ماكرون: فرنسا مستعدة لدعم المغرب في المحافل الدولية

الرئيس الفرنسي يجدد أمام البرلمان المغربي دعم «سيادة» الرباط على الصحراء

الرئيس الفرنسي يلقي كلمته في البرلمان مجتمعاً بغرفتيه (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي يلقي كلمته في البرلمان مجتمعاً بغرفتيه (إ.ب.أ)
TT

ماكرون: فرنسا مستعدة لدعم المغرب في المحافل الدولية

الرئيس الفرنسي يلقي كلمته في البرلمان مجتمعاً بغرفتيه (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي يلقي كلمته في البرلمان مجتمعاً بغرفتيه (إ.ب.أ)

قطعاً، من حق الطرفين، الفرنسي والمغربي، الشعور بالارتياح للنتائج التي حققتها زيارة الدولة من ثلاثة أيام، التي يقوم بها الرئيس الفرنسي للمغرب وتنتهي الخميس. فالمغرب حصل على ما يسعى إليه منذ سنوات، وهو أن تسير فرنسا في ركب الدول التي تعترف بسيادته على صحرائه، وأن تزكي الخطة التي أطلقها منذ سنوات طويلة والقائمة على إعطاء هذه المنطقة إدارة ذاتية في إطار السيادة المغربية، وبذلك تكون باريس قد لحقت بركب واشنطن وبرلين ومدريد.

الرئيس الفرنسي مستعرضاً حرس الشرف لدى وصوله إلى البرلمان المغربي الثلاثاء لإلقاء خطابه (أ.ف.ب)

وتراهن الرباط على التحول في الموقف الفرنسي لدفع دول أوروبية أخرى باقتداء المقاربة الفرنسية الجديدة. وبالمقابل، فإن الحصاد الفرنسي من العقود والاتفاقيات الاقتصادية والتجارية، والتعاون في الكثير من المجالات الثقافية والتربوية والرياضية، جاء وفيراً، حيث وصلت القيمة الإجمالية لما تم توقيعه إلى عشرة مليارات يورو. ومنذ اليوم الأول من الزيارة، تم توقيع 22 عقداً بحضور الملك محمد السادس والرئيس إيمانويل ماكرون، وثمة عقود إضافية يفترض أن توقع يومي الأربعاء والخميس؛ ما يعني أن ما كانت تسعى إليه باريس، الهادفة إلى استعادة موقع استثنائي في المغرب، أصبح قاب قوسين أو أدنى. ولا تتوقف الأمور عند العقود. فالطرف الفرنسي يريد أيضاً دفع ملف الهجرات إلى الأمام، ويسعى تحديداً إلى التزام الرباط بتسهيل وتسريع عملية استعادة المغرب لرعاياه، الذين ليس لهم الحق في البقاء على الأراضي الفرنسية، وصدرت بحقهم أحكام بالإبعاد.

ماكرون: سياستنا إزاء الصحراء ليست معادية لأحد

كان الحدث الأبرز في اليوم الثاني لزيارة ماكرون للمغرب، الخطاب المطول الذي ألقاه أمام غرفتي البرلمان المغربي بكامل أعضائه، حيث لقي تجاوباً ملحوظاً، وقوطعت كلمته بالتصفيق مرات عدة، خصوصاً في حديثه عن الصحراء وعن موقف فرنسا إزاءها.

الرئيس ماكرون قبل دخوله قاعة البرلمان المغربي لإلقاء خطابه (أ.ف.ب)

وقال ماكرون: «أعيد التأكيد أمامكم أن فرنسا تعتبر أن حاضر ومستقبل هذه المنطقة يندرجان في إطار السيادة المغربية»، مؤكداً أمرين: الأول وهو أن باريس ومعها «الفاعلون الاقتصاديون وشركاؤنا سوف يرافقون تنمية هذه المنطقة، عبر استثمارات ومبادرات دائمة وتضامنية لصالح سكانها»، بحيث تتصرف فرنسا وفق قراءتها لمنطوق القانون الدولي. والآخر أن باريس تلتزم «مواكبة المغرب في المحافل الدوليةّ» بشأن ملف الصحراء.

ماكرون مصافحاً رئيس مجلس النواب رشيد طالبي العلمي (أ.ف.ب)

وترجمة هذا الكلام تعني أن فرنسا مستعدة لدعم المغرب أكان داخل الاتحاد الأوروبي، حيث لها قدرة على التأثير على عدد من أعضاء الاتحاد، لكن أيضاً داخل مجلس الأمن الدولي، حيث تتمتع بمقعد دائم وبحق اللجوء إلى استخدام الفيتو (حق النقد).

