تقنية «ليدار» ونظم الذكاء الاصطناعي تسرع وتيرة اكتشاف الآثار

تسهل البحث عن مدن ضائعة وعجائب قديمة

النظم الذكية توظف لتحليل الاكتشافات الأثرية
النظم الذكية توظف لتحليل الاكتشافات الأثرية
TT

تقنية «ليدار» ونظم الذكاء الاصطناعي تسرع وتيرة اكتشاف الآثار

النظم الذكية توظف لتحليل الاكتشافات الأثرية
النظم الذكية توظف لتحليل الاكتشافات الأثرية

لقد مُحيت الكثير من الأدلة المادية لوجود البشرية، وتآكلت، ودُفنت، وفُجرت، وأُزيلت بطرق أخرى... وهنا يأتي دور علماء الآثار.

مجارف وفرش وعدسات مكبرة

قبل عقود، كان على علماء الآثار الاعتماد إلى حدٍ كبير على المجارف والفُرش والعدسات المكبرة - والعمل الميداني الشاق، للعثور على عظمة واحدة أو شظية فخارية أو قطعة من الفحم في كل مرة. وهذا النوع من العمل مستمر، لكن العلماء اليوم يستخدمون أيضاً مجموعة مذهلة من تقنيات القرن الحادي والعشرين لكشف الماضي.

ذكاء اصطناعي وحمض نووي

تتضمن هذه الأدوات الجديدة الذكاء الاصطناعي، وتسلسل الحمض النووي، والتصوير بالأقمار الاصطناعية، والتكنولوجيا المحمولة جواً، المعروفة باسم «ليدار»، والطائرات المسيَّرة التي تحمل كاميرات الأشعة تحت الحمراء الحرارية، والروبوتات الصغيرة التي يمكنها الزحف إلى أسفل القبور.

تعمل تقنيات الاستشعار عن بُعد، بالإضافة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، الذي ينقب في مجموعات البيانات الضخمة، على تعزيز احتمال أن تؤدي دراسة موقع يستهدفه علماء الآثار إلى العثور على آثار مهمة، وليس إلى إضاعة الجهود.

وتقول سارة باركاك، عالمة الآثار في جامعة ألاباما في برمنغهام ومؤلفة كتاب «الآثار من الفضاء»: «هناك شعور حقيقي بالإلحاح فيما يتعلق برسم خرائط المواقع واكتشافها لمجرد أن التآكل الساحلي وحرائق الغابات والتسونامي - الأحداث المناخية واسعة النطاق - تؤثر على المواقع». وأضافت في حديث لـ«واشنطن بوست»: «مع تحسن تقنيات الأقمار الاصطناعية، صرنا قادرين على رؤية مواقع جديدة كل يوم تقريباً».

تقنية «ليدار» ورسم الخرائطجاءت بعض من أكثر الاكتشافات الدراماتيكية في السنوات الأخيرة عبر «ليدار» LiDAR، والذي يمثل الحروف الأولى للاسم المختصر من جهاز «رصد الضوء وتحديد المدى» light detection and ranging.

ويُصوبُ نظام «ليدار»، عن طريق الطائرة أو المروحية أو المُسيَّرة، نبضات سريعة من ضوء الليزر على السطح. ثم تُعالج الانعكاسات لإنشاء خريطة ثلاثية الأبعاد. وأسفر التقدم في نظام «ليدار» عن تحسين قدرته على اختراق مظلات الأشجار وإنشاء صور دقيقة للتضاريس أسفلها، مما يكشف عن سمات تشير إلى النشاط البشري في الماضي.

كان ذلك ثورياً بالنسبة للعلماء الذين يفحصون الغابات المطيرة في أميركا الوسطى والجنوبية، سيما مع انخفاض تكلفة «ليدار» وسهولة استخدامه.

ويقول نيكولاس غوتييه، عالم الأنثروبولوجيا بجامعة فلوريدا: «قبل عقد أو عقدين من الزمن، كنت بحاجة إلى استئجار رحلة جوية لنقل كل المعدات. ولكن الآن يمكنك وضع التكنولوجيا على طائرة مسيَّرة رخيصة الثمن وخفيفة الوزن نسبياً».

