علوية صبح: أعيش الحرب تحت عناوين مختلفة وشعارات متبدلة

الروائية اللبنانية تقول إن كتابتها تعلي من صوت النساء

 علوية صبح
علوية صبح
TT

علوية صبح: أعيش الحرب تحت عناوين مختلفة وشعارات متبدلة

 علوية صبح
علوية صبح

حظيت الكاتبة اللبنانية علوية صبح بألقاب كثيرة، منها «شهرزاد الرواية» و«كاتبة المرأة» و«مريم الحكايا»، في إشارة إلى تميز نصوصها بالاشتغال على عوالم النساء داخلياً واجتماعياً في سياق إنساني عام ومتغيرات عابرة للجنسين. حصدت جوائز عديدة منها جائزتا «السلطان قابوس للإبداع» و«العويس الثقافية»، وأطلقت جامعة «عبد المالك السعدي» المغربية اسمها على جائزتها السنوية المخصصة للنقد الأدبي.

هنا حوار معها حول روايتها الجديدة «افرح يا قلبي» وهموم الكتابة، وكيف تعيش مناخ الحرب التي لا تزال تطحن لبنان:

>عنوان روايتك «افرح يا قلبي» التي صدرت منها طبعة مصرية مؤخراً، يحيل إلى أغنية شهيرة لأم كلثوم. ألم تتخوّفي من أن العناوين الأدبية والفكرية المأخوذة من كلمات أغانٍ باتت ظاهرة مستهلكة؟

- ولمَ أتخوّف؟ ليس من عنوان يليق بالرواية سواه. هو غير منفصل عن «ثيمة» الرواية، فالبطل «غسان» عازف موسيقي على العود، تربّى على الطرب العربي والتراثي. ثم إن الأغنية تربط الحب بالفرح عنده، وليس العذاب والنواح كما في الأغاني الموروثة. والقرّاء والكتّاب والنقّاد أحبوا العنوان كثيراً.

> ما معايير اختيارك لعناوينك الأدبية؟

- هو باب مفتوح للدخول إلى عالم مجهول للقارئ. لا أميل إلى العناوين أو النهايات المغلقة وأبتعد عن الشاعرية أو التعقيد في اختيار العناوين.

> يبدو أن روايتك «أن تعشق الحياة» تعكس استلهاماً فنياً لتجربتك الشخصية مع المرض، كيف ترين الأمر، وإلى أي حدّ تطلّ سيرتك الذاتية في أعمالك؟

- نعم. لم أستلهم أو أوظّف في الرواية سوى المرض العصبي الماكر والمؤلم الذي أصابني. تخيّلت أنه أصاب البطلة «بسمة»، وتجلّت إرادتي وحب الحياة في مواجهة المرض وخيبات الحروب والحب. وبدا في الرواية أن مرضنا هو وجه من وجوه مرض الأوطان العربية التي شهدت حروباً أهلية مدمّرة. وشعرت أن المدن تشبه ناسها وحكاياهم من حكاياها. لكنّ قدرة التخييل عند الروائي هي الإيهام بالحقيقة أو الواقع. والغريب أنه منذ شفيت «بسمة» في آخر الرواية لم أعد أصدّق أنني ما أزال مريضة. أشعر أنني «بسمة» وأن حياتي صارت حيوات أبطال رواياتي التي عشتها. لا تحمل أي رواية أصدرتها سيرة حياتي، وإنما يحدث أن يتسلّل بعض من تجربتي أو أحاسيسي في الحياة.

> لو كتبت سيرتك الذاتية، فهل ستأتي متحفّظة أو ستكون مطلقة الحرية على غرار كتابات الغرب في هذا السياق؟

- قيمة السيرة الذاتية في جرأتها وحقيقيّتها وكونها كاشفة وبعيدة عن صورة تجميل الذات أو إخفاء ما يجب أن يعرفه القارئ عن الكاتب وعن حياته وأفكاره. أنا لا أخاف من شيء، ولا أمارس أي رقابة ذاتية على كتاباتي. وما أكتبه بين الحين والآخر من سيرتي، سيشهد على صدقي حين أنتهي منها ذات يوم.

> تبدو الحرب قاسماً مشتركاً يهيمن على نصوصك؟

- منذ مطلع شبابي وأنا أعيشها بعناوين مختلفة، وهل في ذاكرتي غيرها؟ إننا في لبنان ما زلنا مكبّلين ومأسورين بالحروب القذرة تحت شعارات تتبدّل بين مرحلة وأخرى ولا تحصد سوى الدمار والخراب والخيبات للبشر وحيواتهم. لكنني ما كتبت رواية حتى الآن تحت شعارات وسقوف آيديولوجية. كنت دائماً معنية بتحوّلات المجتمع وحيوات البشر، عن الحب والموت والصداقة والفقدان والأمومة وغيرها من القضايا الإنسانية المتشابكة. فتحتُ الرواية على الحياة والبوح الحقيقي ومساءلة كل ما يكبّل ويهدم إنسانية المرأة والإنسان البسيط عموماً. والقضايا التي أثارتها رواياتي لامست قرّاءً عرباً وليس فقط من عاشوا الحروب. معنى الأدب وقيمته مهما كان موضوعه إنساني بحت.

>سؤال الهوية وقلقها يتجلّى هاجساً ضاغطاً في العديد من أعمالك، ما السبب؟

- صحيح أنني تناولته عند بعض شخصيات رواياتي، لكنه يشكّل محور روايتي الأخيرة «افرح يا قلبي»؛ حيث الأب القومي الناصري المستبدّ والماجن، والصراع بين الإخوة إلى حدّ قتل الأخ المتطرّف الإرهابي أخاه العروبي والمسلم المعتدل والإنساني. وبما أنها تتناول هذا الموضوع، تطرح الرواية علاقة الشرق بالغرب، ولكن بطريقة ومنظورين مختلفين عمّا طرحه كتّاب وروائيون عرب كبار، بعيداً عن مقولة «الشرق ذكورة والغرب أنوثة»، أو فكرة إخضاع المرأة الغربية في الفراش، انتقاماً من الاستعمار أو التفوّق الغربي. من هنا تطرح علاقة البطل غسان الموسيقي وعازف العود والعاشق للتراث الموسيقي العربي والشرقي، بحبيبته وزوجته الأميركية والعاشقة للموسيقى الشرقية والصوفية، مسألة التكامل الثقافي والإنساني بين الشرق والغرب، وإن بقي غسان منشرخ الهوية في الانتماء للغرب أو للشرق بعدما هاجر إلى نيويورك وقضى معظم حياته فيها.

