الأديب ميخائيل نعيمة استقبل زواره وكأنه لا يزال حياً

في ذكرى وفاة ابنة شقيقه مي

سهى نعيمة تستقبل الزوار وتروي الذكريات (الشرق الأوسط)
سهى نعيمة تستقبل الزوار وتروي الذكريات (الشرق الأوسط)
TT

الأديب ميخائيل نعيمة استقبل زواره وكأنه لا يزال حياً

سهى نعيمة تستقبل الزوار وتروي الذكريات (الشرق الأوسط)
سهى نعيمة تستقبل الزوار وتروي الذكريات (الشرق الأوسط)

تُعنى سهى حداد بإرث ميخائيل نعيمة، برموش العين. تعيش مع أغراضه كأنه لا يزال حياً، تحيط نفسها بلوحاته وصوره وكتبه ومخطوطاته ورسومه وأقلامه، وتستقبل زواره وتحدثهم عنه، بحماسة، وعن عاداته وسلوكياته.

سهى تقرأ لزوارها رسالة جدو ميشا لوالدتها (الشرق الأوسط)

هذه المرة ضربت، سهى «حامية الإرث» موعداً جديداً، لزوار المنزل (المتحف) حيث تعيش. توافد المدعوون طوال هذا النهار الشتوي الذي يصادف مرور 14 عاماً على وفاة والدتها (مي ابنة شقيق ميخائيل نعيمة). تقول لنا سهى: «المنزل مفتوح طوال السنة بناء على موعد، لكن 3 أيام يشرع فيها المتحف أبوابه دون سابق تخطيط، يوم ولادة الأديب ويوم وفاته، وتاريخ وفاة والدتها، ملاك ميخائيل نعيمة الحارس، التي اعتنت به حتى عاجله الأجل».

مكتب نعيمة (الشرق الأوسط)

بهذه المناسبة تقف سهى بين ضيوفها الذين تحلقوا في هذا النهار، وتروي أن «جدو ميشا»، كما تسميه، ما كان يعرف يوم ميلاده، يعرف فقط أنه ولد سنة 1889. وبعد عودته من أميركا سمع في حلمه صوتاً يقول له بإلحاح ويكرّر باللغة الإنجليزية: 17 أكتوبر. من يومها قرر أن يعتمد هذا التاريخ يوماً لميلاده بشكل رسمي.

مدخل المنزل المتحف (الشرق الأوسط)

حين تصل إلى المبنى الذي يقع فيه المنزل، في المطيلب (منطقة المتن) تقرأ على العمارة يافطة كبيرة كتب عليها: «ميخائيل نعيمة». على باب البيت في الطابق الأول، تستقبلك صورة عناقيد عنب إلى جانبها، عبارة مؤطرة مستلّة من كتاب الأديب «كرم على درب»، تقول: «كرمي على درب فيه الحصرم وفيه العنب. فلا تلمني يا عابر السبيل إن أنت أكلت منه فضرست». وتحت العبارة سلة من الحلوى، لا بد أن تتناول منها واحدة في ضيافة أديبك. تلتفت صوب الجرس الذي كُتب عليه اسم ميخائيل نعيمة، وفوقه صورته مذيلة بعبارة «يا ميّ يا شمسي ويا قمري!» بخط يده المرتجف. تقول سهى إنها تقصّدت أن يبقى الاسم على الجرس ليشعر الزائر بمهابة المكان.

ميخائيل نعيمة مع مي ابنة شقيقه (الشرق الأوسط)

البيت من الداخل بأثاثه وترتيبه، هو من صنيع ميخائيل نعيمة. «الصالة تماماً كما أرادها ورتب كنباتها. هنا على الجهة اليمنى من الكنبة الكبيرة كان يجلس أو على الكنبة الصغيرة التي إلى جوارها. هذا هو مكانه المفضل»، تخبرنا سهى. أما على طاولة الطعام فكان يجلس على رأسها، وهي تجلس على الطرف الآخر لإتمام دروسها.

نظارات نعيمة المعروضة في متحفه (الشرق الأوسط)

«كل شيء هنا من منتوج فكر جدو ميشا. على هذه الطاولة أكلنا وشربنا معاً، وصدّر للعالم ستة كتب، آخر 20 سنة من حياته». تقصد هنا كتاب «يا ابن آدام» الذي صدر 1969 و«نجوى الغروب» الذي ناجى فيه ربه مع غروب عمره 1973، و«من وحي المسيح» 1974، و«ومضات»، ومن ثَمّ «التاج والصولجان» الكتاب الذي لم ينته، لكن يتم العمل من أجل نشره قريباً. أما ترجمة كتابه «اليوم الأخير»، و«من وحي المسيح» فقد تم الانتهاء من ترجمتهما.

