إيمان جنيدي: قيادة المرأة للأوركسترا تأخرت كثيراً في مصر

عدّت نفسها «أول مايسترا» عربية... وتخطّط لِما هو أبعد

المايسترا إيمان جنيدي ترفض حصر النساء بمهن معيّنة (الشرق الأوسط)
المايسترا إيمان جنيدي ترفض حصر النساء بمهن معيّنة (الشرق الأوسط)
TT

إيمان جنيدي: قيادة المرأة للأوركسترا تأخرت كثيراً في مصر

المايسترا إيمان جنيدي ترفض حصر النساء بمهن معيّنة (الشرق الأوسط)
المايسترا إيمان جنيدي ترفض حصر النساء بمهن معيّنة (الشرق الأوسط)

على مسرح «معهد الموسيقى العربية» في القاهرة، قادت الفنانة المصرية إيمان جنيدي حفلاً موسيقياً مع فرقتها، «المايسترو»، مقدِّمةً مجموعة من أشهر أغنيات الطرب والفولكلور، وعدداً من أشهر أغنيات تسعينات القرن الماضي.

تُعرّف نفسها بأنها «أول مايسترا» في مصر والعالم العربي، ونالت لهذا السبب عدداً من التكريمات، أبرزها في يوم المرأة من السيدة انتصار السيسي، قرينة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل عامين، واحتفت بها جهات إعلامية وثقافية، صنع بعضها أفلاماً تسجيلية رصدت رحلتها من صعيد مصر حتى نجاحها في قيادة أوركسترا كاملة.

الفنانة المصرية في إحدى حفلاتها (الشرق الأوسط)

تنتمي جنيدي إلى مدينة بني سويف (جنوب القاهرة)، حيث نشأت في أسرة مولعة بالفنون خصوصاً الموسيقى. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كان والدي مهندساً عاشقاً للعزف على البيانو، تعلّم الموسيقى في طفولته؛ إذ كانت جدّتي تُحضر له مدرِّساً متخصِّصاً إلى المنزل لإعطائه دروساً خاصة، فكرَّر معي وإخوتي الأمر عينه، لننشأ على حبّ الموسيقى».

وتتذكر الفنانة حرص والدها على تنظيم جلسات سمر، الخميس من كل أسبوع، في المنزل: «كان كل فرد من الأسرة يقدّم إسهاماً فنّياً بسيطاً، مثل العزف أو إلقاء الشعر أو الرسم، بينما يتحدّث، كأننا في ورشة عمل».

أسَّست فرقة موسيقية وتولَّت قيادتها (الشرق الأوسط)

وبعد الثانوية العامة، قرَّرت الالتحاق بكلية التربية الموسيقية في جامعة حلوان، فانتقلت إلى القاهرة للدراسة، وهناك كانت الآفاق أمامها أكثر اتّساعاً للتعلُّم والتواصل مع الثقافة والفنون.

لم يمرَّ وقت طويل على تخرّجها حتى رُشِّحت لقيادة «الفرقة القومية للموسيقى العربية» في بني سويف، فكانت مفاجأة بالنسبة إليها وإلى المحيطين. شجَّعها زوجها على خوض التجربة، ووجدت صعوبات كثيرة، في مقدّمتها رفضها من أعضاء الفرقة بكونها امرأة، وهو شيء غير مسبوق خصوصاً في الصعيد.

تتابع: «كنتُ صغيرة، بينما كان أعضاء الفرقة، وعددهم نحو 45 فناناً من كبار السنّ، ولم تكن تضمّ سوى فنانتين. وُجِّهت شكوى ضدّي في البداية، لكن بمرور الوقت أصبحنا أصدقاء، ونجحتُ في مهمّتي».

سافرت الفرقة إلى مختلف محافظات مصر لحضور المهرجانات والحفلات، فأُدهش الجمهور من كون قائدة الفرقة سيدة، ثم ما لبثت أن أصبحت معروفة بين محبّي الفنّ، فيُقبلون على حضور حفلاتها، خصوصاً بعد فوز الفرقة بجوائز في فعاليات ثقافية، وفق قولها.