ولأن التحول في الموقف الفرنسي أثار عند الإعراب عنه للمرة الأولى في رسالة من ماكرون للملك نهاية يوليو (تموز) الماضي، غيظ الجزائر التي عمدت إلى سحب سفيرها من باريس، فإن التأكيد عليه مجدداً أمام البرلمان سيثير مرة أخرى حنق الطرف الجزائري. لذا؛ سارع ماكرون إلى التأكيد أن موقف بلاده الجديد «ليس معادياً لأحد». في إشارة واضحة للجزائر، التي تدعم جبهة البوليساريو، وترفض الخطة المغربية.

الرئيس الفرنسي مع رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش (أ.ف.ب)

وتريد فرنسا والمغرب «كتابة كتاب جديد» في علاقاتهما الثنائية، وفق تعبير الملك محمد السادس. وطيلة خطابه، لم يتوقف ماكرون عن كيل الثناء للعاهل المغربي، مشيداً بسياساته وبما عرفه المغرب من تقدم. وقال بهذا الخصوص ماكرون إن «الرؤية المستنيرة للعاهل المغربي، وما حققته طيلة 25 عاماً تنير لنا طريق المستقبل». ولذا؛ اقترح أن يعمد الطرفان إلى التوقيع على معاهدة جديدة، تشكل ما سماه «إطاراً استراتيجياً» للعلاقات المستقبلية الثنائية بين البلدين في العام 2025، وبمناسبة «زيارة الدولة» إلى فرنسا، التي قبل محمد السادس تلبيتها بناءً لدعوة ماكرون، والتي تصادف الذكرى السبعين لاتفاقية «سيل سان كلو»، التي ثبتت استقلال المغرب عن فرنسا.

العاهل المغربي خلال استقباله الرئيس ماكرون في الرباط (أ.ف.ب)

ويفترض أن تكون الرؤيا الجديدة امتداداً لـ«الشراكة الاستثنائية المعززة»، التي أبرمها ماكرون ومحمد السادس، مساء الاثنين، والتي جاء عليها البيان المشترك الذي وزَّعه في وقت واحد البلاط الملكي وقصر الإليزيه. وأشار ماكرون إلى تشكيل هيئة مشتركة، تقوم مهمتها على بلورة مضمون الإطار المذكور، مؤكداً أن المغرب سيكون الدولة الوحيدة خارج الاتحاد الأوروبي، التي تقيم معها فرنسا علاقات من هذا النوع، والذي «سيشكل ترجمة لطموحنا المشترك».

ملف الهجرات

إضافة إلى توثيق العلاقات الاقتصادية والتجارية، يريد ماكرون من زيارته إحراز تقدم في ملف الهجرات، الذي يدفع الرأي العام الفرنسي باتجاه اليمين واليمين المتطرف. وثمة مسألة تريد الحكومات المتعاقبة تحقيق تقدم في معالجتها، وحتى اليوم لم تفلح، وعنوانها قبول المغرب، كما الدول الأخرى، مثل الجزائر وتونس ودول أفريقية عدّة، استعادة رعاياها الذين يتكدسون في مراكز الاحتجاز بانتظار ترحيلهم عن الأراضي الفرنسية. وهذا الملف كان موضع تباحث بين وزيري داخلية البلدين برونو روتايو، وعبد الوافي لافتيت.

ويريد الأول، المنتمي إلى الجناح المتشدد في حزب «اليمين الجمهوري»، إيجاد رابط بين سياسة التأشيرات للمواطنين المغاربة بقبول الرباط استعادة مواطنيها، وتسريع إرسال الوثائق القنصلية لإتمام عمليات الترحيل.

العاهل المغربي مستقبلاً الرئيس الفرنسي في القصر الملكي بالرباط (رويترز)

وفي كلمته، رأى ماكرون أنه يأمل أيضاً أن تتناول «الشراكة الاستثنائية قضية الهجرات غير الشرعية، وضرورة التعاون الطبيعي والسلس في ملف الإجازات القنصلية». مشددا على رغبة الفرنسيين في الحصول على «مزيد من النتائج». وليس سراً أن ملف الهجرات وتبعاته يشكل الرافعة الرئيسية لارتفاع تأييد اليمين المتطرف في فرنسا وفي البلدان الأوروبية بشكل عام. كذلك، حث على العمل المشترك لمحاربة الإرهاب والتهريب بأنواعه كافة، بما في ذلك المخدرات وأيضاً الجريمة المنظمة.

