في جنوب لبنان... قوات حفظ السلام بين فكي كماشة

قوات «يونيفيل» عالقة بين الجيش الإسرائيلي الذي يعدّها مصدر إزعاج و«حزب الله» الذي يسعى لاستغلالها

مركبات مدرعة تابعة لقوات الأمم المتحدة المؤقتة (يونيفيل) بدورية بمنطقة مرجعيون جنوب لبنان 24 أكتوبر 2024 وسط الحرب المستمرة بين إسرائيل و«حزب الله» (أ.ف.ب)
مركبات مدرعة تابعة لقوات الأمم المتحدة المؤقتة (يونيفيل) بدورية بمنطقة مرجعيون جنوب لبنان 24 أكتوبر 2024 وسط الحرب المستمرة بين إسرائيل و«حزب الله» (أ.ف.ب)
TT

في جنوب لبنان... قوات حفظ السلام بين فكي كماشة

مركبات مدرعة تابعة لقوات الأمم المتحدة المؤقتة (يونيفيل) بدورية بمنطقة مرجعيون جنوب لبنان 24 أكتوبر 2024 وسط الحرب المستمرة بين إسرائيل و«حزب الله» (أ.ف.ب)
مركبات مدرعة تابعة لقوات الأمم المتحدة المؤقتة (يونيفيل) بدورية بمنطقة مرجعيون جنوب لبنان 24 أكتوبر 2024 وسط الحرب المستمرة بين إسرائيل و«حزب الله» (أ.ف.ب)

خلال انعقاد المؤتمر الدولي الموسع حول لبنان في باريس، الخميس 24 أكتوبر (تشرين الأول)، بمبادرة من فرنسا، كانت مسألة إعادة النظر في تفويض قوات حفظ السلام التابعة لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) والتي يبلغ قوامها نحو 10 آلاف جندي، إحدى القضايا الرئيسية في المؤتمر. فمنذ بدء الهجوم الإسرائيلي على جنوب البلاد في 23 سبتمبر (أيلول)، لم تعد قوات «يونيفيل» قادرة عملياً على ممارسة تفويضها، كما أنها تتعرض بشكل متزايد لتجاوزات الصراع بين الجيش الإسرائيلي و«حزب الله»، حسب تقرير الخميس لصحيفة «لوموند» الفرنسية.

وقد كرر وزراء دفاع الدول الأوروبية الخمس عشرة المشاركة بقوات في «يونيفيل»، في بيان مشترك صدر في أكتوبر، «قلقهم العميق» إزاء تصاعد العنف على طول الخط الأزرق الذي من المفترض أن يحميه الخوذ الزرقاء (قوات يونيفيل) من الأعمال العدائية منذ صدور التفويض خلال الحرب الأخيرة في لبنان عام 2006.

وأدانت بشكل خاص فرنسا وألمانيا واليونان والمجر أو حتى هولندا وبولندا التعرّض لقوات «يونيفيل»: «نحن ندين استهداف قوات حفظ السلام التابعة لـ(يونيفيل) في انتهاك للمبادئ الأساسية للقانون الدولي».

التعرّض لإطلاق النار

وفي 16 أكتوبر، ضربت دبابة ميركافا تابعة للجيش الإسرائيلي برج مراقبة لموقع قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان بالقرب من بلدة كفركلا. وقالت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان في بيان، إن كاميرتين دُمرتا ولحقت أضرار ببرج المراقبة. وقبل ذلك بيومين، كانت قوات «يونيفيل» قد نددت بالدخول «القوي» لدبابتين إسرائيليتين إلى أحد مواقعها؛ ما أدى إلى إصابة شخصين. حادث بسيط، بحسب الجيش الإسرائيلي، أدى إلى انسحاب دبابتين وقت الحادث، من أجل «إخلاء الجنود الجرحى، أثناء تعرضهم لنيران العدو». ولكن في 11 أكتوبر، أصيب اثنان من قوات حفظ السلام بعد إطلاق النار من قِبل الجيش الإسرائيلي على مقربة من برج المراقبة الخاص بهم.

وفي هذه المساحة الضيقة للغاية في جنوب لبنان «تقع قوات (يونيفيل) اليوم في منتصف نطاق الرماية»، كما يلخص أحد المراقبين المتمرسين. قرب قوات «يونيفيل» المباشر من القتال، يشل اليوم نشاط أصحاب الخوذ الزرقاء.

