جينات سرطان الثدي... تهدّد صحة الرجال

ترتبط بسرطانات البروستاتا والبنكرياس والمعدة

جينات سرطان الثدي... تهدّد صحة الرجال
TT

جينات سرطان الثدي... تهدّد صحة الرجال

جينات سرطان الثدي... تهدّد صحة الرجال

عندما اكتشفت ماري كلير كينغ، أول جين على صلة بسرطان الثدي الوراثي عام 1990، تعيّن عليها اختيار اسم له. وبالفعل، استقرت على أربعة حروف «بي آر سي إيه» (BRCA)، وهو الاسم الذي حمل ثلاثة معانٍ مميزة. وجاء اختيار هذا الاسم تكريماً لجامعة «كاليفورنيا» ببيركلي؛ حيث كانت تعمل كينغ آنذاك. الأهم من ذلك، حمل الاسم إشارة إلى بول باروكا، الطبيب الفرنسي الذي عاش في القرن الـ19، والذي أقرّت أبحاثه وجود صلة بين التاريخ الصحي العائلي والإصابة بسرطان الثدي. كما حمل الاسم الجديد اختصاراً لمرض سرطان الثدي «breast cancer».

جينات سرطان الثدي

في غضون سنوات قليلة من اكتشاف كينغ «BRCA1»، جرى اكتشاف جين آخر «BRCA2». واليوم، نال هذان الجينان شهرة ربما تفوق أي جين آخر، وتعزّزت صورتهما عبر أبحاث كشفت عن تأثيرات هائلة لهما على خطر الإصابة بالسرطان. وأعقب ذلك إطلاق حملات توعية بخصوص الجينين.

وفي مقال رأي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» عام 2013، كشفت الممثلة أنجلينا جولي خضوعها لعملية استئصال الثديين الوقائية، بسبب طفرة جين «BRCA» لديها، مما دفع الكثير من النساء إلى إجراء اختبارات حمض نووي.

وبالفعل، أصبح جينا «BRCA» على صلة وثيقة بالثديين، بقدر ما أصبحت الشرائط الوردية رمزاً دولياً لسرطان الثدي. ومع تحفيز المزيد من النساء نحو محاولة اكتشاف ما إذا كان لديهن طفرات «BRCA»، ساعد ذلك بدرجة هائلة في تقليص مخاطر الإصابة بسرطان الثدي الوراثي.

طفرات سرطانية

ومع ذلك، على مدار العقود الثلاثة منذ اكتشاف الجينين، تعلّم العلماء كذلك أن طفرات «BRCA» يمكن أن تسبّب الإصابة بالسرطان في المبايض والبنكرياس والبروستاتا. وفي الآونة الأخيرة، جرى الربط بين هذه الطفرات وظهور السرطان بأجزاء أخرى من الجسم، مثل: المريء، والمعدة، والجلد.

وتشير تقديرات إلى أن ما يصل إلى 60 في المائة من الرجال الذين لديهم تغيرات في جين «BRCA2»، يُصابون بسرطان البروستاتا. ومع ذلك، نجد أن الرجال أقل وعياً عن النساء بفكرة أن طفرات جين «BRCA» يمكن أن تؤثر فيهم.

وفي حديث دار بيني وبين كولين بريتشارد، بروفسور الطب المخبري وعلم الأمراض بجامعة «واشنطن»، قال: «إنها مشكلة تتعلّق بالصورة العامة»، مشيراً إلى أن الرجال الذين لديهم تاريخ عائلي من الإصابة بسرطان الثدي، ربما لا يدركون أن من الضروري خضوعهم للفحص. كما يفتقر الأطباء إلى الوعي اللازم بخصوص الرجال الذين يجب أن يخضعوا للفحص، وطبيعة الخطوات التي يجب اتخاذها عند اكتشاف طفرة.

واليوم، يعمل بريتشارد وباحثون آخرون على إعادة تسمية جين «BRCA»، والمتلازمة المرتبطة به، بهدف دفع المزيد من الرجال إلى إجراء الاختبار اللازم.