النظم الذكية توظف لتحليل الاكتشافات الأثرية

الكربون المشع لمعرفة التاريخقبل ظهور التقنيات المتقدمة، كان على علماء الآثار إجراء تقديرات تقريبية لعمر الأشياء والمواقع التي درسوها. قد يستنتجون، على سبيل المثال، من أسلوب العمارة أو الفخار أو الأدوات الحجرية التي يجدونها. كان لديهم شعور بأن «هذه المجموعة من الأشياء كانت أقدم من ذلك»، كما يقول مارسيلو كانوتو، عالم الآثار بجامعة تولين الذي يبحث في مواقع حضارات المايا في غواتيمالا وبيليز والمكسيك.

ثم حدثت طفرة كبيرة في منتصف القرن الماضي عندما طور الفيزيائيون التأريخ بالكربون المشع، مستغلين التحلل المتوقع لنظير الكربون - 14 (carbon - 14)، الذي تمتصه الكائنات الحية، إلى أشكال مستقرة من النيتروجين - 14 (nitrogen - 14) بعد موت الكائنات الحية.

يمكن للعلماء حساب كمية ذرات الكربون - 14 المتبقية وتحديد منذ متى كانت جزءاً من شيء حي. وهذا يمنح علماء الآثار القدرة على تأريخ الأشياء التي نشأت في السنوات الخمسين ألفاً الماضية، كما يقول كانوتو.

الذكاء الاصطناعي ووتيرة الاكتشاف

الكثير من العلوم ذات صفة تزايُديّة، إذ إنها تضيف طبقة رقيقة من المعرفة إلى أساس واسع أرست بنيانه أجيال سابقة من الباحثين. لكن التقنيات الجديدة مكّنت من بعض الاكتشافات المذهلة على المستوى الكلي: استخدم طالب جامعي أخيراً الذكاء الاصطناعي لقراءة مخطوطات قديمة عمرها 2000 عام؛ واكتشف علماء الآثار معسكراً رومانياً قديماً على قمة جبل؛ كما اكتُشفت مدينة مفقودة في غابة هندوراس المطيرة.

تقول الدكتورة باركاك، التي تصف نفسها بعالمة الآثار الفضائية: «تكمن القوة الحقيقية للتكنولوجيا في أننا نتمكن بواسطتها من طرح أنواع مختلفة من الأسئلة. إذ لا يتعلق علم الآثار باكتشاف المفقود وإنما بالكشف عن المجهول».

تحليل سريع للبيانات المتوفرةتصف باركاك الذكاء الاصطناعي بأنه «مجموعة إضافية من النظارات» للنظر عبر مجموعات البيانات الكبيرة. وتقول إن الإنسان يتعب ولكن الذكاء الاصطناعي لا يتعب. وهناك الكثير من البيانات المتاحة التي لم يتم تحليلها بعد، تم تجميعها من خلال العمل الميداني القديم أو برامج مراقبة الأمن القومي.

«هذه هي الثورة الحقيقية للذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي. إنه يسمح لنا بمعالجة كل هذه البيانات التي لدينا بالفعل»، كما قال غوتييه، الذي يعمل مساعد أمين الذكاء الاصطناعي في متحف فلوريدا للتاريخ الطبيعي.

استخدم العلماء مؤخراً مسرّع الجسيمات في مختبر لورانس بيركلي الوطني لإرسال حزم من الأشعة السينية عبر شظايا من الخرسانة الرومانية. وساعد ذلك في الكشف عن وصفة الخرسانة التي سمحت للرومان ببناء أشياء لم تنهَر لمدة 2000 عام مثل معبد البانثيون.

التسلسل الجينومي الأفضل

نشهد أيضاً ثورة في العلوم البيولوجية، بما في ذلك علم الجينوم، مما يمنح علماء الآثار طرقاً جديدة للتحقيق في الماضي.

تناولت إحدى الدراسات الحديثة الحمض النووي لعاج حيوان فرس البحر من العصور الوسطى في أوروبا. ووجد الباحثون أن بعض العاج يمكن أن يُعزى إلى الحيوانات التي ربما عاشت في المياه القطبية شمال غربي غرينلاند، وأن سكان غرينلاند الشماليين إما قتلوا الحيوانات في تلك المياه النائية المتجمدة أو شاركوا في التجارة العاجية مع السكان الأصليين، شعب ثولي أو بروتو - إنويت.

إذا كان الأمر الأخير هو الحال، فإنه يمثل بعضاً من أقدم الأدلة على التجارة القطبية - أو ما نسميه الآن العولمة.

