معرض «نسيج الشتاء»... تحيكه أنامل دافئة تعانق الشاعرية

يتضمن مجموعة لوحات تشكيلية وصوراً فوتوغرافية

الفنان أحمد مناويشي ولوحاته (إنستغرام «آرت ديستريكت»)
الفنان أحمد مناويشي ولوحاته (إنستغرام «آرت ديستريكت»)
TT

معرض «نسيج الشتاء»... تحيكه أنامل دافئة تعانق الشاعرية

الفنان أحمد مناويشي ولوحاته (إنستغرام «آرت ديستريكت»)
الفنان أحمد مناويشي ولوحاته (إنستغرام «آرت ديستريكت»)

يتمتع فصل الشتاء في لبنان بخصوصية تميّزه عن غيره من المواسم. فهي تنبع من مشهدية طبيعة مغطاة بالثلوج على الجبال، ومن بيوت متراصة في المدينة مضاءة بجلسات عائلية دافئة. موسم ينتظره اللبنانيون موعداً سنوياً ينظمون فيه جلسات محورها «الكنكن»، أي ما يرمز إلى البقاء في المنازل، فيجتمعون ضمن حلقات سمر وسهر يمضون الليالي الملاح.

جانب من المعرض (الشرق الأوسط)

ويأتي معرض «نسيج الشتاء» في غاليري «آرت ديستريكت» في منطقة الجميزة وليد هذه الأجواء. يقول ماهر العطار صاحب الغاليري وأحد المشاركين في المعرض: «استوحيت اسم المعرض من زمن الشتوية في لبنان، وليرتكز على موضوعات نابعة من هذا الموسم. ولكن وبُعيد انتخاب رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون شعرت بالتفاؤل كما معظم اللبنانيين، فقررت تلوينه بلوحات تشكيلية زاهية تبعث على الأمل».

يتألّف المعرض من مجموعة منحوتات لسابين كرم وساندرا بطرس، وكذلك من صور فوتوغرافية ضخمة موقعة من قبل ميشال صوفيا وخضر شرّي ودانييل عبد الساتر وماهر العطار، وتتوزع على حيطانه لوحات تشكيلية للوسي بوشوغليان وأحمد مناويشي. جميعها تأخذ ناظرها إلى رحلة شتوية تُشرق فيها الشمس بين فينة وأخرى.

«طيور السلام» لسابين كرم تتوجها لوحات ماهر العطار (الشرق الأوسط)

فـ«طيور السلام» للنحاتة سابين كرم المصنوعة من البرونز والريزين تحلّق حولك ملونة ويطغى عليها الأبيض. فيما منحوتات الفنانة السورية ساندرا بطرس تعبق بفنون الحياة. وقد حفرت هذه الكلمة (الحياة) محبوكة بفن النحت على الرخام.

وفي مجموعة الصور الفوتوغرافية، تستوقفك تقنيات مختلفة. فدانييل عبد الساتر يغطس في مياه البحر الدافئة كي تولد من كاميرته ملامح امرأة في وجوه ثلاثة، متبعاً فن التصوير الديجيتال، حيث تصطف لوحاته الثلاث جنباً إلى جنب كي تتأمل تطورها. وتدرك في هذه السلسلة القصيرة عند وضوح الصورة، بأن المرأة عنوانها.

دانييل عبد الساتر وصور بتقنية الـ«ديجيتال» (الشرق الأوسط)

أما ماهر العطّار فتتأرجح صوره بين عالم التصوير الصحافي وطبيعة لبنان مستخدماً تقنية الـ«لوموغرامي». صاحب تجارب عالمية في التقارير المصورة الصحافية تلمس حرفيته في التقاط اللحظة. وتبرز في أعماله لعبة الأبيض والأسود المشبعة بفنون الشجن والسكون. وفي لوحته «معبد الشجر» يأخذك في رحلة إلى إحدى المناطق (فقرا) كي تكتشف أسرار سحر طبيعة لبنان. وفي لوحة «مطاردة الملاك» يخيّل إليك أنك وسط صحراء تحيط بها الهضاب الرملية، وتفاجأ بأنها صورة التقطها لـ«سد شبروح» في منطقة كسروان.

