بوتين يقر العقيدة النووية المحدثة ويوجه رسالة تحذير للغرب

1000 يوم على حرب أوكرانيا... موسكو متمسكة بأهدافها وصواريخ أميركية على العمق الروسي   

TT

بوتين يقر العقيدة النووية المحدثة ويوجه رسالة تحذير للغرب

صاروخ باليستي روسي عابر للقارات خلال استعراض في موسكو (أرشيفية - رويترز)
صاروخ باليستي روسي عابر للقارات خلال استعراض في موسكو (أرشيفية - رويترز)

سيطرت المخاوف من تدهور أسوأ للوضع مع حلول اليوم الـ1000 على اندلاع الحرب في أوكرانيا، وسط تفاقم التوتر السياسي والعسكري حول روسيا وأوكرانيا. ومع زيادة النشاط الأوروبي لدعم كييف وفرض رزمة جديدة من العقوبات على موسكو، أكد الكرملين تمسكه بالأهداف التي وضعها في 24 فبراير (شباط) 2022 عندما شن الهجوم على الأراضي الأوكرانية. وغداة أول استخدام أوكراني للصواريخ الأميركية بعيدة المدى في ضرب مواقع داخل العمق الروسي، وجّه الرئيس فلاديمير بوتين رسالة تحذير قوية إلى الغرب عبر إقراره النسخة المحدثة من العقيدة النووية الروسية.

بدا أن التطورات المتسارعة تسابق وصول الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، إذ لم يمر يومان على إعلان منح كييف الضوء الأخضر الأميركي لاستهداف العمق الروسي، حتى نفذت القوات الأوكرانية أولى هجماتها باستخدام صواريخ أميركية.

وأعلن الجيش الروسي، الثلاثاء، أن أوكرانيا أطلقت صواريخ بعيدة المدى أميركية على منشأة عسكرية في منطقة بريانسك الحدودية.

وأوضحت وزارة الدفاع، في بيان: «ضرب العدو منشأة في منطقة بريانسك بـ6 صواريخ باليستية، وفقاً للبيانات المؤكدة، تم استخدام صواريخ أتاكامز التكتيكية العملياتية أميركية الصنع».

ووفقاً للبيان الروسي، فقد «أسقطت أطقم نظام الدفاع الجوي (إس 400) ونظام الدفاع الجوي (بانتسير) 5 صواريخ، وألحقت أضراراً بصاروخ سادس (...) وسقطت شظايا القذيفة على المنطقة الفنية لمنشأة عسكرية، ما أدى إلى نشوب حريق تم إخماده سريعاً».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع في الكرملين (أرشيفية - رويترز)

وكانت موسكو حذّرت من أن أي هجمات داخل العمق الروسي، باستخدام صواريخ غربية طويلة المدى، سيشكل انخراطاً مباشراً للغرب في الحرب ضد روسيا، ولوّحت بتدابير «مناسبة».

وسارع وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إلى اتهام أوكرانيا والغرب بالسعي إلى التصعيد. وقال: «أوكرانيا لم تكن لتطلق صواريخ بعيدة المدى على روسيا دون مساعدة الأميركيين».

وجاء توقيع بوتين، بعد مرور ساعات على هذا الهجوم، على النسخة المحدثة للعقيدة النووية لبلاده، ليوجه رسالة تحذير قوية إلى الغرب. وبرغم عدم ارتباط التطورين بشكل مباشر، كون الكرملين كان قد أعلن مسبقاً عن إعداد الوثيقة الجديدة، لكن تصادف التوقيت حمل دلالات مهمة.

ونصّ المرسوم الرئاسي على أن «الردع المضمون لعدوان محتمل على الاتحاد الروسي أو حلفائه هو أحد أهم أولويات الدولة، ويتم ضمان احتواء العدوان من خلال مجمل القوة العسكرية للاتحاد الروسي، بما في ذلك الأسلحة النووية».