لعبت التطورات في القدرة على دراسة الحمض النووي القديم أيضاً دوراً في اكتشاف حديث (رغم أنه مروع ومزعج) في موقع «تشيتشين إيتزا» الشهير للمايا. فقد قام رودريغو باركيرا وزملاؤه في معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية بفحص الحمض النووي المستخرج من العظام المعثور عليها عام 1967 في بئر أثناء التنقيب.

في السابق، كان العلماء يعرفون أن العظام تنتمي إلى أطفال تم التضحية بهم بطقوس قبل ألف عام. إلا أن التكنولوجيا الجديدة ساعدتهم في تحديد أن جميع الأطفال كانوا ذكوراً، بما في ذلك مجموعتان من التوائم.

ويقول باركيرا إن التقنيات التي استخدمها فريقه لتحليل الحمض النووي لم تكن متاحة قبل عقد من الزمن. ففي البيئة الاستوائية تتدهور البقايا البشرية سريعاً، لذلك يجب على الباحثين أن يكونوا ماهرين في كيفية استعادة الحمض النووي من العظام والأسنان. وقد اعتمدوا على التقدم في تسلسل الجينوم التي سمحت بالاسترداد الآلي للحمض النووي التالف. ويضيف باركيرا أن الباحثين قاموا بتجميع «مكتبات» جينومية ضخمة بسرعات لم تكن ممكنة في السنوات الماضية. ويضيف أن التحسينات التقنية جعلت من الممكن «سرد قصص أكثر تعقيداً»، وفعل ذلك بشكل أسرع وبتكلفة أقل. ويتابع القول: «في كل مرة يتم إضافة جهاز تسلسل جديد أو بروتوكول مختبري جديد أو أداة معلوماتية حيوية جديدة، تصبح آلة الزمن أفضل ويمكنها السفر إلى الماضي البعيد، ورسم صور أفضل لما يمكنها رؤيته».



بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
TT

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)

أشارت دراسة حديثة لبيانات رادار خاصة بكوكب الزهرة حصلت عليها مركبة الفضاء ماجلان التابعة لإدارة الطيران والفضاء (ناسا) في تسعينات القرن الماضي إلى وجود تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية. وهذه أول ظاهرة تحت السطح تُكتشف على الكوكب المجاور للأرض.

ووفقاً لـ«رويترز»، قال الباحثون إن بيانات الرادار تتوافق مع سمة جيولوجية تسمى أنبوب الحمم البركانية الموجود في بعض المواقع البركانية ‌على الأرض. وتوجد أنابيب ‌الحمم البركانية أيضاً على ‌القمر ⁠ويُعتقد أنها موجودة ‌على المريخ.

وتغطي سطح الزهرة سحب سامة كثيفة تجعل من الصعب سبر أغواره، لكن الرادار يمكنه اختراق السحب.

وافترض العلماء وجود أنابيب الحمم البركانية على كوكب الزهرة بالنظر إلى تاريخه البركاني.

وقال لورينتسو بروتسوني عالم الرادار والكواكب في جامعة ترينتو بإيطاليا والمعد الرئيسي للدراسة ⁠المنشورة اليوم في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» العلمية: «يمثل الانتقال من ‌النظرية إلى الملاحظة المباشرة خطوة كبيرة إلى الأمام، ويفتح الباب أمام اتجاهات جديدة للبحث، ويوفر معلومات مهمة للمهام المستقبلية التي تهدف إلى استكشاف الكوكب».

وحلل الباحثون البيانات التي تسنى الحصول عليها بواسطة رادار الفتحة التركيبية، وهو جهاز استشعار عن بعد تابع للمركبة ماجلان، بين عامي 1990 و1992 في مواقع تحمل علامات انهيارات سطحية موضعية تشير إلى وجود ⁠أنابيب حمم بركانية تحتها. واستخدموا منهج تحليل بيانات مطورة حديثاً تهدف إلى تحديد التجاويف تحت السطح مثل أنابيب الحمم البركانية.

ولم يحظ كوكب الزهرة باهتمام علمي كبير مقارنة بالمريخ، لكنّ هناك بعثتين مهمتين على وشك الانطلاق، وهما «إنفجن» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية و«فيريتا» التابعة لناسا.

وستحمل كلتا المركبتين الفضائيتين أنظمة رادار متطورة قادرة على التقاط صور عالية الدقة. وستحمل «إنفجن» راداراً مدارياً قادراً على اختراق السطح ‌وعلى استكشاف باطن كوكب الزهرة إلى عمق عدة مئات من الأمتار.


أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.