أما خضر شرّي المقيم في كاليفورنيا فمحور صوره لعبة الضوء. نرى أن لوحاته «الحرية» و«الأبدية» مصدر نورٍ قوي مرات ومخبأ العتمة مرات أخرى. تنقل كاميرته الفوتوغرافية مناظر مختلفة، بينها ما يتعلق ببحر وشواطئ كاليفورنيا.

لوحتان لأحمد مناويشي من معرضه «المجهول» (الشرق الأوسط)

يؤكد ماهر العطار في سياق حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هدف تأسيسه «آرت ديستريكت» هو إعادة الصورة الفوتوغرافية إلى الواجهة. «لقد تبدّلت مقاييس جمالية هذا الفن اليوم، وصارت عملية يستهلها بعضهم من خلال التقاطهم الصور بجهازهم الجوَّال. هناك جهل مع الأسف في موضوع الصورة. فالمجهود التقني ما عاد رائجاً لتقديم هذا الفن على المستوى المطلوب. ولذلك أعود في هذا الغاليري لأضع مقاييسه الأساسية على الخط المستقيم. وهناك لبنانيون كُثر يشتاقون لرؤية الصورة الفوتوغرافية الأصيلة، والمشغولة بجهد ومن زوايا مختلفة».

صور ميشال صوفيا ترتكز على لعبة الضوء (الشرق الأوسط)

في مجموعة صور ميشال صوفيا نبحر في فن التصوير الفوتوغرافي التأملي.

يدخلنا إلى أرض أفريقيا التي حضنت نيلسون مانديلا من خلال نصب نظارات عملاقة، يستخدمها في مشهد ثُلاثيّ الأبعاد لنقل نظرة مستقبلية، وكذلك إلى مدينة نيس الفرنسية لاكتشاف خصائصها بعينه الثاقبة. فهو طبيب نفسي معالج ويهوى في الوقت نفسه التصوير الفوتوغرافي، وتتّسم أعماله بنفحة من الراحة النفسية.

مجموعة لوحات تشكيلية يتضمنها معرض «نسيج الشتاء» (الشرق الأوسط)

وبريشة لوسي بوشوغليان الزيتية يتفجّر الفرح بمشهدية ملونة. وتتشابك فيها أشكال هندسية مع أفكارها الثائرة، فتؤلف خلطة فنٍ تشكيليٍ بدوائرَ وشخبطات وملامحَ مبهمة.

لوحتان للمصري أحمد مناويشي تتقابلان بين مدخل الغاليري وبوابة الخروج، حيث تمضي رحلة قصيرة مع عمليه المعروضين، وهي جزء من معرضه الأخير «المجهول».


مقالات ذات صلة

لا تستخفّ بالحديث العابر... قد يدهشك

يوميات الشرق من حديث خفيف... تنبت علاقة (آي ستوك)

لا تستخفّ بالحديث العابر... قد يدهشك

تُظهر دراسة حديثة أن تجنّب المحادثات التي تبدو «رتيبة» قد يحرمنا من تجربة أكثر متعة وإثراءً مما نتصوَّر...

«الشرق الأوسط» (ميشيغان)
يوميات الشرق لعبة حظّ تتحوَّل إلى لقاء مع الفنّ الخالد (إ.ب.أ)

اتصال قَلَبَ كلَّ شيء... رجل يربح لوحة أصلية لبيكاسو

فاز رجل بلوحة أصلية للفنان بابلو بيكاسو تتجاوز قيمتها مليون يورو (870 ألف جنيه إسترليني - 1.2 مليون دولار)، في سحب خيري.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق اليوم العالمي للفن يمثل فرصة لتعزيز التفاعل مع الفنون وإبراز دورها في تشكيل التجربة الإنسانية (هيئة الفنون)

السعودية في اليوم العالمي للفن: تحولات إبداعية وجسر ثقافي عابر للحدود

يشهد الحراك الفني السعودي قفزات نوعية وضعت الفنان المحلي على خريطة الاهتمام الدولي. وبينما يحتفي العالم باليوم العالمي للفن تشهد السعودية تحولات نوعية في القطاع

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق زمن متجمّد في عقارب ساعة (هانسونز للمزادات)

ساعة نجاة من «تيتانيك» تعود بعد قرن

تُعرَض ساعة جيب ذهبية تعود إلى أحد أبطال كارثة سفينة «تيتانيك» للبيع بنحو 100 ألف جنيه إسترليني في مزاد علني، وفق ما نقلت «بي بي سي» عن القائمين على بيعها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق تتمتع «بوكينغ دوت كوم» بقاعدة بيانات تضم أكثر من 30 مليون مكان إقامة حول العالم (رويترز)