> كيف تجلى هذا الهاجس في «افرح يا قلبي» بشكل خاص؟

- إن تشظّي الهوية في لبنان وفي البلدان العربية التي شهدت حروباً أهلية مدمّرة، أولدت تناقضات وصراعات مدمّرة حول الانتماء والهوية. حاولت في الرواية أن أترصّد التحولات في الهوية وفي العلاقات الأسرية منذ خمسينات القرن الماضي إلى ما وصلنا إليه في البلدان العربية التي شهدت الحروب. الأصولية المتطرّفة قاتلة ومقتولة ومدمّرة، وأضاعت البوصلة. أقلقتني مسألة الهوية بصفتي إنسانة مسلمة معتدلة وعروبية، ومذهبي هو الإنسانية، فأنا مشبعة ومؤمنة بالانتماء للعروبة، ولذلك شهدت الرواية صراعات بين الإخوة، فوصفها نقّاد بأنها رواية «الإخوة كرامازوف» لـ«دوستويفسكي» العربية، بينما وصفها نقّاد آخرون بأنها صوت مختلف وجديد حول موضوع الهوية وعلاقة الشرق بالغرب.

> منحك النقّاد عدة ألقاب، منها «كاتبة المرأة»، ألا تخشين أن يأتي هذا اللقب على حساب انحيازك الإنساني العام ويحشرك في زاوية «نسوية» ضيّقة؟

- يحقّ لكل ناقد أو قارئ أن يصف أعمالي بما يشاء. القارئ لأعمالي لم يرني كذلك. وإذا كانت سردياتي عن واقع المرأة وتجاربها في الحياة، فأنا أتطرق إلى ما هو أعمق إنسانياً. أليست حكايا البطلات الحقيقية جوهرية في الأدب الإنساني؟ نسويتي تخلو من أي شعار أو آيديولوجيا أو خطاب، فأنا لست نسوية شوفينية ولا أصولية في طرحي. ما هو مهم هو كيف نروي الحكايات وليس فقط ما الذي نرويه. من سمّاني «كاتبة المرأة» يقصد أنني ذهبت بعيداً في الكشف عمّا هو مكموم في حيوات النساء، وفي كسر الصور المنمّطة حول صورهن في الروايات.

كلّ ما فعلته هو إعلاء أصوات النساء ليحكين عن حيواتهن وأسرارهن المجهولة والمحجوبة في روايات. دخلت إلى ما هو مظلم في آبارهن السحيقة، وحاولت أن أكسر اللغة الذكورية ومفاهيمها وسطوتها في الأدب عند كتابات الرجال والكاتبات. وكنت في كل ما أرويه حتى عن مآسي النساء وأحلامهن وخيباتهن أمجّد الحياة والحب. أما شخصيات الرجال في رواياتي من عشاق أو آباء أو إخوة فلهم أيضاً وجوههم الكثيرة كما عند صور النساء، من القاسيات إلى المتجبرات إلى العاشقات وكل النماذج النسائية أو الذكورية الموجودة في مجتمعنا.

> من ضمن ألقابك «شهرزاد الحكايا»، كيف توازنين بين سحر الحكاية في نصوصك ومحاولة التجديد في بنية النص، حتى لا يقع في فخ الإبداع التقليدي القديم؟

- نعم، سُمّيتُ أيضاً «شهرزاد الرواية»، وفي الصحف الغربية «شهرزاد حديثة». صحيح أنني متأثرة بتراثنا السردي العربي والمشرقي لإيماني بهويتي الثقافية، لكنني غير منفصلة عن زمننا وحاضرنا، ولا عن الثقافة العالمية الإنسانية. من قرأ رواياتي يدرك أنني لم أتّبع بناء النص التقليدي الغربي، كما لم أكتب بطريقة استنساخية لموروثنا الشرقي. ذهبت بعيداً في خيالي، واشتغلت كثيراً لاكتشاف أسلوبي الخاص في القص. فتحت النص خارج البناء الكلاسيكي، لكنني أبقيت الرواية محكومة ببناءٍ لا يهدم عمارة النص. العمارة الخاصة التي استفدت فيها من كلّ ما يمتّ إلى حيويته وحياته وتنوّعه الصوتي وطبقاته من السينما إلى التحقيق وإلى كلّ ما يخلق نصاً نابضاً حياً. من السهل أن نستعير بناءً جاهزاً ونصبّ فيه ما نودّ قوله. التحدّي هو في خلق بناء وسرديات جديدة وكان ذلك امتحاناً كبيراً لي ولتحقيق هويتي الفنية.

أنا جدّ مفتونة بالحكايا، لكن لا يمكن لها أن تكون ساحرة دون عمارة ولغة وسرديات جاذبة. كان خزان الحكايا سندي ولغتي، كما وجدت أن القلم الأنثوي قادر على السرد والخلق الجديدين. وجدت نفسي ألعب بالزمن سبقاً أو تأخيراً، أمازج أحياناً بين الفصحى والعامية بتناغم وكنت دائماً أذهب إلى الخيال لاكتشاف أن ما يقرأه القارئ هو حياته أو حياتها. أومن أنه لا معنى للكتابة ما لم يبتدع الكاتب لغته وعالمه الخاصين، في كتابة إنسانية جريئة ومضيفة.

> انتميتِ إلى الفكر اليساري في مرحلة مبكرة من حياتك، هل تسلّل هذا الانتماء إلى نصوصك؟ وما الذي تبقّى منه فنياً وإنسانياً الآن؟- كان ذلك في مرحلة المراهقة، لكنني ابتعدت عنه إلى كل ما هو إنساني. استفدت آنذاك منه ثقافياً وفكرياً وإنسانياً، وفي إدراكي للفلسفة والثقافة والأدب عموماً، دفعني مثلاً إلى قراءة الأدب الروسي والآداب الأخرى، لكنّ عودتي للفردية استدعتها موهبتي دون شعور مني. فالتفكير الحرّ حافز منتج، لا يمكن للكاتب إلا أن يكون حرّاً من أي معتقد مغلق؛ لذلك لم يتسلّل إلى أدبي أي فكر أو آيديولوجيا، فالإبداع وعي فني وإنساني للعالم، وليس إلا.

