بايرو يحقق نصف حلمه بتسميته رئيساً للحكومة الفرنسية

ماكرون اختار شخصية «وسطية» قادرة على التحاور مع غالبية القوى السياسية

رئيس الحكومة الجديد فرنسوا بايرو (يمين) ورئيس الحكومة المغادر ميشال بارنييه بعد عملية التسلم والتسليم مساء الجمعة (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة الجديد فرنسوا بايرو (يمين) ورئيس الحكومة المغادر ميشال بارنييه بعد عملية التسلم والتسليم مساء الجمعة (أ.ف.ب)
TT

بايرو يحقق نصف حلمه بتسميته رئيساً للحكومة الفرنسية

رئيس الحكومة الجديد فرنسوا بايرو (يمين) ورئيس الحكومة المغادر ميشال بارنييه بعد عملية التسلم والتسليم مساء الجمعة (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة الجديد فرنسوا بايرو (يمين) ورئيس الحكومة المغادر ميشال بارنييه بعد عملية التسلم والتسليم مساء الجمعة (أ.ف.ب)

يدين إيمانويل ماكرون بالكثير لفرنسوا بايرو، السياسي المخضرم البالغ من العمر 73 عاماً، الذي اختاره أخيراً وبعد تردد شغل الإعلام والمعلقين طوال الأسبوع الماضي، لتشكيل الحكومة الجديدة. فمن دون بايرو ما كان ماكرون ليصبح في عام 2017 رئيساً للجمهورية. فقط دعم بايرو المتمترس دوماً وسط الخريطة السياسية؛ أي قريباً من تموضع ماكرون صاحب نظرية تخطي الأحزاب والعمل مع اليمين واليسار في وقت واحد؛ سمح للرئيس الحالي بأن يحقق قفزة من سبع نقاط في استطلاعات الرأي، وأن يتأهل للجولة الثانية (الحاسمة) ويفوز بها بفارق كبير عن منافسته مارين لوبن، زعيمة اليمين المتطرف.

ومنذ سبع سنوات، وقف بايرو، دوماً وبقوة، إلى جانب ماكرون في المحن. وبعد الانتخابات التشريعية الأخيرة، عندما انطلقت من اليسار المتشدد المطالبة باستقالة ماكرون من رئاسة الجمهورية، وجد الأخير في شخص بايرو السد المنيع والشخصية البارزة التي ساندته ودافعت عنه. كذلك، فإن بايرو، النائب والوزير السابق والرئيس الحالي لمدينة «بو» الواقعة غرب سلسلة جبال البيرينيه، سخّر حزبه «الحركة الديمقراطية» (اختصاره «موديم» بالفرنسية)، في خدمة ماكرون، وهو أحد الأحزاب الثلاثة الداعمة للرئيس. ولحزب بايرو بـ36 نائباً في البرلمان، حيث لا أكثرية مطلقة؛ ما يفسر سقوط حكومة سابقه ميشال بارنييه الأسبوع الماضي بعد ثلاثة أشهر فقط على رئاسته للحكومة، وهي أقصر مدة في تاريخ الجمهورية الخامسة.

ماكرون يوفّي ديناً قديماً لبايرو

ثمة قناعة جامعة وعابرة للأحزاب قوامها أن ماكرون أخطأ مرتين: الأولى، عندما حل البرلمان لأسباب لم يفهمها أحد حتى اليوم. والمرة الثانية عندما كلف بارنييه، القادم من مفوضية الاتحاد الأوروبي، بتشكيل الحكومة المستقيلة يمينية الهوى، في حين أن تحالف اليسار والخُضر حلّ في المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية؛ لذا اتُّهم ماكرون بـ«احتقار الديمقراطية»؛ لأنه لا يحترم نتائج الانتخابات، ولأنه يفضل التعامل مع اليمين التقليدي (حزب اليمين الجمهورية، وسابقاً الجمهوريون)، واليمين المتطرف (حزب التجمع الوطني بزعامة لوبن)، على الانفتاح على اليسار، لا بل إنه وضع حكومة بارنييه تحت رحمة لوبن التي ضمّت أصواتها إلى أصوات اليسار والخُضر لإسقاطه.

الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة المكلف فرنسوا بايرو في صورة تعود لشهر مارس 2022 خلال الحملة الرئاسية الأخيرة (أ.ف.ب)

وفهم ماكرون الدرس؛ لذا سعى إلى العثور على شخصية قادرة على اجتذاب الحزب الاشتراكي ونوابه، وربما الخُضر، وحتى الشيوعيين. وطيلة سبعة أيام، تواصلت مسرحية البحث عن «العصفور» النادر. طُرحت أسماء كثيرة قبل أن يقع الخيار على بايرو؛ منها برنار كازنوف آخر رئيس حكومة في العهد الاشتراكي، وسيباستيان لو كورنو وزير الدفاع، والوزير السابق جان إيف لودريان الذي اعتذر بسبب السن (73 عاماً)، ورولان ليسكور، وحتى احتمال المجيء بحكومة من التكنوقراط. وللوصول إلى نتيجة، أكثر ماكرون من المشاورات الفردية والجماعية.

والمسرحية المتأرجحة بين الهزلية والدرامية، كانت زيارته الخميس إلى بولندا وعودته سريعاً إلى باريس للوفاء بوعد إعلان اسم رئيس الحكومة العتيدة مساء الخميس. لكن الإعلان لم يأتِ، وظل المرشحون يتقلبون على نار القلق، حتى أعلن القصر الرئاسي أن الاسم سيصدر صباح الجمعة. ومنذ الصباح الباكر، تجمهرت وسائل الإعلام قبالة قصر الإليزيه، وامتدت الساعات ولم يخرج الدخان الأبيض إلا بعد ثلاث ساعات من خروج بايرو من الإليزيه عقب اجتماع مع ماكرون قارب الساعتين.

وذهبت وسائل إعلامية، ومنها صحيفة «لو موند» الرصينة، إلى إعلان أن ماكرون «لن يسمي بايرو». كذلك فعلت القناة الإخبارية «إل سي إي»؛ والسبب في ذلك معارضة رئيس الجمهورية اليميني الأسبق نيكولا ساركوزي هذه التسمية. ولهذه المعارضة قصة طويلة لا مجال لعرضها اليوم. واختصارها أن ساركوزي وبعض اليمين «حاقد» على بايرو الذي «خان» ساركوزي؛ لأنه دعا للتصويت لمنافسه الاشتراكي فرنسوا هولاند في عام 2012. وهذا يبين أن الحقد السياسي لا يُمحى بسهولة. ومن الروايات التي سارت في الساعات الأخيرة، أن ماكرون اتصل ببايرو لإخباره بأنه لن يسميه لتشكيل الحكومة، لكنه عدل عن ذلك لاحقاً، مخافة إغضابه والتوقف عن دعمه.

بايرو ترشح ثلاث مرات للرئاسة

بتكليفه تشكيل الحكومة، يكون بايرو قد حقق نصف حلمه الكبير، وهو أن يصبح يوماً رئيساً للجمهورية. فهذا السياسي الذي ولج الحياة السياسية في ثمانينات القرن الماضي، وكان نائباً في البرلمانين الفرنسي والأوروبي، ورئيساً لمدينة متوسطة (بو) ولمنطقتها، ووزيراً في عدة حكومات... ترشح للرئاسة ثلاث مرات وكاد يتأهل مرتين للجولة النهائية في عامي 2007 و2012، حيث حصل على أكثر من 18 في المائة من الأصوات، وانسحب في ترشحه الرابع. وتسلم، في أولى حكومات ماكرون في عام 2017، وزارة العدل. بيد أنه اضطر للاستقالة منها بعد أشهر قليلة بعد أن انطلقت فضيحة استخدام نواب حزبه في البرلمان الأوروبي الأموال الأوروبية لأغراض محض حزبية؛ ما حرمه من أي منصب حقيقي في السنوات السبع الماضية، إلا أن قضاء الدرجة الأولى سحب الدعوى لعدم توفر الأدلة. لكن المسألة نُقلت إلى محكمة الاستئناف. واللافت أن الاتهامات نفسها وُجّهت لمارين لوبن ولحزبها. وإذا تمت إدانتها، فإنها ستُحرم من الترشح لأي منصب انتخابي، ومن رئاسة الجمهورية تحديداً لمدة خمس سنوات.

