«حزب الفيروزيين»... هكذا شرعت بيروت ودمشق أبوابها لصوت فيروز

لا يستطيع هذا العالم أن ينجب في خلال ألف عام أكثر من فيروز واحدة (الحلقة الثالثة)

فيروز في الإذاعة اللبنانية عام 1952 (أرشيف محمود الزيباوي)
فيروز في الإذاعة اللبنانية عام 1952 (أرشيف محمود الزيباوي)
TT

«حزب الفيروزيين»... هكذا شرعت بيروت ودمشق أبوابها لصوت فيروز

فيروز في الإذاعة اللبنانية عام 1952 (أرشيف محمود الزيباوي)
فيروز في الإذاعة اللبنانية عام 1952 (أرشيف محمود الزيباوي)

انطلقت فيروز فنياً مع دخولها الإذاعة اللبنانية في شتاء 1950. وواصلت مسيرتها بثبات خلال العام التالي، وحقّقت نجاحاً كبيراً بين عامي 1952 و1953، بعد ارتباطها بالأخوين رحباني بشكل أساسي، كما تشهد الصحافة التي رافقت هذه المسيرة. تابعت مجلة «الصياد» نشاط «الثالوث الفني المؤلف من الأخوين عاصي ومنصور رحباني والمطربة فيروز»، خلال تلك الحقبة، وامتدحت بشغف بالغ هذه المطربة التي «تملك قدرة عظيمة على تنويع الأنغام، وتؤدي اللحن الغربي بنفس القوّة والنجاح اللذين تؤدّي بها لحن (العتابا) و(أبو الزلف) والموشحات والليالي والأدوار».

أولى الحفلات بين بيروت ودمشق

توزّع هذا النشاط الفني الغزير على الإذاعة اللبنانية و«محطة الشرق الأدنى»، ولم يتخطّ هذا الإطار إلا نادراً كما يبدو. في 21 فبراير (شباط) 1952، نشرت «الصياد» خبراً قصيراً يقول: «كانت المطربة فيروز كوكب الحفلة الفنية التي أقامتها لجنة مؤازرة التسلُّح في دمشق؛ فقد استطاعت هذه الفتاة الصغيرة أن تمتلك عواطف الجمهور بأغانيها الخفيفة الراقصة». ويتّضح عند مراجعة التقارير التي رصدت هذا الحدث أن العرض كان حفلاً جماعياً من تنظيم سيدات دمشق، يهدف إلى مؤازرة حركة التسلُّح في الجيش السوري، أُقيم في قاعة سينما دمشق، برعاية رئيس الدولة فوزي سلو، ورئيس الأركان العامة للجيش السوري العقيد أديب الشيشكلي.

أعد برنامج هذا الحفل مدير الإذاعة السورية، أحمد عسة، وتطوّع للغناء فيه عدد من النجوم، منهم حليم الرومي، وسعاد محمد، وحنان، مع الفرقة السيمفونية للإذاعة السورية التي أنشأها أحمد عسة، كما أن سيدات دمشق قدّمن فيه استعراضاً راقصاً يستلهم الفن الشعبي السوري.

كتبت مجلة «الإذاعة»، في وصف إطلالة النجمة الشابة الأولى على المسرح الدمشقي: «قوبلت فيروز بعاصفة شديدة من التصفيق؛ فالجمهور كان يترقّب ظهورها على المسرح بفارغ الصبر، ليرى وجه هذه المطربة التي أحبّ صوتها على أمواج الأثير، وكانت فيروز في خوف من هذا الموقف، ولم تكن واثقة من نفسها ومن قدرتها على السيطرة على هذا الجمهور، ولكن التصفيق أعطاها شيئاً من القوة، فانطلقت تملأ جو القاعة بأغانيها المرحة وصوتها العميق العذوبة، وبين المقطع والمقطع، كان التصفيق يدوِّي لهذه المطربة التي بلغت القمة».

