أطفال لبنان عرضة لتغيرات سلوكية عدة وسط الحرب... ما أبرزها؟ وكيف تتعامل معها؟

تصاعد القصف الإسرائيلي تسبب في موجة نزوح ضخمة طالت نحو 400 ألف طفل

أطفال يتجمعون في أحد المراكز التي تستقبل نازحين بالقرب من صيدا (رويترز)
أطفال يتجمعون في أحد المراكز التي تستقبل نازحين بالقرب من صيدا (رويترز)
TT

أطفال لبنان عرضة لتغيرات سلوكية عدة وسط الحرب... ما أبرزها؟ وكيف تتعامل معها؟

أطفال يتجمعون في أحد المراكز التي تستقبل نازحين بالقرب من صيدا (رويترز)
أطفال يتجمعون في أحد المراكز التي تستقبل نازحين بالقرب من صيدا (رويترز)

يعيش أطفال لبنان تحت وطأة القصف الإسرائيلي المتصاعد منذ أكثر من شهر؛ مما أجبر آلاف العائلات على مغادرة منازلهم، خصوصاً من مناطق الجنوب والبقاع وضاحية بيروت الجنوبية، آملين في إيجاد بلدات آمنة نوعاً ما تؤمن حماية، ولو غير مضمونة، من الصواريخ وكل من يترتب عليها من دمار ومشاهد عنيفة.

ومع تقديرات بنزوح أكثر من مليون و200 ألف شخص في لبنان حتى الآن، بينهم قرابة الـ400 ألف طفل، أفادت «الوكالة الوطنية اللبنانية للإعلام»، اليوم (الأربعاء)، بأن هناك حركة نزوح كثيفة من بعلبك في شرق البلاد، بعد إصدار الجيش الإسرائيلي أمراً بالإخلاء.

وذكرت الوكالة أن النازحين يتدفقون من «مدينة بعلبك وبلدتي دورس وعين بورضاي المجاورتين باتجاه طريقي بعلبك-زحلة، وبعلبك-دير الأحمر-عيناتا-الأرز باتجاه الشمال». من جانبه، أوضح رئيس بلدية بعلبك، مصطفى الشل، أن نحو 100 ألف شخص نزحوا من المدينة.

ووسط الحالة الأمنية والنفسية الصعبة للبنانيين، يبرز التأثير الأكبر على الأطفال، خصوصاً مع توقف العام الدراسي لكثير منهم، أي طلاب المدارس الرسمية؛ بسبب تحولها إلى مراكز إيواء، وغياب الأنشطة الترفيهية أيضاً بسبب الأوضاع الحرجة.

أطفال يلعبون داخل مركز تدريب حيث يتم استضافة النازحين وسط الحرب بالقرب من صيدا اللبنانية (رويترز)

وينجم عن كل هذه العوامل تغيرات سلوكية عدة لدى الأطفال، منبعها القلق والخوف، وفقاً لاختصاصية العلاج النفسي والحركي لِيلا بشاشي، التي تختص أيضاً بتدريب وتأهيل الأسرة.

6 تغيرات سلوكية متوقعة

تقول ليلا بشاشي لـ«الشرق الأوسط»، إن من أبرز التغيرات السلوكية التي قد يعانيها الأطفال وسط الحرب والنزوح «ازدياد الخوف، فالطفل قد يُطوّر هاجس يرتبط بمفارقة أهله أو حتى الجلوس بمفرده في غرفة ولو كانت مألوفة، كما أن الأصوات القوية تكون ذات تأثير سلبي عليه، وهذا الخوف يقودنا إلى التغيير السلوكي الثاني البارز، وهو ما يعرف بـ(regression) أو التراجع عن العادات المكتسبة».

وتشرح الاختصاصية النفسية، ومؤسسة مركز «لوتس» للمعالجة والتأهيل الأسري: «يُعبّر الأطفال عن خوفهم عبر تغيير سلوكيات وعادات كانوا قد اكتسبوها مثل النوم بمفردهم أو الدخول إلى الحمام أيضاً دون مساعدة... نرى لدى الكثير من الأطفال اليوم تحوّلاً في هذه السلوكيات... هناك أطفال تنمي عادات سيئة جديدة أيضاً مثل وضع اليد داخل الفم بوصفه طريقة للتعبير عن الشعور بعدم الأمان».