وبرغم أن العقيدة النووية في نسختها المحدثة تنص على أن سياسة الدولة في مجال الردع النووي هي سياسة دفاعية بطبيعتها؛ لكن الجديد هو التأكيد على أن روسيا يمكن أن ترد باستخدام الأسلحة النووية، في حال تعرضت هي أو حلفاؤها لعدوان من جانب أي دولة أو تحالف عسكري، حتى لو كان هذا العدوان تم شنّه من جانب دولة غير نووية بدعم من دولة أو تحالف يمتلك أسلحة نووية. وبحسب العقيدة الجديدة، قد تفكر روسيا في توجيه ضربة نووية إذا تعرضت أو حليفتها بيلاروسيا لعدوان باستخدام «أسلحة تقليدية تهدد سيادتهما أو سلامتهما الإقليمية».

أما العقيدة السابقة، التي تم تحديدها في مرسوم عام 2020، فتنص على أن روسيا قد تستخدم أسلحة نووية إذا تعرضت لهجوم نووي من جانب عدو، أو لهجوم تقليدي يهدد وجود الدولة.

وتشمل التحديثات الجديدة اعتبار أي هجوم تقليدي على روسيا من دولة غير نووية مدعومة من دولة نووية هجوماً مشتركاً، بالإضافة إلى أن أي هجوم جوي واسع النطاق بطائرات وصواريخ موجهة وطائرات مسيرة تعبر حدود روسيا قد يؤدي إلى ردّ نووي.

ووفقاً لهذا البند، فإن الهجمات الصاروخية في العمق الروسي قد تشكل سبباً كافياً لردّ نووي من جانب روسيا، وفقاً للسند القانوني الذي تمنحه العقيدة المحدثة.

كما نصّت الوثيقة على أن «سياسة الدولة في مجال الردع النووي في الصراع العسكري تضمن وقف الأعمال العدائية بشروط يجب أن تكون مقبولة لروسيا».

وهنا أيضاً، يبرز التلويح الروسي بأن الردع النووي يتحول إلى وسيلة ضغط لضمان التزام العدو الافتراضي بشروط روسيا لوقف الحرب.

روسية تمر أمام شعار الاحتفال بالذكرى الـ80 للانتصار على ألمانيا النازية في موسكو الثلاثاء (رويترز)

أيضاً تم تضمين النسخة المحدثة إشارات إلى القوات والأسلحة النووية الروسية التي تم نشرها أو يمكن أن تنشر خارج الأراضي الروسية، وينطبق ذلك على الأسلحة التي نشرتها روسيا في بيلاروسيا، الحليف الأقرب للكرملين.

وأوضح الناطق الرئاسي الروسي، ديمتري بيسكوف، سبب تحديث العقيدة النووية، بالقول: «كان من الضروري جعل أسسنا (سياسة الدولة الروسية في مجال الردع النووي) متوافقة مع الوضع الحالي والتهديدات المتزايدة».

إلى ذلك، كرّر بيسكوف مع حلول اليوم الـ1000 للحرب مواقف بلاده حول السعي إلى تسوية عبر الحوار، لكنه جدد التأكيد على شروط بلاده للتوصل إلى تسوية نهائية. وقال: «روسيا تقدر جهود جميع الدول التي ترغب في المساهمة في حلّ الصراع في أوكرانيا».

وقال بيسكوف، في لقاء صحافي: «إن العملية العسكرية الخاصة ستنتهي عندما تحقق روسيا أهدافها الموضوعة».

جانب من التجارب الروسية على إطلاق صواريخ لمحاكاة رد نووي هائل (أرشيفية - رويترز)

إلى ذلك، كثّفت أطراف أوروبية نشاطها لتأكيد استمرار الخطر الروسي على القارة الأوروبية، وتزامناً مع إعلان بريطانيا عن لائحة عقوبات جديدة، شملت عدداً من الأفراد والمنظمات الروسية المتهمة بعمليات ترحيل قسري لأطفال أوكرانيين إلى روسيا. وأعلن وزراء خارجية ألمانيا وفرنسا وبولندا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا، في بيان مشترك، أن الهجمات الروسية الممنهجة على البنية الأمنية الأوروبية «غير مسبوقة في تنوعها ونطاقها».