مهمة مستحيلة؟

بارنييه وزوجته إيزابيل بعد عملية التسلم والتسليم في ماتينيون مساء الجمعة (إ.ب.أ)

وبعيداً عن الجوانب الشخصية، تعود تسمية بايرو لقدرته، على الأرجح، على التعامل مع اليمين واليسار معاً. ومهمته الأولى أن ينجح في تشكيل حكومة لا تسقط خلال أشهر قليلة، وأن تبقى على الأقل حتى الصيف القادم، وربما حتى نهاية ولاية ماكرون في عام 2027. وقالت رئيسة البرلمان يائيل براون ـ بيفيه، إن بايرو هو «رجل المرحلة السياسية التي نعيشها، ونحن بحاجة إلى رصّ الصفوف السياسية حول مشروع موحد».

من جانبه، ربط اليمين التقليدي مشاركته في الحكومة بطبيعة «المشروع» الذي يحمله بايرو، والمهم بالنسبة إليه «خريطة الطريق». بالمقابل، فإن حزب «معاً من أجل الجمهورية» (حزب ماكرون) أعرب عن تأييده لبايرو ووقوفه إلى جانبه، في حين قال بوريس بوالو، رئيس الكتلة البرلمانية للاشتراكيين: «لن ندخل الحكومة، وسنبقى في المعارضة». بيد أن الاشتراكيين تعهّدوا بعدم التصويت على سقوط الحكومة إذا امتنعت عن اللجوء إلى تمرير مشاريع قوانين، وعلى رأسها موازنة عام 2025، من غير تصويت. أما الخُضر، فربطوا سحب الثقة بتجاهل بايرو لمخاوفهم بشأن الضرائب والمعاشات، وهو ما عبّر عنه رئيس «التجمع الوطني» جوردان بارديلا الذي وعد بأنه «لن يحصل حجب ثقة مبدئياً»، لكن الظروف يمكن أن تتغير.

يبقى أن الرفض المطلق جاء من حزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد الذي يقوده جان لوك ميلونشون، والذي أعلن كبار مسؤوليه أنهم سيسعون إلى إقالة بايرو في البرلمان، في أقرب فرصة.

وفي تصريح صحافي له، قال بايرو إن «هناك طريقاً يجب أن نجده يوحّد الناس بدلاً من أن يفرقهم. أعتقد أن المصالحة ضرورية». إنه طموح كبير بمواجهة تحديات أكبر، والأصعب أن ينجح في دفع أحزاب ذات توجهات ومطالب متناقضة إلى العمل معاً. صحيح أن العجائب غير موجودة في السياسة، ولكن من يدري؟!


مقالات ذات صلة

ماكرون يدعو إسرائيل إلى محادثات «مباشرة» مع لبنان... ويعرض استضافتها في باريس

المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

ماكرون يدعو إسرائيل إلى محادثات «مباشرة» مع لبنان... ويعرض استضافتها في باريس

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم (السبت)، إسرائيل إلى القبول بإجراء «محادثات مباشرة» مع الحكومة اللبنانية ومختلف مكونات المجتمع.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (رويترز) p-circle

ماكرون يشدد على أن الحرب الإيرانية لن تخفف الضغط على روسيا

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجمعة، خلال استقباله نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن روسيا «تُخطئ» إذا اعتقدت أن الحرب على إيران ستخفف الضغط عليها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس ​الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (إ.ب.أ) p-circle

موفد بوتين يعقد «اجتماعاً مثمراً» مع ويتكوف... وزيلينسكي يلتقي ماكرون في باريس

موفد بوتين يعقد «اجتماعاً مثمراً» مع ويتكوف... وزيلينسكي يلتقي ماكرون في باريس، وأوكرانيا تنتظر موافقة البيت الأبيض على اتفاق لإنتاج المسيّرات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد ماكرون خلال ترؤسه مؤتمراً عبر الفيديو لقادة «مجموعة السبع» لمناقشة تداعيات الحرب في إيران على الاقتصاد العالمي (أ.ف.ب)

ماكرون يحث «مجموعة السبع» على اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«استعادة حرية» مضيق هرمز

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى تنسيق دولي صارم لـ«استعادة حرية الملاحة» في مضيق هرمز الذي بات فعلياً خارج الخدمة

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث خلال اجتماع مجلس الدفاع الوطني في قصر الإليزيه في باريس في 10 مارس 2026 (أ.ف.ب)

مجموعة السبع تعقد الأربعاء اجتماعاً بشأن الحرب في الشرق الأوسط

يعقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الأربعاء، عند الساعة 15.00 (14.00 ت غ) اجتماعاً لرؤساء دول وحكومات مجموعة السبع بشأن «التداعيات الاقتصادية» للحرب في إيران.