اختراق لمنصة «بوكينغ دوت كوم» يكشف عن بيانات بعض العملاء

تعرّضت منصة الحجز الفندقي «بوكينغ دوت كوم» لعملية اختراق بيانات، حيث تمكنت «جهات غير مصرح لها» من الوصول إلى تفاصيل بعض العملاء.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)

دُرة لـ«الشرق الأوسط»: أحلم بتجسيد «شجرة الدر»

الفنانة التونسية درة تستعد لأعمال في السينما والدراما (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة التونسية درة تستعد لأعمال في السينما والدراما (صفحتها على «فيسبوك»)
TT

دُرة لـ«الشرق الأوسط»: أحلم بتجسيد «شجرة الدر»

الفنانة التونسية درة تستعد لأعمال في السينما والدراما (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة التونسية درة تستعد لأعمال في السينما والدراما (صفحتها على «فيسبوك»)

قالت الفنانة التونسية درة إنها شعرت بالخوف من شخصية «ميادة الديناري» التي جسدتها في مسلسل «علي كلاي» الذي عُرض خلال موسم دراما رمضان الماضي، وأنها تتمنى أن يكون هذا الدور نقلة فنية مهمة في مشوارها، خصوصا أنه، وفق حديثها، أرهقها نفسياً، كما أعربت عن أمنيتها تجسيد شخصية تاريخية مثل «شجرة الدر».

وأكدت في حديثها لـ«الشرق الأوسط» أن شخصية «ميادة الديناري» كانت شديدة الصعوبة عليها، وهذا ما استدعى منها جهداً كبيراً في البحث عن مفاتيح للشخصية تجعلها بعيدة عن شخصيتها الحقيقية ووجهها الهادئ؛ مثل طريقة الكلام ومخارج الحروف بالإضافة إلى طريقة مكياجها وملابسها خصوصاً العباءات التي منحت الشخصية حضوراً وقوة وثقة واكسسواراتها الغريبة ومجوهراتها التي تحمل أشكال حيوانات، مثل الأسد والتمساح، لتعبر عن تركيبة شخصيتها القوية المتسلطة.

وأضافت: «من أبرز ما يميز ملامح وجه شخصية (ميادة) أنه مثل وجه المقامر (POKER FACE)، وهذا ما أجهدني عصبياً ونفسياً لإيصاله إلى المشاهد».

أما أبرز الجمل و«اللزمات» التي علقت مع المشاهدين من قاموس «ميادة» فكانت «أنا أسيب ما أتسابش» و«لو حتقول لي راجل أنا ست بميت راجل» وفق قولها.

وعن تعاونها الأول مع المخرج محمد عبد السلام، فقد وصفته بأنه شخصية قيادية ويحب الممثل مهما كان حجم دوره، ويناقش في كل التفاصيل ليخرج المشهد في أفضل صورة.

ومن المشاهد التي تعدّها «ماستر سين» لها مشهد طلاقها من العوضي الذي أصابها بـ«هيستيريا جنونية»، حسب تعبيرها. أيضاً مشاهد مرضها في الحلقات الأخيرة التي استطاعت من خلالها كسب تعاطف المشاهد معها رغم كمية الشر بداخلها.

الفنانة التونسية درة شاركت في دراما رمضان الماضي (صفحتها على «فيسبوك»)

أما مشهد الصفعة على وجه العوضي فأشارت إلى أنه «من المشاهد الصعبة جداً لأنه تم تصويره في رمضان في أحد شوارع وسط البلد في القاهرة، وكل الذين ظهروا بالمشهد كانوا جمهوراً حقيقياً بالإضافة إلى فريق العمل».

وقالت إنها تحيّي العوضي على قبوله أداء هذا المشهد في الوقت الذي يجسد فيه شخصية البطل الشعبي بكل كبريائها وقوتها وعنفوانها.

وأشارت إلى الكيمياء الفنية بينها وبينه في أول لقاء يجمعهما بقولها: «إنه نجم ناجح بشكل كبير في الدراما الشعبية، وبداخله إحساس رائع بالشارع، وهو فنان يعشق عمله، وفى المشاهد التي جمعتنا كنا نبني المشهد معاً، وكلٌّ منّا يأخذ إحساسه من الآخر».