جنود حفظ السلام التابعون لـ«يونيفيل» يقومون بدورية بالقرب من نقطة تفتيش للجيش اللبناني ببلدة برج رحال في قضاء صور بالجنوب 24 أكتوبر 2024 (إ.ب.أ)

تقول أميلي فيري، المتخصصة في الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني والباحثة في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية: «حتى قيام قوات (يونيفيل) بدورهم كرجال إطفاء، لتنظيف الطرق، ووقف الحرائق، وإنقاذ الناس من تحت الأنقاض، أو حتى تقديم المساعدات الإنسانية، أصبح معقداً للغاية».

ويؤكد العقيد كريستوف مورين، قائد القوات الفرنسية في الموقع: «نحن نقوم بتحركاتنا بطريقة أكثر تقييداً مما كانت عليه قبل 23 سبتمبر. الأوضاع متدهورة، لكننا مستمرون في الخروج (بمهمات) كل يوم».

ويمارس الجيش الإسرائيلي ضغوطاً ولا يزال يطالب برحيل قوات «يونيفيل». وتقول الباحثة فيري «إن وجود قوات (يونيفيل)... يعيق ويعقّد ويؤخر التقدم العسكري الإسرائيلي». وتضيف: «إحدى المهام الأخرى لـ(يونيفيل) هي تقديم تقرير للأمم المتحدة عما يحدث على الخط الأزرق، لكن الإسرائيليين لا يريدون جيشاً يراقبهم أيضاً».

قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) على طول الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل كما شوهدت من إسرائيل الخميس 6 يوليو 2023 (أ.ب)

استغلال «يونيفيل»

ومن ناحية «حزب الله»، الذي يظل قوات غير نظامية لا تعمل بالضرورة بشكل علني، فالحزب يستغل بانتظام مواقع قوات «يونيفيل»، كما تتفق الكثير من المصادر، بحسب تقرير «لوموند».

وفي منتصف أكتوبر، نظم الجيش الإسرائيلي جولة صحافية لإظهار الكثير من الأنفاق التي حفرها «حزب الله» بالقرب من موقع لـ«يونيفيل». وتم اكتشاف مخبأ مماثل لمئات أخرى عدة من المخابئ في الأسابيع الأخيرة في منطقة عمل «يونيفيل»، بحسب الجيش الإسرائيلي.

«في كثير من الأحيان، بعد فترات التوتر بين الإسرائيليين و(حزب الله) في المنطقة الواقعة تحت ولاية (يونيفيل)، يمكننا أن نشهد دخول وذهاب الشاحنات التي أرسلها (حزب الله) لإعادة بناء البنية التحتية المدمرة والإخلاء من الأنفاق...»، يقول ضابط سابق يعمل في «يونيفيل».

وتضيف السيدة فيري: «إن هذا الوضع يغذي فكرة لدى جزء من المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بأن (يونيفيل) تراقب ما تفعله إسرائيل أكثر بكثير مما يقوم به (حزب الله)». وتابعت «فكرة أن (يونيفيل) راضية على الأقل عن (حزب الله)، هي الطريقة التي تنظر بها إسرائيل إلى الأمور... لكن انتشار قوات (يونيفيل) لا يتم بشكل عشوائي، فهو مصمم أيضاً على أساس محاور ومفترقات طرق رئيسية، بجوار القرى الحساسة التي تتوافق بالضرورة أيضاً مع أهداف الجيش الإسرائيلي»، يوضح أحد المطلعين الجيدين على الملف.

التحدي الأكبر، في السياق الحالي، أمام الجنود المشاركين في قوات «يونيفيل»، هو تجنب ما يعدّه عدد معين من المراقبين سيناريو كارثياً. وهذا يعني الوضع الذي سيتم فيه استهداف موقع قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان ومكان الرد عليه، حسب تقرير «لوموند».

لدى الجيش الإسرائيلي إجراءات، فهو معتاد على تفادي الاشتباك، لكن إذا كان هناك هدف صحيح تم تحديده، وكان بالقرب من موقع تسيطر عليه قوات «يونيفيل»، فلن تفكر (إسرائيل) مرتين. وإذا رأت إسرائيل أن هناك خطراً على قواتها، فسوف تقوم أولاً بتقييم المخاطر التي تواجهها، يقول المصدر نفسه المطلع على الملف.

أفراد من الكتيبة الفرنسية التابعة لقوات الأمم المتحدة المؤقتة (يونيفيل) أثناء زيارة وزير القوات المسلحة الفرنسي إلى قرية دير كيفا في جنوب لبنان 2 نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)

سياسة التجنّب

وتستخدم قوات «يونيفيل»في الوقت الحالي «التجنب» طريقةً رئيسية في التعامل مع الوضع. «مهمتنا هي عدم إلقاء أنفسنا في وسط القتال»، يؤكد العقيد مورين، مذكراً بأن «يونيفيل» ليس لها الحق في استخدام القوة.