المغرب بوابة أفريقيا

يضيق المجال للغوص على المواضيع كافة التي تناولها ماكرون في خطابه، إن لجهة العلاقات التاريخية بين بلاده والمغرب، أو بالنسبة لما قام به الاستعمار الفرنسي، أو لما قدمه المغاربة لفرنسا إن أثناء الحرب العالمية الثانية، أو في إعادة إعمارها بعد الحرب. كذلك سمى أعلاماً من المغاربة الذين لمعت أسماؤهم بفرنسا من كبار المفكرين والأدباء، وتوقف بالتفصيل عند ضرورة التعاون بين باريس والرباط، إن على المستوى الثنائي أو في إطار البحر الأبيض المتوسط أو أفريقيا.

وبالنظر للإخفاق الذي واجهته سياسة ماكرون في منطقة الساحل الأفريقي (مالي، بوركينا فاسو، النيجر...)، أعرب ماكرون عن أسفه لأن بلاده «اتُهمت من قِبل البعض بكل الشرور، ظلماً وعدواناً؛ لأنها حالت على مدى عقد من الزمن دون انهيار دول عدة في مواجهة الإرهاب».

وبمواجهة هذا الوضع، شدد ماكرون على تغير مقاربة بلاده، التي أخذت تسعى لـ«بناء استراتيجيات تشاركية جديدة»، وعلى الحاجة إلى التوصل إلى «توفير الاستقرار الذي يحترم الشعوب»، والتركيز خصوصاً على فئة الشباب.

وشرح ماكرون مطولاً فائدة العمل المشترك الفرنسي - المغربي في أفريقيا، التي وصفها بأنها قارة المستقبل، والدور الذي يستطيع المغرب أن يلعبه بفضل جغرافيته وثقافته، والحاجة إلى «الاستهداء» بما قام به المغرب في هذه القارة.

الرئيس ماكرون وعقيلته خلال زيارتهما ضريح محمد الخامس بالرباط (أ.ف.ب)

يبقى أن ماكرون لم يتناسَ ما يحدث في لبنان وغزة، حيث دعا إلى «وقف فوري للهجمات». وإذ اعترف بـ«حق إسرائيل في الدفاع عن شعبها»، إلا أنه أكد أن «لا شيء يمكن أن يبرر الحصيلة الإنسانية (للخسائر) في غزة».

وفي الحالتين، ركز على ضرورة اتباع النهج الديبلوماسي لوضع حد للحرب القائمة على الجبهتين.

وسبق خطابه دعوة مشتركة من ملك المغرب ومنه من أجل «وقف فوري للهجمات في غزة ولبنان»، و«التأكيد على أولوية حماية السكان المدنيين، وأهمية ضمان وتسيير وصول المساعدات الإنسانية الكافية، مع وضع حد لتأجيج الوضع على المستوى الإقليمي». كذلك لفت الزعيمان إلى ضرورة الإسراع «لإعادة إحياء مسار السلام في إطار حل الدولتين». لكن هذه الدعوة المشتركة لن تلقى الصدى الإيجابي في إسرائيل التي صوَّت برلمانها مؤخراً على رفض إقامة دولة فلسطينية.


مقالات ذات صلة

«أبطال أوروبا»: باريس سان جيرمان يفترس فياريال بسداسية في «لا سيراميكا»

رياضة عالمية احتفالية لاعبي باريس سان جيرمان بالتسجيل في مرمى فياريال تكررت ست مرات (إ.ب.أ)

«أبطال أوروبا»: باريس سان جيرمان يفترس فياريال بسداسية في «لا سيراميكا»

اكتسح باريس سان جيرمان حامل لقب دوري أبطال أوروبا لكرة القدم في الموسمين الماضيين مضيّفه فياريال، وهزمه بنتيجة 6 / صفر.

«الشرق الأوسط» (فياريال (إسبانيا))
رياضة عالمية رحلة حذرة لسان جيرمان الباحث عن فوز رابع توالياً (أ.ف.ب)

دوري الأبطال: رحلة حذرة لسان جيرمان الباحث عن فوز رابع توالياً

يخوض باريس سان جيرمان الفرنسي بطل الموسمين الماضيين رحلة حذرة إلى أرض فياريال الإسباني، الثلاثاء، باحثاً عن تحقيق فوزه الرابع توالياً في دوري أبطال أوروبا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
رياضة عالمية باريس سان جيرمان يسعى لمواصلة الصدارة بلقاء لوهافر (رويترز)