من الاتجاهات البارزة على مدى السنوات الـ30 الماضية، التقدُّم الذي أحرزته النساء في اكتساب التعليم والمهارات، مما سمح لهنّ بدخول مجالات جديدة عدّة، منها اختراق فرق الأوركسترا السيمفونية في العالم أيضاً.

المايسترا المصرية تستعدّ لتدشين مؤسَّسة فنّية (الشرق الأوسط)

في هذا الصدد، تلفت جنيدي إلى أنها تشرَّفت بكونها «المايسترا الأولى»، لكنها تشعر أنّ تولّي امرأة قيادة أوركسترا في مجتمعها قد تأخَّر كثيراً: «يتطلّب هذا العمل سمات شخصية خاصة، فإلى جانب الموهبة والمهارات الفنّية، بما يشمل البراعة في قراءة النوتة والتوزيع، ينبغي التحلّي بالقدرة على القيادة، واحتواء كل أعضاء الفرقة، وتوظيف كل فنان في مكانه الصحيح، علاوة على ضرورة التميُّز بسرعة البديهة، والقدرة على الإدارة والتصرُّف في المواقف الطارئة على المسرح».

وتؤكد: «تملك المرأة بطبيعتها كل هذه السمات، ولا تقلّ بذلك عن الرجل، فتستحق قيادة الأوركسترا بجدارة، لكنها تأخَّرت؛ إذ إنه لا يزال ثمة أولويات تلتزم بها النساء، وقد تقف عائقاً أمام اختراقهن بعض المهن التي تتطلّب التفرّغ أو تستقطع وقتاً طويلاً منهنّ. تتحمّل المرأة مسؤوليات كبرى تتضخَّم في بعض المجتمعات تجاه الأسرة، لا سيما عندما يصعُب توافر الدعم لها».

ترى أنّ المرأة تمتلك جميع مقوّمات قيادة الفرقة الموسيقية (الشرق الأوسط)

وثمة مشكلة أخرى تتمثَّل بتحيُّز المجتمع للرجل، ورفضه تولّي المرأة بعض المناصب أو تحقيق نجاحات في مجالات منها الموسيقى، وفق تعبيرها، «لكن ذلك قد لا يتوقّف فحسب على مصر أو العالم العربي في مجال الموسيقى، وإنما قد يُدهَش البعض بوجود مقاومة طويلة الأمد، خصوصاً في أوروبا، لفكرة أنّ الموسيقيات يمكن تعيينهنّ قائدات رئيسيات ومديرات موسيقية لأوركسترا».

في 2015، أسَّست الفنانة فرقتها الخاصة باسم «المايسترو»، وأصبحت قائدة لها. تتكوّن من عازفين ومطربين معروفين، وعدد أعضائها نحو 50 فناناً؛ تُقدّم عروضها في دار الأوبرا المصرية ومعهد الموسيقى العربية، ومجموعة من المراكز الثقافية الأجنبية والسفارات.

تتنوّع أعمالها، رغم أنها في الأصل فرقة للموسيقى العربية، فالجنيدي قرّرت لاحقاً التوسُّع في ألوان الغناء التي تقدّمها الفرقة، لتتضمّن، إلى جانب الطرب المصري الأصيل، أغنيات التسعينات، والأغنيات التراثية والعربية، خصوصاً الخليجية المعاصرة. تختم: «كانت تنبغي مواكبة العصر، فأستطيع جذب مختلف فئات الجمهور، بعيداً عن الأعمال الهابطة. أؤمن أنّ ذلك جزء من دوري المجتمعي».

تستعدّ إيمان جنيدي حالياً لإطلاق مؤسّستها الفنية باسم «وجدان مصر للفنون والثقافة»، وتضمّ جميع أنواع الفنون، مثل الموسيقى والتمثيل والرسم والغناء، وستُوجه اهتماماً بارزاً لرعاية ذوي الحاجات الخاصة من الموهوبين.


مقالات ذات صلة

لطيفة: لا أسمح لـ«الترند» بالتحكم في مشروعي الموسيقي

الوتر السادس لطيفة: لا أسمح لـ«الترند» بالتحكم في مشروعي الموسيقي

لطيفة: لا أسمح لـ«الترند» بالتحكم في مشروعي الموسيقي

قالت الفنانة التونسية لطيفة إن اختيارها أغنية «شبهي بالمِلّي» عنواناً لألبومها الجديد جاء من شعورها بأنها الأقرب إلى شخصيتها وحالتها الإنسانية والفنية.