ولفتت إلى أنها ليست المرة الأولى التي تقدم فيها دور المرأة الشعبية، فقد سبق أن قدمتها في أكثر من عمل فنى مثل شخصية «ونيسة» في فيلم «الأولة في الغرام» الذي تعدّه الانطلاقة الحقيقية لها في السينما المصرية، وشخصية «دلال» في مسلسل «سجن النسا»، وشخصية «رمانة» في مسلسل «مزاج الخير»، وشخصية «سماح» في مسلسل «العار»، مؤكدةً أن كل هذه الشخصيات لم تكن تحمل كم الشر المخيف الموجود في شخصية «ميادة».

وأشارت إلى أنه على الرغم من وجود مواسم عرض كثيرة خارج شهر رمضان فإن العرض الرمضاني له تأثير كبير على نسبة المشاهدات ومعايشة الجمهور للعمل.

وبسؤالها عن تفضيلها البطولة المطلقة على العمل الجماعي، قالت إن «الدور هو الذي يحدد الإجابة عن هذا السؤال»، وأكدت أنها لا تمانع من المشاركة في عمل به بطولة جماعية إذا كان الدور يحمل أبعاداً وقيمة تضيف إليها كممثلة.

وأبدت الفنانة التونسية سعادتها بعرض مسلسلها «إثبات نسب» في موسم رمضان الماضي بعد تأجيله لمدة عامين، والذي شاركها بطولته نبيل عيسى وهاجر الشرنوبي ومحمد علي رزق، وهو تأليف محمد ناير، وإخراج أحمد عبده.

الفنانة التونسية درة (صفحتها على «فيسبوك»)

وقالت إن العمل حقق ردود أفعال إيجابية، خصوصاً أنه طرح قضية اجتماعية مهمة بأسلوب درامي مشوق، حيث تدور الأحداث حول امرأة تنقلب حياتها رأساً على عقب بعد أن أصبح طفلها الوحيد محور صراع شرس بين العائلات والمال والنفوذ لتجد الأم نفسها في مواجهة اتهامات تشكك في سلامتها العقلية ونسب طفلها.

وانتهت درة، أخيراً، من تصوير فيلم «الست لمّا» مع يسرا وماجد المصري وياسمين رئيس وعمرو عبد الجليل، الذي يسلط الضوء على قضايا حساسة مثل العنف ضد المرأة، والتحرش، والاغتصاب الزوجي، في قالب اجتماعي يجمع بين الدراما والكوميديا، وهو تأليف أيمن فوزي ومصطفى بدوي، وإخراج خالد أبو غريب.

وعن أحدث أعمالها التي بدأت في تصويرها قالت درة: «أصور حالياً مسلسل (قلب شمس)، من تأليف وإخراج محمد سامي الذي يشارك أيضاً في البطولة، ومعي النجمة الكبيرة يسرا وإنجي المقدم وسوسن بدر، ومن المقرر عرضه على إحدى المنصات الرقمية، وهو عمل اجتماعي رومانسي يناقش العلاقات الأسرية والمشكلات النفسية والعاطفية والاجتماعية التي تواجهها».

كما تنتظر عرض مسلسل «الذنب» مع هاني سلامة، في رابع تعاون فني معه بعد فيلم «الأولة في الغرام» ومسلسلي «نصيبي وقسمتك» و«بين السما والأرض» الذي قالت عن دورها فيه إنه مختلف، خصوصاً أنه ينتمي إلى نوعية الدراما النفسية، وهو من تأليف وإخراج رضا عبد الرازق، ويتكون من عشر حلقات، ومن المقرر عرضه قريباً رقمياً.

وعن الشخصية التي تتمنى تجسيدها في عمل فني، قالت إنها شغوفة بالأدوار التاريخية خصوصاً في التاريخ المعاصر، و«تتمنى أن تجسد إحدى الشخصيات الشهيرة، ومنها شخصية شجرة الدر»، على حد تعبيرها.

