مهنة «جديدة» في مصر تصنع ثروة وتثير امتعاضاً... «البروكر»

قادت السماسرة من أبواب البنايات إلى تأسيس الشركات

حي جاردن سيتي الجديد في العاصمة الإدارية (صفحة مجلس الوزراء المصري على فيسبوك)
حي جاردن سيتي الجديد في العاصمة الإدارية (صفحة مجلس الوزراء المصري على فيسبوك)
TT

مهنة «جديدة» في مصر تصنع ثروة وتثير امتعاضاً... «البروكر»

حي جاردن سيتي الجديد في العاصمة الإدارية (صفحة مجلس الوزراء المصري على فيسبوك)
حي جاردن سيتي الجديد في العاصمة الإدارية (صفحة مجلس الوزراء المصري على فيسبوك)

لم تكن بريهان الفحام، الشابة الثلاثينية، تتخيل وهي تسافر من مصر إلى الإمارات في عام 2022 بحثاً عن فرصة عمل في الصحافة، أنها ستصبح في غضون عامين فقط، صاحبة شركة خاصة بها في التسويق العقاري، أو وفق الاسم الدارج للمهنة «بروكر».

تقول الفحام لـ«الشرق الأوسط» إن السمسرة التي عملت فيها بالصدفة، ليست مهنة سهلة، ولا تختلف سماتها عن السمات التي كانت تحتاج إليها بصفتها صحافية: «كل من البروكر والصحافي يعرف كيف يتواصل مع الناس».

فشلت بريهان في الحصول على وظيفة ذات صلة بالإعلام، فقدمت في شركة «بروكر» على وظيفة في قسم العلاقات العامة. خلال المقابلة عرض عليها صاحب الشركة العمل في قسم المبيعات، مشيراً إلى أن سماتها تؤهلها لذلك. وافقت بريهان، معتبرة أنه من أفضل القرارات التي غيرت مسار حياتها.

تقول: «بفضل البروكر أصبح لدي مشروعي الخاص الذي أخطط لتوسعته العام المقبل، بفتح مكتب لشركتي في مصر وآخر في تركيا».

ولم تغير مهنة البروكر حياة بريهان فقط، بل أيضاً نيرة محمد (اسم مستعار بناءً على طلبها) والتي تسوق مشاريع شركات كبرى مثل «ماونتن فيو» وشركة «أورا» لسميح ساويرس، وغيرهما.

بدأت نيرة العمل في السمسرة منذ كانت طالبة في كلية الآداب بقسم علم الاجتماع، وأنجزت صفقتين أدرَّتا عليها دخلاً لم تكن تحلم به، تجاوز الـ30 ألف جنيه، عام 2017 (الدولار كان يساوي وقتها ما بين 17 و19 جنيهاً مصرياً)، ووقتها قررت أن تستمر في المهنة التي أكملت فيها عامها السابع.

غيّرت مهنة السمسرة أيضاً حياة علاء الشيخ الذي يملك الآن شركة «اسيت تاب» للتسويق العقاري. وقد بدأ حياته المهنية في عام 2011 في قسم التسويق بشركة «عامر جروب»، ثم انتقل للعمل في شركة سمسرة لثلاثة أعوام أخرى، وبعدها فتح شركته التي تخصصت في العمل غرب القاهرة «شركتي من أكبر شركات البروكر هناك».

بريهان الفحام امتهنت «البروكر» وأصبح لديها شركتها الخاصة (الشرق الأوسط)

كيف تصبح «بروكر»؟

لا يرى كل من الشيخ وبريهان أن البروكر مهنة سهلة، على عكس نيرة التي تراها من أسهل الأعمال ولا تتطلب خبرة في أي شيء؛ ما يجعلها مجال جذب للكثير من الشباب الخريجين.

تقول لـ«الشرق الأوسط»: «أي أحد يستطيع أن يكون بروكر، ما دام كان لديه المهارات اللازمة لذلك، فلا تحتاج إلى أن تكون خريج جامعة معينة، على عكس العاملين في أقسام التسويق في الشركات المطورة - المعمارية - ممن يفضلون خريجي الجامعات (ذوات الـ3 حروف)». في إشارة إلى الجامعات الأجنبية مثل الجامعة الأمريكية AUC، والكندية ACU.

وأضافت أنهم يكونون عبارة عن «صورة» للشركة، لكن في الواقع تعتمد هذه الشركات بالأساس على البروكرز لجلب العملاء.