أحمد عدلي (القاهرة)
الوتر السادس مادلين مطر لـ«الشرق الأوسط»: «السوشيال ميديا» أعادتني إلى الواجهة من جديد

مادلين مطر لـ«الشرق الأوسط»: «السوشيال ميديا» أعادتني إلى الواجهة من جديد

لم تشأ الفنانة مادلين مطر أن تحرق انتظار جمهورها بأغنية عادية، فبحثت وخططت وخلطت أوراقها من جديد، لتطل بعمل فني مختلف يُحدث فرقاً.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر (أسوشييتد برس)

ماذا كشف وثائقي ترافيس باركر الجديد عن ليلة سقوط طائرته الخاصة؟

الموسيقي العالمي يواجه ندوب الماضي في «أعلى من الخوف»... ويستحضر ليلة كارولاينا الجنوبية المنكوبة التي خطفت 4 أرواح، وحوَّلته إلى ناجٍ وحيد يطارد الذكريات.

كوثر وكيل (لندن)
الوتر السادس فادي حداد: الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لصناعة «الكليب» أكبر خطأ

فادي حداد: الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لصناعة «الكليب» أكبر خطأ

في مشهد فني خرج عن المألوف، أطلق الفنان رامي عيّاش الفيديو كليب الخاص بأغنيته الجديدة «عذّبيني».

فيفيان حداد (بيروت)
الوتر السادس محمود طلعت: موسيقى الأفلام والمسلسلات تحددها الصورة وإيقاع الدراما

محمود طلعت: موسيقى الأفلام والمسلسلات تحددها الصورة وإيقاع الدراما

قال الموسيقار المصري محمود طلعت إن الموسيقى التصويرية لا تُكتب بالقواعد نفسها في كل عمل، فلكل وسيط فني لغته وأدواته

أحمد عدلي (القاهرة)

الراكب رقم 103... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي حياً وميتاً

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)
صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)
TT

الراكب رقم 103... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي حياً وميتاً

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)
صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)

في الحادي والعشرين من ديسمبر (كانون الأول) عام 1988، لم يكن الشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر يعلم أن صعوده إلى متن رحلة شركة «بان أميركان» رقم 103 المتجهة من فرانكفورت إلى نيويورك عبر لندن، سيكون تذكرة بلا عودة، ليس فقط نحو الموت الإجباري فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية الهادئة، بل نحو دهاليز استخباراتية معقدة حولت جثته الفتية إلى محور لأكبر لغز جنائي وسياسي في القرن العشرين.

في ذلك المساء الشتوي القارس، تفجرت الطائرة الجامبو (بوينغ 747) في السماء، مسفرة عن مقتل 270 شخصاً، ومع تناثر حطام الطائرة فوق التلال الاسكوتلندية، تناثرت معها حياة خالد جعفر لتتحول من قصة مهاجر شاب يحلم بمستقبل هادئ، إلى مادة دسمة لسيناريوهات المؤامرة، والاتهامات الجاهزة، وصفقات الأمن الدولي التي امتدت من بيروت إلى واشنطن مراراً وتكراراً.

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)

مأساة لوكربي في عيون «نتفليكس»

عادت هذه التفاصيل والأسماء لتشغل الرأي العام مع إطلاق شبكة نتفليكس بالتعاون مع هيئة الإذاعة البريطانية «بي. بي . سي» للمسلسل الدرامي القصير «The Bombing of Pan Am 103» (تفجير بان آم 103).

المسلسل، الذي يضم نخبة من النجوم مثل باتريك جيه آدامز وبيتر مولان، لا يكتفي برصد الجوانب السياسية للمحاكمة الدولية، بل يغوص عميقاً في الجانب الإنساني للضحايا وعائلاتهم والتحقيقات الأولية على الأرض.

