المتحف)

يُعدّ «متحف مصرف لبنان» من المتاحف اللبنانية المختلفة عن غيرها. محتواه من عملات نقدية وورقية يطّلع من خلاله زائره على تاريخ لبنان عبر العملات.

في فترة امتدّت منذ عام 2019 حتى اليوم، أقفل المتحف أبوابه أمام الزوّار. القرار اتُخذ يومها بُعيد انتشار جائحة «كورونا». وبعد توالي الأزمات في لبنان، مُدّد الإقفال حتى العام الحالي. وبقيت الزيارات إليه تقتصر على وفود خاصة تُحدَّد لها مواعيد مسبقة.

مؤخراً صدر قرار من «حاكم مصرف لبنان» بالإنابة، الدكتور وسيم منصوري، بإعادة فتح أبواب المتحف. وهو ما يسمح للبنانيين بزيارته ابتداءً من 1 فبراير (شباط) المقبل.

شهد المتحف منذ تأسيسه في عام 2013 تحديثات عدة في مقتنياته. أُصدرت عملات نقدية خاصة بالمناسبات، وهي معروضة اليوم في المتحف، وكذلك أوسمة تذكارية.

ومن معروضات المتحف عملات معدنية نادرة تعود إلى الحقبات الفينيقية والإغريقية والهيلنستية، وصولاً إلى الرومانية والبيزنطية. وقد سُبكت بعض قطعها النقدية من الذهب الخالص. وكذلك نجد في المتحف عُملات ورقية مختلفة، ومجموعة أوراق نقدية لنحو 200 دولة.

يزود المتحف زواره بمعلومات اقتصادية جمّة (موقع متحف مصرف لبنان)

تاريخ لبنان عبر العملات

تتميز العملات اللبنانية الورقية القديمة بما تحمله من معالم تدلّ على تاريخ لبنان وحضارته، في حين أن الحديثة منها تختلف في تصاميمها ومقاساتها.

يبلغ عدد مجموعة الأوراق اللبنانية 275 ورقة. ويعرض المتحف ورقتين من كل فئة لإبراز وجهي العملة. إضافة إلى الأوراق النقدية، هناك نقود معدنية لبنانية من حقبة الأوراق نفسها (بدءاً من العشرينات وحتى تاريخنا الحالي).

زيارة تتوزع على 3 أقسام

تتوزّع مقتنيات «متحف مصرف لبنان» على 3 أقسام. الأول خاص بالعملات المعدنية، والثاني بالورقية منها، فيما القسم الثالث خُصّص للتفاعل مع الزوّار.

وفي القسم الأخير يمكن لزائر المتحف الوقوف على ميزان كبير يحوّل وزنه مباشرة إلى عدد من السبائك الذهبية التي تُحتسب بالمال، فيساوي وزنه عندها مليارات الليرات. كما أنه يحتسب، وفق الوزن أيضاً، ما توازيه من احتياطي المصرف.

أحد أركان متحف مصرف لبنان (موقع متحف مصرف لبنان)

وفي القسم نفسه يتزوّد الزائر بمعلومات عن تاريخ العملات عبر ألعاب تفاعلية؛ بينها «بازل» العملات الورقية، فتُركّب قطعها بنفسك لأنك بجمعها تتعرف إلى أجزائها المؤلفة من تاريخ لبنان وآثاره. وتختتم زيارة هذا القسم بامتحان يتعلق بمعلوماتك الاقتصادية، ويجري بواسطة تطبيق يطرح عليك الأسئلة، فإذا كانت إجابتك خاطئة، فإن التطبيق يُصحح لك معلوماتك ويمدّك بالجواب الصحيح.

وفي المتحف آلة حديثة تحمل عنوان «سِمات الأمان»؛ مهمتها تكمن في تطبيق إلكتروني لمكافحة التزييف. أمام هذه الآلة، يمكنك أن تعرف ما إذا كانت الورقة النقدية التي تحملها مزوّرة أم لا. ومما يساعد في ذلك، المجهر المكبّر والأشعة ما فوق البنفسجية التي تظهر لك سمات الأمان بدقة.

قسم العملات الورقية

تشكل مجموعة الأوراق النقدية اللبنانية في المتحف القسم الثاني منه، وهي تمتدّ من عام 1919 حتى اليوم. وتتألف من الأوراق التي صدرت قبل تأسيس «مصرف لبنان»، وكذلك من مجموعات عملات نادرة صدرت في عامي 1930 و1935.