في العادة، تنتج جينات «BRCA» بروتينات تساعد في إصلاح الحمض النووي التالف في جميع أنحاء الجسم. ويجري تشخيص معظم الأشخاص الذين يحملون طفرات تضعف وظيفة الجين، بمتلازمة سرطان الثدي والمبيض الوراثي. (يعني وجود عرض سرطان الثدي والمبيض الوراثي، أن الشخص معرّض لخطر متزايد للإصابة بالسرطان، وليس أنه مصاب بالفعل بالمرض).

واللافت أنه لا يوجد رابط وراثي معروف فيما يتعلّق بمعظم حالات سرطان الثدي، ومع ذلك فإن أكثر من 60 في المائة من النساء المصابات بطفرة ضارة في «BRCA1» أو «BRCA2»، يتعرّضن للإصابة بسرطان الثدي، مقارنة بنحو 13 في المائة من السكان الإناث على نطاق أوسع.

سرطانا البروستاتا والبنكرياس

وبطبيعة الحال، يمكن أن يُصاب الرجال بسرطان الثدي كذلك، لكن يبقى ها الأمر نادر الحدوث، حتى بين حاملي طفرة «BRCA».

يُذكر أنه لم تتضح بعد الأهمية الكاملة للرابط بين طفرات «BRCA» وسرطاني البنكرياس والبروستاتا حتى وقت قريب فقط. ربما العقد الماضي، حسبما أفاد بريتشارد. وتبعاً للدراسات القائمة، ثمة تنوّع كبير في المخاطر المحددة الناجمة عن هذه الطفرات المتعلقة بالرجال. ومع ذلك، يبقى أمر واحد شديد الوضوح: الرجال الذين يحملون طفرات «BRCA» ليسوا أكثر عرضة للإصابة بسرطان البروستاتا فحسب، بل يواجهون كذلك خطر الإصابة بصور أكثر عدوانية من المرض.

وبحسب الإحصاءات، فإن نحو واحد من كل 400 شخص يحمل طفرة ضارة في «BRCA1» أو «BRCA2»، ونصفهم من الرجال. ومع ذلك، تبقى النساء أكثر احتمالاً بكثير لأن يتعرّضن لوجود طفرة؛ بمعدل يصل إلى 10 أضعاف، حسب إحدى الدراسات.

وتكشف الإحصاءات عن أن نصف الأميركيين فقط يخضعون لفحص جسدي سنوياً، ولا يدرك الأطباء دوماً ضرورة أن يوصوا بأن يخضع الرجال لاختبار «BRCA». ويبلّغ الكثير من الرجال الذين لا يخوضون اختبار طفرة «BRCA» عن إجرائهم الاختبار ذاته لبناتهم، وأظهرت دراسات أنهم يميلون إلى الشعور بالارتباك تجاه مخاطر إصابتهم بالسرطان أنفسهم. وبفضل حملات التوعية بخصوص جين «BRCA»، أقبلت الكثير من النساء على إجراء الاختبار. على سبيل المثال، في غضون الأسبوعين التاليين لظهور مقال أنجلينا جولي الذي انتشر على نطاق واسع، رصد الباحثون ارتفاعاً بنسبة 65% في معدلات إجراء اختبار «BRCA». وفي هذه الحالة، قد يخضع عدد من الأشخاص للاختبار أكثر من اللازم. ومع ذلك، فإنه بوجه عام، ساعد ارتفاع فحوصات السرطان والتدخلات الجراحية الاختيارية في تقليل معدلات الوفيات بسبب سرطان الثدي والمبيض.

التوعية بالمخاطر

ويمكن أن يؤدي نشر الوعي حول ارتباط الجينات بأنواع أخرى من السرطان إلى الأمر نفسه بين الرجال. وسعياً لتحقيق هذه الغاية، عبّر بريتشارد في تعليق له نشرته دورية «نيتشر» عام 2019، عن اعتقاده ضرورة إعادة تسمية سرطان الثدي والمبيض الوراثي «متلازمة كينغ»، تيمناً بماري كلير كينغ.