وعن التغيير الثالث في سلوكيات الأطفال التي قد نصادفها، توضح ليلا بشاشي: «تقلّب المزاج من الأمور الأساسية التي يراها الأهل، فمثلاً، يمكننا أن نرى طفلاً يلعب سعيداً، ومن ثم يبدأ بالبكاء بشكل مفاجئ.. يرتبط ذلك بالانزعاج النفسي وعدم الاستقرار، أي العوامل الناجمة عن النزوح أو حالة الحرب ككل».

أطفال فروا من القصف الإسرائيلي في جنوب لبنان يحضرون ورشة رسم داخل أحد مراكز الإيواء في بيروت (أ.ف.ب)

أما التغيير السلوكي الرابع فهو الانعزال، وعدم الرغبة في ممارسة أي نشاطات خارج المنزل، وتقول ليلا بشاشي، «يُظهر بعض الأطفال حاجة مرتفعة إلى العزلة، وعدم الرغبة في الخروج من المنزل لممارسة أي نشاط، خوفاً على أمنهم وأمن أهلهم، إذ إن الوجود في مكان واحد محدد هو ما يؤمن الراحة النفسية لهم».

بالمقابل، تظهر سلوكيات تناقض العزلة لدى أطفال آخرين، مثل فرط النشاط والحركة. وتضيف ليلا بشاشي: «يُعبّر بعض الأطفال عن الخوف والقلق عن طريق فرط الحركة والنشاط الزائد وعدم الرغبة في الجلوس، وقد تتطور هذه الحالات إلى استخدام العنف أحياناً، مثل رغبة بعض الأطفال في تحطيم الألعاب أو ضرب أخوتهم، بوصفه وسيلة للتنفيس عن الغضب».

أما التغيير السادس والمهم، يرتبط بمشاكل النوم. توضح الأخصائية والمعالجة النفسية أن من أبرز التغيرات السلوكية للأطفال اللبنانيين تظهر في عدم قدرتهم على النوم لأسباب عدة مثل سماع الأخبار برفقة الأهل ومشاهدة صور وفيديوهات صادمة وعنيفة، وتقول: «تراكم الأفكار السلبية خلال أجواء الحرب يمنع الأطفال من النوم السليم، ويتسبب في تغيير جدول وطريقة نومهم. والآثار السيئة تتضاعف طبعاً لدى الأطفال النازحين بسبب عدم وجودهم في غرفهم الخاصة، وأحياناً اضطرارهم إلى الانخراط مع أشخاص جُدد وإجبارهم على التأقلم معهم».

أطفال فروا من القصف الإسرائيلي يحضرون ورشة رسم نظمها متطوعون في مركز إيواء ببيروت (أ.ف.ب)

كيف نتعامل من هذه التغيرات؟

أولاً، تؤكد ليلا بشاشي لـ«الشرق الأوسط» ضرورة مراقبة ما يتابعه أو يسمعه الطفل من أخبار ومشاهد عنيفة، إن كان ذلك عبر التلفاز، أو عبر الهواتف والأجهزة المحمولة الأخرى، لتجنب تخزين المشاعر السلبية.

وتشرح الاختصاصية النفسية: «ثانياً، من المهم أن نشجع الطفل على التواصل مع الآخرين، مثل اللعب مع أولاد الجيران أو التحدث مع الأقارب... وإذا كان الطفل في وضع النزوح، علينا تشجيعه على اللعب مع أطفال آخرين داخل المدارس، وإيجاد نشاطات يمكنهم تنفيذها معاً... يساعد ذلك على تحفيز الطفل وتفريغ طاقاته».

أطفال يتفاعلون مع راوية قصص تزورهم لرفع معنوياتهم ومساعدتهم على التعامل مع صدماتهم في شارع الحمرا ببيروت (رويترز)

وتتابع: «الوسيلة الثالثة التي يجب على الآباء اعتمادها هي محاولة التمتع بالصبر، والتأقلم مع أي تغيرات سلوكية، والتعامل مع الطفل على أساس التفهم الكامل في هذه المرحلة... من الضروري أن نطرح أسئلة عليه ترتبط بأحاسيسه، والتحدث معه بشفافية عنها... على الأهل أن يؤكدوا للطفل أن الشعور بالقلق أمر عادي وطبيعي في ظل هذه الظروف».