«الدوري الفرنسي»: سان جيرمان لمواصلة انطلاقته... ورين يترقب الفرصة

يسعى باريس سان جيرمان، الذي استعاد صدارة الدوري الفرنسي لكرة القدم، إلى مواصلة تقدُّمه عندما يحلُّ ضيفاً على لوهافر، الجمعة، ضمن المرحلة الـتاسعة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
رياضة عالمية الجورجي خفيتشا كفاراتسخيليا خرج مصاباً من مواجهة برشلونة بالأبطال (أ.ب)

كفاراتسخيليا يخضع لجراحة ناجحة في الركبة بالدوحة

أعلن نادي باريس سان جيرمان بطل فرنسا وأوروبا، الثلاثاء، أن مهاجمه الجورجي خفيتشا كفاراتسخيليا خضع لعملية جراحية ناجحة لعلاج تمزق في الرباط الصليبي.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
رياضة عالمية النجم الإنجليزي الدولي بوكايو ساكا يحتفل بجائزة سقراط (إ.ب.أ)

«الكرة الذهبية»: ساكا يتوج بجائزة «سقراط»... وسان جيرمان أفضل ناد

توّج النجم الإنجليزي الدولي بوكايو ساكا بجائزة سقراط خلال حفل جائزة الكرة الذهبية، المقامة حاليا في العاصمة البريطانية لندن.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«مؤثرون» أم «منتشرون»؟ جدل حول تعريف صُنّاع المحتوى في مصر

وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)
وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)
TT

«مؤثرون» أم «منتشرون»؟ جدل حول تعريف صُنّاع المحتوى في مصر

وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)
وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)

ما زال الجدل مستمراً في مصر حول لقاء وزير الدولة للإعلام بعدد من صانعي المحتوى قبل أيام، وسط انتقادات للقاء وتساؤلات عن المعايير التي اختير على أساسها المشاركون، ومن ثم تعريف المؤثرين، وما إذا كان تحديدهم يستند إلى عدد المتابعين أم «قيمة» ما يقدمونه وقدرته على ترك أثر.

كان وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان قد التقى، الأحد، بنحو 70 من صُناع المحتوى ضمن اللقاءات التي تعقدها الوزارة مع أطراف منظومة الصحافة والإعلام والوسائل الرقمية المؤثرة في الرأي العام، وفق بيان الوزارة الذي أطلق شرارة الجدل، حيث وصف المجموعة بأنها «نخبة من أبرز المؤثرين وصناع المحتوى الجاد بأنواعه، السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلمي والتكنولوجي، ممن يبلغ إجمالي متابعيهم الدائمين على وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من 500 مليون متابع».

إشكالية التعريف

أستاذة الإعلام في جامعة القاهرة، سارة فوزي، ترى أن نحو 25 في المائة فقط من المجموعة التي التقاها وزير الدولة للإعلام هم من يقدمون محتويات هادفة متخصصة جيدة، بينما يدور محتوى الباقين حول التندر أو السخرية أو الدخول في معارك بهدف جذب المتابعين.

وقالت: «عدد المتابعين ليس معياراً يمكن الاستناد إليه عند التعامل مع صنُاع المحتوى، فقد يتابع أحدهم ملايين المتابعين لكن التفاعل معهم قائم على الهجوم على ما يقدمونه، وليس الإعجاب به».

أما أستاذ الإعلام ونائب رئيس أكاديمية الشروق، محمد شومان، فيعتبر تعريف المؤثرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي «إشكالية»، خصوصاً أنه «لا يوجد تعريف واحد مرجعي ملزم قانونياً لصناع المحتوى والمؤثرين حول العالم يمكن الاستناد إليه، فيتم تعريفهم بصور مختلفة مثل منشئي المحتوى عبر وسائل التواصل بهدف التأثير في الجماهير، أو فئة فاعلة ومؤثرة في الرأي العام والتسويق والقضايا السياسية».

لكنه يعدد معايير يمكن الاستناد إليها في تمييز المؤثرين من بين صناع المحتوى الكثيرين، منها «عدد المتابعين، واستمرارية النشر، وحجم التفاعل معهم، ومدى تأثيرهم الفعلي في المتابعين».

إطار تنظيمي

خبير الإعلام الرقمي والسوشيال ميديا، معتز نادي، نبَّه إلى ضرورة التفرقة بين «المؤثر» و«المنتشر»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «المنتشر قد يحصد ملايين المشاهدات بفضل ترند عابر أو محتوى مثير للجدل، بينما يمتلك المؤثر ثقة متراكمة لدى جمهوره، وقدرة على تشكيل القناعات وتغيير السلوك، حتى لو كان عدد متابعيه أقل؛ ولذلك لا أعتبر أرقام المشاهدات والمتابعين وحدها معياراً لقياس التأثير الحقيقي».