وقال الوزراء الأوروبيون: «تصعيد موسكو للأنشطة بكل الوسائل ضد دول حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي غير مسبوق في تنوعه ونطاقه، ما يشكل مخاطر أمنية كبيرة». وأكدوا أهمية دور «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) القوي والموحد. تزامن ذلك مع عقد وزراء الدفاع في الاتحاد الأوربي، بمشاركة الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، اجتماعاً في بروكسل لبحث أوجه الدعم التي يمكن أن تقدمها أوروبا لأوكرانيا في حربها مع روسيا، بمشاركة وزير الدفاع الأوكراني.

وقال الأمين العام لـ«الناتو»، مارك روته، الثلاثاء، خلال اجتماع لوزراء الدفاع في الاتحاد الأوروبي: «لِمَ من الحيوي عدم السماح لبوتين بتحقيق غاياته؟ لأننا سنكون أمام روسيا أكثر جرأة ووقاحة عند حدودنا (...) وأنا على ثقة مطلقة بأنها لن تتوقف عند هذا الحد... لذا تشكل تهديداً مباشراً علينا جميعاً في الغرب». وأضاف روته: «مع مرور ألف يوم على عدوان روسيا الشامل وغير المبرر، يناقش الوزراء كيف يمكننا مساعدة أوكرانيا على الانتصار، وهذا يعني مزيداً من المساعدات والأموال... علينا ببساطة بذل المزيد. وعلينا تعزيز صناعات الدفاع».


مقالات ذات صلة

موسكو تعد تعليق ترمب الرسوم الجمركية «لحظة تاريخية»

أوروبا أميركا تقترح رفع التجميد عن بعض الأصول السيادية الروسية في محاولة لإحياء محادثات إنهاء الحرب الأوكرانية (أ.ب) p-circle

موسكو تعد تعليق ترمب الرسوم الجمركية «لحظة تاريخية»

موسكو ترحب بتعليق الرسوم الجمركية الجديدة المرتبطة بالحرب على أوكرانيا، ووصفت هذه الخطوة بأنها «لحظة مهمة وتاريخية بحق».

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا زيلينسكي في اليوم الثاني من القمة الأوروبية مع أنتونيو كوستا وأورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب) p-circle

إلى أين سيقود الخلاف بين ترمب وزيلينسكي؟ وهل يهدد الدعم الحيوي لكييف برمته؟

الخلاف بين ترمب وزيلينسكي يهدد الدعم الحيوي لكييف... المحلل كليمنس فيشر: أوكرانيا تمر بـ«أحلك لحظاتها» في الحرب بعد وقف الدعم الأمريكي

«الشرق الأوسط» (واشنطن - برلين - كييف)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي: أميركا سترفع مزيداً من العقوبات عن روسيا

رأى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم (السبت)، أن الولايات المتحدة سترفع مزيداً من العقوبات عن روسيا، غداة تعليق الرئيس دونالد ترمب العمل ببعضها.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وسط أزمة مع كييف... ترمب يعلّق عقوبات تستهدف عائدات النفط الروسي

أعفى الرئيس الأميركي دونالد ترمب روسيا الجمعة من عقوبات أقرها الكونغرس مؤخراً، وتستهدف عائداتها النفطية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء وصوله يوم أمس إلى تجمع انتخابي في دالتون بولاية جورجيا (ا.ب)

ترمب يوقّع أمراً تنفيذياً يعفي روسيا من عقوبات أقرّها «الكونغرس»

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم، أمرا تنفيذيا أعفى بموجبه روسيا من عقوبات أميركية ورسوم جمركية تستهدف عائدات الطاقة الروسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
TT

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)

أعلنت رومانيا السبت إسقاط طائرتين مسيّرتين فوق البحر الأسود، وسط تصاعد هجمات المسيّرات على سفن في المنطقة في إطار تداعيات الحرب في أوكرانيا.