وفي هذا السياق الدرامي، يبرز اسم خالد جعفر وتفاصيل دراسته لهندسة العمارة وعلاقاته التشابكية كجزء من السيناريو الذي يعيد قراءة فخ «الاشتباه الأولي» القائم على الهوية، ليعيد للمشاهدين قصة الراكب رقم 103 الذي سُرق حلمه الهندسي في سماء لوكربي.

من زواريب البقاع إلى صقيع ديترويت

وُلد خالد نذير جعفر في بلدة البقاع اللبنانية، ونشأ في بيئة عائلية هاجرت كآلاف العائلات اللبنانية بحثاً عن الأمان والفرص في الولايات المتحدة الأميركية، مستقرة في مدينة ديترويت بولاية ميشيغان.

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (الأرشيف الرقمي لجامعة سيراكيوز)

في سن العشرين، كان خالد يمثل مزيجاً بين الشاب العربي المرتبط بجذوره والمراهق الأميركي الذي يتلمس طريقه في الحياة.

في ريعان شبابه وقبل أن تمزق قنبلة الـ«سمتكس» أجساد ركاب الطائرة، كان جعفر يعيش حياة جامعية واعدة، حيث كان يدرس هندسة العمارة.

تميز الشاب بعشقه للتصميم وبناء الخطط الهندسية للمستقبل، وهي خطط كان يرجو تطبيقها بعد التخرج والاستقرار في ديترويت.

الطائرة بعد سقوطها في بلدة لوكربي الاسكوتلندية (أ.ف.ب)

غير أن رحلته الشتوية إلى لبنان عبر ألمانيا، التي كانت تهدف لزيارة عائلية قبل أعياد الميلاد، وضعت حداً فجائياً لمسيرته الأكاديمية. ولم يتبقَ من حلم «المهندس المعماري» الشاب سوى دفاتر تصاميمه وحقائب سفر تناثرت على بُعد أميال من موقع سقوط الطائرة، لتصبح تلك الممتلكات الشخصية لاحقاً دليلاً قاطعاً استخدمه المحققون الاسكوتلنديون لإثبات براءته، بعدما تبين خلوها من أي آثار تفحم داخلي.

شبهة الأصل العربي... الفخ الاستخباراتي الأول

فور وقوع الكارثة الكبرى فوق لوكربي وبدء التحقيقات المشتركة بين مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI) وجهاز الأمن البريطاني، التفتت أعين المحققين سريعاً نحو قائمة الركاب بحثاً عن ملامح شرق أوسطية عربية، تطابق الاتهامات الفورية التي وُجهت للفصائل المسلحة.

هنا، برز اسم خالد جعفر كصيد سهل للمحققين والصحافة الغربية بسبب أصوله اللبنانية وبداية رحلته من فرانكفورت، خاصة أنه العربي الوحيد الذي كان على متن الرحلة.

مشهد من الدمار بعد التفجير الذي تعرّضت له الطائرة الأميركية فوق قرية لوكربي الاسكوتلندية (أرشيف الشرق الأوسط)

انطلقت الفرضية الأولى تزعم أن الشاب ربما كان «انتحارياً» أو حاملاً مغفلاً لقنبلة وُضعت في أمتعته دون علمه من قبل منظمات فلسطينية أو إيرانية، ما جعل عائلته في ديترويت تعيش كابوساً مزدوجاً: فاجعة فقدان ابنهم، ووصمة الإرهاب التي لاحقت اسمه في وسائل الإعلام العالمية لسنوات.

قناة دمشق-فرانكفورت وظلال المخابرات الأميركية

لم تتوقف الروايات عند حد الاشتباه العابر، بل تحول اسم خالد جعفر إلى حجر الزاوية في «الرواية البديلة» لحادث لوكربي، والتي تبنتها فرق دفاع لسنوات وصحافيون بارزون.

زعمت هذه النظرية أن جعفر، وبحكم تنقله بين لبنان وألمانيا، تم استغلاله أو توريطه في شبكة لتهريب المخدرات كانت تحظى بحماية وغطاء من وكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA) وإدارة مكافحة المخدرات (DEA)، كجزء من عملية سرية معقدة لتأمين إطلاق سراح الرهائن الأميركيين المحتجزين في بيروت حينها.