إن قوة «يونيفيل» ليست مصممة لمنع إسرائيل من دخول لبنان أو للحد من التصعيد بين المعسكرين. «إنه ليس جداراً»، يقول العقيد ميشيل غويا، مؤلف الكثير من الكتابات حول الشرق الأوسط.

أحد الحلول التي يسعى إليها حالياً عدد من الدول المساهمة في «يونيفيل»، بما يتجاوز تطور تفويض قوة الأمم المتحدة، هو تعزيز قدرات الجيش اللبناني، الذي يواجه منذ فترة طويلة مشاكل نقص المعدات والتدريب والتجنيد.

وأوضح مصدر في الإليزيه، الأربعاء، أن «السؤال الذي يطرح نفسه هو انتشار أكثر فاعلية وأوسع للقوات المسلحة اللبنانية جنوب نهر الليطاني، وهي المنطقة التي أصبحت اليوم هدفاً للتوغلات والضربات من الجانب الإسرائيلي». ولتحقيق ذلك؛ من المتصور بشكل خاص اتخاذ تدابير لتوفير المعدات العسكرية للجيش اللبناني.


مقالات ذات صلة

جلسة البرلمان اللبناني تعيد الاصطفافات... «حزب الله» و«الوطني الحر» في خندق واحد

المشرق العربي رئيس البرلمان نبيه بري يترأس جلسة البرلمان التي عقدت بمشاركة رئيس الحكومة نواف سلام والوزراء (الشرق الأوسط)

جلسة البرلمان اللبناني تعيد الاصطفافات... «حزب الله» و«الوطني الحر» في خندق واحد

أعادت الجلسات التشريعية التي عقدها مجلس النواب اللبناني يومي الثلاثاء والأربعاء فرز الاصطفافات السياسية داخل البرلمان.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة نواف سلام يتوسط وزير المال ياسين جابر ووزير الاقتصاد عامر البساط خلال الجلسة التشريعية بمجلس النواب (إعلام البرلمان)

لبنان يعدّل قانون المصارف المعلّق على تشريعات معالجة «الفجوة»

قضت التسوية التي اعتُمدت في إقرار «التعديلات»، وفق مسؤول مالي معني، بضرورة «مسايرة» تعليمات «صندوق النقد»، وحفظ الاستجابة لهواجس السلطة النقدية...

علي زين الدين (بيروت)
المشرق العربي جلسة للبرلمان اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)

البرلمان اللبناني يقرّ قانوناً للعفو العام

أقرّ البرلمان اللبناني، الأربعاء، قانوناً للعفو العام طال انتظاره ويُفترَض أن يستفيد منه تباعاً آلاف من المحكومين والموقوفين والمطلوبين

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي حرائق جراء قصف إسرائيلي في كفرشوبا (أ.ف.ب)

رجال إطفاء لبنانيون: إسرائيل تتعمد إشعال حرائق في جنوب البلاد

يتهم رجال إطفاء وسكان في جنوب لبنان، الجيش الإسرائيلي بإشعال حرائق في المنطقة، حيث التهمت النيران مساحات كبيرة جراء القصف الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (لندن )
المشرق العربي سفير الولايات المتحدة لدى الجمهورية اللبنانية ميشال عيسى يقدم أوراق اعتماده إلى الرئيس جوزيف عون عام 2025 (إكس)

السفير الأميركي: متفائل بأن تسهم المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في حلحلة أوضاع المنطقة

أعرب السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى، في تصريح له اليوم عن تفاؤله أن تساعد المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية على حلحلة الأمور في لبنان والمنطقة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن- بيروت)

جلسة البرلمان اللبناني تعيد الاصطفافات... «حزب الله» و«الوطني الحر» في خندق واحد

رئيس البرلمان نبيه بري يترأس جلسة البرلمان التي عقدت بمشاركة رئيس الحكومة نواف سلام والوزراء (الشرق الأوسط)
رئيس البرلمان نبيه بري يترأس جلسة البرلمان التي عقدت بمشاركة رئيس الحكومة نواف سلام والوزراء (الشرق الأوسط)
TT

جلسة البرلمان اللبناني تعيد الاصطفافات... «حزب الله» و«الوطني الحر» في خندق واحد

رئيس البرلمان نبيه بري يترأس جلسة البرلمان التي عقدت بمشاركة رئيس الحكومة نواف سلام والوزراء (الشرق الأوسط)
رئيس البرلمان نبيه بري يترأس جلسة البرلمان التي عقدت بمشاركة رئيس الحكومة نواف سلام والوزراء (الشرق الأوسط)

أعادت الجلسات التشريعية التي عقدها مجلس النواب اللبناني يومي الثلاثاء والأربعاء فرز الاصطفافات السياسية داخل البرلمان، حيث برزت إلى الواجهة تقاطعات قديمة جديدة.