أما الوسيلة الرابعة التي تنصح ليلا بشاشي الأهل باتباعها، هي الالتزام بروتين يومي محدد، وتقول «إذا كنا نازحين أم لا، يجب على كل عائلة تخصيص روتين للاستيقاظ وتناول الطعام، وقراءة الكتب، واللعب ووضع لائحة لكل النشاطات اليومية الممكنة، والالتزام بجدول لتحقيقها»، وتؤكد الخبيرة أن ذلك يجعل الطفل يشعر بالأمان والطمأنينة.

ومن هنا، تتطرق ليلا بشاشي إلى وسيلة خامسة للتعامل مع الأطفال، تصفها بأنها ضرورية جداً، وهي ممارسة الهدوء، تشرح الاختصاصية النفسية أنه «من الضروري على الأهل أن يمارسوا الهدوء أمام الأطفال قدر الإمكان، لأن الطفل يتأثر بشكل كبير بمشاعر وتصرفات والديه، فكلما سيطرا على مشاعرهما، خفت تأثيرات الحرب والنزوح على الطفل».

نصيحة «ذهبية» للأهل

في خضم الحالة النفسية المزرية للآباء في لبنان، تنصح ليلا بشاشي الأهل بـ«إعطاء أنفسهم وقتاً مخصصاً للذات».

والنصيحة «الذهبية» التي تقدمها لهم هي «قضاء الوقت عبر اللعب مع الأطفال، والابتعاد عن سماع الأخبار قدر الإمكان، وممارسة نشاطات متنوعة تبعدهم عن أجواء الحرب، مثل مشاهدة فيلم جديد، أو الجلوس مع صديق مقرب، أو ممارسة الرياضة، أو حتى تحضير الطعام المفضل... كل هذه النشاطات تساعد على الترفيه عن الذات».

وتشير ليلا بشاشي إلى أن «مفهوم الـ(me time) أو الوقت المخصص للذات يُعد من الأمور المهمة التي تساعد الأشخاص، خصوصاً الآباء، على مواجهة التحديات ومراكمة الطاقة الإيجابية اللازمة لتحقيق الطمأنينة للأطفال».


مقالات ذات صلة

بارو من بيروت: دعم الجيش مدخل لحصر السلاح

المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رئاسة الجمهورية)

بارو من بيروت: دعم الجيش مدخل لحصر السلاح

جدّد وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، التزام بلاده الكامل باتفاق وقف إطلاق النار في لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي وفيق صفا (أ.ب)

استقالة وفيق صفا من «حزب الله» بعد تقليص صلاحياته

قدّم مسؤول «وحدة التنسيق والارتباط» في «حزب الله»، وفيق صفا، استقالته في سابقة هي الأولى من نوعها.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي قائد الجيش العماد رودولف هيكل خلال زيارته إلى واشنطن (السفارة الأميركية في بيروت)

لبنان يؤكد على «إيجابية عامة» لزيارة قائد الجيش إلى واشنطن

انتهت زيارة قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل إلى واشنطن، وسط «انطباعات إيجابية».

كارولين عاكوم (بيروت)
تحليل إخباري قائد الجيش العماد رودولف هيكل خلال زيارته إلى واشنطن (قيادة الجيش اللبناني)

تحليل إخباري زيارة قائد الجيش اللبناني إلى واشنطن بين «اختبار الشراكة» و«كمين التوصيفات»

تحوّلت زيارة قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل إلى الولايات المتحدة، من محطةٍ يفترض أن تركز على دعم المؤسسة العسكرية وتنسيق المساعدات، إلى ساحة سجال سياسي

إيلي يوسف (واشنطن)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ونائب رئيس الحكومة طارق متري ووزيرا العدل اللبناني عادل نصار والسوري مظهر اللويس إثر توقيع اتفاقية نقل السجناء من لبنان إلى سوريا (رئاسة الحكومة)

لبنان وسوريا يوقّعان اتفاقية لنقل أكثر من 300 سجين إلى دمشق

وقّع لبنان وسوريا، الجمعة، اتفاقية لنقل المحكومين من بلد صدور الحكم إلى بلد جنسية المحكوم، في خطوة قضائية تفتح الباب أمام تسليم أكثر من 300 سجين سوري.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
TT

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)

افتتح الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس، «معرض دمشق الدولي للكتاب 2026»، في قصر المؤتمرات بالعاصمة، واستقبل وزيرَ الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، الذي تشارك فيه بلاده ضيفةَ شرف.