لوحة رسوم لميخائيل نعيمة (الشرق الأوسط)

قرب طاولة الطعام يلفتك إطار كبير، وضعت داخله مجموعةٌ من الرسوم، لوجوه، وأحياناً عدة وجوه تتداخل مع بعضها بعضاً، وغالباً ما تُحاط الرسوم بدوائر رحمية الشكل. «هذه أنجزها نعيمة بقلمه. لم يكن رساماً لكنه كان يحب الرسم وينكب عليه، وقد نشر بعضاً منها في كتبه».

الآلة الكاتبة لناسك الشخروب (الشرق الأوسط)

ولد ناسك الشخروب في بسكنتا، لكنه كان ينتقل في الشتاء إلى منزله في الزلقا (شمال بيروت)، يسكن مع ابنة شقيقه مي وابنتها سهى. وقضى السنوات العشرين الأخيرة من حياته معهما. تلك كانت السنوات العشرين الأولى من حياة سهى حداد نعيمة، التي وُلدت وله من العمر 80 سنة. هكذا هو الذي رباها ورعاها وتكفّل بها، وكان والدها قد تُوفي. ورحل نعيمة في الزلقا، مع مي وابنتها، لكن المؤجرين بعد رحيله طالبوا بالشقة. قرّرت سهى أن تنقل كل حاجيات جدها ميشا إلى المطيلب، وتعيد تركيب الشقة، تماماً كما كانت. وبمقارنة صور المنزلين، تعرف كم كانت حريصة حتى على تعليق اللوحات والصور كما كانت موجودة في المنزل الأصل.

مكتبة ناسك الشخروب (الشرق الأوسط)

الصالة مليئة بصور ميخائيل نعيمة الفردية والعائلية. والبيت مسكون باللوحات التي فيها عبارات من كتبه، سطرها له خطاطون علقت في أرجاء البيت.

تقودنا سهى إلى غرفة نوم الأديب الراحل التي فيها سريره وسرير آخر لشقيقه الذي كان ينام إلى جانبه حين يأتي لزيارته، ومكتبه ومكتبته، وخزانته، والشنط القديمة التي كان يستخدمها في تسفاره مرتّبة على الخزانة. في مكتبته كُتب عربية عكس الموجودة في بسكنتا حيث كتبه الأجنبية. وهنا أيضاً نُسخٌ من مؤلفاته، ومنفضة سجائره وصورة كبيرة له. وعلى مكتبه مجموعة صور، والقرود الثلاثة التي لا تسمع ولا ترى ولا تتكلم، والبطارية التي كان يستخدمها عندما تنقطع الكهرباء.

سرير ميخائيل نعيمة وعليه عباءته (الشرق الأوسط)

على سريره الذي تقول سهى إنها أعادته تماماً كما كان، بشرشفه الأصفر، هنا مدّدت عباءته التي كنا نراه يلبسها في صوره الشهيرة. وتسرّ لنا سهى بأنها رفضت غسل بطانيته منذ وفاته كي تحتفظ برائحته فيها. لكنها وضعت أبجورته وأضاءتها، وكأنه هنا ليقرأ. وفي غرفة نوم مجاورة تحتفظ سهى بأغراضها الخاصة. هنا ينتهي حدود المتحف، وتبدأ خصوصية صاحبة الدار التي أبقت لنفسها هذه الغرفة الوحيدة التي لا يختلط فيها الخاص بالعام. أما غرفة الجلوس حيث وضعت التلفاز وعلقت لوحات لنعيمة، فتجلس سهى وتشرح لضيوفها: «كان متفوقاً في كل مراحله الدراسية. ذهب إلى واشنطن مع إخوته، والتحق بجامعة سياتل في شتاء عام 1912 وتخرج باختصاصين في وقت واحد: الأدب الإنجليزي والحقوق. لكنه لم يمارس مهنة المحاماة، ولم يكن يحب المحامين. وله جمله شهيرة، يقول فيها، درست القانون كي أعرف أين تحاك خيوط أكفان الحق».