تذكر مجلة «الإذاعة»، في مايو (أيار)، مشاركة حيَّة أخرى للمغنية الشابة في أول سهرة أقامتها «نقابة الموسيقيين المحترفين» في بيروت، وتقول: «كانت المطربة المبدعة الآنسة فيروز كوكب السهرة بصوتها العميق الحالم، وقد حيّت الأخطل الصغير الأستاذ بشارة الخوري بقصيدة: (يا قطعة من كبدي)، التي ألفها شاعرنا الكبير لكريمته المصونة (وداد)، التي كانت بين المدعوات إلى السهرة مع والدها الشاعر الكبير».

فيروز متوسطةً عاصي ومنصور الرحباني في سهرة أقامتها «نقابة الموسيقيين المحترفين» في بيروت ربيع 1952 (أرشيف محمود الزيباوي)

في هذا الميدان كذلك، نشرت مجلة «الإذاعة»، في أول يونيو (حزيران)، مقالاً حول مسرحية عنوانها «غابة الضوء»، قُدّمت في كلية البنات الأميركية (جونيور كوليدج)، في حضور رئيس الوزراء سامي بك الصلح وبعض الوزراء والنواب والصحافيين: «وهي أسطورية شعرية من تلحين الأخوين رحباني، اشتركت بالتمثيل والغناء فيها إلى جانب طالبات (جونيور كوليج) المطربة ذات الصوت الساحر الحالم فيروز». في المقابل، نقلت المجلة في العدد نفسه خبراً يتحدث عن تمثيلية بعنوان «طروب» مستوحاة من «أيام هارون الرشيد وفتكه بالبرامكة وضعها نقولا بسترس، ولَحَّنها جورج فرح، وغنَّتها فيروز، ومثَّلها طلاب معهد التمثيل في الكونسرفتوار الوطني». وأضافت: «التمثيل موفَّق، وقد أثبتت فيروز من جديد أنها مطربة ممتازة».

تصفيق الناس «ينرفزها»

شكّلت تلك الإطلالات الحية حالات نادرة في مسيرة فيروز الأولى، ويبدو أنها لم تتكرّر خلال الأعوام التالية؛ ففي 18 سبتمبر (أيلول)، كتبت «الصياد»: «اعتذرت المطربة فيروز عن العمل في أحد الملاهي الكبرى بعالية، رغم المرتب الجيد الذي وُضع لها، وكانت حجة المطربة أنها لا تستطيع مواجهة الجمهور كل ليلة، والتخلي عن فضيلة الخجل التي تلازمها دائماً». تتضح هذه الصورة في تعليق نشرته مجلة «الإذاعة»، تحت عنوان «فيروز قبضاية الاستوديو»، ونصّه: «سيدة الأغاني الشعبية الراقصة، تلميذة المعهد الموسيقي الوطني والمعهد الرحباني، وهي كثيراً ما تُسجّل أغانيها أثناء القيام بالبروفات، أي أنها تحفظ الأغنية وتسجلها في وجبة واحدة، وليس لديها أي مانع من أخذ دور غيرها في أي لحن كان. ومن طباعها أنها تخشى المسرح وعيون الناس، وتصفيقهم (ينرفزها) لدرجة أنها تنسى الكلام الذي يجب أن تقوله. وحدث لها مرة أنها كانت تغني (ماروشكا) في البيسين بعالية، ونسيت الكلام، وانقلبت إلى شاعرة تؤلف كلاماً موزوناً، ولكن لا معنى له. أما في استوديو الإذاعة، فهي قبضاية تسيطر على رجال التخت، وعلى رأسهم عاصي الرحباني بالذات، ولا تتلعثم أبداً لأنها لا تذيع أغنية إلا والورقة في يدها».