 



الكاتبة الألمانية كريستينه فونّيكه تتسلم جائزة جورج بوشنر الأدبية لعام 2026

كريستينه فونّيكه (د.ب.أ)
كريستينه فونّيكه (د.ب.أ)
TT

الكاتبة الألمانية كريستينه فونّيكه تتسلم جائزة جورج بوشنر الأدبية لعام 2026

كريستينه فونّيكه (د.ب.أ)
كريستينه فونّيكه (د.ب.أ)

مُنحت الكاتبة الألمانية كريستينه فونّيكه جائزة «جورج بوشنر» الأدبية لعام 2026 من الأكاديمية الألمانية للغة والشعر، خلال حفل أقيم في مدينة دارمشتات جنوب غربي ألمانيا.

وقالت فونّيكه مساءً في مسرح الدولة: «أتقدم بالشكر الجزيل على جائزة بوشنر الرائعة. ما زلت أشعر بالذهول». وتُمنح الجائزة منذ عام 1951، وتبلغ قيمتها 50 ألف يورو، وتُعد من أبرز الجوائز الأدبية في العالم الناطق بالألمانية.

وقالت فونّيكه في كلمة الشكر التي ألقتها خلال تسلم الجائزة إن «أكثر ما أحب فعله في الكتابة، وأكثر ما أجيده، هو الشطب»، لافتة إلى أن هذا هو السبب في أن كتبها أصبحت قصيرة إلى هذا الحد مع مرور الوقت. وذكرت أنها عندما شرعت في كتابة كلمة الشكر، بدأت أيضاً في شطب أجزاء منها، حتى لم يتبقَّ في النهاية سوى جملة واحدة. وتابعت أنها قررت عندئذ أن تقرأ أعمال بوشنر بدلاً من ذلك، وأن تستقل القطار. وقالت: «كثيراً ما أقرأ في وسائل النقل العام؛ لأنني أستطيع التركيز جيداً هناك».

وروت الكاتبة ملاحظاتها عن الناس والبيئة المحيطة بهم، وخلصت إلى القول: «يسود خمول مروّع»، مضيفة أنها دائماً ما تكون لديها رغبة في أن تتأمل كل شيء، وتظل مندهشة منه.

وكانت لجنة التحكيم التابعة للأكاديمية الألمانية للغة والشعر قد قالت في حيثيات قرار منح الجائزة لفونّيكه إنها تأتي تكريماً لأعمالها السردية التي تتسم دائماً بعنصر المفاجأة والإحكام في بنائها. وأشارت إلى أن فنها الأدبي البارع يكشف الجانب الخيالي الكامن فيما يُفترض أنه تاريخي، ويتيح بذلك إلقاء نظرة كاشفة على تاريخ العلوم والاستعمار في أوروبا. وجاء في حيثيات اللجنة أيضاً أن روايات فونّيكه «تجمع، على نحو نادراً ما يحدث (في غيرها من الروايات)، بين المتعة السردية والتأمل الفكري العميق، في أسلوب يتسم بالفكاهة اللغوية الدقيقة والابتعاد عن الإحالة إلى الذات».

ومن بين الحاصلين سابقاً على الجائزة ماكس فريش عام 1958، وجونتر جراس عام 1965، وهاينريش بول عام 1967، وكذلك أوسفالد إيجر وأورزولا كريشل في الآونة الأخيرة. وتحمل الجائزة اسم الكاتب المسرحي والثوري جورج بوشنر، مؤلف مسرحية «فويتسيك». وُلد بوشنر عام 1813 في دوقية هيسن الكبرى آنذاك، وتوفي عام 1837 في زيوريخ.

كما مُنحت مؤرخة تاريخ العلوم آنكه ته هيسن، خلال الحفل نفسه، جائزة «زيغموند فرويد» للنثر العلمي. وحصل الكاتب والناقد الأدبي هيلموت بوتيجر على جائزة «يوهان هاينريش ميرك» للنقد الأدبي والمقالة. وتبلغ قيمة كل من الجائزتين 20 ألف يورو.


الروائي المغربي مبارك ربيع: حضورنا الأدبي في المشرق غير مُرضٍ

تكريم مبارك ربيع في أصيلة
تكريم مبارك ربيع في أصيلة
TT

الروائي المغربي مبارك ربيع: حضورنا الأدبي في المشرق غير مُرضٍ

تكريم مبارك ربيع في أصيلة
تكريم مبارك ربيع في أصيلة

يُعدّ الروائي والأكاديمي المغربي مبارك ربيع أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في تأسيس الرواية المغربية الحديثة، ومن الجيل الذي رافق تحولات المجتمع المغربي منذ الاستقلال، ووثّق في أعماله الأدبية التحولات الاجتماعية والثقافية، وما رافقها من صراعات بين الموروث والحداثة، وبين الفرد ومحيطه الاجتماعي. وبعد مسيرة إبداعية وأكاديمية امتدت لأكثر من ستة عقود، ظل خلالها منشغلاً بأسئلة الإنسان والمجتمع وتحولاتهما، يتمسك صاحب «الطيبون»، و«رفقة السلاح والقمر»، و«الريح الشتوية»، و«بدر زمانه»، و«برج السعود»، و«درب السلطان»، و«طوق اليمام» بأولوية الفن، ويرفض وضع الرواية المغربية في موقع التابع للرواية المشرقية أو الغربية، مؤكداً أنها جزء من الإبداع الروائي العربي والعالمي، ولها خصوصيتها التي تستمدها من بيئتها وتجارب كتابها. وهنا نص الحوار معه:

* أنت من الجيل الذي أسهم في تأسيس الرواية المغربية الحديثة؛ بعد أكثر من ستة عقود من التجربة الإبداعية، كيف تقرأ التحولات التي شهدتها الرواية المغربية؟

- في تصوري أن الرواية لا ينبغي أن تهدف إلى أن تكون على مثال رواية بلد آخر. من الناحية التاريخية، من الواضح أن الرواية العربية وليدة الرواية الغربية الحديثة، وقد عُرفت في المشرق قبل المغرب، حيث يمكن الحديث عن خمسينات القرن الماضي بوصفها مرحلة من البدايات. ففي فترة الاستعمار وبداية الاستقلال كان عدد الكتاب محدوداً، وكانت نسبة الأمية مرتفعة.

ومن الطبيعي أن يتأثر الروائيون بما يقرأونه، وأن يتأثر الكتاب المغاربة بالرواية المشرقية، خصوصاً المكتوبة بالعربية. لكن ذلك لا يعني أن تكون الرواية المشرقية معياراً نقيس به الرواية المغربية، أو أن ننظر إلى تاريخ الرواية باعتباره انتقالاً من أعمال ناقصة إلى أعمال مكتملة.