وبين قوانين إلغاء عقوبة الإعدام، والعفو العام، وتعديل قانون إصلاح وضع المصارف، اصطف «حزب الله» و«التيار الوطني الحر» في الخندق نفسه، سواء في رفض التصويت على قانوني الإعدام، والعفو العام، أو في مواجهة رئيس الحكومة نواف سلام على خلفية الإشكال الذي سجل مع وزير الدفاع ميشال منسى.

وفيما أقر المجلس الثلاثاء قانون إلغاء عقوبة الإعدام بموافقة معظم الكتل، عارضه «حزب الله»، و«التيار الوطني الحر».

وفي اليوم التالي، الأربعاء، أقر قانون العفو العام، لكن بعد انسحاب نواب الكتلتين من الجلسة احتجاجاً على -ما قالوا إنه- عدم السماح لوزير الدفاع بدخول القاعة، وتلاوة كلمة أعدها حول القانون، فيما غادر منسى المجلس لليوم الثاني.

حملة مشتركة على رئيس الحكومة

لم يكن اللافت فقط أن «حزب الله» والتيار اتخذا موقفاً متشابهاً من مضمون القانونين، بل إن التقاطع امتد إلى قضية صلاحيات وزير الدفاع، ومنها انطلقت حملة مشتركة على رئيس الحكومة.

وكان سلام قد رد الثلاثاء على الجدل، نافياً أن يكون قد طلب من منسى عدم حضور الجلسة، موضحاً أنه أبلغه بأنه سيتحدث باسم الحكومة عند طرح قانون العفو، «فلا يكون من داعٍ لأي كلام آخر»، مستنداً إلى المادة 64 من الدستور التي تنص على أن رئيس مجلس الوزراء «هو رئيس الحكومة يمثلها، ويتكلم باسمها».

رئيس الحكومة نواف سلام محاطاً بعدد من النواب (الشرق الأوسط)

وأكد سلام أنهما يعملان وفق قاعدة التضامن الوزاري، مضيفاً: «نحن مش 24 حكومة».

كما شدد على أن موقف قيادة الجيش من القانون سبق أن عُرض أمام اللجان النيابية عبر وزير الدفاع، الذي قدم مذكرة خطية «حسب الأصول، وبموافقتي».

ورفض سلام أي مزايدة في موضوع الحرص على المؤسسة العسكرية، وشهدائها، مؤكداً أن حكومته عملت على دعم الجيش، وتجهيزه، ورفع رواتب العسكريين، والحفاظ على معنوياتهم. لكنه شدد في المقابل على أنه لا يريد أن يُفهم موقفه على أنه وضع الحكومة في مواجهة أي طرف لبناني.

واختصر موقفه من العفو بالقول: «العدالة، فالعدالة، فالعدالة»، مؤكداً أن الكلمة الفصل لمجلس النواب.

إلا أن هذا التفسير لم ينهِ الاعتراض. إذ وبعدما كان رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل اتهم الثلاثاء رئيس الحكومة بمخالفة الدستور «رافضاً القبول بتكريس سابقة»، عاد نواب «الوطني الحر» وانسحبوا من جلسة الأربعاء خلال مناقشة قانون العفو العام، وقال النائب سليم عون إن الانسحاب جاء «لعدم تسجيل على أنفسنا حصول هكذا مخالفة بوجودنا».

رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام عند مدخل مقر البرلمان (الشرق الأوسط)

ومن جهته، قال النائب إبراهيم الموسوي إن نواب «حزب الله» انسحبوا للأسباب نفسها التي انسحب من أجلها نواب «التيار»، معتبراً أنه «لا يجوز لأحد أن يمنع وزيراً من الإدلاء برأيه».

لكن نواب «حزب الله» عادوا وشاركوا في الجزء الثاني من الجلسة، وصوتوا مع «قانون المصارف» على خلاف «التيار الوطني الحر» الذي رفضه.