ويكتشف الزائر كيفية تطوّر هذه العملات عبر التاريخ، وبعضها تميّز بصور المواقع الأثرية الجميلة التي تزينها، ومنها ورقة الـ250 ليرة التي صدرت سنة 1939. وفي سنة 1945 تميّزت ورقة الـ100 ليرة اللبنانية بوصفها «أَحلى عملة» في وقتها، وعُرفت بـ«السجادة» لجمال تصميمها، وقد حازت جائزة تكريمية.

وخلال الأربعينات، ظهرت القروش الورقية، وتُذكر عليها عبارة «الجمهورية اللبنانية».

مسكوكات من الفضة والبرونز

في المتحف جناح مخصّص للمسكوكات القديمة المصنوعة من البرونز والفضة والذهب، وتبدأ مع الحقبة الفارسية، وهي الأقدم، من ثم بعض القطع من مرحلة الإسكندر الكبير. بعدها ننتقل إلى المرحلة الهيلينستية من بطالسة وسلوقيين. وتليها الفترة الرومانية؛ بدءاً من الجمهورية إلى الإمبراطورية. وكما المرحلة البيزنطية، تُطالعنا المرحلة الإسلامية، وصولاً إلى الحقبة الصليبية. وثمّة عرض خاص للإصدارات الجديدة في العالم؛ منها ورقة الـ100 دولار أميركي، والورقة التذكارية لـ«دروة الألعاب الشتوية» في سوتشي، والعملات اللبنانية المطبوعة بحبر نافر كي يستطيع فاقدو البصر تمييز فئاتها.

قسم العملات في العالم بالمتحف (موقع متحف مصرف لبنان)

عملات للمناسبات

من الأقسام اللافتة في المتحف، تلك الخاصة بإصدارات المناسبات.

في 1 أغسطس (آب) 2015، وبمناسبة مرور 70 عاماً على تأسيس الجيش اللبناني، أصدر «المصرف» ورقة نقدية من فئة 50 ألف ليرة لبنانية تكريماً لتضحيات الجيش.

وفي الذكرى الثلاثين لانطلاقته عام 1994، أصدر «المصرف» مجموعة من الليرات (ذهب وفضة وبرونز ونيكل)، وقد تراوحت أسعارها في تلك المدة بين نصف المليون ليرة ومليونين حداً أقصى للقطعة الذهبية من عيار 22 قيراطاً، و13 ألف ليرة (9 دولارات) للقطعة المسكوكة من النحاس الأحمر.

كما أصدر «المصرف» 500 قطعة معدنية احتفالاً بمرور 10 سنوات على تأسيس «هيئة التحقيق الخاصة (the Special Investigation Commission)» التي تتولّى التحقيق في الجرائم المالية.

ومن المقتنيات؛ تلك التي صدرت في الذكرى الـ50 لاستقلال لبنان في عام 1993، يومها أصدر «المصرف» عملات تذكارية من الذهب والفضة والبرونز، ومجموعة أخرى تكريماً لـ«منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو)»، التي تُكافح الجوع.

ومن الشخصيات اللبنانية التي كُرّمت بإصدارات خاصة، الأديب أمين المعلوف، ورئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري. صدرت ألف قطعة تذكارية من فئة الليرة الواحدة تحمل صورة الأول، وهي مسكوكة من الفضة. وللرئيس الراحل الحريري صدرت مجموعة قطع من المعادن المختلفة: الذهب والفضة والبرونز والنيكل، ونُقش على الوجه الأول منها عبارة: «ذكرى شهيد الوطن رفيق الحريري - 14 شباط 2005»، وعلى الوجه الآخر نُقش العلم اللبناني.


مقالات ذات صلة

عظام بشرية تحت مطبخ زوجين... وسرّ عمره 1000 عام!

يوميات الشرق مِعوَل يوقظ موتى التاريخ («إنستغرام» روس سليدجر)

عظام بشرية تحت مطبخ زوجين... وسرّ عمره 1000 عام!

صادف عامل بناء، خلال عمله في مشروع روتيني بأحد المنازل، اكتشافاً مرعباً تمثّل في رفات بشرية قديمة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق في مدغشقر... للأوبرا مقاعد بين الأغصان (رويترز)

قردة مدغشقر تُجيد «السوبرانو» وتُسمِع أغنياتها عبر الغابات

هذه الرئيسيات تفتح أفواهها على نحو أوسع حين تُصدر نغمات أعلى طبقة، وهو نمط يتّسق مع تقنية صوتية تُعرف بـ«ضبط الفورمانت».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق سجّلت ليان يونتشي في حل مكعب «روبيك» زمناً بلغ 4.52 و4.27 ثانية وذلك بعد حل المكعب خمس مرات (رويترز)

طفلة صينية عمرها 6 سنوات تحل مكعب «روبيك» بأقل من 5 ثوانٍ (فيديو)

سجلت طفلة صينية تبلغ من العمر 6 سنوات رقماً قياسياً عالمياً جديداً للسيدات في حل مكعب «روبيك» (مقاس 3×3) في زمن يزيد قليلاً على أربع ثوانٍ.