وأضاف: «من منظور الاتصال المؤسسي، يستطيع صناع المحتوى المساهمة في تبسيط السياسات والخدمات العامة، والتعريف بالفرص الاقتصادية والسياحية والثقافية، ونقل اهتمامات الجمهور وتساؤلاته إلى المؤسسات؛ لكن من المهم ألا تتحول هذه العلاقة إلى توظيف المؤثرين لأغراض دعائية، لأن استقلاليتهم ومصداقيتهم هما مصدر قوتهم الحقيقي في إطار حديثهم بلسان حال الناس».

وكان صناع المحتوى قد طالبوا في اجتماع وزير الدولة للإعلام بإطار قانوني يميزهم عمن يقومون بالنشر على وسائل التواصل الاجتماعي بهدف الانتشار، واقترح أحدهم أن ينضموا إلى شعبة بنقابة الصحافيين المصرية؛ وكان رد رشوان أنه لا توجد دولة في العالم استحدثت مثل هذا الكيان، ودعا المؤثرين إلى الاعتماد على أنفسهم في إيجاد مثل هذه الآلية.

عدد من صناع المحتوى خلال لقائهم وزير الدولة للإعلام يوم الأحد (وزارة الدولة للإعلام)

وأيد شومان طلب تنظيم المؤثرين وصناع المحتوى، معتبراً أن إيجاد مثل هذا الإطار سواء بنقابة أو اتحاد أو شعبة على غرار الشعب التجارية، يتيح وضع إطار تنظيمي وتعريف لهم.

وتابع قائلاً: «توفير كيان قانوني للمؤثرين مفيد لهم وللدولة، فيمكن عندها العودة إليه عند مخالفة بعضهم للمعايير والأسس المجتمعية، كما أنه سينظم في قانون واحد هذا العمل ومعاييره وأخلاقياته، ويفرض عقوبات على المتلاعبين فيه، مثل المؤثرين الذين يشترون مشاهدات ومتابعين وهميين لإيهام الجمهور بشعبية ليست حقيقية».

لكن سارة فوزي تتحفظ على استعانة الحكومة بـ«المؤثرين» دون وضع معايير محددة أو خطة واضحة وهدف لمثل هذه اللقاءات، مستبعدة أن تتمكن المجموعة التي التقاها وزير الدولة للإعلام من مساعدة الوزارة في التأثير في الرأي العام.

وقالت: «الجمهور يتابعهم لمحتوى معين، ويسهل عليه اكتشاف التحول أو التغير فيه، وعادة لا يتقبل مثل هذه التغيرات ويهجر صانع المحتوى عند تغيير طريقته المعتادة، وهو ما حدث مع الكثير من المؤثرين».

وترى أنه من الأفضل أن «تضع الحكومة خطة ومعايير واضحة، وتدعم صناع محتوى جدداً نابهين من كليات الإعلام والكليات الاجتماعية، لديهم الموهبة، ويمكن أن تمدهم بالتدريب والتأهيل اللازمين، وتساعدهم على إنتاج محتوى هادف مفيد للمجتمع، لا أن تنجذب إلى ضخامة عدد متابعين لمحتوى قد يكون تافهاً ولا يقدم شيئاً».


أسعار الطاقة تدفع الحكومة المصرية لـ«سيناريو الترشيد»

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع حكومي (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع حكومي (مجلس الوزراء)
TT

أسعار الطاقة تدفع الحكومة المصرية لـ«سيناريو الترشيد»

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع حكومي (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع حكومي (مجلس الوزراء)

تتجه الحكومة المصرية مجدداً إلى سيناريو «ترشيد الإنفاق»، خاصة في المجالات المرتبطة باستهلاك الطاقة، في ظل ارتفاع الأسعار العالمية، وتأثير الاضطرابات العالمية على الاقتصاد؛ غير أن تلك الخطوات أثارت تساؤلات حول ما إذا كانت ستمسَّ المواطنين عبر زيادة أسعار الوقود أو عودة «تخفيف الأحمال».

وقال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي خلال ترؤسه اجتماعاً «للجنة المركزية لإدارة الأزمات»، مساء الاثنين، إن هناك «خطة لترشيد الإنفاق الحكومي، وإيجاد حيز مالي محدد للتعامل مع الأزمة الراهنة يتم إعدادها بالتعاون والتنسيق بين وزارتي المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية».