*«ذي أتلانتيك أونلاين»

- خدمات «تريبيون ميديا».



دراسة رائدة تكشف عن خصائص وراثية فريدة لسرطان الثدي لدى نساء السكان الأصليين في أميركا

دراسة رائدة تكشف عن خصائص وراثية فريدة لسرطان الثدي لدى نساء السكان الأصليين في أميركا
TT

دراسة رائدة تكشف عن خصائص وراثية فريدة لسرطان الثدي لدى نساء السكان الأصليين في أميركا

دراسة رائدة تكشف عن خصائص وراثية فريدة لسرطان الثدي لدى نساء السكان الأصليين في أميركا

نجح باحثون في إجراء أول دراسة شاملة للخصائص الجينية لأورام سرطان الثدي لدى نساء السكان الأصليين في الولايات المتحدة، كاشفين عن اختلافات جزيئية مميزة قد تؤثر في استجابة المريضات للعلاج، وربما تُسهم في تفسير ارتفاع معدلات الوفاة الناجمة عن المرض داخل هذه الفئة مقارنة بغيرها.

ونُشرت الدراسة في مجلة «npj Precision Oncology» في 17 مارس (آذار) 2026، وتمثل خطوة مهمة نحو فهم أعمق لسرطان الثدي لدى واحدة من أكثر المجموعات السكانية تهميشاً في الأبحاث الطبية.

فجوة كبيرة في أبحاث السرطان

وعلى الرغم من أن معدلات الإصابة بسرطان الثدي بين نساء السكان الأصليين أقل مقارنة بالنساء البيض فإن معدلات الوفاة الناجمة عن المرض تبقى أعلى بشكل ملحوظ. وفي الوقت الذي شهدت فيه وفيات سرطان الثدي انخفاضاً تدريجياً خلال العقود الأخيرة في معظم الفئات السكانية ظلت هذه المعدلات شبه ثابتة بين نساء السكان الأصليين.

ويرى الباحثون أن أحد الأسباب الرئيسية وراء ذلك يتمثّل في ضعف تمثيل هذه الفئة في الدراسات الجينية التي تشكل الأساس لتطوير العلاجات الحديثة.

وأوضح الباحث الرئيسي في الدراسة، أستاذ الرياضيات التطبيقية والإحصاء الحاسوبي في جامعة نوتردام في الولايات المتحدة، أحد المشرفين على الدراسة، جون لي، أن النساء من السكان الأصليين لأميركا لطالما كنّ غائبات تقريباً عن أبحاث سرطان الثدي. فبينما تضم أكبر قاعدة بيانات عالمية لسرطان الثدي، المعروفة باسم «أطلس جينوم السرطان»، بيانات أكثر من ألف مريضة، لا يوجد بينها سوى مريضة واحدة فقط من السكان الأصليين. ويعني ذلك أن معظم الفحوصات والعلاجات الحالية طُورت اعتماداً على بيانات تخص مجموعات سكانية أخرى مع افتراض أنها ستعمل بالكفاءة نفسها لدى الجميع. وأضاف لي أن هذه الدراسة تُعدّ الأولى التي تبحث بشكل متعمق في الخصائص البيولوجية لأورام الثدي لدى نساء السكان الأصليين، وهي خطوة كان ينبغي القيام بها منذ وقت طويل.

اختلافات جينية لافتة

كما حلل الباحثون عينات أورام من 17 امرأة من السكان الأصليين، وقارنوها بنحو 700 عينة أورام لنساء بيض مسجلة في مشروع «أطلس جينوم السرطان» إحدى أكبر قواعد بيانات السرطان في العالم.

وكشفت النتائج عن اختلافات واضحة في التركيبة الوراثية للأورام، شملت أنماط الطفرات الجينية وآليات استخدام الحمض النووي (دي إن إيه) ومستويات نشاط الجينات المختلفة.