ووفقاً لهذا السيناريو، فإن «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة» المدعومة من إيران، اخترقت هذه القناة الآمنة في مطار فرانكفورت، واستبدلت بحقيبة المخدرات الخاصة بجعفر حقيبة الراديو المفخخة بمادة «السمتكس»، لتنتقل الحقيبة عبر طائرة التغذية إلى مطار هيثرو في لندن وتوضع في أحشاء الطائرة الكبيرة دون تفتيش.

وترافق اسم جعفر في التقارير الأمنية والتحليلات الاستخباراتية المعقدة مع أسماء أخرى أثارت حيرة المحققين، ومن أبرزها اسم حسن الساعد

(أو بدري حسن في بعض وثائق المحكمة الرسمية).

وكان حسن الساعد شخصية محورية ارتبطت بالخلايا والأنشطة الأمنية والتجارية المشبوهة في ألمانيا الغربية ومالطا خلال تلك الحقبة، وتحديداً من خلال علاقته بشركة الاتصالات السويسرية «ميبو» (MEBO) التي صنعت أجهزة التوقيت المستخدمة في التفجير.

تشير خيوط التحقيق والفرضيات البديلة إلى أن الساعد كان يمثل «حلقة الوصل» أو القناة التي حاولت أجهزة أمنية وفصائل مسلحة استخدامها لاختراق حركة الحقائب والمسافرين العرب عبر مطار فرانكفورت. هذه العلاقة الملتبسة بين دوائر جُعِل جعفر يدور في فلكها دون علمه، وبين شبكة الساعد، هي التي غذّت لسنوات نظرية «الحقيبة المستبدلة» وقناة تهريب المخدرات الآمنة التي جرى اختراقها لزرع القنبلة.

حطام طائرة «بان آم 103» في لوكربي كما صوّرها المسلسل الجديد (نتفليكس)

براءة من بين الحطام وأحكام التاريخ

ظلت هذه النظريات تتدفق في كتب التحقيقات الاستقصائية حتى قادت الأدلة الجنائية القاطعة في المحكمة الاسكوتلندية الخاصة برئاسة القاضي لورد سذرلاند إلى مسار مختلف تماماً.

فقد أثبتت سجلات السفر الرسمية والتحقيقات اللاحقة أن خالد جعفر لم يشحن أي أمتعة في عنبر الشحن السفلي لطائرة البوينغ 747، بل اكتفى بحمل حقيبتين صغيرتين كأمتعة يدوية صعد بهما معه إلى مقصورة الركاب، من بينهما حقيبة قماشية أسطوانية.

وعقب الانفجار، عثر المحققون على هاتين الحقيبتين شبه سليمتين وبحالة جيدة في تلال منطقة «لانغهولم» على بُعد نحو 13 كيلومتراً

تقريباً شرق بلدة لوكربي، وكانتا لا تزالان تحتويان على بطاقته الشخصية، ومحفظته، وبعض الأوراق النقدية.

وجاءت التقارير الفنية لتؤكد خلو الأمتعة اليدوية للشاب تماماً من أي آثار لبارود، أو حروق، أو تفحم داخلي، وهو ما شكل الدليل الفني القاطع على براءته، إذ أثبت أن القنبلة فُجِرت في حاوية الشحن الرئيسية بعيداً عن مقعده ومحيطه، مما دحض فرضية وجود المتفجرات بحوزته سواء بعلمه أو دون علمه.

بناءً على هذه المعطيات الدامغة، أعلنت المحكمة رسمياً براءة الشاب اللبناني من أي ضلوع أو استغلال في العملية، وثبّتت الحكم على ضابط الاستخبارات الليبي عبد الباسط المقرحي، مؤكدة أن الحقيبة المفخخة انطلقت من مالطا ولم تمر عبر قناة جعفر في فرانكفورت.

المتهم الرئيسي في تفجير الطائرة المواطن الليبي عبد الباسط المقرحي (أرشيف - أ.ف.ب)

ورغم هذه التبرئة القضائية الشاملة، بقي اسم خالد جعفر راسخاً في الأرشيف السياسي الدولي، شاهداً على حقبة صراع مريرة، راح ضحيتها أبرياء تحت رماد لوكربي.