«الشرق الأوسط» (بكين)
يوميات الشرق ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)

«دنيا»... رحلة في عالم الأمهات المثقل بالتضحيات

تغوص مسرحية «دنيا»؛ لكاتبها ومخرجها زياد نجّار، في أعماق الأمومة والتضحيات التي ترافقها، فتشرِّح مشاعر مكبوتة لدى نساء نسين أنفسهن من أجل سعادة أبنائهن...

فيفيان حداد (بيروت)
صحتك الذكور والإناث يظهرون بعض الاختلافات في طريقة الانتباه والسلوك بعد ساعات قليلة من الولادة (بيكسلز)

دراسة: الاختلافات في سلوك الذكور والإناث تظهر خلال الساعات الأولى من الولادة

كشفت دراسة أجرتها جامعة كامبريدج البريطانية أن المواليد الذكور والإناث يظهرون بعض الاختلافات في طريقة الانتباه والسلوك في غضون ساعات قليلة من الولادة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«سرديات الأرض السوداء»... لوحات تقتفي أثر المصريين القدماء

لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)
لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)
TT

«سرديات الأرض السوداء»... لوحات تقتفي أثر المصريين القدماء

لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)
لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)

تنطوي التجربة التي يقدمها الفنان التشكيلي المصري محمد عيد في معرضه الأحدث «سرديات الأرض السوداء» على ملامح شيقة من الحضارة المصرية القديمة، حيث كانت تُعرَف مصر قديماً باسم «كمت» أي «الأرض السوداء»، مستدعياً انعكاساتها على الواقع والمشهد اليومي والشخوص المعاصرين.

وفي المعرض الذي تستضيفه قاعة «الباب سليم» بمتحف الفن الحديث حتى 26 سبتمبر (أيلول) الحالي، يجدِّد الفنان محمد قراءة مفهوم «كِمِت» بوصفه أكثر من مجرد تسمية تاريخية لمصر القديمة؛ فهو بالنسبة له «نقطة انطلاق للتأمل في العلاقة بين الإنسان والأرض والزمن، وبين ما يبقى من الحضارات في الذاكرة الإنسانية».

جانب من المعرض (قطاع الفنون التشكيلية)

تنطلق تجربة الفنان من تفكيك المنظومة الفكرية والرمزية للشكل المصري القديم بصورته الاعتيادية المباشرة، ويرصد فلسفته وما وراءه وحدود ملامسته واشتباكه مع الواقع المعاصر، يقول عيد: «الفن المصري القديم لم يكن مجرد تسجيل للمشهد أو زخرفة بصرية، وإنما كان لغة متكاملة تحمل مفاهيم الخلود، والعبور، والهوية، ودورة الحياة والموت والبعث».

ومن هذا المنطلق، تتحول الرموز والعناصر المستلهمة من الجداريات المصرية القديمة إلى طاقات بصرية معاصرة، يعاد من خلالها طرح أسئلة حول الزمن والوجود والذاكرة. فالجسد في الأعمال لا يظهر بوصفه هيئة خارجية فقط، بل يصبح حاملاً للمعنى، والخط ليس مجرد حدود شكلية، بل يتحول إلى أثر للذاكرة ومسار بصري يعبر بين الماضي والحاضر.

يضيف عيد لـ«الشرق الأوسط»: «تعتمد التجربة على مفهوم التهجين البصري، حيث تتداخل مفردات الفن المصري القديم مع صياغات تشكيلية معاصرة، لتكوين فضاء بصري تتجاور داخله طبقات زمنية متعددة؛ زمن الحضارة القديمة، وزمن العمل الفني، وزمن التجربة الشعورية للمبدع والمتلقي».