وأظهرت الدراسة أن عدداً من الجينات تعرّض لطفرات بمعدلات أعلى لدى نساء السكان الأصليين مقارنة بالنساء البيض، بما في ذلك جينات تؤدي دوراً أساسياً في تمكين الجهاز المناعي من التعرف على الخلايا السرطانية ومهاجمتها.

واللافت أن بعض الطفرات المرتبطة بالجهاز المناعي ظهرت حصرياً لدى المريضات من السكان الأصليين، ولم تُسجل لدى المجموعة المقارنة.

وقال لي: «وجدنا اختلافات على جميع المستويات التي قمنا بدراستها. فهناك جينات مهمة للتعرف المناعي على الخلايا السرطانية كانت أكثر عرضة للطفرات، وبعض هذه الطفرات لم تظهر إلا لدى مريضات السكان الأصليين».

علاقة وثيقة بالجهاز المناعي

أشارت النتائج إلى أن كثيراً من الاختلافات المكتشفة يرتبط بآليات عمل الجهاز المناعي، مما يوحي بأن أورام الثدي لدى نساء السكان الأصليين قد تمتلك طرقاً مختلفة للتخفي من دفاعات الجسم الطبيعية مقارنة بالأورام لدى النساء البيض.

كما اكتشف الباحثون اختلافات في الجينات المسؤولة عن حماية الخلايا من أضرار الحمض النووي (دي إن إيه)، وهي عوامل قد تؤثر في نشوء السرطان وتطوره واستجابته للعلاج.

وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة، لأنها قد تؤثر في فاعلية العلاجات الحديثة، بما في ذلك العلاجان المناعي والكيميائي اللذان يعتمدان على تفاعلات بيولوجية محددة داخل الورم والجهاز المناعي.

ومع ذلك شدد الباحثون على أن الدراسة تهدف إلى توليد فرضيات علمية جديدة، ولا تستهدف حالياً تغيير الإرشادات العلاجية المعتمدة؛ إذ لا تزال هناك حاجة إلى المزيد من الدراسات لتأكيد النتائج.

نحو أبحاث أكثر شمولاً

ويؤكد فريق البحث أن ارتفاع معدلات الوفيات بين نساء السكان الأصليين لا يرتبط بالعوامل الوراثية وحدها، بل يتأثر أيضاً بعوامل اجتماعية واقتصادية وبيئية، بالإضافة إلى إمكانية الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية. لكن الدراسة تبرز بوضوح أهمية إشراك الفئات السكانية المختلفة في الأبحاث الطبية لضمان تطوير علاجات أكثر عدالة وفاعلية.

وتأتي هذه الدراسة ضمن مبادرة أوسع يقودها معهد «هاربر» لأبحاث السرطان في جامعة نوتردام، وتهدف إلى جمع عينات أورام من مجموعات سكانية تعاني نقصاً في التمثيل داخل الدراسات العلمية.

ويخطط الباحثون لمواصلة التعاون مع مجتمعات السكان الأصليين، إلى جانب توسيع المشروع، ليشمل نساء من دول ومناطق أخرى تعاني التهميش البحثي مثل بنما وكينيا.

اكتشافات قد تفيد الجميع

وسيتم حفظ العينات المجمعة في بنك حيوي متخصص تابع للمعهد، ليكون مورداً علمياً متاحاً للباحثين والأطباء لدراسة بيولوجيا السرطان بشكل أكثر شمولاً. ويرى الباحثون أن دراسة المجموعات السكانية المهملة غالباً ما تقود إلى اكتشافات علمية غير متوقعة تعود فائدتها على جميع المرضى.

وقال لي: «عندما تدرس مجموعة سكانية جرى تجاهلها لفترة طويلة فإنك غالباً تكتشف جوانب بيولوجية لم تكن معروفة من قبل، وهذه الاكتشافات تعمّق فهمنا للسرطان، وتساعد في نهاية المطاف على تحسين الرعاية الصحية للجميع».