عام 1916 بعد التخرج ذهب إلى نيويورك حيث التقى بجبران خليل جبران، في تلك السنة، وبقيا حتى سنة 1931 التي توفي فيها الأخير، ربطتهما صلة روحانية وفكرية، وأسّسا الرابطة القلمية.

شنط سفر الأديب (الشرق الأوسط)

«لم يحب ميخائيل نعيمة أميركا على الإطلاق لشدة ما هي مادية. كان يسميها (الدردور الأكبر)، لأن كل ما فيها يدور من أجل الدولار».

على أحد الجدران صفحات كُتبت بخط يد نعيمة، ورسالة حب كتبها إلى راعيته مي. تقف سهى وتقرأها لضيوفها: «منذ قُدّر لي أن أعيش وإياك وابنتك الحبيبة سهى، وأنا أحس أحسن الإحساس أن حياتي تقوم على ركيزيتين. وهاتان الركيزتان هما: المسيح في السماء، وأنت على الأرض. لقد حباك الله إلى جمال الصورة، جمال الفطرة. فأنت مفطورة على حب الصدق والأمانة والنظافة والترتيب في كل شيء حتى في أتفه الأمور. طعامك شهي، وكأس الماء من يدك، كأس من الراحة. بيتك ما شكى الفوضى في أي ساعة من ساعات النهار أو الليل، وضيفك معزّز ومكرم، حتى ليشعر أنه صاحب البيت ويصحّ فيه قول الشاعر: يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا، نحن الضيوف وأنت ربّ المنزل». تدمع سهى وهي تقرأ هذا النص، حتى لا تقوى على إكمال القراءة. فهذه ذكرى والدتها، والعلاقة غير العادية التي ربطت هذا الثلاثي الذي يحمل اسم (ميماسونا) جامعاً الحروف الأولى من أسمائهم واسم العائلة. وهو أيضاً اسم الجمعية التي شكّلتها كي تحمل عبء الإرث من بعدها.

في هذه الأجواء العائلية الحارة عاش ميخائيل نعيمة، ومحاطاً بحب مي وسهى لفظ أنفاسه الأخيرة على سرير، كأنه لا يزال ينتظره. وفي إطار عرضت آلة، كان يطحن بها القهوة، وفي إطار آخر، علّقت فردة لجواربه. كل قطعة في هذا المنزل تحكي سيرة أديب، كان شاهداً على قرن من التاريخ. تُوفي عن 99 سنة، لكن سهى تريد له أن يبقى حياً في ذاكرتنا، وتدعو الجميع لأن يعودوا لتحكي لهم أكثر في المرة المقبلة. فلا يزال في جعبتها الكثير.


مقالات ذات صلة

مهرجان «الثقافة والفنون» ينعش الموسم السياحي في أسوان

يوميات الشرق فرق الفنون الشعبية قدمت عروضاً متنوعة (وزارة الثقافة المصرية)

مهرجان «الثقافة والفنون» ينعش الموسم السياحي في أسوان

يمثل المهرجان منصة بارزة لدعم السياحة، وتعزيز التبادل الثقافي من خلال عروض فنية شعبية تبرز ثراء التراث المصري والعالمي، وتؤكد مكانة أسوان مركزاً للتلاقي الحضاري

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق رؤية ملامح وجه المتوفى بعدما أعاد العلماء بناء صورته (فريق الآثار الكرواتي)

وجه «مصّاص دماء» يظهر للمرة الأولى منذ أكثر من 400 عام

للمرة الأولى منذ أكثر من أربعة قرون، ظهر وجه رجل وُصف بأنه «مصّاص دماء»، بعدما تعرّضت رفاته لتشويه متعمّد بعد وفاته، في محاولة لمنع عودته من الموت.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق تستعد لإطلاق حملات تعزز صورة المرأة في العالم الرقمي (بيرلا حرب)

بيرلا حرب: الثقة بالنفس أقوى من تنمّر المنصات

تقول «ملكة جمال لبنان»، بيرلا حرب، إن «شخصياتنا لا تحدِّدها وسائل التواصل الاجتماعي ولا آراء الآخرين، بل ثقتنا بأنفسنا».