الرواية إما أن تكون رواية أو لا تكون. وحين نتحدث عنها بوصفها فناً، فإننا نتحدث عن عمل تتوفر فيه مقتضيات هذا الفن وشروطه. والأمر يشبه الفن التشكيلي، فإما أن نكون أمام لوحة فنية أو لا نكون.

والرواية المغربية، بوصفها رواية قائمة بذاتها، لها صلات بالرواية المشرقية، لكن لها يضاً علاقة بالرواية الغربية والعالمية، سواء عبر القراءة بلغاتها الأصلية أو من خلال الترجمة. لكن لا ينبغي أن نحاكمها بمقارنتها بهذه الروايات، أو أن نسأل إن كانت قد بلغت مستواها. فتلك رواية وهذه رواية، وكلها تنتمي إلى عالم الفن الروائي.

* ماذا عن الخصوصية؟ هل استطاعت الرواية المغربية أن تؤسس هويتها وخصوصيتها بعيداً عن تأثير النماذج المشرقية والغربية؟

- بشأن الخصوصية، الرواية المغربية لها مظهران. الأول يتعلق بالموضوعات التي تعبر عن البيئة المحلية من حيث الموضوعات، والثاني يتعلق بالكيفية الفنية التي يعالج بها الروائي تلك الموضوعات. فالرواية ليست مجرد موضوع أو حكاية عن مجتمع معين، وإنما هي الشكل الفني الذي تتحول به تلك الحكاية إلى عمل روائي.

ومن هذه الناحية، تمتلك الرواية المغربية خصوصيتها، سواء في تعبيرها عن البيئة المغربية أو في بعض مظاهر التجديد والتجريب. لكنها تظل جزءاً من الرواية العربية وهي جزء من الرواية العالمية، ولا ينبغي أن ننظر إليها من خلال معيار يجعل رواية بلد ما نموذجاً للحكم على غيرها.

الاستعمار والاستقلال.. والتجربة الروائية

* عاصرت مرحلة الاستعمار والاستقلال وما رافقهما من تحولات سياسية واجتماعية. كيف انعكست هذه التجارب على مشروعك الروائي؟

- السؤال عن كيفية انعكاس الأحداث في العمل الروائي هو، من جهة، شأن المتلقي أو القارئ أو الناقد، ومن جهة أخرى يرتبط بالموضوعات التي يتناولها الكاتب.

وأستطيع القول إن تلك الأحداث انعكست على بعض أعمالي. فقد عشت مرحلة مقاومة الاستعمار، وعانيت منها شخصياً وعائلياً، وكان بين زملائي في الدراسة من استشهدوا وهم يحملون السلاح في المقاومة.

وقد تأثرت بهذه المرحلة بطبيعة الحال، خصوصاً أن الأمر وصل إلى نفي الأسرة الملكية. فلم يكن حدثاً بسيطاً، بل كان تحولاً هزّ البلاد كلها.

* هل كانت الرواية المغربية شاهدة على تلك التحولات، أم أسهمت في صناعتها؟

- صانعة لها؟ لا. لا أعتقد أن الرواية تصنع التحولات الاجتماعية أو السياسية. قد يأتي من يقرأ الرواية ويؤولها، ويحاول تحويل ما تتضمنه إلى تطبيق عملي، لكن هذا شأنه وفهمه هو.

أما الرواية فهي فنية قبل كل شيء، ولا تهدف إلا إلى جماليتها. وحتى عندما تسجل موقفاً اجتماعياً أو وطنياً أو سياسياً، فإن جوهرها يظل في جماليتها الفنية، لا أكثر.

* في أعمالك من رواية «الطيبون» إلى «الريح الشتوية» و«درب السلطان» و«غرب المتوسط»، ظل المجتمع المغربي حاضراً بتحولاته وصراعاته في أعمالك. ما القضية التي ظلت تشغلك طوال هذه المسيرة، وما الذي تغيّر في نظرتك في الإنسان والمجتمع؟

- يمكن اعتبار هذه الأعمال تعبيراً عن انعكاسات الواقع المجتمعي، وعن الواقع الفني في الرواية بصفة خاصة. لكن ما أريد التأكيد عليه أن التحولات المجتمعية، بوصفها مادة ملهمة، قد تثيرني أنا ولا تثير غيري، بينما تستوقف كاتباً آخر أحداث لا تستوقفني.

فالمنظور الذي ينظر به الروائي إلى الإنسان في لحظة معينة، أو إلى موقف أو مشهد، هو الذي يحدد فنية الرواية.

أما نظرتي إلى الإنسان، فهو الإنسان في عظمته العليا، حين يرتقي إلى أعلى درجات الخير والنبل، وهو أيضاً الإنسان في حضيضه، حين يكون خسيساً وتصدر عنه كل أنواع الخسائس.

ومن القمة إلى الحضيض، يظل دائماً إنساناً. والروائي يختار اللحظة، أو تفرض عليه اللحظة نفسها، التي يقتنص فيها الإنسان عند مستوى من هذه المستويات.

علم النفس والمخيلة الأدبية

* أنت روائي وأكاديمي متخصص في علم النفس. أيهما أقدر على فهم الإنسان والكشف عن دوافعه وصراعاته، المعرفة العلمية أم المخيلة الأدبية؟ وإلى أي مدى استفدت من دراستك لعلم النفس في كتابة الرواية؟

- علم النفس، كغيره من العلوم الإنسانية، يتيح فرصة لفهم الإنسان. لكن في علاقتي بكتابة الرواية، لا يكفي علم النفس ولا علم الاجتماع ولا دراسة الأدب العربي أو الأجنبي لتأهيل الإنسان لكتابة الرواية، إذا لم تكن لديه المؤهلات والاستعداد الشخصي.

يمكن أن يكتب الرواية من لم يدرس علم النفس أو علم الاجتماع أكاديمياً. بل إن علم النفس نفسه موجود في الأدب.

يكفي أن نتذكر كيف استفاد فرويد من الأدب والأساطير اليونانية، وخصوصاً أسطورة أوديب، في تطوير بعض مفاهيم التحليل النفسي. فالأدب كان مصدراً من مصادر فهم النفس الإنسانية.

وكذلك حين نقرأ القصائد في الأدب الجاهلي، نستطيع أن نحللها نفسياً، وأن نجد فيها معرفة بالنفس ودوافعها وانفعالاتها. هذا ما يمكن تسميته علم النفس الفطري أو الطبيعي أو العفوي، في مقابل علم النفس الأكاديمي الذي يقوم على المنهج والتقنين والدراسة الميدانية.