فيروز في ربيع عام 1953 (أرشيف محمود الزيباوي)

حقّقت فيروز نجاحاً كبيراً من خلال عملها الإذاعي مع الأخوين رحباني، وبلغ هذا النجاح ذروته مع أغنية «عتاب». كتبت «الصياد»، في الأسبوع الأخير من سبتمبر (أيلول) 1952: «بقي أن نقول إن أغنية (عتاب) التي لحَّنها عاصي الرحباني، وغنَّتها فيروز، قد أصبحت أغنية الجمهور المفضلة في البيوت والصالونات، وبدأت تهدد الأغنية الشعبية المشهورة (عاللوما اللوما)»، وهي الأغنية التي أطلقت شهرة وديع الصافي. وتحدثت «الصياد»، في مطلع عام 1953، عن بروز نتاج الأخوين رحباني، وقالت: «كان لفيروز الفضل الأكبر على هذين الفنانَين، لأنها أحسنت إبراز ألحانهما بصوتها العاطفي القوي، خصوصاً في أغنية (عتاب) التي تذوب فيها أمام الميكروفون، وتذوب معها قلوب المستمعين وعواطفهم».

حزب «الفيروزيّين»

شكّل هذا الثالوث ظاهرة فنيّة شبابية، سطعت في لبنان كما في سوريا خلال ذلك العام. في 11 فبراير (شباط)، كتبت «الصياد» تحت عنوان «الفيروزيون»: «في دمشق عدد كبير من الطلاب والشباب يسمّون أنفسهم (الفيروزيين)، وذلك نسبة إلى المطربة اللبنانية جميلة الصوت وكثيرة الخجل (فيروز). لقد أصبح اسم (فيروز) في العالم العربي على كل شفاه ولسان، بل أصبح مِن أحب الأسماء إلى قلوب الناس، خصوصاً الشباب والطلاب الذين يردّدون أغانيها باستمرار، ويتحمّسون لها وللأخوين رحباني حماستَهم لمجد وطني أو ظاهرة قومية».

وفي 15 مارس (آذار)، تطرّقت «الصياد» من جديد إلى هذه الظاهرة، وقالت: «يبدو أن حزب (الفيروزيين) بدأ يتوسع ويكبر إلى درجة أنه سينافس أكبر الأحزاب السياسية في هذا البلد. فما كادت هذه المجلة تشير إلى أن أكثر الشبان السوريين بدأوا يحملون لقب الفيروزيين نسبة لإعجابهم بفيروز، حتى أخذ كثيرٌ من الشبان اللبنانيين والفتيات والسيدات يكتبون إلينا مؤيدين هذا الحزب ومعلنين انضمامهم إليه، لأن إعجابهم بفيروز لا يقل بحال من الأحوال عن إعجاب إخوانهم السوريين. بقي أن نقول إنه إذا كان حزب المطربة فيروز بدأ يكبر ويتضخم، فإن لذلك سببين: أوّلهما أن صوت هذه المطربة عميق العذوبة، موقظ للآلام النائمة في القلب والنفس، والثاني أن اللبنانيين كرهوا الأحزاب السياسية القائمة على المنفعة الخاصة وإيقاظ الفتن النائمة، وأصبحوا يبحثون بالسراج والفتيلة عن أحزاب مثل حزب فيروز توفر لهم الطمأنينة والبهجة».

فيروز في جلسة عمل بمحطة «الشرق الأدنى» عام 1952 (أرشيف محمود الزيباوي)