Your Premium trial has ended


مصر: خيارات التنزه المجاني تتضاءل مع تراجع المساحات الخضراء

عائلات مصرية تفترش مساحات خضراء في القاهرة (حي غرب شبرا الخيمة)
عائلات مصرية تفترش مساحات خضراء في القاهرة (حي غرب شبرا الخيمة)
TT

مصر: خيارات التنزه المجاني تتضاءل مع تراجع المساحات الخضراء

عائلات مصرية تفترش مساحات خضراء في القاهرة (حي غرب شبرا الخيمة)
عائلات مصرية تفترش مساحات خضراء في القاهرة (حي غرب شبرا الخيمة)

في حين خرج ملايين المصريين إلى الحدائق والمساحات الخضراء في يوم «شم النسيم»، كان الأمر صعباً في إيجاد هذه المساحة أمام مجدي عاشور، الموظف الحكومي، إذ تقلصت أمامه فرص إيجاد حدائق مجانية بالقاهرة، يمكن فيها قضاء بضع ساعات لشم نسيم الربيع، وتناول مأكولاته، وسط تجمع عائلي، وبما يناسب ميزانيته.

يقول عاشور: «لجأت إلى محركات البحث وصفحات التواصل المتخصصة في ترشيح أماكن التنزه، ولكني لم أعثر على حديقة مجانية، كما كان الأمر قبل سنوات، والبديل كان في اختيار أقلها تكلفة، ممثلة في حديقة ابن سندر، الأقرب لمكان سكني بحي المطرية، والتي تبلغ تذكرة دخولها 5 جنيهات، نعم هي قيمة قليلة، ولكنها تكون مكلفة مع تجمع عائلي كبيرة العدد».

ويضيف عاشور لـ«الشرق الأوسط»: «كنا نخرج من قبل للاستمتاع بالخضرة دون أن نحمل همّ تكلفة المكان، أما الآن فمعظم الحدائق والمتنزهات أصبحت تتطلب رسوم دخول، وبالطبع بخلاف أجرة الانتقال إليها ذهاباً وعودةً مع زيادة تعريفة المواصلات، مما زاد من تكلفة الاحتفال بـ(شم النسيم)، وهو ما يُشعرنا بافتقاد الحق في استنشاق هواء نقي مجاني».

في الماضي، كان يكفي المصريين إيجاد ركن هادئ على ضفاف النيل أو في إحدى الحدائق العامة، حيث يقومون بـ«افتراش ملاءة» على أرضها، لتجمع الأقارب أو الأصدقاء، لكن هذا المشهد البسيط تحول إلى مسألة تخضع للحسابات لدى عديد من الأسر والعائلات، مع فرض عديد من المتنزهات رسوماً لدخولها، تبدأ من 5 جنيهات وتتضاعف لتصل إلى 50 جنيهاً.

ورصدت «الشرق الأوسط» لجوء عديد من الأسر إلى بدائل مجانية كمتنفس لهم خلال احتفالات «شم النسيم»، منها حديقة جامعة القاهرة، وهي مساحة كبيرة من المسطحات الخضراء تجاور سور الجامعة، حيث اجتذبت عشرات التجمعات العائلية. بينما جذبت حديقة المسلة التاريخية بحي الزمالك بأشجارها النادرة عدداً من الزوار بعد افتتاحها قبل عدة أشهر.

العديد من المتنزهات والحدائق فرضت رسوماً لدخولها (محافظة القاهرة)

كما حاول آخرون اقتناص أي مساحة خضراء في الميادين، أو تلك المجاورة لـ«النوافير»، فيما لجأت عائلات إلى «الجزر الوسطى» في الشوارع، والتي اجتذبتهم بشكلها الجمالي، خصوصاً مع توسع محافظ القاهرة أخيراً في زراعتها بالأشجار والشتلات، من أجل استعادة المظهر الحضاري للشوارع والميادين.

وحسب تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر، فإن المحافظة تسعى لزيادة الرقعة الخضراء بها وتحسين جودة الهواء، والحد من مخاطر الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية، وزيادة نصيب الفرد من الرقعة الخضراء، وتحسين جودة الحياة المقدمة للمواطنين بوصفها إحدى أهم الأولويات التى تركز عليها الدولة المصرية للتعامل مع قضية تغير المناخ والحفاظ على البيئة.

إلا أن هذه التطلعات الرسمية قابلتها فيما سبق موجة من الانتقادات البرلمانية بشأن تقلص المساحات الخضراء وإزالة الأشجار، وصلت إلى طلبات إحاطة برلمانية طالبت بإجراء تحقيق شامل حول الأسباب والجهات المسؤولة عن تقليص المساحات الخضراء وقطع الأشجار، لافتةً إلى تقارير وإحصاءات خاصة بالشأن البيئي في مصر تشير إلى تراجع المساحات الخضراء من 7.8 مليون متر مربع في 2017 إلى 6.9 مليون متر مربع في 2020.