لكن دراسة علم النفس لا تؤهل وحدها لكتابة الرواية، بدليل أن أطباء ومهندسين وشعراء كتبوا روايات.

نعم، تفيد المعرفة النفسية الروائي في جانب مهم، وهو فهم الشخصيات وتجنب بعض التناقضات في بنائها. فعندما يصف شخصية تعاني الاكتئاب، مثلاً، تساعده معرفته العلمية على ألا يقدم صفات تتعارض مع طبيعة هذه الحالة، بينما قد يقع في مثل هذا الخطأ من لا يعرف علم النفس الأكاديمي.

لكن حتى هذا الخطأ قد يكون مقبولاً فنياً، لأن الروائي لا يكتب كتاباً علمياً، وإنما يكتب عملاً أدبياً. فالعلم بالنسبة إليه خلفية ثقافية ومعرفية، وليس مجموعة من القواعد الملزمة في بناء الشخصيات.

وحتى إذا قال الأكاديمي إن مواصفات شخصية روائية لا تتفق مع المعطيات العلمية، فإن الكاتب يظل حراً في ابتكار شخصياته وتشكيلها وفق مقتضيات العمل الفني.

الحرية وتحولات المجتمع

* ارتبط الأدب المغربي في مراحل من تاريخه بأسئلة الحرية والسلطة والعدالة الاجتماعية. هل أصبحت الرواية المغربية اليوم أكثر جرأة في مساءلة السلطة والمجتمع، أم أنها باتت أكثر انشغالاً بالتجريب الفني والهموم الفردية؟

- صحيح أن المشاغل اليومية تغيرت، وأن التحولات الرقمية ووسائل الاتصال أصبحت تستحوذ على اهتمام الإنسان، بما في ذلك الكاتب. وهذه الظواهر تفرض حضورها، وقد تصبح جاذبة وملهمة للكتابة الروائية.

لكن ذلك لا يعني أن قضايا الحرية والكرامة وسائر القيم التي تقوم عليها الإنسانية قد غابت عن الرواية أو عن اهتمام الروائيين. هذه قضايا إنسانية لا تنمحي ولا تزول، سواء عالجها الكاتب بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. وإنما تختلف قدرات الكتاب وإمكاناتهم وتقنياتهم في التعبير عنها.

* هل نجحت الرواية المغربية في التعبير عن التحولات التي شهدها المجتمع؟

- لا نستطيع أن نصدر حكماً عاماً على الرواية بهذه الطريقة. يمكن أن نأخذ عملاً معيناً ونقول إنه عبّر عن ظاهرة اجتماعية أو سياسية، لكن هذا الحكم يتعلق بموضوع الرواية ومحتواها، وليس بالضرورة بقيمتها الفنية.

فإذا كنا أمام مقال أو دراسة، نستطيع أن نقول إنهما نجحا في تحليل وضعية معينة. أما الرواية فهي أكثر من ذلك. وكثيراً ما يتركز الحديث عن الرواية، بل وعن الشعر أيضاً، على الموضوعات والمضامين، بينما الفنية الشعرية أو الفنية الروائية تكمن في الشكل الذي يعبّر به الكاتب عن هذا المضمون. وهذا هو العنصر الأهم بالنسبة إليّ.

الهوية المغربية وتعدد الروافد

* يتميز المغرب بتعدد روافده الثقافية واللغوية، العربية، والأمازيغية، والأفريقية، والأندلسية. هل استطاع هذا التنوع أن ينتج هوية أدبية مغربية جامعة؟

- إذا انطلقنا من هذه الروافد باعتبارها مكونات جوهرية في الشخصية المغربية، فينبغي أن نضيف إليها الرافد العالمي. فالمغرب، بحكم موقعه وتاريخه، عرف منذ القدم اختلاط الثقافات والجماعات البشرية، والعالم اليوم أكثر انفتاحاً وتداخلاً. هذه الروافد أسهمت في تكوين الإنسان المغربي، ومن الطبيعي أن يظهر أثرها فيما ينتجه من أدب وفكر وفن.

وهناك خصائص تاريخية واجتماعية وسياسية تميز المغرب، مثل عراقة المؤسسة الملكية وتجذر المذهب المالكي، والحضور التاريخي لليهودية المغربية، وغياب الكيان المسيحي مثلاً. وهذه كلها عناصر تدخل في تكوين المجتمع وشخصيته. والإنسان يتأثر بهذه المكونات من دون أن يشعر بالضرورة، لأنها أصبحت جزءاً من تكوينه.

فلو سألتني عن العنصر الأندلسي أو العبري أو الإيبيري في شخصيتي أو في رواياتي، فلن يكون من السهل تحديده بصورة منفصلة. أنا أكتب باللغة العربية، وفكري يتشكل داخل قوالبها وبيانها وبلاغتها. واللغة عنصر مهم جداً في تكوين الإنسان وتفكيره. وإذا كانت هناك مؤثرات أندلسية أو عبرية أو إيبيرية أو عالمية، فإنها تدخل في هذا التكوين وتتفاعل داخله.

لكن هناك مكوناً آخر كثيراً ما نغفل عنه عند الحديث عن الهوية، وهو المستقبل. فالإنسان ليس نتاج ماضيه وحده، وإنما يتشكل أيضاً من نظرته إلى المستقبل، ومن الأشياء التي يريد تحقيقها. المستقبل، بهذا المعنى، عنصر أساسي في تكوين الشخصية الإنسانية.

* كيف تنظر إلى العلاقة بين الأدب المغربي المكتوب بالعربية ونظيره المكتوب بالفرنسية والأمازيغية؟

- الأدب المكتوب بالأمازيغية لا أعرفه إلا من خلال ما أقرأ عنه، لأنني لا أقرأ الأمازيغية، وأتأسف لذلك. وقد قلت سابقاً إنه لو كتبت الأمازيغية بالحرف العربي لكان تعلمها أيسر بالنسبة إلينا. لكن الأمازيغية اليوم لغة وطنية ورسمية، وتكتب بحرف تيفيناغ، وهذا هو الواقع.

أما الرواية المغربية المكتوبة بالفرنسية، فإنني أقرأها وأتفاعل معها، وكذلك الرواية المكتوبة بالعربية. وفي النهاية، نحن أمام أدب مغربي تتعدد لغات التعبير عنه، سواء كانت العربية أو الأمازيغية أو الفرنسية.