تفوّق على «هيثرو»... مطار آسيوي يتصدّر قائمة الأكثر ازدحاماً في العالم

أشخاص كبار بالسن يقضون وقتاً في مطار إنتشون الدولي هرباً من الحرارة الشديدة بكوريا الجنوبية (رويترز)
أشخاص كبار بالسن يقضون وقتاً في مطار إنتشون الدولي هرباً من الحرارة الشديدة بكوريا الجنوبية (رويترز)
TT

تفوّق على «هيثرو»... مطار آسيوي يتصدّر قائمة الأكثر ازدحاماً في العالم

أشخاص كبار بالسن يقضون وقتاً في مطار إنتشون الدولي هرباً من الحرارة الشديدة بكوريا الجنوبية (رويترز)
أشخاص كبار بالسن يقضون وقتاً في مطار إنتشون الدولي هرباً من الحرارة الشديدة بكوريا الجنوبية (رويترز)

لطالما ارتبط اسم مطار هيثرو في لندن بقائمة أكثر المطارات ازدحاماً في العالم، ولا سيما من حيث حركة المسافرين الدوليين. لكن أحدث البيانات تكشف عن تغير لافت في خريطة حركة الطيران العالمية؛ إذ تصدّر مطار إنتشون الدولي في كوريا الجنوبية، وللمرة الأولى، ترتيب أكثر مطارات العالم ازدحاماً بحركة المسافرين الدوليين، متجاوزاً بذلك «هيثرو» ومطار شانغي في سنغافورة.

ووفقاً لبيانات أولية جمعها المجلس الدولي للمطارات (ACI)، الهيئة التجارية العالمية للمطارات، استقبل مطار إنتشون، الواقع على بُعد نحو 30 ميلاً غرب سيول، 38.4 مليون مسافر دولي خلال الأشهر الستة الأولى من هذا العام.

وبذلك، تفوَّق مطار إنتشون الدولي على مطار هيثرو في لندن، الذي حلّ ثانياً بعدما استقبل 37.8 مليون مسافر، بينما جاء مطار شانغي في سنغافورة في المرتبة الثالثة بـ34.5 مليون مسافر.

ويرتبط الارتفاع الملحوظ في حركة المسافرين عبر مطار إنتشون، الذي يُعد مركزاً رئيسياً لحركة الطيران في كوريا الجنوبية، جزئياً بالصراع الأميركي الإيراني، الذي دفع عدداً من المسافرين إلى تحويل مسارات رحلاتهم بعيداً عن مراكز النقل الجوي في الشرق الأوسط، واختيار وجهات بديلة في آسيا.

ومطار إنتشون، الذي افتُتح عام 2001، يخدم 101 شركة طيران تُسيّر رحلاتها إلى 157 وجهة دولية. وفي عام 2024، أسهم مشروع توسعة المطار في رفع طاقته الاستيعابية السنوية إلى 106 ملايين مسافر.

وقال كيم بوم-هو، القائم بأعمال رئيس مطار إنتشون، إن هذا التصنيف يعكس «دعم الحكومة، وتشجيع الجمهور، والجهود الدؤوبة التي يبذلها جميع العاملين في المطار».

ولا يقتصر التغيير في ترتيب المطارات على صدارة «إنتشون» عالمياً؛ ففي أوروبا أيضاً، شهدت حركة الطيران تطوراً لافتاً، إذ تفوق مطار إسطنبول على مطار هيثرو ليصبح المطار الأكثر ازدحاماً في القارة من حيث إجمالي عدد المسافرين.

مضيفو الطيران يمرون بجانب كبار السن الذين يقضون وقتهم في مطار إنتشون الدولي هرباً من الحرارة الشديدة بكوريا الجنوبية (رويترز)

وأظهرت إحصائيات صادرة عن المجلس الدولي للمطارات (ACI) يوم الثلاثاء أن 7.9 مليون مسافر مروا عبر مطار هيثرو في يوليو (تموز)، مقابل 8.15 مليون مسافر عبر مطار إسطنبول.

وأعادت هذه الأرقام إشعال مطالب مسؤولي مطار هيثرو بتوسعة المطار، في ظل وصوله إلى حدود طاقته الاستيعابية.