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق صورتها بعد شد الوجه (إنستغرام)

هل أفقدت عملية التجميل الممثلة ليتيسيا كاستا جاذبيتها؟

رغم الأناقة الباذخة للحسناء الفرنسية ليتيسيا كاستا، فإن المعجبين بها لاحظوا لجوءها إلى جراحة تجميلية لشد الوجه.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق تطابق الحمض النووي للتوأمين أربك جهود المحققين لتحديد مطلق النار (بيكسباي)

تطابق الحمض النووي لتوأمين يعقّد تحديد مرتكب جريمة قتل بفرنسا

أربك توأمان متماثلان يُحاكمان في فرنسا بتهمة القتل جهود المحققين لتحديد مطلق النار؛ بسبب تطابق حمضهما النووي، وفقاً لوسائل إعلام فرنسية.

«الشرق الأوسط» (باريس)

دواء للكلى يمنح أملاً في استعادة خصوبة النساء

الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)
الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)
TT

دواء للكلى يمنح أملاً في استعادة خصوبة النساء

الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)
الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)

توصلت دراسة أجراها باحثون في جامعة هونغ كونغ، إلى أن دواءً شائع الاستخدام لعلاج أمراض الكلى، قد يمثل حلاً واعداً لعلاج العقم لدى النساء المصابات بقصور المبايض المبكر.

وأوضح الباحثون أن هذه النتائج تشكِّل تحولاً مهماً في فهم آليات العقم المرتبط بهذه الحالة وسبل علاجه. ونُشرت النتائج، الاثنين، بدورية «Science».

وقصور المبايض المبكر هو حالة طبية تتوقف فيها المبايض عن أداء وظائفها الطبيعية قبل سن الأربعين، مما يؤدي إلى انخفاض مستويات هرمون الإستروجين، وتأخر أو توقف نمو الجريبات التي تحتوي على البويضات. ونتيجة لذلك تبقى البويضات في حالة خمول، وهو ما يعيق الخصوبة ويجعل العلاجات التقليدية لتحفيز الحمل أقل فعالية. وتشمل الأعراض الشائعة لهذه الحالة الهبَّات الساخنة، والتعرق الليلي، واضطرابات الدورة الشهرية، بينما تقتصر العلاجات المتاحة حالياً على تخفيف هذه الأعراض دون معالجة السبب الجذري للمشكلة.

وخلافاً للنهج التقليدي الذي يركز على البويضات نفسها، وجَّه الفريق اهتمامه إلى البيئة المحيطة بالبويضات داخل المبيض، والمعروفة باسم السدى المبيضي.

وأظهرت الدراسة أن تنشيط البويضات الخاملة يتطلب وجود بروتين محدد يُعرف باسم «Kit ligand»، وأن نقص هذا البروتين، نتيجة تراكم التليُّف والكولاجين داخل المبيض، يعيق نمو الجريبات ويمنع تطورها.

وفي هذا الإطار، فحص الباحثون نحو 1300 دواء معتمد من إدارة الغذاء والدواء الأميركية على خلايا مبيضية، صُممت لتصدر إشارة ضوئية عند إنتاج بروتين «Kit ligand».

وأسفر الفحص عن تحديد دواء «فينيرينون»، المستخدم في علاج أمراض الكلى المزمنة المرتبطة بالسكري من النوع الثاني، بوصفه أحد أكثر الأدوية قدرة على تحفيز إنتاج هذا البروتين، وتحسين البيئة المحيطة بالبويضات.

وأظهرت التحاليل أن النساء المصابات بقصور المبايض المبكر يعانين من تراكم مفرط للكولاجين داخل المبيض، ما يؤدي إلى تصلُّب الأنسجة وفقدانها مرونتها الطبيعية، على نحو يشبه التليُّف أو الندبات.

ويعمل «فينيرينون» على تثبيط مستقبلات تسهم في هذا التليُّف، مما يقلل تراكم الكولاجين ويعيد للمبيض ليونته وتوازنه الكيميائي.

وللتأكد من الدور الحاسم للبيئة المحيطة بالبويضات، قام الباحثون بزرع جريبات خاملة في مبايض متصلبة ومليئة بالندبات، فلم تُظهر أي نشاط يُذكر. في المقابل، عندما زُرعت الجريبات نفسها في مبايض عولجت بدواء «فينيرينون»، بدأت الجريبات في النمو والتطور.