ولا أستطيع الحكم على القيمة الفنية للرواية المكتوبة بالأمازيغية من دون قراءة نصوصها، لكن الرواية المغربية المكتوبة بالفرنسية بلغت مستوى فنياً رفيعاً.

وهناك عامل آخر ينبغي الانتباه إليه، وهو أن الكتابة بالفرنسية تتيح فرصاً للانتشار، لأن هذه اللغة تمتلك مؤسسات تدعم انتشارها وثقافتها مادياً ومعنوياً. وهذا الدعم لا يتوفر بالدرجة نفسها للأدب المكتوب بالعربية. أما الكتابة بالإنجليزية، مثلاً، فتتيح فرصاً أوسع للوصول إلى القراء.

إذن، هناك فرق بين القيمة الفنية للعمل الأدبي، وبين الظروف اللغوية والمؤسساتية التي تساعد على انتشاره.

الرواية المغربية في المشرق

* على ذكر الانتشار، كيف تقيم حضور الرواية المغربية في المشهد الأدبي العربي؟ وهل تحظى بالانتشار الذي تستحقه؟

- حضورها ليس مرضياً ولا كافياً، ولا يوازي حضور الرواية المشرقية في المغرب.

ويمكن ملاحظة ذلك في الدراسات الجامعية والبحوث والحوارات الثقافية المغربية، حيث نجد أن النصيب الأكبر منها يتناول الرواية المشرقية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

لكن المسألة تتجاوز ذلك إلى صناعة النشر نفسها. فأكبر دور النشر العربية توجد في المشرق، وتمتلك إمكانات وشبكات توزيع تساعدها على إيصال إنتاجها إلى البلدان العربية.

وفي المقابل، لا تتوفر في المغرب، حتى الآن، دور نشر تمتلك القوة والكثافة نفسيهما لإيصال الكتاب المغربي إلى القارئ المشرقي. لذلك يمكن القول إن الرواية المغربية، والأدب المغربي عموماً، معروفان لدى النخب الأكاديمية والثقافية، وخصوصاً الباحثين والمشاركين في المؤتمرات والندوات، لكنهما لا يتمتعان بالحضور نفسه لدى جمهور القراء. وهناك نقص في وصول الأدب المغربي إلى القارئ العربي خارج الدوائر المتخصصة.

المثقف العربي وتراجع الدور السياسي

* يثار اليوم سؤال عن تراجع دور المثقف العربي لمصلحة السياسي والإعلامي. هل فقد المثقف مكانته بوصفه منتجاً للأفكار وناقداً للسلطة والمجتمع، أم أن طبيعة دوره تغيرت؟

- هناك تحولات كبيرة شهدها العالم العربي خلال ربع القرن الأخير، بل خلال نصف القرن الماضي، على المستويات الاجتماعية، والتكنولوجية، والفكرية، والعالمية. والمثقف جزء من هذه التحولات، ومن الطبيعي أن تتغير نظرته إلى العالم والقضايا التي تشغله.

فالقضايا التي كانت تستحوذ على اهتمام المثقفين، مثل الاشتراكية والقومية، تغير موقعها، وأصبح تفكير المثقف اليوم أكثر اتصالاً بالقضايا العالمية. وهذا ليس أمراً سلبياً.

أما إذا كان السؤال هو: هل فقد المثقف دوره؟ فأعتقد أنه لم يفقده. لكن ينبغي أن نميّز بين الإنتاج الثقافي ودور المثقف بوصفه فاعلاً ثقافياً أو اجتماعياً أو سياسياً. فالكاتب حين يكتب عملاً أدبياً يمارس فعلاً إبداعياً، أما حين يشارك في التغيير السياسي أو الاجتماعي، فإنه يمارس دوراً آخر، لا ينبغي الخلط بينه وبين وظيفته الأدبية. وقد تدخلت عوامل محلية وعالمية كثيرة أسهمت في تقلص هذا الدور السياسي والاجتماعي، لكن الدور الثقافي ما زال مستمراً، وهو الأساس والجوهر.

الجوائز الأدبية ومعايير الجودة

* نشهد اليوم توسعاً في إصدار الروايات العربية وانتشاراً للجوائز الأدبية. هل يعكس ذلك ازدهاراً إبداعياً حقيقياً، أم أننا أمام زيادة في الإنتاج لا تواكبها بالضرورة جودة فنية؟

- ينبغي التمييز بين كثرة النشر وجودة الإنتاج. قبل نصف قرن، كان صدور كتاب حدثاً بحد ذاته، لأن عملية الكتابة والطباعة والنشر كانت تمر بمراحل عديدة، وكانت تتطلب إمكانات وجهداً ووقتاً. أما اليوم، فقد أصبح بإمكان أي شخص أن يكتب كتاباً ويطبعه وينشره خلال وقت قصير. وهذه السهولة تتيح انتشار الكتابة، لكنها لا تعني بالضرورة ارتفاع مستواها الفني. ومع ذلك، لا يجوز أن نتخذ من كثرة المنشورات ذريعة للحكم بأن كل ما ينتج اليوم رديء أو بلا قيمة. هناك أعمال متميزة بالتأكيد، لكن الجودة تظل خاضعة لمعايير فنية، من بينها الجمالية والابتكار والتميز. ولا بد أن تخضع هذه الوفرة لعملية فرز نقدي تكشف الأعمال التي تستحق البقاء.

* ماذا عن الجوائز الأدبية؟ هل أصبحت معياراً للجودة والتميز؟

- أرى أن انتشار الجوائز الأدبية ظاهرة إيجابية في حد ذاته، ولا أعتبرها أمراً سلبياً. لكن ينبغي أن تبقى في حدود وظيفتها. فالجوائز، منذ وجودها، لم تكن دائماً تعبيراً عن الجودة الفنية، وليس كل عمل يفوز بجائزة هو بالضرورة أفضل الأعمال. فهناك لجان تحكيم، ولكل لجنة رؤيتها ومعاييرها، كما أن للجوائز أهدافاً وشروطاً قد تؤثر في نتائجها، وهذه ليست كلها عوامل موضوعية. وفي المقابل، هناك كتاب لا يتقدمون إلى الجوائز، أو لا يهتمون بها، أو لا تتوافق أعمالهم مع شروطها، وقد تكون أعمالهم أكثر تميزاً من الأعمال الفائزة. إذن، الجوائز مؤسسات إيجابية من حيث المبدأ، لكنها ليست المعيار النهائي للحكم على القيمة الأدبية.