وتمثّل هذه الدورة من المعرض، محطة إشعاع ثقافي مهمة، تعيد الاعتبار للكتاب بوصفه حاملاً للمعنى ومساحة للحوار.

وخلال زيارته الرسمية، التقى وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، وقدَّم له التهنئة بمناسبة إقامة المعرض.

ودشّن الوزير السعودي جناح بلاده في المعرض، بحضور نظيريه السوري والقطري الشيخ عبد الرحمن بن حمد آل ثاني. وتستمر فعاليات المعرض حتى 16 فبراير (شباط) الحالي، في حضور ثقافي عربي يعكس دور السعودية الريادي في المشهد الثقافي العربي والدولي.


«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
TT

«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)

يغوص الفنان التشكيلي جوزيف أفرام في الذات، كاشفاً مشاعر وأحاسيس تكتنفها لعبة الحياة. ومن هذا المنطلق، يُتيح معرضه «القوى الدافعة» في غاليري «آرت ديستريكت» للزائر أن يُسقط قراءته الخاصة على الأعمال. وبين لعبة الحياة ولعبة الدول، يستكشف تركيبات السياسات الدولية المؤثرة في العالم، ويزيح الأقنعة التي تُخفى خلفها حالات الإحباط.

صاحب الغاليري ماهر عطّار يصف أفرام بأنه من المواهب اللبنانية اللافتة، وفنان ذو رؤية مختلفة وأفكار عميقة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه يخرج في أعماله عن المألوف، ويأخذ الزائر إلى مساحات فنية مفتوحة على احتمالات لا حدود لها.

يرسم أفرام الثبات والإحباط، كما الصمود والثورة، في لوحات تقوم على التناقض، مستخدماً الأبيض والأسود كلغتين بصريتين أساسيتين. ويرتكز في أعماله على «الأكريليك» والحبر الصيني، المتوَّجين بتقنية الـ«جيسو»، لتتراكم الطبقات وتُسلّط الضوء على موضوعاته. بهذا تتحوّل اللوحات إلى ما يشبه لآلئ لامعة، صاغها الفنان بالفرشاة والمجحاف والإسفنج.

من «القوى الدافعة» لجوزيف أفرام في غاليري «أرت ديستريكت» (الشرق الأوسط)

يشير أفرام إلى أن أعماله تبدأ برسوم تحضيرية تتطوّر لاحقاً إلى لوحات كبيرة. ويقول: «أعتمد هذا الأسلوب انطلاقاً من دراستي الجامعية في الهندسة الداخلية. لكن عندما أقف أمام المساحة البيضاء، حتى أغوص في عالم آخر يجرّني إلى تفاصيل لم أُحضِّر لها مسبقاً».

عناوين اللوحات المعروضة تحمل دلالات نفسية وإنسانية واضحة، وتعكس حالات نمرُّ بها في الحياة. في لوحة «المتأمِّل» تحلِّق في رحلة علاج داخلي، وفي «خيبة أمل في اللعبة» تدرك أن الحياة لا تستحق هذا القدر من التعقيد. أما في «الثوري» و«لا بأس بأن تكون معصوب العينين» فيدفعان المتلقي إلى التوقّف وإعادة النظر.

ويؤكد أفرام أن أكثر ما يشغله في أثناء تنفيذه أي لوحة هو وضوح الرسالة. ويقول: «أضيف تفاصيل صغيرة لتكشف عن نفسها بنفسها. أشكّل لوحتي من مجموعة رسومات يسكنها التجدد. أتناول أعماق الإنسان بصور تُكمل بعضها بعضاً؛ فتأتي أحياناً واضحة، وأحياناً أخرى مخفيَّة تحت وطأة لعبة الحياة التي تتطلّب منّا غضّ النظر».