وانتقل الفريق لاحقاً إلى تجربة سريرية أولية شملت 14 امرأة شُخِّصن بقصور المبايض المبكر. وتلقت المشاركات جرعة مقدارها 20 ملِّيغراماً من الدواء مرتين أسبوعياً. وأظهرت النتائج أن عدداً من المتطوعات شهدن تطور الجريبات الخاملة إلى بويضات ناضجة، جرى سحبها وتلقيحها بنجاح في المختبر.

وخلص الباحثون إلى أن «تخفيف التليُّف في أنسجة المبيض باستخدام أدوية مضادة للتليُّف أُعيد توظيفها يفتح آفاقاً واعدة لاستعادة الخصوبة، لدى المريضات المصابات بقصور المبايض المبكر».

وأكدوا أن الخطوة التالية تتمثل في إجراء تجارب سريرية أوسع نطاقاً، للتحقق من فاعلية العلاج وسلامته، قبل اعتماده على نطاق واسع، ما قد يمنح أملاً جديداً لآلاف النساء حول العالم في تحقيق حلم الإنجاب.


تمارين قصيرة لعلاج نوبات الهلع

البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)
البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)
TT

تمارين قصيرة لعلاج نوبات الهلع

البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)
البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)

كشفت دراسة سريرية برازيلية أن ممارسة تمارين رياضية قصيرة ومتقطعة عالية الشدة يمكن أن تُعد علاجاً فعالاً لنوبات الهلع، دون الحاجة إلى أدوية.

وأوضح الباحثون من جامعة ساو باولو، أن هذه التمارين تتفوق في نتائجها على بعض الأساليب التقليدية المستخدمة في العلاج النفسي، ونُشرت النتائج، الاثنين، في دورية «Frontiers in Psychiatry».

ونوبات الهلع هي نوبات مفاجئة من خوف شديد وحاد، تظهر دون إنذار واضح، وتبلغ ذروتها خلال دقائق قليلة، وتترافق مع أعراض جسدية قوية، مثل تسارع ضربات القلب، وضيق التنفس، والتعرُّق، والدوار، وألم الصدر، إلى جانب إحساس بفقدان السيطرة أو قرب الموت.

ويُقدَّر أن نحو 10 في المائة من الأشخاص في العالم يمرون بنوبة هلع واحدة على الأقل خلال حياتهم، بينما يعاني ما بين 2 و3 في المائة من السكان من نوبات متكررة وشديدة، تصل إلى حد اضطراب الهلع، وهو حالة نفسية مُنهِكة.

ويعتمد العلاج القياسي لاضطراب الهلع على العلاج السلوكي المعرفي، وقد يرافقه أيضاً مضادات الاكتئاب.

أُجريت الدراسة على 102 رجل وامرأة بالغين تم تشخيصهم باضطراب الهلع، في تجربة سريرية محكومة استمرت 12 أسبوعاً. وقُسِّم المشاركون إلى مجموعتين، خضعت كل منهما لثلاث جلسات أسبوعياً، دون استخدام أي أدوية طوال فترة التجربة.

ومارست المجموعة التجريبية تمارين تضمنت إطالة عضلية، ثم 15 دقيقة مشياً، ثم من 1 إلى 6 فترات للجري عالي الشدة لمدة 30 ثانية، تتخللها فترات تعافٍ نشط، مع إنهاء الجلسة بالمشي.

أما المجموعة الضابطة فخضعت لتمارين استرخاء عضلي موضعي، تُستخدم عادة في العلاج السلوكي المعرفي. وارتدى جميع المشاركين أجهزة لمراقبة المؤشرات الحيوية في أثناء التمارين.

واعتمد الباحثون على مقياس الهلع (PAS) كمؤشر أساسي لقياس التغير في شدة الأعراض خلال 24 أسبوعاً، إضافة إلى مقاييس القلق والاكتئاب، وتقييم ذاتي لتكرار وشدة نوبات الهلع، مع تقييم مستقل من طبيب نفسي لا يعرف نوع العلاج الذي تلقاه كل مشارك.

وأظهرت النتائج تحسناً في كلتا المجموعتين، ولكن التحسُّن كان أكبر وأسرع لدى مجموعة التمارين المكثفة، سواء من حيث انخفاض شدة الأعراض، أو تقليل عدد نوبات الهلع وحدَّتها. كما استمرت الآثار الإيجابية لمدة لا تقل عن 24 أسبوعاً.