ولا يُعدّ العاملون في أقسام التسويق بالشركات المطورة «بروكر»؛ إذ إن البروكر هو وسيط بين العميل والشركة المطورة، لذا فهو يستطيع توفير أفضل عرض للعميل في إطار إمكاناته، من بين مشاريع عدة يعمل على تسويقها في آن لشركات مختلفة، على عكس العاملين في أقسام التسويق بالشركات المطورة الذين يعملون فقط على مشاريع شركتهم، حسب الرئيس التنفيذي للقطاع التجاري في شركة «جذور» الدكتور معتز شلبي.

ويتفق الشيخ مع نيرة في أن البروكر لا يحتاج إلى كليات بعينها، وأن القدرة على التواصل والإقناع مفتاحان أساسيان للعمل في هذا المجال، لكنه لا يراها مع ذلك مهنة سهلة «تحتاج دائماً إلى دراسة توجهات السوق العقارية، ومشاريع المطورين، والسوق المالية واتجاهات السوق، وحفظ كم هائل من المعلومات، وقدرة على عرضها على العميل، وهي تحتاج إلى اطلاع دائم».

حُسن المظهر جزء من عمل «البروكر» الآن (بيكسيباي)

البواب البروكر

قبل عقود، لم يكن البروكرز بالوجاهة ذاتها، لا يعتنون كثيراً بملابسهم، أو في حاجة إلى سمات شخصية لإقناع العميل. فقط يجلسون أمام العقارات، يحرسونها خلال عملهم الاعتيادي، وإلى جانبه يمارسون السمسرة؛ وذلك «لعلمهم بالمنطقة والشقق والمباني الخالية فيها»، حسب الشيخ.

ويضيف صاحب شركة «اسيت تاب» أن مهنة البروكر بدأت تكتسب هذا التعقيد، ومعه العائد المُجزي، منذ أوائل الألفينات، حين افتتحت شركة «كولدويل بانكر» فرعاً لها في مصر، بالتزامن مع اتساع السوق العقارية وظهور شركات مثل طلعت مصطفى، و«دريم» لصاحبها أحمد بهجت، و«بالم هيلز»، و«سوديك» التي تعاقدت مع هذه الشركة لترويج مشاريعها.

وبعد نحو عقد آخر، بدأ الكثير ممن كانوا يعملون في الشركة الأولى، تأسيس شركاتهم الخاصة؛ ما مهّد السوق للتحول الأكبر خلال الفترة من عام 2015 إلى 2017، مع الإعلان عن إنشاء العاصمة الإدارية وبدء البيع فيها.

ويرى الرئيس التنفيذي للقطاع التجاري في شركة «جذور» الدكتور معتز شلبي، أن البروكر هو التطور الطبيعي لـ«السمسار» بشكله التقليدي؛ إذ بفضل شركات البروكر باتت المهنة تتم في إطار تنظيمي، تحكمه أسس ومعايير، وتملك الشركة موظفين، وتدفع ضرائب، وتعمل من خلال حملات إعلانية.

دخل مُجزٍ

تتذكر الفحام راتبها في الصحافة وتصفه بـ«غير المجزي»، على عكس ما جنته في أول صفقة لها من البروكر 24 ألف درهم (الدولار حالياً يساوي 3.6 درهم إماراتي)

وفي مصر، قد يجني البروكر من 25 إلى 35 ألف جنيه في الشهر (الدولار حالياً يساوي 49.27 جنيه مصري) ذلك حال استطاع «تحقيق التارجت»، وفق الشيخ. ويتمثل التارجت في إتمام صفقات بملايين عدة من الجنيهات كل شهر، قائلاً: «على كل مليون يأخذ البروكر عمولة 5 آلاف جنيه».

وتشير نيرة إلى أن ذلك ليس دائماً سهلاً «ممكن في شهر تنجز صفقتين، وشهور أخرى دون شيء»، موضحة أن مرتبات البروكرز تتراوح بين 3 آلاف جنيه للمبتدئ و10 آلاف جنيه لقائد الفريق، بخلاف العمولة التي تصل في مشاريع العاصمة الإدارية إلى 7 وأحياناً 9 آلاف جنيه على كل مليون جنيه».

وتبدأ أسعار الشقق في العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة، ذات الغرفة الواحدة من 3 ملايين و700 ألف جنيه، في حين تبدأ في منطقة مثل الشيخ زايد غرب العاصمة بـ5 ملايين و200 ألف جنيه، وفق تقرير «ماركت ووتش» للسوق العقارية المصرية خلال الربع الأول من العام الحالي.