وأوضح أن الخطة تتضمن عدداً من البنود المرتبطة بترشيد الاستهلاك الحكومي في الوقود والكهرباء، والتي سبق تطبيقها عند اندلاع الأزمة، مع إيلاء الأهمية القصوى لعمليات الإنتاج والتصنيع وتعزيز التصدير للأسواق الخارجية، وترشيد الإنفاق في جميع مخصصات مجالات الدعاية والإعلان بالجهات الحكومية.

وسبق أن طبقت الحكومة المصرية خطة تقشفية «استثنائية» بعد أيام من اندلاع الحرب الإيرانية، وأقرت في شهر مارس (آذار) الماضي، حزمة إجراءات عاجلة لترشيد استهلاك الطاقة، تضمنت إيقاف إنارة الإعلانات على الطرق، وخفض الإنارة الداخلية للشوارع لأقل مستوى، وإغلاق الحي الحكومي في السادسة مساءً وإطفاء الأنوار فيه بالكامل، وإغلاق المحال والمراكز التجارية والمطاعم والمقاهي في التاسعة مساءً، قبل أن تُوقف قرار غلق المحال العامة بعد شهر من تطبيقه، وتبعه التراجع عن باقي القرارات المرتبطة بـ«الخطة الاستثنائية».

فجوة الموازنة

يأتي التوجه الحالي للحكومة في وقت تشكو فيه من وجود فجوة في الموازنة العامة التي بُنيت على سعر 75 دولاراً لبرميل النفط، بينما ارتفع حالياً إلى نحو 107 دولارات وفقاً لأرقام وزارة البترول؛ فيما أكد مدبولي، الشهر الماضي، أن كلفة شحنات الطاقة المستوردة تضاعفت مقارنة بما كانت عليه قبل عامين.

حافلات على أحد الطرق الرئيسية في مصر (وزارة النقل)

وقال الخبير الاقتصادي علي الإدريسي إن خطة «الترشيد» مجدداً مهمة وإيجابية، وبحاجة لأن تتكامل مع إجراءات أخرى تهدف إلى تقليص فاتورة الوقود.

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن من بين تلك الإجراءات وجود نظام محكم للرقابة على «منظومة البونات» التي تُمنح لصالح السيارات التابعة للحكومة، وضمان عدم تسريبها للاستخدام الشخصي، إلى جانب وجود منظومة رقمية لجميع وسائل الانتقال.

واستطرد قائلاً إن الحكومة تعمل على تتبع استخدام الوقود لكنها في الوقت ذاته لم تستكمل منظومة «بطاقة البنزين»، والتي كان من المفترض تعميمها منذ سنوات للتعرف على استهلاك الوقود.

وأضاف: «في حال تفعيل هذه المنظومة فسيمكن تحديد كميات محددة مدعومة شهرياً، وهو ما يُمكِّن الحكومة من تحقيق عوائد بيع أفضل للمستهلكين المحليين، كما أن ذلك يمنحها القدرة على تقدير احتياجات السوق ومتطلباته بشكل أكثر دقة».

وقال الإدريسي إن الحكومة أمام وضع صعب بسبب الفجوة بين كلفة دعم الوقود في الموازنة العامة والأسعار العالمية، إلى جانب تراجع الجنيه مقابل الدولار، وهو أيضاً ما يرفع تكاليف الاستيراد.

وتراجع الجنيه المصري بنسبة 5.81 في المائة خلال الشهر الماضي، وانخفض بنسبة 17.27 في المائة خلال الاثني عشر شهراً الماضية، وفقاً لمؤشر «تريندغ إيكونومي».

خيارات صعبة

وقالت مصادر حكومية، الثلاثاء، إنه جرى إخطار الشركات الأجنبية المتعاقد معها بتأجيل تسلم 5 شحنات من الغاز الطبيعي المسال لتلبية احتياجات السوق المحلية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من إجمالي 15 شحنة جرى التعاقد عليها، في ظل ارتفاع تكلفة الشحنة الواحدة إلى أكثر من 100 مليون دولار، بزيادة 100 في المائة، مقارنة بسبتمبر (أيلول) الماضي، بحسب ما نشرته «الشرق بلومبرغ».

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد كشف عن أن مصر «لم تتمكن من ملء مستودعاتها الاستراتيجية لتخزين البترول، رغم أن سعتها الإجمالية تبلغ 33 مليون برميل، بسبب عدم توفر التمويل اللازم»، المقدر بنحو 2.5 مليار دولار.