وخلص الباحثون إلى أن التمارين القصيرة عالية الشدة تمثل وسيلة أكثر فاعلية من تمارين الاسترخاء في علاج اضطراب الهلع، مع ميزة إضافية هي ارتفاع تقبُّل المرضى واستمتاعهم بها، ما يعزز الالتزام بالعلاج.

وقال الدكتور ريكاردو ويليام موتري، الباحث الرئيسي للدراسة بجامعة ساو باولو: «تظهر دراستنا أن برنامجاً من التمارين المكثفة القصيرة والمتقطعة لمدة 12 أسبوعاً، يمكن استخدامه كاستراتيجية فعالة للتعرُّض الداخلي في علاج مرضى اضطراب الهلع».

وأضاف موتري عبر موقع الجامعة: «يمكن لمقدمي الرعاية الصحية استخدام التمارين المكثفة المتقطعة كوسيلة طبيعية ومنخفضة التكلفة للتعرّض الداخلي، ولا يشترط إجراؤها داخل عيادة طبية، ما يجعلها أقرب إلى حياة المريض اليومية، ويمكن دمجها أيضاً ضمن نماذج علاج القلق والاكتئاب».


هيلين غيريتسن: مهرجان برلين يعيد اكتشاف الأفلام الكلاسيكية

هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)
هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)
TT

هيلين غيريتسن: مهرجان برلين يعيد اكتشاف الأفلام الكلاسيكية

هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)
هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)

في مهرجان برلين السينمائي لا تُعرض الأفلام القديمة بدافع الحنين، بل بوصفها جزءاً من نقاش مفتوح حول التاريخ والسياسة والتحولات الاجتماعية، هذا المنظور تتبناه هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني»، ورئيسة قسمي «الاستعادات السينمائية» و«كلاسيكيات برليناله» في النسخة الـ76 من المهرجان السينمائي الذي ينطلق من 12 إلى 22 فبراير (شباط) الحالي.

وبهذا الصدد تقول هيلين غيريتسن لـ«الشرق الأوسط» إن البرنامجين ينطلقان من منطق مختلف عن فكرة الاحتفاء بالماضي لمجرد كونه ماضياً؛ فالأفلام المختارة لا تُعرض بوصفها وثائق تاريخية جامدة، بل بوصفها أعمالاً حية قادرة على الحوار مع الحاضر، وإثارة أسئلة معاصرة حول السلطة والهوية والتحولات الاجتماعية.

وأوضحت أن برنامج «كلاسيكيات برليناله» يعتمد على نظام التقديم المفتوح، حيث تستقبل إدارة المهرجان أفلاماً من مؤسسات أرشيفية ودور حفظ التراث السينمائي حول العالم، وهذه الأفلام تكون قد خضعت لعمليات ترميم حديثة، وغالباً ما تُعرض للمرة الأولى عالمياً أو أوروبياً ضمن فعاليات المهرجان، ومن ثم لا يعتمد البرنامج على فكرة واحدة أو موضوع محدد، بل يقوم على عملية مشاهدة دقيقة، واختيار لما تراه مناسباً لجمهور برلين في كل دورة.

وترفض غيريتسن التعامل مع مفهوم الكلاسيكيات بوصفه قائمة مغلقة أو متفقاً عليها مسبقاً، فبرأيها لا ينبغي النظر إلى الكلاسيكيات على أنها أفلام رسخت مكانتها، وانتهى النقاش حولها، بل ترى أن المهرجانات تلعب دوراً أساسياً في إعادة تعريف ما يمكن عده فيلماً كلاسيكيا اليوم، عبر تسليط الضوء على أعمال مهمشة أو منسية، أو لم تحصل في وقتها على التقدير الذي تستحقه.

أما برنامج «الاستعادات»، هذا العام، فينطلق من قراءة تاريخية لمدينة برلين نفسها، فالعاصمة الألمانية بالنسبة لغيريتسن ليست مجرد خلفية جغرافية، بل مدينة شكّلتها تحولات سياسية واجتماعية عميقة، ورغم أن سقوط جدار برلين يظل لحظة مركزية في تاريخها فإن التركيز في البرنامج لا يتوقف عند تلك اللحظة فقط، بل يمتد إلى العقد الذي تلاها، أي تسعينيات القرن الماضي التي تصفها بأنها «فترة مضطربة ومفصلية على مستوى العالم كله.