حايك: لا تحالف ولا اتفاق مع «حزب الله»

ورغم التقارب الذي سجل في الجلسة، أكد نائب رئيس «التيار الوطني الحر» ناجي حايك، أنه «لا تحالف ولا اتفاق مع (حزب الله)»، مشيراً إلى أنه «قد يحصل تقاطع في المواقف، وفي مقاربة بعض القضايا بين الطرفين ليس أكثر».

وشدد حايك على أن موقف «التيار» أتى انطلاقاً من «رفض إطلاق سراح قاتلي الجيش اللبناني»، لافتاً إلى أنه «رغم إقرارنا وعلمنا بوجود مئات المظلومين في السجون، وقضاء يتحمل مسؤولية عدم محاكماتهم، ولا نرضى به، إنما موضوع الجيش مقدس بالنسبة إلينا».

كذلك، أعرب حايك عن تقديره لما يقوم به رئيس الحكومة نواف سلام تجاه «حزب الله»، معتبراً أنه «الوحيد الذي يقف اليوم في مواجهة الحزب على عكس الحكومات السابقة».

رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل متحدثاً بعد خروج كتلته من الجلسة (الوكالة الوطنية للإعلام)

بري و«القوات» و«الكتائب» و«الاشتراكي» في مواقع مختلفة

في المقابل، لم يصطف رئيس مجلس النواب نبيه بري مع حليفه «حزب الله» في هذه المعركة. وبعد لقاء جمعه بسلام ووزير الدفاع صباح الأربعاء نقلت قناة «إم تي في» عنه قوله: «إنه لا ضرورة لكلمة وزير الدفاع».

كما اتخذت كتلة «التنمية والتحرير» إلى جانب «الحزب التقدمي الاشتراكي» و«القوات اللبنانية» و«حزب الكتائب اللبنانية» موقفاً داعماً للقوانين الثلاثة. وفيما اعتبر رئيس «الكتائب» النائب سامي الجميل أن «إلغاء الإعدام خطوة تشكّل محطة بارزة في مسار تعزيز حقوق الإنسان، وصون الكرامة الإنسانية، والحق في الحياة»، رافضاً تحويل النقاش في العفو العام إلى سجال طائفي، رأى رئيس «القوات» سمير جعجع أن إلغاء الإعدام «خطوة مهمة جداً» على الصعيدين: الإنساني، وصورة لبنان في العالم، معلناً دعمه لقانون العفو العام.

من جهته، قال عضو كتلة «الاشتراكي» النائب بلال عبد الله: «مع إقرار العفو العام نطوي صفحة سياسية كان فيها مكون لبناني (في إشارة إلى الطائفة السنية) مستهدفاً من نظام، وأجهزة أمنية، والمحكمة العسكرية»، وشكر «رئيس مجلس النواب على رعايته التوافق بالتنسيق مع رئيس الحكومة»، كما شكر «القوات اللبنانية» على موقفها، ونوه بدور نائب رئيس المجلس إلياس أبو صعب.


لبنان يعدّل قانون المصارف المعلّق على تشريعات معالجة «الفجوة»

رئيس الحكومة نواف سلام يتوسط وزير المال ياسين جابر ووزير الاقتصاد عامر البساط خلال الجلسة التشريعية بمجلس النواب (إعلام البرلمان)
رئيس الحكومة نواف سلام يتوسط وزير المال ياسين جابر ووزير الاقتصاد عامر البساط خلال الجلسة التشريعية بمجلس النواب (إعلام البرلمان)
TT

لبنان يعدّل قانون المصارف المعلّق على تشريعات معالجة «الفجوة»

رئيس الحكومة نواف سلام يتوسط وزير المال ياسين جابر ووزير الاقتصاد عامر البساط خلال الجلسة التشريعية بمجلس النواب (إعلام البرلمان)
رئيس الحكومة نواف سلام يتوسط وزير المال ياسين جابر ووزير الاقتصاد عامر البساط خلال الجلسة التشريعية بمجلس النواب (إعلام البرلمان)

لم تسلم مصادقة الهيئة العامة لمجلس النواب اللبناني على تعديلات القانون المتعلق بإصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها، بعد سنة على إقراره، من «اللمسات الأخيرة» لفريق «صندوق النقد الدولي» المعني بلبنان، الذي اشترط بالأسبقية إعادة النظر في كثير من المواد والصياغات التي تُفضي إلى تحجيم نسبي لصلاحيات «حاكمية البنك المركزي» واستقلاليتها، لقاء منح صلاحيات واسعة لـ«الهيئة المصرفية العليا» التي ستعنى بمعالجة البنوك المتعثرة أو المعرضة للتعثر، فضلاً عن إطاحة ملاحظات «جمعية المصارف».