وزير الإسكان المصري خلال تفقده الحي الخامس في مدينة جاردن سيتي الجديدة بالعاصمة الإدارية (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

سوق تتسع

وتشهد السوق العقارية في مصر اتساعاً لافتاً؛ إذ يقدر حجمها خلال العام الحالي بنحو 20.02 مليار دولار، ومن المتوقع أن يصل إلى 33.67 مليار دولار أميركي بحلول عام 2029، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 10.96 في المائة خلال الفترة المتوقعة 2024 - 2029، وفق «موردور إنتليجنس».

وربط أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الأميركية الدكتور سعيد صادق، ظهور مهنة البروكر باعتماد «الاقتصاد المصري على بيع العقارات والمدن والمصايف بسبب سرعة الحصول على النقد السريع»، موضحاً: «إذا بُنيت عمارة يمكن أن تنتهي في سنة وتحقق أرباحاً طائلة، وتركز هذه السوق إما على الخليجيين أو المصريين الذين يعملون في الخليج أو المصريين القلقين من التدهور غير المسبوق في قيمة الجنيه المصري فيسعون لشراء الذهب أو العقارات».

الإزعاج

وعلى خلاف الوجاهة الممتدة إلى المكسب السريع، فإن مهنة البروكر مرتبطة بالإزعاج لدى صادق، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» اقتصاد العقارات قائم على توظيف الشباب الساعي لربحٍ سريع وعمولة البيع فيقوم على توظيف عدد هائل من الشباب في تلك المشاريع، ممن يقومون باستخدام الموبايلات في طلب أسماء يحصلون عليها من مصادر عدة لعرض شراء عقارات عليهم بصورة مزعجة متكررة.

ويضيف أستاذ علم الاجتماع: «يطلبون (البروكرز) الزبون المحتمل ويشرحون العرض لعله يقبله فيحصلون على عمولة. ولا يوجد وسيلة لوقف إزعاج سماسرة العقارات حتى الآن. البعض لا يرد على تليفونات مجهولة أو يستخدم برامج تحذرك من تليفونات تجارية».

وكان الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر أعلن في 23 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بدء اتخاذ كل الإجراءات القانونية ضد شركة «ماونتن فيو» للتطوير العقاري وإحالتها للنيابة، بعدما تلقى الكثير من الشكاوى من المواطنين الذين استقبلوا مكالمات من هذه الشركة باستمرار.

أقر البروكرز الثلاثة الذين تحدثت معهم «الشرق الأوسط» بانتشار هذه التقنية وتسمى «كولد كول» أي «نداء عبر الاتصال»، لكنهم نفوا استخدامهم لها، واتهموا آخرين.

يقول الشيخ إن شركته تستخدم الحملات الترويجية وليس «الكولد كول» التي توجد عند الشركات التي تعتمد على توظيف 1500 بروكر.

أما نيرة فقالت إن «(الكولد كول) مهمة في البداية لإكساب البروكر خبرة وجرأة في الحديث مع العملاء»، مشيرة إلى أنها تستخدمها فقط مع «العملاء السابقين»، ومقرّة بأن مثل هذه المكالمات مستفزة ومزعجة «لسيدة بسيطة ربة منزل أو رجل لا يعرف كيف يغطي مصاريف أسرته، فكيف أعرض عليه شراء شاليه في الساحل بـ5 ملايين جنيه!».

وكشف البنك الدولي عن أن آخر إحصائية للفقر في مصر في عام 2022 سجلت ارتفاعاً ليصل معدله إلى 32.5 في المائة.

ولا يقتصر إزعاج البروكر على مصر، وفق الفحام التي تؤكد انتشار هذه التقنية في دبي أيضاً. لكن الإمارات وضعت في أغسطس (آب) الماضي، ضوابط للتسويق عبر الهاتف، تبدأ بضرورة حصول الشركة على ترخيص لإجرائه، مروراً بمنع الاتصال أكثر من مرة في اليوم، والشركة المخالفة تتعرض لغرامة تزيد على 150 ألف درهم.

وبخلاف الإزعاج يشعر أستاذ علم الاجتماع بالأسف لتحول انجذاب الأجيال الصاعدة بمهن الكسب السريع مثل البروكرز أو التأثير عبر السوشيال ميديا «الأنفلونسرز»، على حساب مهن مثل الطب والهندسة.