الأعمال استخدمت أسلوباً خاصاً في قراءة الأساطير (قطاع الفنون التشكيلية)

تعتمد اللوحات على تكوينات متباينة ضمن أكثر من بعد بصري، بعضها يمثل الحاضر بشخوصه ومفرداته العادية، وبعضها يستدعي رموز الأساطير المصرية القديمة، والبعض الآخر يضفي جواً نفسياً حميماً يربط الزمان بالمكان بالشخوص في مشهد جمالي يتبنى مفردات الحداثة عبر اللون والخط والتعبير والتجريد.

ووفق الفنان: «يلعب اللون دوراً محورياً في بناء هذه الرؤية؛ فاللون لا يُستخدَم بوصفه عنصراً جمالياً فقط، بل بوصفه حاملاً دلالياً وفلسفياً. يكون الأسود فيه جوهر التجربة، فهو ليس لوناً للعتمة، وإنما بوصفه رمزاً للأرض الخصبة (الأرض السوداء)، والرحم الذي تنبثق منه الحياة، والمساحة التي تختزن أسرار الوجود والتجدد».

ويستند الفنان إلى التوثيق الرقمي للجداريات المصرية القديمة بوصفه ذاكرة حية؛ حيث تتحول الخطوط المستعادة من النقوش القديمة إلى طبقات شفافة داخل العمل، تستحضر الحضور والغياب، وتربط بين الأثر التاريخي والرؤية المعاصرة.

إحدى لوحات المعرض (قطاع الفنون التشكيلية)

و«تضم التجربة مجموعة من الأعمال المُنفَّذة بتقنيات الأقلام الخشبية الملونة والأكريليك، تتناول موضوعات مستوحاة من مفردات الحضارة المصرية القديمة، مثل الشجرة المقدسة، والطائر، والطقوس، والجسد الإنساني، لكنها تعيد تقديمها داخل سياق بصري جديد يبحث عن المعنى الكامن خلف الرمز»، وفق الفنان.

ويعد معرض «سرديات الأرض السوداء» دعوة لإعادة اكتشاف الماضي؛ فالأرض هنا لا تنطوي على المكان فقط، بل تمتد لتحمل حكايات الإنسان عبر الذاكرة البشرية التي تختزن طاقة الزمن، وتفتح حواراً بين ما كان وما هو آتٍ، في رحلة تأملية من رحم الأرض نحو الأبدية.

الفنان محمد عيد بجوار إحدى لوحاته (قطاع الفنون التشكيلية)

من جهته أكد الدكتور محمود حامد، رئيس قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة المصرية خلال افتتاح المعرض أن «أعمال الفنان محمد عيد لا تقتصر على مجرد التوثيق التاريخي أو استعادة التراث، بل تتجاوز ذلك لتصنع أسطورة جديدة تخص الحاضر، وتنسج حواراً عميقاً بين الأبعاد الروحية والزمنية للوجود الإنساني».

يُشار إلى أنّ الفنان محمد عيد سبق أن قدَّم في عام 2021 معرض «خريف المحب» كما شارك في أكثر من 30 معرضاً جماعياً، وحاز جائزة «صالون الشباب» بمصر عام 2017، وجائزة الحفر بمعرض الطلائع الـ52 الذي تنظمه «جمعية محبي الفنون الجميلة».


عظام بشرية تحت مطبخ زوجين... وسرّ عمره 1000 عام!

مِعوَل يوقظ موتى التاريخ («إنستغرام» روس سليدجر)
مِعوَل يوقظ موتى التاريخ («إنستغرام» روس سليدجر)
TT

عظام بشرية تحت مطبخ زوجين... وسرّ عمره 1000 عام!

مِعوَل يوقظ موتى التاريخ («إنستغرام» روس سليدجر)
مِعوَل يوقظ موتى التاريخ («إنستغرام» روس سليدجر)

صادف عامل بناء، خلال عمله في مشروع روتيني بأحد المنازل، اكتشافاً مرعباً تمثّل في رفات بشرية قديمة، حوّلت أعمال التجديد إلى تحقيق جنائي، قبل أن تجد الرفات طريقها أخيراً إلى مثواها الأخير.

وكان روس سليدجر (49 عاماً) يباشر أعمال تجديد منزله في ربيع عام 2019، حين عثر عامل بناء، كان يُنجز إضافة مطبخ إلى المنزل، على ما بدت أنها عظام بشرية، وفق ما نقلته «فوكس نيوز» عن وكالة «إس دبليو إن إس» الإخبارية.

وأُعيد دفن الرفات رسمياً في أغسطس (آب) الماضي، خلال مراسم أُقيمت في كنيسة قريبة من منزل سليدجر، في منطقة واي بمقاطعة كنت، جنوب شرقي إنجلترا.