وتؤكد الدراسة أن مستقبل الطب الدقيق يعتمد على تمثيل التنوع البشري في الأبحاث العلمية، بما يضمن تطوير علاجات تستند إلى بيانات تعكس جميع الفئات السكانية وليس بعضها فقط.


ميناء شحن صيني عائم بالطاقة النووية... تصميم لموانئ المستقبل

ميناء شحن صيني عائم بالطاقة النووية... تصميم لموانئ المستقبل
TT

ميناء شحن صيني عائم بالطاقة النووية... تصميم لموانئ المستقبل

ميناء شحن صيني عائم بالطاقة النووية... تصميم لموانئ المستقبل

صممت شركة «جيانغنان» لبناء السفن (Jiangnan Shipyard)، التابعة لمؤسسة بناء السفن الحكومية الصينية، منشأة ضخمة تقع في عرض البحر وتعمل في آن واحد محطةً للحاويات ومحطةً لإعادة شحن السفن بالطاقة. وستعتمد هذه الجزيرة العائمة كلياً على الطاقة النووية ومصادر الطاقة المتجددة في تشغيلها.

منصات بيئية على مسارات السفن

تسعى الشركة إلى تكرار هذا التصميم ونشر هذه المنشآت على طول أهم مسارات الشحن البحري في العالم؛ مما يفتح الباب أمام إنشاء شبكة من الموانئ في أعالي البحار، مستقلة عن موانئ أي دولة محددة. ويبدو أن الصين لم تكتفِ بالهيمنة على سلاسل التوريد العالمية للصناعات الحيوية (مثل المعادن الأرضية النادرة والمغناطيسات المستخدمة في الذكاء الاصطناعي المدمج والسيارات)، وكذلك قطاعي التصنيع وبناء السفن، بل تتطلع الآن إلى السيطرة على مسارات الشحن البحري أيضاً.

نظام بيئي جديد

صُمم هذا المفهوم -الذي كُشف عنه النقاب في معرض «بوسيدونيا» (Posidonia) الدولي للشحن في اليونان- لإنتاج وقود خالٍ من الكربون ذاتياً، وتزويد السفن الراسية بالطاقة، والعمل وفق حلقة طاقة ذاتية الاستدامة لا تنتج أي انبعاثات كربونية مباشرة. وفي حال تنفيذها، لن تحتاج هذه المنصة إلى ميناء تقليدي أو ساحل أو شبكة كهرباء وطنية؛ إذ ستكون بمنزلة ميناء مستقل قائم بذاته في عرض البحر، يؤدي مهامه التشغيلية بكفاءة.

ليست هذه المرة الأولى التي تحاول فيها الصين توسيع نفوذها عبر هياكل عائمة ضخمة؛ فالبلاد تعمل بالفعل على بناء منصات بحثية استراتيجية تهدف إلى تعزيز قوتها العلمية والجيوسياسية بعيداً عن حدودها الوطنية.

يُذكر أن قطاع الشحن البحري ينقل نحو 80 في المائة من حجم التجارة العالمية، ويُعد واحداً من أصعب القطاعات في مساعي خفض الانبعاثات الكربونية، نظراً إلى ارتباطه الوثيق ببنية تحتية تعتمد على الوقود الأحفوري، تراكمت عبر قرن من الزمان. ويأتي مقترح شركة «جيانغنان» ليقدم حلاً لهذه المعضلة الهيكلية.

وتشير الشركة إلى أن هذا المجمع سيشكل «نظاماً بيئياً جديداً للخدمات اللوجستية الخاصة بحاويات الشحن البحري الخالية من الانبعاثات»، وسيقدم «حلاً ثورياً لعملية التحول نحو الحياد الكربوني في صناعة الشحن العالمية». ويُعد هذا المشروع بمنزلة إعلان عن عزم الصين على امتلاك وتشكيل البنية الأساسية لحقبة التجارة البحرية المقبلة، بدءاً من السفن ومروراً بالوقود ووصولاً إلى الموانئ ذاتها.