لكن الشيخ يعتز بمهنته، لافتاً إلى أنها عكس الشائع، مهنة عريقة تمتد جذورها إلى العصر الفاطمي. وهو ما أكدته دراسة أعدتها أستاذة التاريخ الإسلامي في جامعة الأزهر الدكتورة فاطمة حسب، تحت عنوان «السماسرة والأدّلاء في مصر الإسلامية».


مقالات ذات صلة

«دار غلوبال» تحصل على قرض مشترك بـ250 مليون دولار من «الإمارات دبي الوطني»

الاقتصاد زياد الشعار الرئيس التنفيذي لـ«دارغلوبال» وأحمد القاسم رئيس الخدمات المصرفية للأعمال في «الإمارات دبي الوطني» بعد توقيع الاتفاقية (الشرق الأوسط)

«دار غلوبال» تحصل على قرض مشترك بـ250 مليون دولار من «الإمارات دبي الوطني»

أعلنت شركة «دار غلوبال» عن حصولها على تسهيلات قرض مشترك لأجل بقيمة 250 مليون دولار مقدمة من بنك الإمارات دبي الوطني، في خطوة تهدف إلى دعم خططها للنمو.

«الشرق الأوسط» (دبي)
شمال افريقيا بنايات في منطقة فيصل بالجيزة (الشرق الأوسط)

قفزات «الإيجار الجديد» تُعمّق معاناة أسر مصرية

بعد ثلاثة شهور سيكون على الثلاثينية سارة أحمد جمع أغراضها تمهيداً للانتقال من الشقة التي تسكنها حالياً في شبرا الخيمة بمحافظة القليوبية (شمال القاهرة)

رحاب عليوة (القاهرة)
الاقتصاد يسير الناس على طول أحد الشوارع التجارية في العاصمة الرياض (أ.ف.ب)

التضخم السنوي في السعودية يسجل 1.8% في مارس

سجل الرقم القياسي لأسعار المستهلك في السعودية ما نسبته 1.8 في المائة خلال مارس مقارنة بـ1.7 في المائة في فبراير.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد هوي كا يان مؤسس شركة «إيفرغراند» الصينية في مؤتمر صحافي سابق عام 2017 (رويترز)

مؤسس «إيفرغراند» الصينية يُقرُّ بالذنب في قضية احتيال

أقرَّ مؤسس مجموعة «إيفرغراند» الصينية (أكبر شركة تطوير عقاري مديونيةً في العالم) بالذنب، في تهم تشمل إساءة استخدام الأموال، والاحتيال في جمع التبرعات.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد شقق سكنية تابعة للشركة الوطنية للإسكان (الشركة الوطنية للإسكان)

السعودية... تنظيم لرسوم العقارات الشاغرة يحقق التوازن العقاري وزيادة المعروض

كشفت وزارة البلديات والإسكان عن مشروع اللائحة التنفيذية لرسوم العقارات الشاغرة، متضمنا إطاراً تنظيمياً يحدد آليات فرض الرسوم ومعايير تطبيقها.

بندر مسلم (الرياض)

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
TT

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)

أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، عن مبادرة لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية؛ لتعزيز مساهمة المجتمع في الحفاظ على أصوله التراثية ذات القيمة وتأهيلها، وذلك خلال كلمة ألقاها مع ختام «ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي» بمركز الملك فهد الثقافي في الرياض، الخميس.

وشهد الحفل الختامي حضور عددٍ من المسؤولين والشخصيات الثقافية، وقيادات ومنسوبي منظمات القطاع الثقافي غير الربحي، ومنسوبي جهات حكومية ذات العلاقة، ومانحين وداعمين من الأفراد والقطاع الخاص، والمهتمين.

وقال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان في كلمته: «بدعم وتمكين مستمر يحظى به القطاع الثقافي من قيادتنا، نسعد اليوم بختام أعمال ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي، لنحتفي بمسيرة استثنائية لشركاء الأثر».

وأكد أن القطاع الثقافي غير الربحي شهد نقلة تاريخية، في ظل «رؤية المملكة 2030»، واستراتيجية الوزارة له، موضحاً أن عدد منظماته قفز من 30 إلى أكثر من 1650 منظمة، وسجل 20 ألف متطوع مليون ساعة تطوعية، كما أسهمت برامج الدعم التي تجاوزت 340 مليون ريال في تمكينه وتعزيز قدرته على الإنتاج والتأثير.