«الشرق الأوسط» (باريس)

قبرص تستضيف اجتماعات الاتحاد الأوروبي رغم هجوم مسيّرة إيرانية على أراضيها

وزير خارجية قبرص قسطنطينوس كومبوس يتحدث إلى وسائل الإعلام في يوم انعقاد اجتماع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في بروكسل 16 مارس 2026 (رويترز)
وزير خارجية قبرص قسطنطينوس كومبوس يتحدث إلى وسائل الإعلام في يوم انعقاد اجتماع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في بروكسل 16 مارس 2026 (رويترز)
TT

قبرص تستضيف اجتماعات الاتحاد الأوروبي رغم هجوم مسيّرة إيرانية على أراضيها

وزير خارجية قبرص قسطنطينوس كومبوس يتحدث إلى وسائل الإعلام في يوم انعقاد اجتماع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في بروكسل 16 مارس 2026 (رويترز)
وزير خارجية قبرص قسطنطينوس كومبوس يتحدث إلى وسائل الإعلام في يوم انعقاد اجتماع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في بروكسل 16 مارس 2026 (رويترز)

تستعد قبرص لاستقبال اجتماعات وزراء الاتحاد الأوروبي حسبما كان مخططاً لها في غضون الأشهر المقبلة، بعد حالة من الغموض والترقب بسبب تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط.

وفي تصريحات لإذاعة «ريك» القبرصية، الاثنين، أوضح وزير الطاقة ميخاليس داميانوس أن جميع اجتماعات التكتل غير الرسمية المجدول انعقادها في الجزيرة المتوسطية بين أبريل (نيسان) ويونيو (حزيران) ستُعقد كما كان مقرراً، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

واتخذت قبرص، التي تتولى الرئاسة الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي، خطوة استباقية بنقل جميع الاجتماعات غير الرسمية المقررة لشهر مارس (آذار) الحالي إلى منصات شبكة الإنترنت أو تأجيلها، وذلك إثر هجوم استهدف قاعدة عسكرية بريطانية على أراضيها في بداية الشهر ذاته.

وأكد داميانوس عودة الهدوء إلى المشهد قائلاً إن «الأمور عادت إلى طبيعتها تماماً، حيث ستُجرى كل الفعاليات المقررة في قبرص خلال الفترة من أبريل إلى يونيو بصورة اعتيادية».

ووفقاً للسلطات القبرصية، تعرّضت قاعدة أكروتيري لهجوم شنته مسيّرة إيرانية من نوع «شاهد» خلال ليلة الثاني من مارس الحالي، ويُعتقد أن عناصر «حزب الله» اللبناني المدعوم إيرانياً أطلقتها من داخل الأراضي اللبنانية.

وعقب الحادث، نشرت عدة دول من الاتحاد الأوروبي إضافة إلى المملكة المتحدة، طائرات مقاتلة وفرقاطات للمساعدة في حماية الجزيرة.


موسكو مستعدة لجولة مفاوضات «قريباً» رغم تبدل «أولويات واشنطن»

مضادات جوية أوكرانية تتصدى لمسيّرات روسية فوق كييف الاثنين (أ.ف.ب)
مضادات جوية أوكرانية تتصدى لمسيّرات روسية فوق كييف الاثنين (أ.ف.ب)
TT

موسكو مستعدة لجولة مفاوضات «قريباً» رغم تبدل «أولويات واشنطن»

مضادات جوية أوكرانية تتصدى لمسيّرات روسية فوق كييف الاثنين (أ.ف.ب)
مضادات جوية أوكرانية تتصدى لمسيّرات روسية فوق كييف الاثنين (أ.ف.ب)

قلّل الكرملين من أهمية تأثير انشغال الولايات المتحدة بالحرب على إيران، على مسار المفاوضات الروسية - الأوكرانية برعاية أميركية، رغم تبدل «أولويات واشنطن» حالياً، مؤكدة استعدادها للمشاركة في جولة مفاوضات جديدة «في المستقبل المنظور»، وجددت اتهام الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بعرقلة العملية السياسية الهادفة إلى إنهاء الحرب.