الأجيال الجديدة والتجريب الروائي

* كيف تنظر إلى الأجيال الجديدة من الروائيين المغاربة؟ وهل تعتقد أنهم أضافوا شيئاً إلى التجربة الروائية المغربية؟

- أقرأ أعمال الكتاب الشباب بطبيعة الحال، لكنني لا أحب أن أدخل في قضايا التقييم بوصفـي ناقداً محترفاً. أقرأ بوصفـي قارئاً يتفاعل مع العمل، وتستوقفني جمالياته وطريقة بنائه وزاوية النظر التي يقدمها. هناك إمكانات جيدة جداً لدى الكتاب الشباب في المغرب، وأعتقد أنهم يقدمون إضافات إلى التجربة الروائية.

* هل أضافوا شيئاً جديداً للتجربة الروائية المغربية؟

- هذه الإضافات تظل في معظمها اجتهادات فردية، ولا أرى ضرورة لأن تتبلور في مدرسة روائية واحدة. ولكل كاتب شخصيته ورؤيته وطريقته في الكتابة، وهذا التنوع هو ما يساعد على تطور الرواية. لسنا بحاجة إلى نموذج محدد يلتزم به الجميع، أو إلى قواعد تجعل الكاتب يسير على خطى غيره. تطور الفن يتحقق من خلال التجارب الفردية والابتكار، وليس من خلال إخضاع الكتابة لقالب واحد.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل الرواية

* مع صعود الذكاء الاصطناعي وتحولات النشر والقراءة، هل تخشى أن تتراجع مكانة الرواية والكاتب، أم أن هذه التقنيات ستفتح آفاقاً جديدة للإبداع؟

- يمكن أن نقول إننا نخشى الكثير، ولا نخشى شيئاً في الوقت نفسه. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يكتب رواية في دقيقة، إذا طلبت منه ذلك وحددت له المواصفات التي تريدها. ويمكنه أيضاً أن يكتب قصيدة أو نصاً أدبياً. وهذا أمر يثير القلق بطبيعة الحال، لكنه لا يلغي حقيقة أن الإنسان هو الذي صنع هذه الآلة، وهو الذي يتحكم فيها ويوجهها. الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤدي إلى نتائج سلبية في المجال الأدبي، لكنه يستطيع أيضاً أن يقدم خدمات للكاتب. فالروائي لا يقرأ الروايات وحدها، بل هو قارئ لما يؤدي إلى كتابة الرواية، فهو يحتاج إلى الاطلاع على التاريخ والسياسة، والاجتماع، والمعاجم، والصحف، والأرشيف. إذا أراد أن يكتب رواية عن حرب معينة، مثلاً، فعليه أن يقرأ ما يتعلق بتلك الحرب من مصادر تاريخية وسياسية واجتماعية، حتى يستطيع بناء عالمه الروائي. وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعده في الوصول إلى المعلومات والمراجع، وأن يؤدي دوراً يشبه الموسوعة.

لا الماضي ولا التراث وحدهما... المستقبل عنصر أساسي في تكوين الشخصية الإنسانية

الروائي المغربي مبارك ربيع

مشروع روائي لم يكتمل

* سؤالي الأخير: بعد هذه المسيرة الطويلة في الرواية والبحث الأكاديمي؛ ما الذي لم تقله بعد؟ وما الأسئلة التي لا تزال تشغلك عن الإنسان والمجتمع والحرية؟

- ينبغي أن نميز بين ما لم أقله، وبين الأسئلة التي لا أزال أبحث عن إجابات لها.

فالإنسان موضوع لا حدود للبحث فيه، ولن يتوقف البحث فيه. والمجتمع في تحول مستمر لا نهاية له، وما كنا ننظر إليه بطريقة معينة قبل خمسين عاماً، ننظر إليه اليوم بطريقة مختلفة، وقد ننظر إليه بعد خمسين عاماً من زاوية أخرى. ولهذا لا أعتقد أن الفن الروائي، أو الفن عموماً، يمكن أن يصل إلى نهاية في تعامله مع الإنسان وتحولاته. فالفنان نفسه جزء من هذا العالم المتغير، وتتغير رؤيته تبعاً لتجاربه وللظروف التي يعيشها.

* وما الذي لم تقله بعد... هل هناك مشروع روائي ما زلت تطمح إلى إنجازه؟

- هناك الكثير مما لم أقله. فالكاتب أو الفنان بصفة عامة، حين يحقق مستوى معيناً، لا يتوقف عنده، بل يظل يتطلع إلى مستوى آخر. وقد يكون هذا المستوى الذي يسعى إليه محدداً أو متخيلاً، لكنه يظل حافزاً للاستمرار. وأستطيع أن أعترف بأن لدي موضوعاً معيناً يشغلني منذ سنوات، وأشعر حتى الآن بالعجز عن كتابته، وهذا شيء شخصي ولا أريد أن اكشف عنه، فهو أمر معقّد وأريد أن أعبِّر عنه روائياً، فأنا لا أتحدث عادة عن أعمالي، سواء التي كتبتها أو التي لم أكتبها، بل لا أعلن حتى عناوينها قبل صدورها. لكنني أستطيع القول إن هذا الموضوع يراودني بإلحاح منذ سنوات، وأتمنى أن أستطيع إنجازه، وأشعر أنه يتطلب إمكانات فنية وسردية لا أمتلكها حتى الآن، أو لم أتمكن من الوصول إليها بالصورة التي أريدها، ومع ذلك، فإن هذه الحالة ليست استثناءً، وأعتقد أن كل فنان لديه مستوى يطمح إلى بلوغه، وعمل لم ينجزه بعد، لأن التجربة الإبداعية لا تقف عند حد معين.


سلطة الذائقة

سلطة الذائقة
TT

سلطة الذائقة

سلطة الذائقة

مِن أكثر العبارات شيوعاً في الحديث عن الأدب والفن قولنا إن «الأذواق لا تناقَش». تبدو العبارة في ظاهرها تسامحاً محموداً؛ لأنها تمنح كل فرد حقه في أن يحب ما يشاء وأن ينفر مما يشاء، لكنها قد تتحول إلى حجة تُلغي إمكان الحديث عن الجودة والرداءة، وتُسوّي بين الخبرة العابرة والحكم المتبصر.