وأضاف وزير الثقافة السعودي: «قيمنا وإرثنا وثقافتنا تمثل عناصر القوة في القطاع الثقافي غير الربحي، وبفضلها ساهمت المجتمعات المحلية بمختلف مناطق المملكة في ترميم نحو ألف موقع للتراث العمراني».

وأشار الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان إلى أن المبادرة الجديدة تستهدف في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر يتضمن تقديم دعم مالي مماثل لما يقدم من قبل المنظمات غير الربحية لدعم وتمكين ملاك البلدات التراثية الراغبين في ترميم وإعادة تأهيل هذه البلدات على نفقتهم الخاصة.

وأبان أن هذه المبادرة تتوِّج شراكة مميزة وفاعلة بين العمل الحكومي ممثلاً في هيئة التراث، والعمل المجتمعي، للحفاظ على البلدات التراثية في مناطق السعودية، وتحفيز الجهود لتنميتها وإدارتها وتفعيلها وتحويلها إلى روافد ثقافية واقتصادية تسهم في تنمية المجتمعات المحلية، والحفاظ على الهوية العمرانية، مضيفاً أنه سيتم الإعلان عن فتح باب التقديم عليها خلال الربع الرابع من العام الحالي 2026.

واستعرضت الجلسة الختامية للملتقى منجزات القطاع الثقافي غير الربحي منذ إعلان وزارة الثقافة عن استراتيجيته خلال عام 2021، التي تضمّنت عدة مبادراتٍ تطويرية وتمكينية للمنظمات الثقافية غير الربحية. ومن أبرز المنجزات تأسيس جمعياتٍ مهنية واحتضانها، وتسريع عملية نموها، وتطوير منهجية متكاملة لتصحيح أوضاع الأندية الأدبية والجمعيات.

كما تضمنت المنجزات إطلاق برنامج الدعم مقابل الأداء لتمويل مشاريع مختلف فئات المنظمات الثقافية غير الربحية ذات الأثر؛ بما يسهم في تحقيق استدامته. وطوّرت الوزارة إطاراً لتقييم وتصنيف تلك المنظمات على الصعيدين المالي والإداري، وتطوير عدّة جمعيات من خلال تطوير خططها السنوية، وبناء القدرات والمعارف.

وشهد الملتقى على مدى يومين 14 جلسةً حوارية، ناقش فيها مجموعة من الخبراء والمختصين المحليين والدوليين واقع القطاع الثقافي غير الربحي الحالي، ودوره في صناعة المستقبل في ظل التوجُّهات الحديثة، والمستقبل الإنساني المشترك، ودور الثقافة بوصفها قوّةً ناعمة، وأهمية تمكين المنظمات الثقافية غير الربحية لبناء أثرٍ مستدام ثقافياً واقتصادياً.

واستعرض المشاركون نماذج التعاونيات الثقافية، ودور المسؤولية الاجتماعية في تنمية القطاع غير الربحي، بالإضافة إلى آفاقٍ ومساراتٍ مبتكرة للتمويل الثقافي، وأهمية التكامل الفعّال والمستدام، والتعاون الدولي ودوره في التمكين الثقافي، والممكنات والفرص التي تقدمها الوزارة للقطاع ومنظماته، وتطويرها لكفاءتها المؤسسية.

واشتمل الملتقى على عدّة أركان ومبادرات تفاعلية، حيث قدَّم «مختبر المعرفة» مجموعة ورش عمل تطبيقية متخصصة في الحوكمة وقياس الأثر وتنمية الموارد، لتمكين منسوبي المنظمات الثقافية غير الربحية، وأتاحت «جلسات المشورة» فرصة عقد لقاءات إرشادية فردية مع الخبراء، في حين أسهمت «لقاءات 360» في تعزيز التواصل وبناء الشراكات، واستعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة لمنظمات القطاع، وعرّفت «بوابة التمكين» المشاركين ببرامج الدعم وآليات الاستفادة منها.

ويأتي ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي ضمن جهود وزارة الثقافة لتمكينه، ودعم منظماته، لرفع مستوى تأثيرها الثقافي والمجتمعي، وذلك لتحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للثقافة، تحت مظلة «رؤية 2030».


الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
TT

الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)

بعد نجاح مسلسل «فريد»، اتجهت محطة «إم تي في» اللبنانية إلى توسيع تجربة الدبلجة بالعامية المحلية، فاختارت عرض مسلسلي «شراب التوت»، و«المشردون» بصوت لبناني. هذه الخطوة، التي شقّت طريقها بصعوبة في بداياتها، تبدو اليوم أكثر رسوخاً، لتؤكد أن المقولة القائلة بعدم استساغة اللهجة اللبنانية في الدراما المدبلجة ليست دقيقة. فقد تفاعل الجمهور مع هذه الأعمال بإيجابية، ما ساهم في كسر حاجز كان يُعد عائقاً أمام تطوّر هذا القطاع.

وسام بدين بدأ بصناعة الدوبلاج اللبناني من الصفر (وسام بدين)

ومع شركة «ديفكات ستوديوز»، التي يديرها وسام بدين، انطلقت عجلة الدبلجة اللبنانية بشكل فعلي، مستكملة مساراً كان قد بدأه في الثمانينات والتسعينات المخرج نقولا أبو سمح. يومها، فتح الباب أمام دبلجة المسلسلات المكسيكية إلى العربية الفصحى عبر استوديوهات «فيلملي»، واستطاع وضع لبنان على خريطة صناعة الدبلجة، من خلال أعمال أجنبية مدبلجة تركت أثرها لدى الجمهور اللبناني، ولا تزال حاضرة في الذاكرة حتى اليوم. وكان أول عمل هو «السندباد»، ثم توالت المسلسلات المكسيكية مثل «أنت أو لا أحد» و«سوف تدفع الثمن» و«ماريا مرسيدس» وغيرها.

غير أن انتشار الدبلجة باللهجة السورية لاحقاً أدى إلى تراجع حضور «فيلملي»، قبل أن يعيد بدين إحياء هذا المجال عبر تأسيس «ديفكات ستوديوز»، التي انطلقت بأعمال كرتونية وألعاب فيديو وبرامج إذاعية.

لم تولد فكرة الدبلجة باللهجة اللبنانية صدفة، بل جاءت بمبادرة من رئيس مجلس إدارة «إم تي في» ميشال المر، الذي رأى فيها مشروعاً واعداً. وكان «فريد» باكورة هذه التجربة، قبل أن تتوسع لتشمل أعمالاً تركية أخرى مثل «شراب التوت»، و«المشردون». ويؤكد بدين أن التخوّف من اللهجة اللبنانية تلاشى. فقد أبدى الجمهور حماسة لسماعها بأصوات ممثلين محليين، ما أضفى قرباً أكبر على مجريات العمل.

ويشير إلى أن اللهجة اللبنانية، بما تحمله من مرونة وانفتاح، قادرة على مواكبة الأعمال الأجنبية، ولا سيما أنها تتضمن مفردات دخيلة من لغات أخرى، ما يسهل اندماجها في سياقات درامية متنوعة، ولا يحصرها في نطاق الأعمال التركية فقط.

ويعلّق: «يشتهر لبنان بالانفتاح، ولهجته تشكّل نموذجاً حيّاً لتعدد الثقافات. وعادةً ما نستخدم عبارات ومفردات أجنبية، وقد اعتمدنا عليها في صناعتنا لتقديم نموذج واقعي يعكس أحاديثنا اليومية».

أحدث الأعمال المدبلجة المعروضة على «إم تي في» في «المشرّدون» (وسام بدين)

وقد أسهم حضور ممثلين لبنانيين بارزين في إنجاح هذه التجربة، من بينهم خالد السيد، وجمال حمدان، وجناح فاخوري، وتقلا شمعون، وميراي بانوسيان، ووجيه صقر، ورانيا عيسى وغيرهم. في حين يوقّع إخراج هذه الأعمال عدد من الأسماء المعروفة في هذا المجال، مثل رانيا حمندي، ومحمد قدورة، وريتا صبّاغة. وتشرف على تنفيذ هذه الأعمال ريتا نجم.