وقال الناطق الرئاسي الروسي، ديمتري بيسكوف، إن الكرملين اطلع على تقارير إعلامية حول فقدان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، اهتمامه بعملية السلام في أوكرانيا، مضيفاً أن تصريحات ترمب «تُشير إلى عكس ذلك».

وكانت صحيفة «فاينانشال تايمز» أفادت قبل يومين، بأن عملية السلام في أوكرانيا قد توقفت بسبب فقدان ترمب اهتمامه بها.

صحافية تصور شظايا مسيّرة روسية تحطمت في ساحة الاستقلال بكييف الاثنين (أ.ف.ب)

وسئل بيسكوف خلال إفادة صحافية الاثنين، عن موقف الكرملين حيال ذلك فقال إن الرئاسة الروسية «اطلعت بالفعل على مثل هذه التقارير، بما فيها ذلك التقرير. ولكن، من جهة أخرى، فإن إشارات الرئيس ترمب المتكررة إلى أوكرانيا في الأيام الأخيرة تُشير إلى عكس ذلك. وبناءً على تصريحاته، فإن الرئيس ترمب لم يفقد أي اهتمام».

وفي وقت سابق، أعرب الرئيس الأميركي عن دهشته من تردد نظام كييف في التوصل إلى اتفاق لتسوية النزاع في أوكرانيا. وقال: «من الأصعب بكثير التوصل إلى اتفاق» مع زيلينسكي مقارنةً بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

رجال إطفاء أوكرانيون يعملون في مبنى أصيب بغارة جوية روسية بزابوريجيا الاثنين (رويترز)

ورأى بيسكوف، أن دعوات الرئيس الأميركي المتكررة لزيلينسكي للتوصل إلى اتفاق تُؤكد أن «الجانب الأوكراني هو العقبة الرئيسية أمام حل النزاع».

وأضاف الناطق الروسي أن بلاده ترى أن «جولة جديدة من المفاوضات بشأن أوكرانيا يُمكن أن تُعقد في المستقبل القريب».

وكان المبعوث الخاص للرئيس الأميركي، ستيفن ويتكوف، قال الأسبوع الماضي إن جولة مفاوضات جديدة بين موسكو وكييف «قد تُعقد الأسبوع المقبل».

وعلق بيسكوف على ذلك بأن «للمفاوضين الأميركيين حالياً أولويات مختلفة، وأنهم منشغلون بشكل كبير بقضايا أخرى وهذا أمر مفهوم جيداً». لكنه أكد مع ذلك استعداد موسكو لمواصلة الحوار رغم أن «مكان انعقاد جولة المحادثات الجديدة لم يُحدد بعد».

لافروف يحذر

على صعيد آخر، حذر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من استمرار واشنطن بتعطيل معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية.

رجال إنقاذ أوكرانيون يحملون امرأة تم انتشالها من وسط الركام في مبنى أصيب بغارة جوية روسية بزابوريجيا الاثنين (رويترز)

وأشار لافروف، في كلمة عبر الفيديو للمشاركين في مؤتمر موسكو الـ11 حول حظر انتشار الأسلحة النووية، إلى أن الآفاق لا تزال مغلقة أمام دخول معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية حيز التنفيذ، والسبب الرئيسي المعترف به دولياً يتمثل في امتناع الولايات المتحدة عن التصديق على هذه المعاهدة حتى الآن.

ولفت إلى أن الرئيس الأميركي وجه في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي تعليمات علنية لوزير الحرب بشأن استئناف التجارب النووية، من دون أن تقدم واشنطن حتى الآن أي «توضيحات مقنعة حول مغزى هذا التوجيه، أو ما إذا كان يشير إلى استعدادها للتخلي عن التزامها بالوقف الطوعي للتفجيرات النووية».

كما حذر لافروف من أن الإجراءات التي تقوم بها الولايات المتحدة وحلفاؤها تؤدي إلى تصاعد مخاطر عسكرة الفضاء وتحويله إلى منطقة نزاع، مشدداً على أن خطط إنشاء نظام دفاع صاروخي عالمي أميركي تتضمن نشر وسائل اعتراض بالفضاء حتى عام 2028 تشكل تهديداً كبيراً للاستقرار الاستراتيجي العالمي.