وقال المطار في بيان: «يعمل مطار هيثرو بكامل طاقته الاستيعابية. ولم تكن الحاجة إلى التوسعة أوضح من أي وقت مضى، إذ تفوق عليه مطار إسطنبول في يوليو ليصبح أكثر المطارات ازدحاماً في أوروبا».

وأضاف البيان: «تضمن خططنا حصول البلاد على البنية التحتية التي تحتاجها للبقاء قادرة على المنافسة، وستحقق نمواً اقتصادياً بالغ الأهمية».


رأس حيوان منقرض يقفز من 50 جنيهاً إلى 60 ألف جنيه إسترليني

وجه من عالم لم يعد موجوداً (غيتي)
وجه من عالم لم يعد موجوداً (غيتي)
TT

رأس حيوان منقرض يقفز من 50 جنيهاً إلى 60 ألف جنيه إسترليني

وجه من عالم لم يعد موجوداً (غيتي)
وجه من عالم لم يعد موجوداً (غيتي)

بِيْع رأس حيوان محفوظ بالتحنيط في مزاد علني مقابل 60 ألف جنيه إسترليني، بعدما اعتُقد في البداية أنه يعود إلى ثعلب محنّط قديم، قبل أن يتبيَّن أنه رأس لحيوان منقرض.

ووفق «بي بي سي»، كان الرأس قد اشتُري في البداية مقابل 50 جنيهاً إسترلينياً فقط من سوق للتحف، قبل اكتشاف أنه يعود إلى «الثايلاسين» النادر، وهو حيوان يُشار إليه أحياناً باسم «النمر التسماني».

وتُعدّ هذه العيّنة واحدة من 101 عيّنة محنطة معروفة للثايلاسين، وقد جذبت اهتماماً كبيراً عندما عُرضت للبيع في مزاد «أوكشنيم» بمدينة بريستول.

وقال الدلال أندرو ستو: «قفزت المزايدات سريعاً إلى عشرات الآلاف، وظلَّت ترتفع بلا توقُّف. خيَّم الصمت على القاعة، واحتشد الجميع لمتابعة ما يحدث. كانت لحظة مذهلة بكلّ معنى الكلمة».

والثايلاسين حيوان جرابي لاحم يحمل صفات شبيهة بالكلاب، وكان موطنه الأصلي غينيا الجديدة وأستراليا وتسمانيا.

وانقرضت معظم جماعاته قبل نحو 2000 عام، لكن جماعة منه ظلَّت موجودة في تسمانيا حتى القرن الـ20، قبل أن تؤدّي عمليات الصيد والأمراض وتدمير موطنه الطبيعي إلى انقراضه. ونَفَقَ آخر فرد معروف من هذا الحيوان في حديقة حيوان هوبارت عام 1936.

وأصبحت العيّنات المحنّطة والجلود والعظام وغيرها من مقتنيات الثايلاسين ذات قيمة كبيرة لدى علماء الحيوان والعلماء وهواة جمع المقتنيات، في حين تُعدّ الرؤوس المحنطة الكاملة نادرة خارج المتاحف الكبرى والمؤسّسات العلمية.

وتابع ستو: «كان اكتشاف أننا نملك شيئاً بهذه الأهمية صدمة كبيرة لنا. كان البائع قد اشتراه ببساطة لأنّ العيون المتحرّكة الطريفة المثبتة عليه أضحكته. وعندما أبلغناه بأنه في الحقيقة رأس ثايلاسين، أصيب بصدمة كاملة».

وأضاف: «حتى النسخ المقلّدة من جماجم هذا الحيوان أو عظامه تُباع بآلاف الجنيهات، لذا فإنّ العثور على قطعة كاملة مثل هذه أمر يكاد يكون غير مسبوق، خصوصاً هنا في بريطانيا».

واشترى العيّنة جامع التحف المحنّطة والتاريخ الطبيعي جيمس كرانفيلد، الذي وصف القطعة بأنها «اكتشاف العُمر». وقال إنه يعتزم ضمان إتاحة الرأس أمام الأوساط الأكاديمية والعلمية.