ورغم هذا النجاح، يلفت بدين إلى أن دعم «إم تي في» يبقى الأساس، داعياً محطات لبنانية أخرى إلى الانخراط في هذه الصناعة، لما توفره من فرص عمل لمئات العاملين في المجالين الفني والتقني. كما يوضح أن تكلفة دبلجة ساعة تلفزيونية أقل بكثير من إنتاج عمل درامي جديد، ما يدفع القنوات إلى اعتماد هذا الخيار في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

يؤكد بدين أن هيكلية هذه الصناعة وأسسها أصبحت راسخة في لبنان، وباتت قادرة على تلبية حاجات أسواق أخرى. ويضيف: «أنا متأكد من أن المشاهد العربي يتقبل اللهجة اللبنانية، ونلمس ذلك من خلال التعليقات التي نتلقاها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فقناة (إم تي في) يشاهدها الملايين خارج لبنان، وأعمالنا المدبلجة باللبنانية تحقق نسب مشاهدة مرتفعة».

وعن مستقبل هذه الصناعة، يقول: «أنا منكب على تطوير هذا المجال منذ فترة طويلة، ولا أترك باباً أو منبراً إلا وأطرقه للترويج له. لكن الأمر لا يتعلق بالتفاؤل أو التشاؤم، بل هو مسار طويل يتطلب المثابرة والجهد والتشجيع. فقد وُلدت هذه الصناعة من الصفر، حتى إننا استحدثنا مترجمين لتقديم نصوص تتلاءم مع خصوصية اللهجة اللبنانية. ونأمل أن تتحسن الأوضاع في البلاد لضمان استمرارية أفضل».

ويختم وسام بدين: «نتطلع أيضاً إلى المنصات والقنوات الإلكترونية، مثل (أمازون) و(إم بي سي) وغيرهما، ونأمل أن تكون قد لاحظت نجاح الدبلجة باللبنانية، فتتجه إليها في إنتاجاتها المستقبلية».


البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
TT

البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
إسلام وسط عائلته (فيسبوك)

أخيراً، وبعد أن صار عمره 43 عاماً عثر البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» على أسرته بعدما خطفته من المستشفى سيدة ارتكبت جرائم اختطاف عدة، وتم القبض عليها، لكنها لم تفصح عن أسرته أو مكان اختطافه (أدت دورها في المسلسل الفنانة ريهام عبد الغفور). وظهر إسلام الذي أطلق على نفسه لقب «إسلام الضائع» عبر حسابه بـ«تيك توك» في بث مباشر مساء الأربعاء ليعلن عثوره على أسرته الحقيقية وأنه أخيراً لم يعد ضائعاً بعد تطابق تحليل البصمة الوراثية «DNA» لوالديه معه.

وتحدث إسلام خلال البث مع والدته المصرية، ووالده الليبي الجنسية، اللذين كانا قد اعتقدا أنه مات بعد أن أخبرتهم إدارة المستشفى في الإسكندرية أن طفلهما قد توفي وبعدها سافرت الأسرة إلي ليبيا، وقد أعيته الحيل للوصول إليهم. وكشف إسلام أن اسمه الحقيقي محمد وأن والده ليبي الجنسية، لكنه عاش في مصر وتزوج والدته المصرية، وأضاف أن لديه 20 شقيقاً وشقيقة، وكان قد كشف في تصريحات تلفزيونية سابقة عن إجرائه 55 تحليلاً مع أسر فقدت أبناءها ولم يستدل منها على أسرته.

واقعة خطف إسلام تطرق إليها مسلسل «حكاية نرجس» المأخوذ عن قصة حقيقية، وتصدر «الترند» على منصة «غوغل» الخميس، بعد إعلان إسلام عثوره على أسرته. ويروي المسلسل حكاية نرجس التي تواجه نظرة مجتمعية قاسية لكونها عاقراً، فتنزلق لسيل من الأكاذيب التي تقودها إلي جرائم خطف الأطفال ونسبهم لها وزوجها رسمياً، وتتواصل رحلتها في خطف المزيد منهم والمتاجرة بهم حتى تنتهي حياتها بشكل مأساوي.

ريهام عبد الغفور في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس» (الشركة المنتجة)

وأدى الممثل يوسف رأفت شخصية «يوسف» التي تعادل شخصية إسلام في الواقع، حيث خطفته نرجس طفلاً وتمسكت بادعاء أنه ابنها. في المسلسل ترفض نرجس إخبار يوسف عن عائلته الحقيقية وتنهي حياتها بالقفز من أعلى بناية لتلقى حتفها وتتركه في حيرته.