وقضت التسوية التي اعتُمدت في إقرار التعديلات، وفق مسؤول مالي معني، بضرورة «مسايرة» تعليمات المؤسسة المالية الدولية من جهة، وحفظ الاستجابة لهواجس السلطة النقدية من جهة موازية، على أن تُجرى المعالجة الشاملة ضمن مندرجات «مشروع قانون إعادة الانتظام المالي واسترداد الودائع»، جراء ربط سريان «قانون المصارف» بإقراره لاحقاً، بعد إنجاز الصيغة النهائية التي يتولاها الفريق الاقتصادي الحكومي، بالتنسيق مع «حاكمية البنك المركزي».

تعديلات واردة من «صندوق النقد»

وفي الترجمة التشريعية، أُقرّت الصياغة التي أعدتها لجنة المال والموازنة، «مع الأخذ ببعض التعديلات التي اقترحها وزير المالية» ياسين جابر، والواردة من «الصندوق» بواسطة البريد الإلكتروني، لتبرز في المقابل ملاحظة رئيس لجنة المال والموازنة النيابية، إبراهيم كنعان، قبيل التصويت على التعديلات، لا سيما إشارته إلى أن «تكرار طلب (صندوق النقد) إدخال تعديلات على القوانين يطرح علامات استفهام بشأن أسباب تباطؤ (الصندوق) في توقيع اتفاق مع لبنان»، مستنتجاً أن «الأسباب قد لا تكون مرتبطة بالإصلاحات».

وأكد أن الأولوية هي حفظ حقوق الناس قبل الدخول في توزيع الأعباء؛ وبالتالي، «لا يمكن الدخول في قانون استرداد الودائع من دون ضمان حق الناس ومعرفة الإمكانات والقدرة على التطبيق»، مشيراً إلى وجوب إجراء الحكومة تدقيقاً في موجودات المصارف والخارج وموجودات الدولة؛ بهدف معرفة الإمكانات الفعلية.

وعدّ وزير المال، ياسين جابر، إقرار «تعديلات قانون إصلاح وضع المصارف» خطوة أساسية على مسار معالجة الأزمة المصرفية، ويأتي استكمالاً لـ«قانون رفع السرية المصرفية» ضمن سلسلة إصلاحات تشريعية مترابطة، مؤكداً أن «هذا القانون يضع إطاراً أكثر صلابة لتنظيم القطاع المصرفي، لكنه ليس خطوة منفصلة، بل هو جزء من حزمة إصلاحات متكاملة لا تكتمل إلا بإقرار القوانين المرتبطة بها».

مجلس النواب اللبناني منعقداً في جلسة تشريعية الأربعاء (إعلام البرلمان)

تأجيل لأسباب سياسية

وليس من المرتقب، وفق المسؤول المالي، الإنجاز الوشيك لـ«مشروع قانون الانتظام المالي»، الذي يفترض أن يحدد حجم الفجوة المالية وتوزيع أثقالها بين رباعي: الدولة، و«المركزي»، والبنوك، والمودعين، بل تنحو التقديرات؛ في أوساط وزارية ومصرفية، إلى تأجيل إضافي يرجح أن يتعدى بأشهر، وليس بأسابيع، نهاية العام الحالي؛ لأسباب سياسية وقطاعية وتقنية، نظير التباعد الصريح بين مقاربات «الصندوق» التي تلقى استجابة الحكومة، ومواقف مكونات القطاع المالي المولج الخطط التنفيذية، لا سيما «البنك المركزي» والبنوك.

وتلتزم الاقتراحات الحكومية عموماً توصية «صندوق النقد» التي تشترط استخدام الأموال العامة بأدنى الحدود في معالجة الخسائر المحققة، والاكتفاء بالنظر في تمويل جزئي لسد العجز في ميزانية «البنك المركزي»، بما يتطابق ضمناً مع استهداف القانون «تعزيز الاستقرار المالي ومعالجة حالات التعثر، وحماية الودائع في عملية التصفية والإصلاح، والحدّ من استخدام الأموال العامّة في عمليّة إصلاح أيّ مصرف متعثّر».

حاكم «المركزي»

وفي المقابل، يصر حاكم «المصرف المركزي»، كريم سعيد، على إشهار معادلة أن «الاعتراف الرسمي بالطبيعة النظامية لهذه الأزمة، سواء من قبل (مصرف لبنان) أو من قبل (صندوق النقد)، لا يبرّئ أحداً من المسؤولية»، واستتباعاً، فإن «الدولة و(مصرف لبنان) والمصارف التجارية تتحمل جميعها حصصاً متفاوتة من المسؤولية، كلٌّ بحسب دوره ومساهمته في نشوء الأزمة».