وقال وزير الدفاع الروماني رادو ميروتا في منشور عبر «فيسبوك»: «استهدف طيارون في الجيش الروماني طائرتين مسيّرتين وأسقطوهما قبل دقائق فوق البحر الأسود، بعد لحظات من دخولهما أراضينا بشكل غير قانوني»، من دون تحديد نوع المسيّرتين.

وكتب ميروتا: «دخلت المسيّرة الأولى المجال الجوي الروماني في تمام الساعة 17:59 بالتوقيت المحلي (14:59 بتوقيت غرينيتش)، وأُسقطت في أقل من دقيقتين، على بُعد 25 كيلومتراً جنوب شرق مدينة سولينا الساحلية على البحر الأسود».

وأضاف أن «المسيّرة الثانية كانت في المنطقة نفسها، واستُهدفت وأُسقطت في الساعة 18:05 بالتوقيت المحلي (15:05 بتوقيت غرينيتش)، بعد خمس دقائق من دخولها المجال الجوي الروماني، على بُعد 20 كيلومتراً شرق سولينا».

وأوضحت وزارة الدفاع الرومانية أن مقاتلات من طراز «إف-16» تابعة لسلاح الجو الروماني أسقطت طائرتين مسيّرتين بعد أن رصدت أنظمة الرادار مجموعة من الأهداف الجوية تتحرك على بعد نحو 120 كيلومتراً شرق جزيرة سيربنت، متجهة نحو الجنوب الغربي.

وسبق لـ«حلف شمال الأطلسي» أن أسقط أربع طائرات مسيّرة في المجال الجوي الروماني هذا العام.


بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
TT

بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)

أعلنت وزارة الداخلية البريطانية ترحيل روماني حُكم عليه في يونيو (حزيران) الماضي بالسجن عامين في لندن بتهمة إضرام النار في ممتلكات على صلة برئيس الوزراء السابق كير ستارمر.

وأدين ستانيسلاف كاربيوك، وهو مواطن روماني من أصل أوكراني، ورومان لافرينوفيتش، وهو أوكراني، بتورطهما في هجمات استهدفت ممتلكات مرتبطة بكير ستارمر يوم كان رئيساً للوزراء في مايو (أيار) 2025.

حُكم على كاربيوك بالسجن عامين وعلى لافرينوفيتش بالسجن 7 سنوات.

وقال عدد من وسائل الإعلام البريطانية إن لروسيا صلة بالحرائق، رغم أن القاضي الذي تولى القضية لم يشر إلى ذلك في حكمه الصادر في يونيو.

عناصر من الشرطة البريطانية (أرشيفية - رويترز)

وقال ناطق باسم وزارة الداخلية، السبت: «رُحّل هذا الشخص من المملكة المتحدة»، في إشارة إلى كاربيوك، من دون تحديد الدولة التي رحل اليها.

وأضاف: «كان هجوماً مشيناً. إن إدانة هذين الرجلين وسجنهما ينبغي أن يكون رسالة واضحة إلى كل من قد يُخدع بوعود المال من مجهولين».

وتوصلت المحكمة إلى أن رومان لافرينوفيتش وستانيسلاف كاربيوك تصرفا بناءً على أوامر من شخص يتحدث الروسية على تطبيق «تلغرام».

كما خلصت إلى أن كاربيوك لم يكن متورطاً «بشكل مباشر» في عمليات إحراق الممتلكات، بل اقتصر دوره على «تكليفه محاولة استرداد الأموال المعروضة مقابل ارتكاب هذه الجرائم».


المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
TT

المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)

لم ينفع قرار وزارة الداخلية ومديرية الشرطة في باريس بمنع التظاهر والتجمع في محيط المقرات الحكومية الرئيسية مثل قصر الإليزيه ورئاسة الحكومة وساحة الكونكورد وجادة الشانزيليزيه وغيرها من المناطق «الحساسة»؛ ذلك أن المتظاهرين نجحوا في الوصول إلى جادة الشانزليزيه، حيث استبق الكثير من المحلات وصولهم من خلال تحصين واجهاتها الزجاجية فيما أغلق بعضها أبوابه مخافة أعمال السلب والنهب والتكسير والحرائق.

وسبق لوزارة الداخلية والقوى الأمنية أن استبقت «يوم التعبئة» الذي جاء ليتوج حراك تلامذة التعليم الثانوي احتجاجاً على الظروف التعليمية الذي انطلق منذ نحو الشهر، وشهد خمس محطات تعبئة. والجديد فيما حصل السبت أن التداخل بين الحراك الطلابي والاحتجاجات التي عمت غالبية المدن الفرنسية على غلاء المعيشة وتراجع القوة الشرائية خصوصاً للطبقات الدنيا والارتفاع غير المسبوق لأسعار المشتقات النفطية، ما أرجع «السترات الصفراء» إلى الشوارع والمستديرات وإلى جوار محطات البنزين والديزل وخلافها.

اللافت أن الحكومة استبقت يوم التعبئة بالتحذير من اللجوء إلى العنف، وبإبراز رغبتها في التشدد في معاملة المخلين بالأمن، وهو ما شدد عليه وزير الداخلية لوران نونيز الذي أباح العودة إلى استخدام القنابل الصوتية والوسائل الأخرى لتفريق المتظاهرين.

متظاهرون تسلقوا التمثال الذي يتوسط ساحة الجمهورية في باريس وشعارهم «الناس في حالة غضب» (رويترز)

من جانبه، دعا جيرالد درامانان، وزير العدل، المدعين العامين في البلاد إلى التشدد قضائياً مع الأشخاص الذين يتم توقيفهم. وفي المحصلة، فإن مجموعات اليسار المتشدد المسماة «بلاك بلوكز» نجحت مرة أخرى في حرف المظاهرات عن أهدافها الحقيقية وتحويل العديد منها إلى ساحات كر وفر بينها وبين القوى الأمنية من شرطة ودرك وفرق مكافحة الشغب. والجمعة، دعا أركان الدولة، بدءاً برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، إلى التظاهر السلمي والتحذير من استغلال الحراك لأهداف سياسية.

وفيما اليسار الفرنسي يؤيد الحراك والمطالب الاجتماعية والطلابية، فإن اليمين بجناحيه التقليدي والمتطرف، يركز على ضرورة المحافظة على الأمن والتنديد بالمحتجين وبأعمال العنف. وبعكس ما حصل في باريس ومرسيليا وليون واستراسبورغ، وهي المدن الأربع الكبرى في فرنسا، «إضافة إلى مدن رين وتولوز وأنجيه» التي شهدت أعمال عنف ذكّرت بما عرفته البلاد عامي 2018 و2019 بمناسبة احتجاجات «السترات الصفراء»، فإن «مسيرات سلمية» حصلت في مدن عديدة مثل بريست وروان وبايون وكان ومونبيليه.

إلا أن الأنظار تركزت على «عنف المدن» الذي تجلى بإشعال الحرائق وتحطيم العديد من الواجهات والدخول في معارك كر وفر مع القوى الأمنية التي عمدت، بالمقابل، إلى إلقاء القبض على المئات من المحتجين والمشاغبين ومواجهتهم بالغاز المسيل للدموع والهراوات وخراطيم المياه واستدعاء فرق مكافحة الشغب المؤللة. وقالت وزارة الداخلية إن محتجين حاولوا في مرسيليا اقتحام مركز للشرطة ونهبوا متاجر وحطموا واجهات.