آلية العمل

يتوسط المنصة مُفاعل متطور يعمل بتقنية الملح المصهور؛ وهي تقنية نووية تستخدم الملح السائل وقوداً ووسيط تبريد في آن واحد، مما يُلغي الحاجة إلى أنظمة التبريد المعتمدة على المياه التي تعتمد عليها المفاعلات التقليدية. وفي هذا الصدد، قال ممثل عن شركة «جيانغنان» خلال العرض التقديمي: «تتجنب مفاعلات الملح المصهور بطبيعتها خطر انصهار قلب المفاعل، كما تتمتع بخصائص أمان ذاتية ومزايا تمنع الانتشار النووي. فعندما يلامس الملح المصهور (المستخدم للتبريد) درجات الحرارة المحيطة، فإنه يتصلب بسرعة، مما يقلل بشكل كبير من مخاطر التسرب الناجم عن الحوادث». ففي حال حدوث أي تصدع أو اختراق، لا ينسكب الملح السائل أو ينتشر، بل يتجمد؛ إذ صُمم المفاعل بحيث تكون آلية الفشل فيه ذاتية التقييد.

وقد أثبتت الصين بالفعل كفاءة هذه التقنية؛ فهي تُشغّل حالياً مفاعلاً تجريبياً يعمل بالملح المصهور والثوريوم في مدينة «ووي» (Wuwei) الواقعة عند أطراف صحراء غوبي. وقد حقق هذا المفاعل الحراري -الذي تبلغ قدرته 2 ميغاواط- الحالة «الحرجة» (بدء التفاعل النووي المتسلسل) في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ووصل إلى كامل طاقته التشغيلية في يونيو (حزيران) 2024، كما نجح في إثبات عملية تحويل الثوريوم إلى وقود اليورانيوم في أواخر عام 2025.

كما أثبت معهد شنغهاي للفيزياء التطبيقية التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، أن مفاعل الملح المصهور القائم على الثوريوم قادر على تحويل نظير الثوريوم-232 إلى يورانيوم-233؛ ويُعد هذا الإنجاز بحد ذاته علامة فارقة علمية تثبت الجدوى التقنية لدورة الوقود النووي بأكملها. والجدير بالذكر أن الثوريوم يتوفر في الأرض بكميات أكبر من اليورانيوم، كما أن استخراجه أسهل بكثير. وبالنسبة إلى الصين، يمثل هذا الأمر قراراً استراتيجياً يتعلق بسلاسل التوريد، حيث يقلل الاعتماد على سوق اليورانيوم العالمية وما يرتبط بها من تعقيدات جيوسياسية.

اكتفاء ذاتي بالطاقة

اكتفاء ذاتي بالوقود

تستخدم المنصة الطاقة التي تولّدها لإنتاج وقود خالٍ من الكربون -بما في ذلك الأمونيا- لتشغيل عمليات الجزيرة ذاتها وتزويد سفن التغذية الكهربائية الراسية فيها بالوقود. وتعمل هذه المنظومة وفق مبدأ «الحلقة المغلقة»؛ حيث تغذي الجزيرة نفسها والسفن التي تخدمها بالطاقة، مما يُنهي اعتماد المنصة على أي سلاسل توريد خارجية للوقود.

وقد صُممت المنصة لتكون مركزاً مستقلاً للطاقة والخدمات اللوجستية، يمكن نشره في أي موقع تتطلبه مسارات الشحن العالمية. كما تتيح البنية القائمة على الوحدات النمطية للمهندسين تكرار التصميم ذاته في الموانئ والمسارات البحرية حول العالم، مما يسمح بتوسيع نطاق النظام دون الحاجة إلى إعادة تصميمه.