تطورات ميدانية

ميدانياً، دوّت سلسلة انفجارات صباح الاثنين في وسط كييف، وفق ما أفاد صحافيون من المدينة، حيث أعلنت السلطات بوقوع هجوم نهاري نادر يستهدف العاصمة الأوكرانية بالمسيّرات الروسية.

رجال إطفاء أوكرانيون يعملون في مبنى أصيب بغارة جوية روسية بزابوريجيا الاثنين (رويترز)

وأعلنت القوات الجوية الأوكرانية على تطبيق «تلغرام» رصد عدة مجموعات من الطائرات المسيّرة القتالية، فضلاً عن صاروخ واحد على الأقل يتجه نحو كييف. وحسب قنوات مقرّبة من الجيش الأوكراني، فقد أسقطت الدفاعات الجوية صاروخين كانا يهاجمان العاصمة. وأطلقت صفّارات الإنذار الجوية في كييف تزامناً، وتوجّه السكان إلى أماكن أعمالهم، واستمرت نحو ساعة ونصف الساعة.

وهذا هجوم نادر يُنفّذ في وضح النهار على كييف، المدينة التي يبلغ عدد سكانها نحو 3 ملايين نسمة وتُستهدَف عادة وبشكل متكرر خلال الليل.

وتعرضت خاركيف، ثانية أكبر مدن أوكرانيا والواقعة في الشمال الشرقي على مسافة نحو ثلاثين كيلومتراً فقط من الحدود الروسية، هي الأخرى لهجوم بطائرات مسيّرة روسية في الصباح. وأُصيب شخص واحد على الأقل، حسبما أعلن رئيس البلدية إيغور تيريخوف.

وفي روسيا، أعلن رئيس بلدية موسكو من جهته تدمير نحو 250 طائرة مسيّرة أوكرانية، بينما كانت تقترب من العاصمة الروسية خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية.

وأصابت الهجمات الأوكرانية مطارات موسكو بشلل مؤقت، وأعلنت سلطات مطارات جوكوفسكي وشيريميتيفو وديموديدوفا قيوداً على وصول ومغادرة الطائرات.


فرنسا: أول محاكمة غيابية لـ«داعشي» متهم بالمشاركة في إبادة الإيزيديين

لقطة من فيديو التُقط في 10 مارس 2015 ونشره «داعش» تظهر المتطرف الفرنسي صبري الصيد وهو يخاطب الكاميرا باللغة الفرنسية في موقع غير مُعلن (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو التُقط في 10 مارس 2015 ونشره «داعش» تظهر المتطرف الفرنسي صبري الصيد وهو يخاطب الكاميرا باللغة الفرنسية في موقع غير مُعلن (أ.ف.ب)
TT

فرنسا: أول محاكمة غيابية لـ«داعشي» متهم بالمشاركة في إبادة الإيزيديين

لقطة من فيديو التُقط في 10 مارس 2015 ونشره «داعش» تظهر المتطرف الفرنسي صبري الصيد وهو يخاطب الكاميرا باللغة الفرنسية في موقع غير مُعلن (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو التُقط في 10 مارس 2015 ونشره «داعش» تظهر المتطرف الفرنسي صبري الصيد وهو يخاطب الكاميرا باللغة الفرنسية في موقع غير مُعلن (أ.ف.ب)

بدأت الاثنين في فرنسا محاكمة غيابية لـ«الداعشي» صبري الصيد المشتبه في مشاركته في الإبادة الجماعية بحق الأقلية الإيزيدية في سوريا، في محاكمة هي الأولى من نوعها أمام القضاء الفرنسي.

وتستمر محاكمة الصيد (42 عاماً) المولود في تولوز في جنوب فرنسا، حتى الجمعة أمام محكمة الجنايات في باريس، بتهمة الإبادة وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، والتواطؤ في هذه الجرائم المرتكبة بين عامي 2014 و2016.