جذبت هذه الظاهرة سليم اللوزي يوم كان صحافياً يعمل في الميدان الفني، فكتب تحقيقاً قصيراً لمجلة «الكواكب» المصرية نُشر في يونيو (حزيران)، تحت عنوان «مطربة تهاب المجد»، واستهل هذا التحقيق بالحديث عن جمعية «الفيروزيين» التي يرأسها في بيروت سعيد فريحة ونجيب حنكش، ثم انتقل إلى منزل فيروز الذي «يقع في حي زقاق البلاط بيروت، وهو حي الطبقة العاملة في العاصمة اللبنانية»، وقال إن المطربة «اندهشت من زيارة عدسة (الكواكب) لها؛ فهي لم تعتد أضواء الصحافة وتخاف آلات التصوير كما تخاف الظهور على المسرح». فسألها: «ولماذا لا تحاولين الظهور في السينما؟»، فأجابت: «إذا كنتُ أخاف أن أظهر على المسرح؛ فما بالك في السينما؟!». تضمّن هذا التحقيق صورتين استثنائيتين لفيروز، وظهرت لاحقاً صور أخرى معاصرة التُقِطت خلال تلك الزيارة النادرة. في يونيو (حزيران) 1952، أشارت مجلة «الإذاعة» إلى ابتعاد فيروز عن الإعلام، وقالت إنها «على عداء مستمر مع المصوِّرين». وبعد مرور عام من الزمن، احتفلت «الصياد» بنشر صورة من نوع «البورتريه» لفيروز، وقالت في تعليقها إن هذا الإنجاز تمّ بعد أن «كتب قُرَّاء كثيرون يطلبون نشر صور لائقة للمطربة فيروز، لأن جميع الصور التي نُشرت لها في الماضي كانت من النوع الذي لا يشفي الغليل».

استفتاء العشق

شكَّلت فيروز ظاهرة فريدة من نوعها؛ حيث اشتهرت بـ«الاختفاء الدائم وراء الميكروفون»، كما كتبت «الصياد»، في سبتمبر (أيلول) 1953. غير أن فنها حظي بـ«شعبية طغت على الجميع، من الطبقة الأرستقراطية إلى طبقة العمال والكادحين». في ذلك الشهر كذلك، نشر وفيق العلايلي في مجلة «الإذاعة» مقالاً عنوانه «الفتاة التي مسحت جميع مطربي ومطربات الشرق العربي»، وكتب في مقدّمتها: «هذه الفتاة التي لم يمض عليها إلا سنوات معدودة، ولا يعرفها الناس إلا من وراء المذياع والمذياع فقط، دخلت في نفوس جماهير الشرق العربي، وأصبحت الحلم الذي يراود مخيلتهم في الليالي الحالمات الهادئات. هذه الفتاة التي لا يعرف أكثر الناس صورتها، وشكل وجهها، ولون عينيها، قد أصبحت الفكرة المسيطرة لكل من أحبّ الطرب والمطربين».

فيروز في محطة «الشرق الأدنى» عام 1952 (أرشيف محمود الزيباوي)

قال العلايلي إنه أجرى استفتاء مع عدد من الكُتّاب والوزراء والعائلات: «كانت النتيجة عجيبة، لأنهم كلهم يعشقون هذه المطربة عشقاً غريباً يصل في بعض الأحيان إلى حد الهوس والتعصُّب»، واستشهد برئيس «دار الأيتام الإسلامية» في بيروت، محمد علي بيهم، ونقل عنه قوله إن «فيروز قد أعادت إلى نفسي حب الطرب العربي بعد أن سئمتُ أغاني كبار المطربين والمطربات وألحانهم المائعة المتشابهة وأصواتهم التي لا تتغير. وأكثر من ذلك، لقد أصبحت أكثر العائلات في لبنان، إن لم أقل كلها، تدير أزرار الراديو ومفاتيحه باحثة عن الصوت الذهبي الذي يتردّد مع أمواج الأثير عبر الصحراء والنخيل إلى الشواطئ العربية».

وفي الختام، وجّه الكاتب التحية إلى الأخوَيْن رحباني «اللذين اكتشفا هذا الينبوع، بل هذا الكنز الفني النادر»، وقال إنهما «يسيران مع العصر؛ عصر الحركة الدائمة، ويتعمّدان ألا يُدخِلا الملل إلى نفوس المستمعين». وتمنّى منهما «أن يجعلا اللون العربي يتغلّب على اللون الأوروبي حتى يأتي الطابع الموسيقي موافقاً للبيئة التي تعيش فيها مع هذا التجديد المستحب الذي سارا به في طريق النجاح».