وأفاد سليدجر بأنه لم يُبالِ بالاكتشاف في البداية، ظناً منه أن العظام تعود إلى حيوان مزرعة أو حيوان أليف. وقال: «أخبرني عامل البناء: (لقد وجدتُ بعض العظام)، فأجبته: (رائع)، ظناً مني أنها تعود إلى حيوان مزرعة أو حيوانات أليفة».

وأضاف سليدجر أنه أُصيب بالذهول حين علم بأنّ الرفات قد تكون بشرية. واستذكر قائلاً: «كما يمكنك أن تتخيّل، انفلتت مني ألفاظ كثيرة. كنت أفكّر: لا بد أنك تمزح، هذه مجرّد مزحة، لكنه ردَّ: (أنا جاد جداً)».

وأثارت العظام، التي تبيّن لاحقاً أنها رفات تعود إلى العصر الأنغلوساكسوني، ويبلغ عمرها نحو 1000 عام، ضجة واسعة، وأطلقت تحقيقاً للشرطة. وتوجَّه نحو 10 ضباط إلى المنزل للتنقيب في الفناء الخلفي، فعثروا في نهاية المطاف على رفات جثة ثانية.

وشمل الاكتشاف المروّع في مجمله عظمة فخذ، وجمجمتين، وأضلاعاً، وجزءاً من الحوض، وشظايا من عظمة العضد وعظام الأصابع.

وقال سليدجر: «اعتقدوا أنه مسرح جريمة. كان عليهم إبقاء ضابط طوال الليل، وكان عليه الخروج من سيارته كلّ نصف ساعة».

وأضاف: «كانت تلك الحركة تُشغّل كشافات الإضاءة القوية لدى الجيران، مما كان يُثير نباح كلبي. وكما يمكنك أن تتخيّل، لم أنم كثيراً تلك الليلة».

وبعد نحو 48 ساعة من الاكتشاف الأول، أكّد المتخصّصون أنّ الرفات قديمة، ولا صلة لها بجريمة حديثة.

وإنما الاكتشافات لم تتوقّف عند هذا الحد؛ فقد عثر سليدجر لاحقاً على ما وصفها بـ«مفاصل وأصابع»، خلال تركيب العشب الاصطناعي في فنائه الخلفي، ممّا أثار قلقه من احتمال تأخّر أعمال التجديد.

وقال سليدجر: «كنت أفكّر: يا إلهي، هذا سيؤخّر الأمور. لديّ عمال بناء قادمون الأسبوع المقبل».

وأضاف: «كنتُ أظن أنّ الأمر قد يستغرق شهوراً، لكن لحُسن الحظّ، انتهى كلّ شيء بحلول نهاية عطلة الأسبوع، وهو أمر جيد».

وأوضح أنه بعد انتهاء تحقيق الشرطة، نُقلت الرفات إلى جمعية تاريخية، ثم إلى قسيس محلّي، وإنما ترتيب دفنها في مثواها الأخير استغرق بعض الوقت.

وأعرب سليدجر عن اعتقاده بأنّ «الأمر كان يتعلَّق بالحصول على إذن، وتحديد ما إذا كان مسموحاً بدفنها هناك». وتابع: «أظنّ أنها كانت مجرّد إجراءات بيروقراطية أكثر من أي شيء آخر».

ولم يكن فناء سليدجر الخلفي المكان الوحيد في المملكة المتحدة الذي كشف عن قطعة غير متوقَّعة من التاريخ؛ فقد توصَّل زوجان بريطانيان آخران إلى اكتشاف ذي قيمة تاريخية، وإن كان أقل قتامة بكثير، في فنائهما الخلفي مؤخراً.

وعثر الزوجان، من مقاطعة هامبشاير، على كنز يضم 70 عملة إنجليزية تاريخية، خلال تعديل سياج قرب حديقة الزهور عام 2020.

وبيعت هذه العملات في مزاد علني في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، بأكثر من 380 ألف جنيه إسترليني، أي ما يعادل نحو 500 ألف دولار أميركي.