لذلك؛ تُوازن السلطة النقدية موقفها بتقدير ما يتيحه الإطار النظامي لهذه الأزمة، خصوصاً لجهة توفير «أساس عادل لتوزيع الأعباء»، بما يضمن ألا تقع تكلفة المعالجة بالكامل على المودعين، وهم في الوقت نفسه الطرف الأقل مسؤولية عن الأزمة والأكبر تضرراً من نتائجها، وفق تأكيدات الحاكم.


«العدل السورية»: لجنة للتواصل مع «الإنتربول» لتسلم رموز النظام

احتفال السوريين خارج المسجد العمري بدرعا الموقع الذي بدأت فيه الثورة السورية عام 2011 وذلك عقب صدور حكم قضائي سوري بإعدام عاطف نجيب المسؤول عن حملة القمع بالمدينة (د.ب.أ)
احتفال السوريين خارج المسجد العمري بدرعا الموقع الذي بدأت فيه الثورة السورية عام 2011 وذلك عقب صدور حكم قضائي سوري بإعدام عاطف نجيب المسؤول عن حملة القمع بالمدينة (د.ب.أ)
TT

«العدل السورية»: لجنة للتواصل مع «الإنتربول» لتسلم رموز النظام

احتفال السوريين خارج المسجد العمري بدرعا الموقع الذي بدأت فيه الثورة السورية عام 2011 وذلك عقب صدور حكم قضائي سوري بإعدام عاطف نجيب المسؤول عن حملة القمع بالمدينة (د.ب.أ)
احتفال السوريين خارج المسجد العمري بدرعا الموقع الذي بدأت فيه الثورة السورية عام 2011 وذلك عقب صدور حكم قضائي سوري بإعدام عاطف نجيب المسؤول عن حملة القمع بالمدينة (د.ب.أ)

كشف معاون وزير العدل السوري، مصطفى القاسم، عن تشكيل لجنة لتسليم المجرمين الذين صدرت بحقهم أحكام قضائية بالإعدام (غيابياً)، الثلاثاء، مهمتها التواصل مع مكتب الإنتربول الدولي بغية تسليمهم لسوريا، في حين ردت وزارة العدل على تصريحات «منظمة العفو الدولية» بشأن الأحكام القضائية الصادرة، الثلاثاء، بحق بشار الأسد وأركان من نظامه، مؤكدة أن ما ورد في بيانها «لا يعكس بدقة طبيعة الإجراءات القضائية التي اتُبعت في هذه القضايا، ولا الضمانات التي كفلها القانون السوري للمتقاضين».

بشار الأسد يمين وشقيقه ماهر الأسد يقفان خلال جنازة والدهما الرئيس السابق حافظ الأسد في دمشق 13 يونيو 2000 (أ.ب)

وأصدر القضاء السوري، الثلاثاء، أحكاماً بالإعدام بحق الرئيس المخلوع بشار الأسد وعدد من أركان حكمه، بينهم المسؤول الأمني السابق عاطف نجيب، في قرارات هي الأولى من نوعها منذ إطاحة الحكم السابق أواخر عام 2024. وفور النطق بالحكم، علت الهتافات في المحكمة وفي أروقة القصر العدلي وفي محيطه.

وقال معاون وزير العدل السوري، مصطفى القاسم، في تصريحات لـ«الإخبارية»، الأربعاء: «إننا أسسنا مكاتب لتلقي الشكاوى فيما يخص جرائم العدالة الانتقالية، ونسعى إلى استعادة أموال السوريين المنهوبة وملاحقة مستثمريها خارج البلاد»، مشدداً على أن التعاون الدولي مع سوريا يسرّع في إنهاء ملف العدالة من خلال تعاون الدول في تسليم المجرمين الذين فروا إليها.

وأوضح أن وزارة العدل تسعى إلى تحقيق أعلى أنواع التوافق بين القضاء السوري والمعايير الدولية للمحاكمات، مؤكداً مبدأ السيادة السورية الوطنية في إطار العدالة الانتقالية.

في الأثناء، ردت وزارة العدل السورية على تصريحات «منظمة العفو الدولية» بشأن الأحكام القضائية الصادرة الثلاثاء، مؤكدة أن ما ورد في التصريح لا يعكس بدقة طبيعة الإجراءات القضائية التي اتُبعت في هذه القضايا، ولا الضمانات التي كفلها القانون السوري للمتقاضين.