وقال رئيس لجنة الاستثمار بحزب «الوعي»، أحمد شكري: «قرارات الترشيد جيدة لكنها تأخرت كثيراً، وكانت بحاجة لأن يتم تطبيقها بحسم منذ بداية الحرب الإيرانية»، مشيراً إلى أن «الترشيد» يجب ألا يقتصر على استهلاك الطاقة وحسب، وأن على الحكومة إعادة خططها نحو تدشين مشروعات جديدة، وعدم البدء في مشروعات تشكل ضغطاً على الموازنة، ولو مؤقتاً إلى أن تتضح الرؤية بشأن تمدد صراعات المنطقة.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الحكومة مطالبة أيضاً بترشيد على مستوى الاستعانة بالمستشارين، ومعالجة أزمة تكرارية المناصب في جهات مختلفة تؤدي الدور نفسه، والحد من استيراد السلع غير الضرورية التي تستهلك الرصيد الدولاري».

رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في إحدى الجلسات البرلمانية (مجلس الوزراء)

وأثار العديد من المواطنين تساؤلات عبر مواقع التواصل الاجتماعي حول ما إذا كان التقشف قد يطول الخدمات المقدمة إليهم، في ظل حديث سابق للحكومة عن «خيارات صعبة» للتعامل مع أزمة إمدادات الوقود.

لكن المتحدث باسم الحكومة، المستشار محمد عادل، قال في تصريحات إعلامية، مساء الاثنين، إن إجراءات التقشف «لا ترتبط بتخفيف الأحمال أو اتخاذ أي قرارات تمس المواطنين بشكل مباشر»، وإن اجتماع اللجنة المركزية لإدارة الأزمات ناقش ترشيد استهلاك الطاقة والوقود داخل الوزارات والهيئات الحكومية.


تصعيد دبلوماسي إثيوبي ضد السودان يشعل توترات «القرن الأفريقي»

البرهان وإلى جانبه آبي أحمد خلال لقاء على هامش قمة «إيغاد» في نيروبي يوليو 2022 (رويترز)
البرهان وإلى جانبه آبي أحمد خلال لقاء على هامش قمة «إيغاد» في نيروبي يوليو 2022 (رويترز)
TT

تصعيد دبلوماسي إثيوبي ضد السودان يشعل توترات «القرن الأفريقي»

البرهان وإلى جانبه آبي أحمد خلال لقاء على هامش قمة «إيغاد» في نيروبي يوليو 2022 (رويترز)
البرهان وإلى جانبه آبي أحمد خلال لقاء على هامش قمة «إيغاد» في نيروبي يوليو 2022 (رويترز)

أجج قرار إثيوبي بإغلاق قنصلية سودانية في أصوصا الحدودية، حسب تأكيدات مصادر سودانية عدة، التوتر القائم مع دول الجوار، تزامناً مع لقاء مصري - سوداني لوحت فيه القاهرة بتفعيل «اتفاق الدفاع المشترك» مع الخرطوم غداة شكوى سودانية تجاه إثيوبيا بمجلس الأمن.

ولم يصدر تعليق رسمي على إغلاق القنصلية من إثيوبيا أو السودان، والذي إن تأكد فسيكون ثالث خطوة على الساحة الدبلوماسية تتخذها أديس أبابا خلال شهر واحد تقريباً تجاه دولة أفريقية تجمع بينهما خلافات، وذلك بعد قطع العلاقات الدبلوماسية مع إريتريا، وتبادل طرد دبلوماسي مع مصر مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وقال خبراء بالشؤون الأفريقية لـ«الشرق الأوسط» إن ذلك بمنزلة إشعال للتوترات بالقرن الأفريقي وسط سيناريوهين مرجحين، أولهما المواجهة جراء استمرار التصعيد، والثاني التهدئة بسبب التكلفة الباهظة للحرب.

مهلة 48 ساعة

أفادت وسائل إعلام سودانية بأن إثيوبيا «أمهلت طاقم القنصلية السودانية في مدينة أصوصا الحدودية بغرب البلاد 48 ساعة لمغادرة الأراضي الإثيوبية، بعد اعتبار جميع موظفيها أشخاصاً غير مرغوب فيهم».

وجاء هذا في أعقاب احتضان القاهرة، مساء الاثنين، اجتماعاً رباعياً مصرياً - سودانياً شارك فيه وزيرا الخارجية ووزيرا الري بالبلدين، غداة شكوى تقدمت بها الخرطوم ضد أديس أبابا بعد اتهامها باستهداف أراضيها بالمُسيرات دعماً لقوات «الدعم السريع».