قردة مدغشقر تُجيد «السوبرانو» وتُسمِع أغنياتها عبر الغابات

في مدغشقر... للأوبرا مقاعد بين الأغصان (رويترز)
في مدغشقر... للأوبرا مقاعد بين الأغصان (رويترز)
TT

قردة مدغشقر تُجيد «السوبرانو» وتُسمِع أغنياتها عبر الغابات

في مدغشقر... للأوبرا مقاعد بين الأغصان (رويترز)
في مدغشقر... للأوبرا مقاعد بين الأغصان (رويترز)

حين يفتح مغنّي الأوبرا فمه عن آخره لبلوغ نغمة عالية، يُحدث تغييراً خفياً في شكل فمه وحنجرته ليصل صوته إلى مدى أبعد. وتكشف بحوث حديثة عن أنّ أحد أكثر حيوانات مدغشقر غرابةً، وهو قرد الليمور المُغرّد، قد يفعل شيئاً مماثلاً في أعالي أشجار الغابات المطيرة.

في الغابات الداكنة شمال شرقي مدغشقر، حيث تحجب الأشجار الكثيفة التواصل البصري لمسافة تتجاوز بضعة أمتار، تعتمد قرود الليمور المعروفة باسم «الإندري» على أغنياتها الشجية للتواصل. وخلص العلماء إلى أنّ هذه الرئيسيات تفتح أفواهها على نحو أوسع حين تُصدر نغمات أعلى طبقة، وهو نمط يتّسق مع تقنية صوتية تُعرف بـ«ضبط الفورمانت».

وقال الباحث فيليبو كاروغاتي، من جامعة تورينو الإيطالية، المؤلف الرئيسي للدراسة التي نقلتها «رويترز» عن دورية «بلوس كومبيوتيشنال بيولوجي»: «تخيّل شكل فمك وحنجرتك على هيئة أنبوب. حين تفتح فمك على نحو أوسع، يتغيّر شكل ذلك الأنبوب، وهذا بدوره يُغيّر التردّدات التي يتردّد صداها بصورة طبيعية، وهو أشبه بما يحدث حين تُطيل أنبوب آلة موسيقية هوائية أو تُقصّره، فتتغيّر النغمة الصادرة عنها».

ويُعزّز هذا التعديل، الذي تلجأ إليه قرود الإندري عند بلوغ نغمات عالية، قوة أصواتها ومداها، تماماً كما يفعل مغنّو الأوبرا المحترفون.

وتأمل الباحثة كيارا دي غريغوريو، من جامعة وارويك في إنجلترا، والمؤلفة المشاركة في الدراسة، أن يلفت البحث الأنظار إلى هذه القدرة الصوتية، وإلى الحيوان المهدّد بشدة بالانقراض. فقرد الليمور ليس موجوداً في البرّية إلا في مدغشقر، والإندري هو النوع الوحيد المعروف منه بقدرته على الغناء.

وقالت دي غريغوريو: «بينما قد نظنّ أننا البشر الوحيدون الذين يمتلكون أصوات سوبرانو قادرة على أداء أغنيات بهذا التعقيد، ثمة مغنٍّ استثنائي آخر في الغابة، يُغنّي ويتواصل ويحاول ببساطة البقاء على قيد الحياة».

مزيج بين العويل والصفير

وحلّل الباحثون 83 تسجيلاً مصوّراً لـ19 قرداً من الإندري في البرّية، في غابة «ماروميزاها» ومحميّة «ميتسينجو» بمدغشقر. وتتبّعوا ملامح الوجه إطاراً بإطار، وربطوها بالصوت المتزامن معها، لاختبار ما إذا كان اتساع فتحة الفم يتنبّأ بحدّة النغمة.

وقال كاروغاتي: «لقد فعل ذلك بدرجة كبيرة جداً».

وأوضح أنّ أغنيات الإندري «كثيراً ما تُوصف بأنها مزيج من العويل والصفير، بنغمات طويلة وعالية، تصعد وتهبط، وتبعث الرهبة في النفس، وتكاد تبدو حزينة للأذن البشرية، لكنها في الوقت عينه منظَّمة بدقة، وتُؤدّى في ثنائيات تتشابك فيها عبارات الذكر والأنثى، عوضاً عن أن تتداخل وتتزامن فحسب».

وتؤدي هذه الأغنيات دوراً جوهرياً في علاقة مجموعات الإندري العائلية بمحيطها، وتضطلع بأكثر من وظيفة اجتماعية.

وقال كاروغاتي: «تتمثّل وظيفتها الرئيسية في إعلان الوجود، وكأنها تقول: نحن هنا، عبر بيئة طبيعية لا تستطيع فيها غالباً رؤية جيرانك وسط الغابات الكثيفة. والمثير للاهتمام أنّ هذه الأغنيات المرتبطة بتحديد المجال تميل إلى الإطالة تحديداً حين تلمح المجموعة مجموعة أخرى مجاورة، وكأن الرؤية المباشرة تُعزّز الأغنية».