وألقت شرطة باريس القبض على نحو 100 شخص لحيازتهم أسلحة ومواد أخرى محظورة. ودخل متظاهرون إلى مقر بلدية مرسيليا الواقعة في الجزء التاريخي من المدينة، ما حمل عمدتها، بونوا بايان، على طلب تعزيز حضور الشرطة لحماية البلدية.

كذلك هاجم متظاهرون فرعاً للشرطة في المدينة وحطموا بعض موجوداته. وبسبب التجاوزات، عمدت مديرية الشرطة في العاصمة إلى استدعاء «الفرقة رقم 8» المتخصصة في مكافحة الشغب لوسط المدينة المسمى «لي هال»، ما يعكس صعوبة سيطرة السلطات على الحركة الاحتجاجية التي شهدت نزول «السترات الصفراء» إلى بعض الأماكن.

أما في ليون، فقد هاجم محتجون المكتب السياحي للمدينة ونجحوا في اجتياحه وإحراقه ومنع رجال الإطفاء من الوصول إليه.

وفي باريس، سمحت مديرية الشرطة بمسيرتين بعيدتين عن المراكز «الاستراتيجية» في العاصمة وتحويلهما باتجاه المناطق الشعبية القائمة شمال العاصمة. إلا أن هذه الخطة لم يتم العمل بها. وفي أكثر من حي باريسي حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات.

وأفادت الشرطة بالقبض على 163 شخصاً في العاصمة وحدها. وأدان عمدة باريس إيمانويل غريغوار، المنتمي إلى الحزب الاشتراكي، «أعمال التخريب والتكسير» التي شهدتها العاصمة، مشيراً إلى أن الغالبية العظمى من المتظاهرين «كانت ترغب في التظاهر في أجواء هادئة وسلمية».

في باريس حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات (أ.ب)

وعمد محتجون إلى تحطيم واجهة محل كبير «مونوبري» ومطعم للوجبات السريعة «ماكدونالدز» في شارع سيباستوبول، شمال العاصمة وسرقة محتوياته، لكن المظاهرات في باريس في أحياء أخرى كانت هادئة وسلمية. واعتبر غريغوار أن أعمال التكسير تصرف الانتباه عن مطالب طلاب المدارس الثانوية، الذين نزلوا إلى الشوارع إلى جانب طلاب الجامعات وأصحاب السترات الصفراء ومختلف النشطاء، كما تسيء إلى صورة تحركهم الاحتجاجي.

وبالمقابل، رأى أنه «لا يتعين أن يكون أي تحرك احتجاجي ذريعة لارتكاب أعمال عنف ضد المتظاهرين». وكذلك، نددت وزارة الداخلية بـ«التحشيد القوي» من جانب اليسار المتطرف، وبالمساعي الهادفة لإثارة الاضطرابات، وبالهجمات العنيفة التي قامت بها جماعات من الملثمين، وبالاعتداء على عناصر إنفاذ القانون وإضرام الحرائق ومحاولات النهب والاعتداء على الأملاك الخاصة والعامة، وتحدثت عن «أعمال خطيرة للغاية» لا سيما في مرسيليا وليون. وفي مدينة أفينيون، تم اقتحام ساحة مقر محافظة «فوكلوز»، بينما شهدت مدينة غرونوبل «أعمال تخريب طالت مبنى البلدية. كذلك، تعرضت محال تجارية للتخريب في مدن بو ومونبلييه وتولوز وفالانس.

كما في كل مناسبة، تتضارب الأرقام وتميل النقابات والجهات الداعية لها لتضخيمها، فيما تميل الجهات الرسمية لتخفيض أعداها. وقالت «نقابة كونفدرالية العمل»، القريبة من الحزب الشيوعي، إن نصف مليون شخص شاكوا في المظاهرات التي عمت غالبية المدن الفرنسية.