لجوء المصريين إلى الميادين والجزر الوسطى، يُرجعه الدكتور مجدي علام، الأمين العام لاتحاد خبراء البيئة العرب، إلى كون المدن المصرية شهدت خلال العقود الأخيرة تراجعاً ملحوظاً في المساحات الخضراء نتيجة التوسع العمراني، مشيراً إلى أنه قبل 50 عاماً كانت القرى والريف يزدانان بالحقول الممتدة والغطاء الزراعي الكثيف، بينما كانت المباني محدودة وصغيرة الحجم، لكن المشهد تغير تدريجياً مع زحف العمران على الأراضي الزراعية.

أسر مصرية داخل الحديقة اليابانية بمنطقة حلوان (محافظة القاهرة)

ويوضح علام لـ«الشرق الأوسط» أن «غياب الرقابة الصارمة لفترات طويلة سمح باستخدام الأراضي الزراعية في البناء، وهو ما أدى إلى فقدان مساحات واسعة من الرقعة الخضراء»، مضيفاً أن الدولة بدأت في السنوات الأخيرة باتخاذ إجراءات أكثر صرامة، مثل فرض عقوبات بالحبس أو الغرامة على المخالفين، للحد من هذه الظاهرة.

بدوره، يرى الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، أن الحق في المساحات الخضراء ليس رفاهية، بل هو استحقاق آدمي أقرته الدساتير العالمية، وكذلك الدستور المصري، إلا أن الواقع يشهد فجوة، حيث إن متوسط نصيب الفرد في مصر من المساحات الخضراء يبلغ 17 سنتيمتراً فقط (وفق إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في 2020)، وهو معدل ضئيل جداً مقارنةً بالمعايير الدولية.

ويرى هندي أن «الأزمة لا تكمن فقط في تقليص المساحات، بل في عائق الوصول، فبينما يجرّم القانون قطع الأشجار، فإنه لم يحمِ المواطن من بعض المستغلين الذين يرفعون تكلفة الدخول إلى الحدائق، وهو ما حرم الأسر البسيطة من حقها في الفسحة المجانية، وخلّف شعوراً بغياب العدالة لدى من لا يملكون رفاهية المنتجعات والنوادي الخاصة».

ويشير هندي إلى أن الدراسات الحديثة أثبتت أن التعرض للطبيعة حصن منيع يخفف من حدة القلق والتوتر، ويحسن المزاج، ويزيد من القدرة على التركيز والتأمل، ويمنح شعوراً بالرضا والانتماء، ويعزز الإحساس بالآدمية ويحد من مشاعر العزلة والوحدة النفسية، ويقي من الاكتئاب، خصوصاً عند التعرض للشمس والخضرة خلال النهار.


«الأصوات السويدية»... أفلام جديدة تبحث عن الذات

مشهد من فيلم «أحضان وقضبان» (إدارة المهرجان)
مشهد من فيلم «أحضان وقضبان» (إدارة المهرجان)
TT

«الأصوات السويدية»... أفلام جديدة تبحث عن الذات

مشهد من فيلم «أحضان وقضبان» (إدارة المهرجان)
مشهد من فيلم «أحضان وقضبان» (إدارة المهرجان)

عكست الأفلام المعروضة ضمن برنامج «الأصوات السويدية» للأفلام القصيرة في النسخة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية»، نبرة إنسانية تنشغل بأسئلة الهوية والذاكرة والبحث عن الذات في عالمٍ يتسارع إيقاعه ويزداد فيه الشعور بالاغتراب.

الأعمال الخمسة، التي عُرضت ضمن البرنامج، تقاطعت فيها الشخصيات عند لحظات دقيقة من الانكسار أو التردد، حيث يصبح كل منها عالقاً بين ما كان وما يمكن أن يكون، سواء في علاقة عائلية مثقلة بالغياب، أم لقاء عابر يعيد فتح جروح قديمة، أم تجربة فردية تنزلق نحو الخطر، أم حتى في مواجهة قاسية مع فكرة التخلي عن اللغة بوصفها جزءاً من الذات.