امتدح كثيرون من أهل العلم والفن فيروز، وجعلوا مِن صوتها صوتَهم وصوتَ بلادهم، وذلك قبل أن يُطلِق عليها سعيد عقل لقب «سفيرتنا إلى النجوم» بزمن طويل. في هذا السياق، احتفى صاحب «الصياد»، سعيد فريحة، بالنجمة الشابة، بوصفه «الفيروزي الأوّل»، وكتب مخاطباً الآنسة كثيرة الحياء في مقالة مميزة نُشرت في 22 أكتوبر (تشرين الأول): «اتقي الله من مكانتك وجلال مقامك الرفيع، ودعينا نحن عباد الله الفيروزيين ننحني أمامك محبين ومباركين. إن هذا العالم يستطيع أن ينجب في كل يوم مائة صحافي وألف رئيس وزارة، ولكن لا يستطيع أن ينجب في خلال ألف عام أكثر من فيروز واحدة».


مقالات ذات صلة

بريتني سبيرز تبيع حقوق أعمالها الموسيقية

الوتر السادس نجمة البوب الأميركية بريتني سبيرز (أ.ف.ب)

بريتني سبيرز تبيع حقوق أعمالها الموسيقية

باعت نجمة البوب الأميركية بريتني سبيرز حقوق استغلال أعمالها الموسيقية لشركة النشر الموسيقي المستقلة «برايماري ​ويف».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ترمب ونيكي ميناج... موسم الحبّ والغزل بعد سنوات من العداء p-circle 02:00

ترمب ونيكي ميناج... موسم الحبّ والغزل بعد سنوات من العداء

بعد سنوات من التهجّم عليه، تنغمس مغنية الراب نيكي ميناج أكثر فأكثر في دعم دونالد ترمب. فهل هي ساعية خلف الجنسية الأميركية؟ أم أكثر من ذلك؟

كريستين حبيب (بيروت)
الوتر السادس يعتبر محمد فضل شاكر تتويجه بجائزة {جوي أووردز} محطة مهمة في مسيرته الفنية (هيئة الترفيه)

محمد فضل شاكر: أهتم بالكلمات والألحان وليس بشهرة أصحابها

قال الفنان اللبناني، محمد فضل شاكر، إن حصوله على جائزة «الوجه الجديد» عن فئة الموسيقى في جوائز «جوي أووردز» جاء تتويجاً لسنوات طويلة من التعب والمثابرة والعمل.

أحمد عدلي (القاهرة)
الوتر السادس نور حلّاق: أحاول إثبات هويتي الفنية وسط ساحة مزدحمة بالمواهب والنجوم

نور حلّاق: أحاول إثبات هويتي الفنية وسط ساحة مزدحمة بالمواهب والنجوم

ما إن استمعت الفنانة نور حلّاق إلى أغنية «خيانة بريئة» حتى قررت سريعاً تسجيلها بصوتها. رأت فيها عملاً رومانسياً وكلاسيكياً؛ كونه ينسجم مع خياراتها الفنية.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق أبرز المغنّين الفائزين بجوائز حفل غرامي الـ68 (إ.ب.أ/ أ.ب)

مغنّية شوارع نجمة العام وخطابات مناهضة لـ«آيس»... حفل «غرامي» يستفزّ ترمب

جاءت النسخة الـ68 من جوائز «غرامي» محمّلة بالمفاجآت، والحكايات، والأرقام القياسية، والمواقف المناهضة لسياسة الهجرة الأميركية.

كريستين حبيب (بيروت)

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.


تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء والخلافات التي تحدث بين المنفصلين في قضية تشكل جزءاً محورياً من تفاصيل عدد من الأعمال الاجتماعية.

من بين هذه الأعمال مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يتقاسم بطولته أحمد داود وميرنا جميل، وتدور أحداثه حول العلاقة بين الثنائي بعد الانفصال، وإقامة كل منهما في شقة مستقلة، بينما يتشاركان في البحث عن حلول للتعامل مع أطفالهما بين شد وجذب.