في لوحة «الثوري»، يحرِّر أفرام مشاعر مدفونة تراكمت مع الزمن. وفي «المقاومة» يظهر وحيد القرن في مواجهة العواصف، رمزاً للثبات والقوة. ويعلّق: «اخترت هذا الحيوان لما يجسِّده من قدرة على التحمُّل والمواجهة».

لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» (الشرق الأوسط)

أما «الرجل الجنين» فيستحضر الحاجة إلى الأمان؛ يقول: «مرحلة وجود الجنين في رحم أمّه قد تكون الوحيدة التي تعيدنا إلى الأمان المطلق». وفي اللوحة الثنائية «الفائض بالروح» يقف كل قسم منها في مواجهة الآخر، مستحضراً مرحلة الغوص في الذات.

بعض الأعمال يدخل إليها اللونان البرتقالي والأزرق إلى جانب الأبيض والأسود. ويوضح: «في الحياة لا نكشف دائماً عن مشاعرنا الحقيقية، كما تترك السياسات آثارها السلبية علينا. استخدمت البرتقالي لتقديم الإحباط ضمن مساحة مضيئة، والأزرق للدلالة على حقائق زائفة تحتاج إلى مواجهة هادئة».

ويلاحظ أفرام أن المتلقي اليوم يميل إلى مشاهدة العمل الفني بوصفه مساحة تحليل، لا مجرد صورة عابرة. ويقول: «مع تسارع العصر وحضور الذكاء الاصطناعي، تزداد حاجتنا إلى التأمل للحفاظ على تواصلنا مع ذواتنا، لذلك اعتمدت لغة جسد مرنة تمنح الشكل بُعداً إنسانياً».

في لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» يقدِّم رسالة مباشرة: «أحياناً يكون غضّ الطرف ضرورة». ويختم: «المهم أن نبدأ من جديد وألا نستسلم للعتمة، بل نبحث عن الضوء الذي يسمح بالاستمرار».


مصريون في قوائم انتظار لربط مدخراتهم بـ«سبائك الذهب»

تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
TT

مصريون في قوائم انتظار لربط مدخراتهم بـ«سبائك الذهب»

تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)

فشلت عزة حمدي، وهي موظفة في الأربعين من عمرها تعيش في محافظة بني سويف (120 كم جنوب القاهرة)، في شراء سبيكة ذهبية صغيرة، بعدما سحبت جزءاً من مدخراتها المالية لشراء سبيكتين يزن كل منهما غراماً واحداً، مستفيدة من التراجع الجزئي في سعر الذهب. واضطرت في النهاية إلى دفع أموالها والانتظار نحو أسبوعين لتتسلم السبائك الخاصة بها.

طافت عزة محلات الصاغة في مدينتها، لكنها بعد جولة شملت أكثر من 10 محلات لم تجد ما تريد، وعادت إلى منزلها بعدما أخبرها عاملون بعدم وجود سبائك أو جنيهات ذهبية، وأن المتاح يقتصر على أوزان كبيرة من السبائك الذهبية فقط، يتراوح وزنها بين 20 غراماً و100 غرام، وهو ما يفوق قدرتها المالية.

تقول عزة لـ«الشرق الأوسط» إن بعض زميلاتها اشترين الذهب الشهر الماضي بعد انتهاء شهادات بنكية ذات عائد مرتفع، وحققن أرباحاً عند إعادة البيع عقب الارتفاع الكبير في الأسعار. وتشير إلى أنها قررت شراء سبائك صغيرة بجزء من مدخراتها، لكنها لم تتمكن من العثور عليها، ما اضطرها إلى الموافقة على دفع المبلغ والانتظار مدة تصل إلى أسبوعين، وفق ما أبلغها الصائغ، لتتسلم ما طلبته، بغضّ النظر عن ارتفاع سعر الذهب أو انخفاضه.

اختفت السبائك الذهبية ذات الأوزان الصغيرة من الأسواق (شركة بي تي سي)

بلغت مشتريات المصريين من الذهب 45.1 طن في عام 2025، متراجعة بنحو 10 في المائة مقارنة بعام 2024، مع تسجيل زيادة في الربع الأخير من 2025 بنسبة 4 في المائة عن الفترة نفسها من العام السابق. وهي الفترة التي شهدت قفزة قوية في مشتريات السبائك والعملات الذهبية بنسبة 27 في المائة، وفق تقرير صادر عن مؤسسة «جولد بيليون» الشهر الماضي.