وتمثّل ثلاث نساء إيزيديات الجهة المدنية في المحاكمة، على أن تدلي اثنتان منهن بشهادتهما، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان الصيد مقرّباً من الأخوين كلان اللذين أعلنا مسؤوليتهما عن هجمات 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 في فرنسا، ومن محمد مراح الذي قتل في العام 2012 ثلاثة جنود وثلاثة أطفال ومدرّساً في مدرسة يهودية خلال هجوم دامٍ نفّذه بين تولوز ومونتوبان.

وانضم إلى تنظيم «داعش» في المنطقة العراقية-السورية في العام 2014، وأفادت تقارير بأنّه قُتل هناك في العام 2018 في ظروف غامضة.

لكن مع عدم توافر أي دليل رسمي على وفاته، يُعتبر المتهم فاراً، ويُحاكَم على هذا الأساس أمام محكمة جنايات تضم ثلاثة قضاة من دون وجود محلفين.

وقالت كليمانس بيكتارت المحامية عن النساء الإيزيديات الثلاث وأطفالهن الثمانية، إنّ المحاكمة ستسمح «بقراءة مختلفة للجرائم المرتكبة من قبل تنظيم (داعش)».

وأضافت: «من الضروري أن تسلّط (المحاكمة) الضوء على الانتهاكات الخطيرة التي ارتُكبت ضد السكان المدنيين، وخصوصاً على سياسة الإبادة الجماعية التي تمّ تنفيذها ضد السكان الإيزيديين».

والإيزيديون أقلية ناطقة باللغة الكردية تتبع ديانة عائدة إلى حقبة ما قبل الإسلام، وتمركزت بشكل أساسي في شمال العراق قبل تعرضها لهجمات واضطهاد من جانب تنظيم «داعش» بدءاً من الثالث من أغسطس (آب) 2014، وفرار أفرادها جماعياً.

وفي ذلك اليوم، شنّ مقاتلو التنظيم هجوماً على منطقة سنجار في العراق، حيث كان يعيش 400 ألف شخص من الإيزيديين. وتعرّض الكثير منهم للقتل، أو الاعتقال، أو للنزوح. وعمد مقاتلو التنظيم إلى ترحيل النساء والأطفال إلى سوريا.

استعباد جنسي

ويقول قضاة التحقيق إن الصيد، المعروف في سوريا باسم أبو دجانة الفرنسي، «شارك بشكل كامل في سياسة تنظيم (داعش) لاستعباد» هذه الأقلية، «ونفّذها بنفسه».

ويؤكدون أنه أخضع عدداً من الأسيرات «للاستعباد الجنسي» عبر ارتكاب «عمليات اغتصاب متكررة ومنتظمة»، وحرمهن من الطعام والماء.

وحكم على الصيد في فرنسا في العام 2009 بالسجن خمس سنوات، بينها سنة مع وقف التنفيذ، بتهمة التآمر الإرهابي.

وبعد سفر الصيد إلى العراق وسوريا في بداية العام 2014، انضمّت إليه زوجته وأطفاله الثلاثة وابن زوجته من زواج سابق.

وفي مقطع فيديو لتنظيم «داعش» بُث في العاشر من مارس (آذار) 2015، ظهر الصيد بينما كان يحث ابن زوجته البالغ 12 عاماً على إعدام رهينة فلسطيني برصاصة في الرأس.

وسيتم الاستماع إلى زوجته التي أُلقي القبض عليها لدى عودتها إلى فرنسا باعتبارها شاهدة في المحاكمة.

وهذه أول محاكمة من هذا النوع في فرنسا. وكانت ألمانيا، حيث تعيش جالية إيزيدية كبيرة، قد أجرت أول محاكمة في العالم مرتبطة بالإبادة الجماعية التي تعرّضت لها الأقلية الإيزيدية.

وفي نوفمبر 2021، قضت محكمة في فرانكفورت في غرب ألمانيا بالسجن المؤبد على العراقي طه الجميلي. ودين بترك طفلة تبلغ خمسة أعوام تموت عطشاً في الفلوجة في صيف العام 2015 بعدما استعبدها مع والدتها.

وفي سنة 2027، من المقرّر محاكمة شخصين آخرين في فرنسا، وهما عبد الناصر بن يوسف، وهو «أمير» في تنظيم «داعش» يُفترض أنّه مات أيضاً، وشريكته السابقة سونيا مجري التي عادت إلى البلاد، وذلك بتهم ترتبط بالإبادة الجماعية، وجرائم ضد الإنسانية.