وتصف شركة «جيانغنان» هذا النظام بأنه «القلب الخالي من الكربون لهذا المركز». وتضم المنصة توربيناً هوائياً وألواحاً شمسية ووحدات مخصصة لإمداد الطاقة وتوليد الهيدروجين وتصنيع الوقود الأخضر؛ ويُشكّل كل ذلك بنية طاقة متعددة الطبقات وتتمتع بأنظمة احتياطية لضمان التشغيل المستمر، بغضِّ النظر عن الظروف المحيطة.

ولا تُعد هذه الخطوة الأولى لشركة «جيانغنان» في مجال النقل البحري العامل بالطاقة النووية؛ فقبل مشروع هذه الجزيرة العائمة، كانت الشركة قد كشفت عن مخططات لسفينة شحن عملاقة تتسع لـ25 ألف حاوية وتعمل بواسطة مفاعل ملح مصهور يعتمد على عنصر الثوريوم، وهي سفينة مصممة للعمل دون الحاجة إلى قطرة واحدة من الوقود التقليدي.

وتُوسّع فكرة «الجزيرة العائمة» هذا المنطق ليشمل البنية التحتية للموانئ بأكملها بدلاً من الاقتصار على السفن الفردية؛ إذ تقترح تحويل مراكز التجارة العالمية -وليس فقط السفن التي تربط بينها- إلى منشآت تعمل بالطاقة النووية وخالية من الانبعاثات.

وإذا تحول هذا التصميم إلى واقع ملموس، فإنه سيُحدث إعادة تصور شاملة لآلية عمل البنية التحتية البحرية. لن يكون الأمر مجرد تحسين تدريجي، بل سيكون بمنزلة تحرر من هياكل الموانئ الثابتة ومنطق الوقود الأحفوري الذي هيمن على قطاع الشحن العالمي لأكثر من قرن من الزمان.

وبهذا فإن الصين لا تنتظر حتى تحقق صناعة الشحن أهداف خفض الكربون وفقاً لجدولها الزمني الخاص؛ بل تسعى لبناء البنية التحتية التي تجعل عملية إزالة الكربون أمراً حتمياً، وتطمح لامتلاك هذه البنية التحتية عندما يقرر بقية العالم أخيراً حاجته إليها.

* مجلة «فاست كومباني».


كربون «فوهة جيزيرو»... هل وجدت «ناسا» علامات حياة على سطح المريخ؟

المركبة «بيرسيفيرانس» عند «فوهة جيزيرو» (رويترز)
المركبة «بيرسيفيرانس» عند «فوهة جيزيرو» (رويترز)
TT

كربون «فوهة جيزيرو»... هل وجدت «ناسا» علامات حياة على سطح المريخ؟

المركبة «بيرسيفيرانس» عند «فوهة جيزيرو» (رويترز)
المركبة «بيرسيفيرانس» عند «فوهة جيزيرو» (رويترز)

يكوّن العلماء فكرة أعمق عن طبيعة بعض الكربون العضوي، الذي تم اكتشافه على سطح المريخ، بمساعدة مركبة الفضاء «بيرسيفيرانس»، في إطار استكشافهم لمسألة ما إذا كان هذا الكوكب قد احتضن حياة في أي وقت من الأوقات.

والكربون العضوي هو الأساس الجزيئي لجميع الكائنات الحية المعروفة، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتصف دراسة جديدة بنية الكربون العضوي الذي اكتشفته المركبة التابعة لإدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا) العام الماضي في صخور رسوبية تحتوي على ما يمكن أن يكون «بصمة حيوية»، أو علامة محتملة على وجود حياة ميكروبية في الماضي.

وربما تكون هذه الصخور الطينية قد تشكلت قبل ما بين 3.2 و3.8 مليار سنة تحت مسطح مائي اختفى الآن في «فوهة جيزيرو» في النصف الشمالي من المريخ.

ويمكن استخدام الكربون العضوي كدليل يكشف ما إذا كان المريخ قد احتضن حياة في أي وقت في الماضي، ذلك لأنه يشكل الأساس الكيميائي للجزيئات التي يتكون منها الحمض النووي (دي.إن.إيه) والخلايا والبروتينات.