ويقدّم فيلم «دوامة»، للمُخرجة سوسي شمّون، قصة تجربة مراهق يجد نفسه منجذباً إلى عالم المقامرة الإلكترونية، في رحلة تبدأ برغبة بريئة في تحقيق حلم صغير، قبل أن تتحول تدريجياً إلى انزلاق داخل دائرة مغلقة من الإغراء والخسارة.

ويرصد الفيلم التحولات النفسية للشخصية، فيتبدل الإحساس الأولي بالانتصار إلى حالة من التورط والإنكار، في بناء درامي يتصاعد بهدوء ليطرح رؤية نقدية لواقعٍ باتت فيه المخاطر الرقمية في متناول المراهقين، دون الوقوع في المباشرة.

أما فيلم «الغسيل»، للمخرج فيلسون علي، فينطلق من موقف بسيط داخل مغسلة شِبه خالية، لكنه سرعان ما يتحول إلى مساحة مشحونة بالمشاعر المتراكمة بين حبيبين سابقين، فيلتقط المنطقة الرمادية بين القطيعة والحنين، مع تسلل المشاعر القديمة عبر مواقف عفوية ومشاغبات خفيفة، لتكشف عما لم يُحسَم بعد.

ويميل المُخرج عاصي كسوحة، في فيلمه «دعني أفتح الباب»، للاعتماد على الإيقاع البطيء، والصمت بوصفه أداة تعبير رئيسية، فيخلق الفيلم حالة من التوتر الهادئ بين شخصيتين تتقاطع طُرقهما في لحظات عابرة، لكنها محمّلة بإحساس ثقيل بالعزلة والرغبة في التواصل.

عرض فيلم «غني أغنيتي» ضمن فعاليات البرنامج (إدارة المهرجان)

ويحمل فيلم «أحضان وقضبان»، للمخرج محمد فارس المجدلاوي، بُعداً إنسانياً عميقاً، مع تناوله علاقة أب بابنته تتشكل على أنقاض سنوات طويلة من الغياب القسري. مع عودة الأب، لا تبدو المصالحة أمراً سهلاً أو مباشراً، بل عملية بطيئة ومؤلمة تستند إلى رسائل قديمة تحاول سدّ فجوة زمنية لا يمكن تعويضها بالكامل.

أما فيلم «غنّي أغنيتي»، للمُخرجة جوليا عموري، فيطرح تصوراً يبدو مستقبلياً، لكنه شديد الارتباط بالواقع، حيث يضع شخصياته أمام خيار حادّ بين الاندماج الكامل والتخلي عن اللغة الأم، ومن خلال هذا الصراع، يتحول السؤال من كونه اجتماعياً إلى وجوديّ، وما يمكن أن يخسره الإنسان حين يساوم على جزء من هويته، لنشاهد توتراً داخلياً بين جيلين في العائلة ينظران إلى المسألة من زاويتين مختلفتين.

وبينما يؤكد مدير المهرجان محمد أبو وطفة أن هذه الأفلام تمثل تجارب سينمائية واعدة تعكس تنوعاً في الرؤى والأساليب، وتحمل أصواتاً جديدة قادرة على التعبير عن رؤيتهم، قائلاً، لـ«الشرق الأوسط»، أن «إتاحة هذه الأعمال على شاشة المهرجان تأتي انطلاقاً من الإيمان بأهمية دعم هذه التجارب ومنحها مساحة للوصول إلى جمهور أوسع»، يرى الناقد المصري محمد عاطف أن المهرجان يواصل، من خلال البرنامج، اهتمامه بعرض أفلام المُخرجين العرب في المهجر، مشيراً، في تصريحات، لـ«الشرق الأوسط»، إلى «بروز جيل من صُنّاع الأفلام السويديين من أصول عربية، الذين يقدّمون أعمالاً تنبع من واقعهم الاجتماعي وتعبّر عن تجاربهم اليومية وتعقيدات اندماجهم في المجتمع الجديد».

وأضاف عاطف أن «إتاحة هذه الأفلام داخل المهرجان تمثل فرصة مهمة لتقديمها إلى صُنّاع السينما العرب، بما يفتح آفاقاً للتلاقي والحوار، كما تمنح صورة أكثر عمقاً لحياة المُهاجر العربي وتحولات هويته»، مؤكداً أن هذا التوجه يعزّز، في الوقت نفسه، هوية المهرجان كمهرجان سويدي يحتفي بالسينما العربية في سياقاتها المختلفة.