يشهد المهرجان اختيارات مختلفة ضمن برامجه (إدارة المهرجان)

تؤكد غيريتسن أن تلك المرحلة شهدت تحولات كبرى لم تقتصر على ألمانيا وحدها، بل شملت انهيار الاتحاد السوفياتي، وتفكك أنظمة سياسية واقتصادية في مناطق واسعة من العالم، مشيرة إلى أن أكثر من 140 مليون إنسان وجدوا أنفسهم فجأة داخل واقع جديد، لكن كل مجموعة عاشت هذه التحولات من زاوية مختلفة وبشروط غير متكافئة.

ففي الغرب، ساد آنذاك اعتقاد واسع بأن الانتقال إلى اقتصاد السوق سيقود تلقائياً إلى الديمقراطية، وهو تصور تصفه غيريتسن اليوم بـ«الساذج»؛ إذ سرعان ما اتضح أن الواقع أكثر تعقيداً وأن النظام العالمي الذي تشكل بعد الحرب الباردة لم يحقق الوعود التي رُوّج لها، وتستحضر في هذا السياق أطروحات مثل تلك التي قدمها فرانسيس فوكوياما حول نهاية التاريخ والتي افترضت أن انتصار الرأسمالية يمثل نهاية الصراعات الكبرى.

وترى غيريتسن أن السينما كانت أكثر وعياً بهذه التعقيدات من الخطاب السياسي السائد آنذاك، خصوصاً في السينما المستقلة والسينما الأميركية السوداء التي عبّرت بوضوح عن خيبة أمل تجاه الوعود الاقتصادية والسياسية التي لم تنعكس على حياة الجميع، لافتة إلى أن كثيراً من أفلام التسعينيات التقطت هذا التوتر مبكرا، وسجلته بلغة سينمائية صريحة.

تحظى الأفلام الكلاسيكية بإقبال لافت في العروض بمهرجان برلين (إدارة المهرجان)

ولا يركز برنامج «الاستعادات» على اسم مخرج بعينه، ولا على نوع سينمائي محدد، بل على روح المرحلة نفسها، فالأفلام المختارة ليست أعمالاً تجارية أو جماهيرية، بل أفلام لمخرجين تعاملوا مع السينما بوصفها أداة لفهم الواقع وليس للهروب منه، وتشترك هذه الأعمال في اهتمامها برصد القلق والتحول والانكسار أكثر من الاحتفاء بالانتصارات أو الشعارات الكبرى.

وعن الحضور العربي داخل برنامج «كلاسيكيات برليناله» توضّح غيريتسن أن الأمر يرتبط أساساً بما يُقدَّم للمهرجان من مواد، فاختيارات البرنامج تعتمد بالكامل على أفلام تصل من مؤسسات أرشيفية وشركاء ترميم، مشيرة إلى أن التواصل التاريخي بين المؤسسات العربية و«برليناله» ظل محدوداً مقارنة بمهرجانات أخرى مثل «كان السينمائي»، حيث ارتبطت كثير من أرشيفات المنطقة بالعالم الفرنكوفوني أكثر من ارتباطها ببرلين.

وتلفت غيريتسن إلى أن السينما العربية الحديثة نسبياً ما زالت في طور بناء مؤسسات حفظ وترميم قوية، مع استثناء واضح لمصر التي تمتلك تاريخاً سينمائياً أطول، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى تطورات إيجابية في السنوات الأخيرة، من بينها استضافة مدينة الرباط مؤتمر الاتحاد الدولي للأرشيفات السينمائية، وهو ما ترى فيه خطوة مهمة نحو تعزيز حضور السينما العربية مستقبلاً.

تتوقف غيريتسن أيضاً عند العلاقة المتنامية بين الجمهور والسينما الكلاسيكية مشيرة إلى أن مهرجانات متخصصة في هذا المجال تشهد إقبالاً متزايداً، خصوصاً من جمهور شاب يبحث عن بدائل للإنتاجات المتشابهة التي تهيمن على المنصات الرقمية، مؤكدة أن السينما الكلاسيكية تقدم إيقاعاً مختلفاً ومساحة أوسع للتأمل في الزمن والشخصيات، لكنها لا تتجاهل التحديات التي تفرضها بعض الأفلام القديمة، خصوصاً تلك التي تحتوي على صور نمطية أو تمثيلات صادمة وفق معايير اليوم، سواء فيما يتعلق بالنساء أم الأقليات أم الشعوب الأخرى.