لا خلاف في أن لكل إنسان الحق في أن يقول: أعجبني هذا العمل أو لم يعجبني. فالإعجاب تجربة شخصية لا يمكن فرضها بالقوة، لكن حرية الذوق لا تعني أن جميع الأحكام متساوية في القيمة. هناك فرق كبير بين أن نقول: «هذا العمل لم يعجبني»، وبين أن نقول: «هذا عمل رديء». الجملة الأولى تصف تجربة صاحبها، أما الثانية فتصدر حكماً على العمل نفسه. وهنا يصبح من المشروع أن نسأل عن الأساس الذي صدر عنه الحكم، وعن مقدار معرفة صاحبه بالفن الذي يتحدث عنه، وعن خبرته بالمقارنة والتمييز.

فالذائقة لا تولَد مكتملة. القارئ الذي لم يعرف إلا نوعاً واحداً من الكتب تكون أدواته في الحكم محدودة، كما أن المستمع الذي لم يألف إلا نمطاً واحداً من الموسيقى ستكون استجابته محكومة بما اعتاده. وكلما اتسعت الخبرة أصبحت الفروق أوضح، وازدادت القدرة على التمييز.

بل إن كثيراً مما نسميه «ذوقاً شخصياً» قد يكون أثراً للتعوّد. فما يتكرر أمامنا يصبح مألوفاً، والمألوف يبدو أقرب إلينا، حتى لو لم يكن أرفع قيمة، لهذا قد يتنكر الاعتياد في صورة ذائقة مستقلة، بينما هو في الحقيقة نتيجة بيئة وتربية وتكرار.

ونحن نقر في مجالات كثيرة بأن الخبرة تصنع فرقاً. فليس حكم المبتدئ في الخط كحكم الخطاط، ولا حكم مَن تذوّق طَبقاً للمرة الأولى كحكم مَن خبَرَ مكوناته وطرائق إعداده. ومع ذلك نتردد حين نصل إلى الفن والثقافة، وكأن كل الآراء فيهما متساوية لمجرد أنها شخصية.

مِن حق المرء أن يفضل عملاً بسيطاً على آخر أكثر تعقيداً، وأن يعود إلى كتاب خفيف مرات كثيرة ويهجر كتاباً كبيراً بعد صفحات قليلة. لكن التفضيل لا يحسم مسألة القيمة، فقد نستمتع بعمل محدود فنياً، وقد نعترف بقيمة عمل رفيع دون أن نحبه.

ومن هنا تبدو عبارة «الأذواق لا تناقَش» أكثر إشكالاً مما تبدو عليه، فإذا كانت كل استجابة شخصية حكماً نهائياً، فما الحاجة للنقد؟ وما جدوى التعليم الفني والأدبي؟ ولماذا نقرأ تاريخ الفنون أو نتعلم كيف تطورت الرواية والسينما والموسيقى؟ إن وجود هذه الحقول يفترض أن الذائقة قابلة للصقل والتطوير، وأن الإنسان يستطيع أن يرى ويسمع ويفهم أكثر مما كان يفعل من قبل.

وهذا لا يعني أن الذائقة الجيدة ذائقة موحدة، ولا أن المطلوب أن يحب الجميع الأشياء نفسها. المقصود أن يمتلك الإنسان أدوات أوسع للاختيار، وأن يعرف الفرق بين ما يميل إليه شخصياً وما يراه ذا قيمة. والذائقة لا تتكون في فراغ. ففي كل عصر كانت هناك مؤسسات وأصوات تمنح بعض الأعمال مكانة أعلى من غيرها، فهناك المدرسة، والجامعة، والصحيفة، والناقد، ودار النشر، والمجلة الثقافية، ثم لاحقاً الجوائز والقوائم والبرامج التلفزيونية. وهذه الجهات لم تكن معصومة من الخطأ، ولم تكن دائماً عادلة، لكنها كانت تؤدي وظيفة الفرز، وتمنح القارئ إطاراً أوسع من استجابته الفردية المباشرة.

أما اليوم فقد ضعفت سلطة كثير من هذه الوسائط، وصعدت، بدلاً منها، أدوات جديدة أسرع وأكثر تأثيراً. فالسوق لا تكتفي بتلبية الذوق، بل تشارك في صنعه. التكرار والإعلان والانتشار توحي بأن ما يراه الجميع جدير بأن يُرى، وما يشتريه الجميع جدير بأن يُشترى. ثم جاءت المنصات والخوارزميات لتعرض علينا غالباً ما يشبه ما أحببناه من قبل، فتُضيق مجال الاكتشاف وهي تُوهمنا باتساع الاختيار.

ومع شبكات التواصل أصبحت الأحكام الثقافية أكثر ارتباطاً بردود الفعل السريعة؛ مِن إعجاب ومشاركة وتقييم وعدد مشاهدات. وهذه الأرقام لا تقيس القيمة بقدر ما تقيس القدرة على الوصول والانتشار. ومع ذلك تسللت شيئاً فشيئاً إلى وعينا بوصفها قرائن على الجودة، حتى صار العمل الأكثر حضوراً يبدو تلقائياً كأنه الأفضل، رغم أن السبب قد يعود إلى علاقات وصداقات ونشاط صاحب العمل.

وهنا يكمن أحد أخطر التحولات في الذائقة المعاصرة، اختلاط الشهرة بالقيمة. فالعمل قد ينتشر لأنه سهل، أو لأنه مثير للجدل، أو لأنه وصل إلى الجمهور في اللحظة المناسبة، أو لأنه مدعوم بآلة تسويق قوية. ولا شيء من ذلك يكفي وحده للحكم على مستواه.

كان الناقد، والمحرر، والمجلة الثقافية، والمؤسسة التعليمية، يقومون بدرجات متفاوتة بدور الوسيط بين العمل والجمهور. أما اليوم فقد أصبح العمل قادراً على بلوغ جمهور هائل قبل أن يبدأ أي نقاش جاد حول قيمته. وفي أحيان كثيرة يصل الحكم بعد أن تكون الشهرة قد صنعت رأياً عاماً يصعب مقاومته.

لهذا لا تبدو الذائقة شأناً فردياً خالصاً كما نحب أن نتصور. نحن نختار، نعم، لكننا نختار داخل بيئة تقترح علينا باستمرارٍ ما ينبغي أن نقرأه ونشاهده ونسمعه، وتكرر أمامنا بعض الأعمال حتى تصبح جزءاً من وعينا. ومن هنا لم يعد السؤال فحسب: ماذا نحب؟ بل: كيف تكوَّن هذا الحب، ومَن أسهم في تشكيله؟ فإذا كانت الذائقة قابلة للتكوين، فمن يقودها اليوم؟ أهو الناقد والمؤسسة الثقافية، أم السوق والمنصة والمؤثر والخوارزمية

* كاتب سعودي