ومنذ حلقته الأولى لقي المسلسل تفاعلاً واسعاً وتصدّر استفتاءات «أفضل مسلسل رمضاني»، ونالت بطلته الفنانة ريهام عبد الغفور لقب أفضل ممثلة، وأشاد الجمهور والنقاد ببراعتها وبأداء جميع أبطال المسلسل الذي خاض مخرجه وكاتب القصة سامح علاء من خلاله أولى تجاربه التلفزيونية، بينما كتب المؤلف عمار صبري السيناريو والحوار، وضم بين أبطاله سماح أنور، وحمزة العيلي، وتامر نبيل، وأحمد عزمي.

وأبدى المؤلف عمار صبري سعادته بعثور إسلام على أسرته وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «هذا خبر سعيد للغاية فإسلام هو الضحية الكبرى لهذه القصة وكنت أتابع منذ سنوات رحلة بحثه الطويلة عن أسرته، وإذا كان مسلسل (حكاية نرجس) قد تسبب في إثارة أزمته بشكل ساعد في وصوله لأسرته فهذا هدف نبيل للفن عامة»، وأشار إلى أن المسلسل يحكي قصة نرجس بينما جاءت قصة إسلام كحدث تابع.

وسادت فرحة كبيرة مواقع «السوشيال ميديا» لعثور إسلام على أسرته وأشاد متابعون بمسلسل «حكاية نرجس» لطرحه القصة التي كانت سبباً في إلقاء الضوء على أزمة إسلام، موجهين الشكر لأسرة العمل، فيما طالب بعض الجمهور بتقديم جزء ثانٍ من المسلسل بعد عودة إسلام، ونشرت الفنانة ريهام عبد الغفور عبر حسابها بـ«فيسبوك» خبر عثور إسلام على أسرته وعلقت عليه قائلة «الحمد لله».

إسلام البطل الحقيقي لمسلسل «حكاية نرجس» (فيسبوك)

ويقول عمار صبري عن ذلك: «قصة إسلام تستحق مسلسلاً خاصاً عنها لأنها ذات أبعاد درامية جذابة للغاية لقصة شاب عاش حياته متنقلاً بين أسر مختلفة يظن أن كلاً منها هي أسرته الحقيقية ولكنه يجد نفسه ضائعاً».

وعدت الناقدة الفنية المصرية، ناهد صلاح، أن مسلسل «حكاية نرجس» أول عمل درامي يساهم في عودة مختطف إلى أسرته ويكون عاملاً مهماً في أن يجد الطرفان بعضهما، محققاً رسالة إنسانية مهمة، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «لولا نجاح المسلسل ووصوله إلى الجمهور بهذه الطريقة لم تكن أسرة إسلام قد انتبهت وأجرت التحاليل اللازمة التي أكدت أنه ابنهم».

وأشارت ناهد إلى أن الدراما يمكن أن تكون عاملاً مساعداً ومهماً في قضايا عديدة كاسترداد حقوق وتغيير قوانين، «لكن العثور على مفقودين هي أول واقعة يحققها عمل فني فهناك كثير من الأفلام اللبنانية تناولت المفقودين في الحرب الأهلية اللبنانية ولم يتم العثور عليهم، من بينها الفيلم الروائي (مفقود) للمخرج بشير أبو زيد والوثائقي (خط التماس) إخراج سيلفي باليوت، مما يبرز قوة تأثير الدراما حين يتم تنفيذها بشكل متكامل. وتثير القصة أسئلة عامة عن حوادث خطف الأطفال الموجودة في المجتمع ولعل أقربها واقعة اختطاف طفلة رضيعة من مستشفى الحسين الجامعي قبل يومين».

في السياق؛ ألقت أجهزة الأمن المصرية القبض على السيدة المنتقبة التي اختطفت قبل يومين رضيعة بعد ساعات من ولادتها بمستشفى الحسين الجامعي (وسط القاهرة)، بعد أن تتبع فريق البحث الجنائي عبر كاميرات المراقبة المتهمة حتى العثور عليها بمنزلها بمدينة بدر.

وكانت والدة الطفلة قد أعطتها بحسن نية حسبما ذكرت في التحقيقات لسيدة منتقبة داخل المستشفى لتتمكن من تهدئة الطفلة لكنها غافلت الجميع واختفت في لحظات.

وأكد الإمام الأكبر شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، متابعته الشخصية لتطورات هذ الحادث، باعتباره يخص مستشفى تابعاً لجامعة الأزهر، وأصدر بياناً عبر فيه عن أسفه على اختطاف الرضيعة، موجهاً بضرورة تنسيق الجهود مع الجهات المعنية لسرعة التوصل للطفلة.