وأعادت مصر التذكير، في بيان مشترك عقب الاجتماع، ببيان الرئاسة الصادر أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025، والذي يتضمن استعدادها الكامل «لاتخاذ جميع التدابير والإجراءات اللازمة التي يكفلها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين الشقيقين لدعم السودان، وضمان عدم المساس بهذه الخطوط الحمراء أو تجاوزها».

أزمة ثقة

الباحث الإثيوبي في الشؤون الأفريقية، موسى شيخو، قال لـ«الشرق الأوسط» إن إغلاق القنصلية السودانية في أصوصا «يعكس انتقال الخلاف بين أديس أبابا والخرطوم من الاتهامات المتبادلة إلى إجراءات دبلوماسية تصعيدية، وسط ازدياد المخاوف من تداخل الأزمات الأمنية والاصطفافات السياسية في القرن الأفريقي»، مستدركاً: «إغلاق قنصلية أصوصا لا يعني قطع العلاقات الدبلوماسية، لكنه يعكس تراجع الثقة بين البلدين».

وحذَّر من أن «تزامن الأزمة السودانية مع القطيعة الإثيوبية - الإريترية يثير مخاوف من تشابك النزاعات والتحالفات بمنطقة القرن الأفريقي».

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان خلال لقاء مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في أغسطس 2019 (رويترز)

وعن السيناريوهات المحتملة، قال: «اتهامات الخرطوم باستخدام الأراضي الإثيوبية لإطلاق مسيّرات ضد منشآت سودانية تزيد مخاطر الاحتكاك العسكري، لكن هناك عوامل للتهدئة، خصوصاً أن الحرب السودانية والتحديات الأمنية الإثيوبية والمصالح الحدودية والمائية المشتركة تجعل المواجهة المباشرة مكلفة للطرفين».

ويخلص شيخو إلى أن «التحدي الأكبر ليس احتمال الحرب وحده، بل تحول الخلافات الثنائية إلى اصطفافات إقليمية تضع استقلال القرار الوطني واستقرار القرن الأفريقي أمام اختبار خطير».

تبعات الحرب

في المقابل، يعتقد الخبير المصري في الشؤون الأفريقية رمضان قرني أن قرار الحكومة الإثيوبية إغلاق القنصلية السودانية في أصوصا «يمثل مرحلة جديدة من التصعيد الدبلوماسي بين الطرفين»، ويرى أنه قرار «جاء متأخراً نسبياً؛ إذ كان متوقعاً أن يطول الخرطوم موقف إثيوبي، منذ قرارات أديس أبابا ضد إريتريا ومصر، في ضوء اتهامها للدول الثلاث بالضلوع في حرب إقليم تيغراي، وشنها حرباً إعلامية وسياسية».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن الخطوة الإثيوبية «رد صريح على الشكوى المقدمة من السودان ضد إثيوبيا في مجلس الأمن ومجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي»، دون أن يستبعد أن تكون المتغيرات الإثيوبية، التي تضمنت حصول أديس أبابا على مقاتلات روسية، بمنزلة «رسالة ردع موجهة لإريتريا والسودان ومصر».

وعقب تسلّم الصفقة التي تضم مبدئياً 12 مقاتلة من طراز «سوخوي-35» من الجيل الرابع المطور «4++»، قال رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد، أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إنها تعزز «قدرة إثيوبيا على الردع الاستراتيجي».

لكن التصعيد الحالي لا يعني، بحسب قرني، مواجهة عسكرية شاملة بين إثيوبيا والسودان، مؤكداً أن هذا حديث «سابق لأوانه تماماً، وربما في غير محله لاعتبارات عديدة مرتبطة بتكلفة الحرب على إثيوبيا والسودان».

وأرجع ذلك إلى «عدم قدرة الجانبين على تحمل تبعات حرب واسعة في ظل انشغال إثيوبي بمواجهات متعددة الجبهات في أقاليم عدة (تيغراي، وأمهرة، وأورومو، وعفر) إلى جانب الجبهة الإريترية. وكذلك يركز الجيش السوداني جهوده الميدانية على تأمين الحدود ومواجهة (الدعم السريع) في مناطق مثل كردفان والنيل الأزرق ودارفور».

ويتبقى مسار محتمل في ضوء تلك التوترات التي يشهدها القرن الأفريقي بسبب تحركات إثيوبيا، هو أن يزداد التصعيد السياسي والدبلوماسي وتبادل الاتهامات بين الطرفين والتوترات بمنطقة القرن الأفريقي، بحسب قرني.