لكن وجوده لا يعد دليلاً قطعياً على وجود حياة، لأنه يمكن أن ينشأ أيضاً من عمليات غير بيولوجية مثل التفاعل الكيميائي بين الصخور والماء.

بصمة حيوية محتملة

جرى الإعلان عن اكتشاف الكربون العضوي في صخرتين بـ«فوهة جيزيرو»، أُطلق عليهما (تشيافا فولز) و(والهالا جليدز)، في العام الماضي عندما أعلن باحثون العثور على ما يحتمل أن يكون بصمة حيوية في إحداهما.

وقال عالم الكواكب آشلي مورفي من معهد علوم الكواكب في أريزونا، وهو أحد قادة البحث الجديد الذي نُشر في مجلة (ساينس أدفانسز)، إن المركبة الجوالة أخذت عينات من الصخرتين من موقعين يفصل بينهما نحو 100 متر.

وعقب اكتشاف العام الماضي، نشرت «ناسا» صورة لصخرة «شلالات تشيافا» يظهر فيها حجر طيني ذو حبيبات دقيقة جداً بلون أحمر كالصدأ، وأشكال حلقية تشبه بقع النمر، بالإضافة إلى علامات داكنة تشبه بذور الخشخاش.

ويمكن ربط مثل هذه السمات على الأرض بالنشاط الميكروبي. وتعرف البصمة الحيوية المحتملة أو (المؤشر الحيوي) بأنها مادة أو بُنية قد يكون لها أصل بيولوجي، لكن هناك حاجة إلى مزيد من البيانات أو الدراسات الإضافية قبل التوصل لاستنتاج بشأن احتمال وجود الحياة من عدمه.

وباستخدام جهاز «شيرلوك» على متن المركبة «بيرسيفيرانس»، أجرى الباحثون في الدراسة الجديدة فحصاً دقيقاً للكربون المعقد، المعروف باسم الكربون الجزيئي الكبير، الموجود في الصخرتين. وقالوا إن هذا الكربون يحمل أوجه تشابه مع الكربون الذي يتكون إما خلال عمليات حيوية أو غير حيوية على الأرض، وكذلك مع الكربون المتكون من خلال عمليات غير حيوية الموجود في النيازك.

اكتشاف يعزز الأدلة

وهذه هي المرة الأولى التي يكتشف فيها الكربون الجزيئي الكبير في الصخور الطينية في «فوهة جيزيرو»، التي هبطت بها المركبة «بيرسيفيرانس» في عام 2021.

وكانت المركبة الأخرى التابعة لـ«ناسا» التي تعمل على سطح المريخ، وهي «كريوسيتي»، قد عثرت سابقاً على الكربون الجزيئي الكبير في موقع آخر يسمى «فوهة جيل»، وتقع على بعد نحو 3700 كيلومتراً عن موقع جيزيرو.

وقال عالم الكواكب كايل أوكيرت من مختبر الدفع النفاث التابع لـ«ناسا» في كاليفورنيا، وأحد قادة الدراسة: «هذا (الاكتشاف) يعزز الأدلة على أن المريخ في الماضي كان يحتوي على مكونات كيميائية وظروف بيئية يمكن أن تدعم الحياة، لكنه لا يقدم دليلاً على وجود الحياة (ذاتها)، ولا يضيف جديداً بشأن ما إذا كان أصل (الكربون) عضوياً أم غير عضوي».

ولا تستطيع أجهزة المركبة الفضائية تحديد ما إذا كان هذا الكربون نشأ من خلال عمليات بيولوجية قد تشمل نشاطاً ميكروبياً.

وقال أوكيرت: «نحتاج إلى إعادة هذه العينات إلى الأرض لإجراء اختبارات أكثر دقة باستخدام أجهزة اختبار ذات حساسية ودقة أعلى».