صورة حمزة الخطيب وطفل آخر ممن قضوا بدرعا عام 2011 في محاكمة عاطف نجيب 26 أبريل 2026 (سانا)

وقالت المنظمة في بيان: «إنه لكي تطوي الحكومة حقاً صفحة أهوال الماضي، ينبغي لها إلغاء المحاكمات الغيابية، وإلغاء استخدام عقوبة الإعدام، وتجريم الجرائم الأساسية التي يشملها القانون الدولي في التشريعات الوطنية، وإجراء إصلاح قضائي شامل بما يضمن أن تحترم جميع الإجراءات القضائية ضمانات المحاكمة العادلة والقانون الدولي والمعايير الدولية بشكل كامل».

وأضافت أنه ينبغي أن تُجرى هذه الملاحقات «أمام محاكم مدنية عادية، بمشاركة الضحايا ومن دون اللجوء إلى عقوبة الإعدام، وأن تندرج ضمن استراتيجية شاملة تتمحور حول الضحايا وتُنفَّذ على مستوى البلاد بأسرها، بما يكفل كشف الحقيقة وتحقيق العدالة وجبر الضرر».

الوزارة، من جهتها، أوضحت، في بيان نشرته عبر معرفاتها الرسمية، أن المحاكمات جرت أمام محكمة جنائية مدنية مختصة، وعلى أيدي قضاة مؤهلين، وبمشاركة الضحايا وممثليهم وفق الأصول القانونية، مع مراعاة الضمانات الدستورية والقانونية والقواعد والمبادئ ذات الصلة في القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي بمنطقة درعا خلال حكم بشار الأسد في قفص الاتهام خلال جلسة محاكمة بقصر العدل في دمشق (أ.ب)

وأشارت إلى أن المحاكمات استندت إلى وقائع وأدلة وملفات قضائية، مع كفالة حقوق الدفاع وسبل الطعن والاعتراض وفق الأصول النافذة.

وأكدت الوزارة، أن طبيعة المرحلة التي تمر بها سوريا وما خلّفته سنوات طويلة من الجرائم والانتهاكات، تفرض على الدولة مسؤولية قانونية وأخلاقية في تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عنها، دون أن يعني ذلك تجاوز الضمانات الدستورية والقانونية أو الانتقاص من حقوق أي من أطراف الدعوى.

وشددت على أن تحقيق العدالة في هذه القضايا يجري ضمن مؤسسات الدولة واختصاصاتها،«بما يحفظ حق الضحايا في الإنصاف وحق المتهمين في المحاكمة وفق القانون بعيداً عن الانتقام أو التسييس».

وفيما يتعلق بعقوبة الإعدام، أوضحت الوزارة أن عقوبة مقررة في القانون السوري، ولا تُفرَض إلا بحكم قضائي يستند إلى القانون والأدلة والوقائع، وتخضع إجراءات تنفيذها للضمانات والضوابط القانونية المقررة، ولا تُنفذ إلا بعد استكمال المراحل والإجراءات التي يحددها القانون والجهات المختصة.

سوريون يوزّعون الحلويات خارج المسجد العمري في درعا البلد احتفالاً بالحكم على عاطف نجيب رجل أمن الأسد الذي ارتكب جرائم بحق الأهالي (د.ب.أ)

كما أكدت أن المحاكمات الغيابية، متى أجازها القانون وتوافرت شروطها، لا تعني بذاتها انتفاء ضمانات العدالة أو مشروعية الإجراءات.

وجددت وزارة العدل تأكيد انفتاحها على الحوار مع المنظمات الحقوقية الدولية، واستعدادها للاستماع إلى الملاحظات التي تسهم في تطوير منظومة العدالة، مع التأكيد أن تقييم الإجراءات القضائية والفصل في الدعاوى وتحديد المسؤوليات والعقوبات يبقى من اختصاص القضاء السوري، الذي يمارس ولايته وفق الدستور والقانون، وبما يكفل حقوق جميع أطراف الدعوى ويصون حق الضحايا في العدالة.

وفي تصريح للإخبارية أكد وزير العدل مظهر الويس، الثلاثاء، أن الحكم بحق عاطف نجيب صدر باسم الشعب السوري كاملاً، مشدداً على أن الحكم يؤكد عدم وجود أحد فوق القانون مهما كانت صفته أو منصبه، وأن الحق مهما طال الزمان سيعود إلى أهله، ولن يضيع حق وراءه أحد يطلبه.