كما يتطرق مسلسل «وننسى اللي كان»، الذي تقوم ببطولته ياسمين عبد العزيز للموضوع ذاته بوصفه جزءاً رئيسياً من أحداثه، من خلال شخصية الفنانة الشهيرة «جليلة»، التي تدخل في صراع مع طليقها بسبب ابنتها، مما يدخلها في مشكلات عدة تتفاقم على مدار الأحداث.

أما مسلسل «أب ولكن» الذي يقوم ببطولته محمد فراج وركين سعد مع هاجر أحمد، فتدور أحداثه حول أب يخوض معارك قانونية من أجل رؤية ابنته التي تحاول زوجته السابقة إبعادها عنه، وسط تصاعد للأحداث مع تقديمه كل ما يثبت من التزاماته كونه أباً تجاه ابنته.

ويتطرق مسلسل «كان يا مكان»، الذي يتقاسم بطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، إلى العلاقة بين الزوجين في أول عام بعد الطلاق، والسجالات التي تحدث، بالإضافة إلى طريقة تعاملهما سوياً، والمشكلات التي تحدث بسبب الخلاف حول آلية التعامل مع الأبناء والمسؤوليات التي يجري تقاسمها بينهما.

الملصق الترويجي لمسلسل «بابا وماما جيران» (الشركة المنتجة)

في السياق نفسه، تعد الخلافات الزوجية هي المحور الرئيسي لمسلسل «المتر سمير»، الذي يقوم ببطولته كريم محمود عبد العزيز مع ناهد السباعي، حيث يظهر في دور محام معني بمحاكم الأسرة وقضايا الطلاق.

وعَدّ الناقد المصري طارق الشناوي تكرار تناول مشاكل الطلاق والخلافات التي تحدث بين المنفصلين وما يتبعه من مشكلات بشأن رؤية الأبناء وطريقة التعامل معهم بـ«الطبيعية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما تأتي بوصفها انعكاساً طبيعياً لما يشهده المجتمع، وهناك زيادة واضحة في عدد حالات الانفصال التي تحدث كل عام، وتزايد للقضايا الموجودة أمام المحاكم، أو حتى المشكلات التي نسمع عنها بسبب الخلاف بين الأب والأم بعد الانفصال.

وأضاف أن هذه القضية من القضايا الاجتماعية الشائعة، وكل عمل بالتأكيد سيتناول جانباً منها، وهناك أعمال تناولتها في السابق، وأخرى ستقوم بتناولها مستقبلاً، ولا يمكن اعتبار أن أياً من الكُتاب هو صاحب الفكرة الأصلية لتقديمها على سبيل المثال، مؤكداً أن الحكم على العمل وتقييمه يكون بعد المشاهدة.

محمد فراج (حسابه على فيسبوك)

رأي دعمه الناقد المصري محمد عبد الرحمن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن تكرار الثيمات الدرامية التي تتناول الخلافات الأسرية بعد الانفصال أمر متوقع، وربما لعبت الصدفة دوراً في وجوده بأكثر من عمل درامي، مشيراً إلى أن الدراما الاجتماعية بشكل عام تركز على الموضوعات التي تشغل المواطنين بحياتهم اليومية، ولا يوجد تقريباً اليوم شخص لا يوجد بدائرة معارفه زوجان منفصلان، سواء كان بينهما خلافات أو لا.

الملصق الترويجي لمسلسل «أب ولكن» (حساب فراج على فيسبوك)

وأشار إلى أنه رغم كون نجاح بعض الأعمال التي تناولت الأمر في السابق، فإن ما عُرض من بروموهات دعائية حتى الآن يشير لوجود جوانب مختلفة في المعالجات الدرامية، من بينها تجربة محمد فراج في مسلسل «أب ولكن»، الذي ظهر في دور أب يحاول الحفاظ على التواصل مع نجله رغم رفض زوجته السابقة، مؤكداً أن كل عمل سيتناول من منظور مختلف القضية، وفي إطار درامي يمكن على أساسه تقييم التجربة.