وعلى عكس المشغولات الذهبية التي انخفضت مشترياتها بنسبة 18 في المائة في 2025 مقارنة بعام 2024، سجلت مشتريات السبائك والعملات الذهبية خلال الفترة نفسها تراجعاً بنحو 2 في المائة فقط.

يقول مجدي موريس، أحد العاملين في محلات الذهب، لـ«الشرق الأوسط» إن «السبائك اختفت بسبب زيادة الطلب عليها بشكل كبير في الأسابيع الماضية، مع دخول الشهر الثالث على التوالي من تركيز المواطنين على شرائها؛ نظراً لإمكانية إعادة بيعها دون خصم أي نسبة، على عكس المشغولات التي تتراوح نسبة الخصم عند إعادة بيعها بين 1 و3 في المائة، حسب المحل وحالة المشغولات نفسها».

وأضاف أن «السبائك الصغيرة هي الأكثر إقبالاً عليها، وأصبح من الصعب الحصول عليها مع تأخر الشركات في التوريد، مما دفع بعض التجار إلى الاتفاق على تنفيذ عمليات بيع بأسعار اليوم، على أن يجري التسليم في وقت لاحق»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر قد يؤدي إلى مشكلات عند تغيّر السعر في ظل حالة الاضطراب صعوداً وهبوطاً بشكل يومي، وقد حدثت بسببه خلافات بين بعض التجار والزبائن».

ولفت موريس إلى أنهم، على مدى 3 أيام تقريباً، لم يستقبلوا شخصاً واحداً يرغب في إعادة بيع سبيكة يملكها، مقابل مئات الاستفسارات اليومية عن الشراء، في حين لم تسلِّمهم الشركة التي يتعاملون معها أي سبائك جديدة منذ 5 أيام تقريباً. وأشار إلى وجود فارق سعري بين البيع والشراء للسبائك يصل إلى 300 جنيه (الدولار يعادل 46.9 جنيه في البنوك)، في إطار سعي التجار إلى تجنب الخسارة بسبب تذبذب الأسعار.

وسجلت أسعار الذهب تذبذباً عالمياً في الأسابيع الماضية، مع تسجيل أرقام قياسية لسعر «أونصة الذهب» التي اقتربت من حاجز 5600 دولار، قبل أن تتراجع بأكثر من ألف دولار. كما تشهد الأسواق العالمية تبايناً في السعر اليومي يصل أحياناً إلى 300 دولار، ما يجعل التسعير في محلات الذهب المصرية يتغير مرات عدّة خلال اليوم الواحد.

تعاني السوق المصرية من نقص في توافر السبائك (شركة بي تي سي)

أرجع رئيس «شعبة الذهب بالاتحاد العام للغرف التجارية» هاني ميلاد، نقص المعروض من السبائك في الأسواق إلى الزيادة الكبيرة في الطلب على الشراء، بما يتجاوز القدرات الإنتاجية والطاقة التشغيلية للمصانع. وأوضح أن هذا النقص ظهر بوضوح خلال الأيام الأخيرة، لا سيما في السبائك صغيرة الحجم والجنيهات الذهبية؛ نظراً لكونها الأكثر جذباً للمشترين.

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الذهب يُعد في الأساس أداة استثمارية طويلة الأجل، لكن موجة الصعود الأخيرة في الأسعار دفعت بعض المتعاملين إلى الشراء بغرض المضاربة قصيرة الأجل، مع تركيز واضح على السبائك والجنيهات الذهبية باعتبارها الأقل من حيث تكلفة «المصنعية»، مع إمكانية استرداد جزء منها عند إعادة البيع.

ونفى ميلاد وجود توجّه لإيقاف أو تعليق التعاملات في محلات الذهب بسبب التذبذب في الأسعار العالمية، مؤكداً أن عمليات البيع والشراء تسير بصورة اعتيادية في معظم الأوقات، رغم التقلبات السعرية.