مطالب جزائرية ملحَّة بـ«اعتراف فرنسا بجرائم الاستعمار»

بينما ازدادت العلاقات الثنائية تدهوراً على خلفية نزاع الصحراء

تدهور العلاقات الجزائرية - الفرنسية كان سبباً في إلغاء زيارة الرئيس تبون إلى باريس (أ.ف.ب)
تدهور العلاقات الجزائرية - الفرنسية كان سبباً في إلغاء زيارة الرئيس تبون إلى باريس (أ.ف.ب)
TT

مطالب جزائرية ملحَّة بـ«اعتراف فرنسا بجرائم الاستعمار»

تدهور العلاقات الجزائرية - الفرنسية كان سبباً في إلغاء زيارة الرئيس تبون إلى باريس (أ.ف.ب)
تدهور العلاقات الجزائرية - الفرنسية كان سبباً في إلغاء زيارة الرئيس تبون إلى باريس (أ.ف.ب)

بينما ازدادت العلاقات الجزائرية - الفرنسية تدهوراً خلال الشهور الأخيرة، شدد كبار المسؤولين الجزائريين وناشطون في تنظيمات مهتمة بالتاريخ على تمسكهم بمطلب «اعتراف الدولة الفرنسية بجريمة الاستعمار»، المرتكبة خلال فترة الاحتلال (1830 - 1962).

الرئيس الجزائري هاجم اليمين الفرنسي بسبب ضغوط لإلغاء اتفاق الهجرة (الرئاسة)

وتجدد الخطاب المعادي لفرنسا بمناسبة احتفالات الجزائريين بمرور 63 سنة على «مظاهرات باريس 17 أكتوبر/ تشرين الثاني 1961»، حينما تعرض مئات المهاجرين الجزائريين في فرنسا لقمع شديد على أيدي الشرطة الباريسية، بسبب خروجهم في مظاهرات دعماً لثورة التحرير، التي كانت تقترب من نهايتها. وخلَّف التدخل الأمني العنيف للمظاهراتلا ثلاثة قتلى وعشرات الجرحى، حسب كتب أرّخت للأحداث.

أعضاء لجنة الذاكرة خلال اجتماع لهم بالرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)

ونُظّمت مؤتمرات وندوات في عدة مناطق بالجزائر، خلال اليومين الأخيرين، استحضرت الذكرى، ترأس بعضها وزير المجاهدين، العيد ربيقة، الذي أكد «تمسك الجزائريين باحترام واجب الذاكرة، ما يبقينا على عهد الألم والذكرى، والتقدير لدماء الجزائريين سفراء الوطن، ومدولي القضية العادلة في عقر دار المستعمر»، ويقصد بذلك أن «أحداث 17 أكتوبر 1961» سرّعت من رفع «القضية الجزائرية» أمام الأمم المتحدة، وكانت سبباً في تدويلها، ومهّدت لخروج الاستعمار من البلاد في 1962.

صورة أرشيفية لمظاهرات 8 مايو 1945 بشرق الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)

وعدّ الوزير مظاهرات المهاجرين في باريس «يوماً حزيناً من أيام الدفاع عن الوطن المفدى، فهي ذاكرة تحيل الجزائريين على يوم خارج الإنسانية... يوم سجل مجازر دموية وجرائم خارج العرف الإنساني، فكان نهر السين شاهداً على تقتيل شعب أراد حقه في البقاء على شرف السيادة والحرية، وعلى ترويع متوحش ضد أبنائنا المسالمين».

وحسب كتب التاريخ، فقد رمى البوليس الفرنسي بالعديد من المتظاهرين في نهر السين، عندما كان يطاردهم بين الأزقة والشوارع، بذريعة «خرق حظر التجوال»، الذي فرضه عليهم يومها، كرد فعل على نداء «جبهة التحرير الوطني» الجزائرية إلى تنظيم احتجاجات ضد المستعمر في بلده.

متظاهرون جزائريون اعتقلوا في بوتو غرب باريس خلال مظاهرة 17 أكتوبر 1961 (مؤسسة الأرشيف الجزائري)

وأكد الرئيس تبون، في خطاب مكتوب بالمناسبة، نشرته الرئاسة، على «تمسك الجزائر بمبدأ الحق والإنصاف في قضية المهاجرين ‏الجزائريين، ضحايا مظاهرات 17 أكتوبر، وعدم تكريس النسيان على هذه الأحداث ‏الدامية»، عاداً «المشاهد المأساوية في محطات مترو الأنفاق، وجسور نهر السين بباريس، التي يحتفظ بها الأرشيف الموثق لحقد الاستعمار ودمويته وعنصريته في تلك اللحظات المجنونة، الخارجة عن أدنى حس حضاري وإنساني، تأكيداً على عمق الرابطة الوطنية المقدسة بين أبناء وطننا العزيز».

وفي إسقاط على واقع العلاقة مع باريس، هاجم تبون «أوساطاً متطرفة (في فرنسا)، تحاول تزييف ملف الذاكرة أو إحالته إلى رفوف النسيان»، في إشارة إلى رفض اليمين التقليدي واليمين المتطرف في فرنسا أي تنازل من جانب باريس في «قضية الاشتغال على الذاكرة»، التي تعني جزائرياً الاعتراف بـ«جريمة الاستعمار»، و«طلب الصفح من الضحية». ويدعو الفرنسيون إلى «فصل براغماتي بين الذاكرة ومستقبل العلاقات الثنائية»، وهو الأمر الذي يتحفظ عليه الجزائريون بشدة، وهو ما كان أيضاً سبباً في عدم تطبيع العلاقات بشكل كامل، على الرغم من استمرار التجارة، و«التبادل الإنساني» بين ضفتي المتوسط.

صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)

وكان مرتقباً أن يزور تبون فرنسا، بداية الشهر الحالي، على أساس اتفاق جرى بينه وبين الرئيس إيمانويل ماكرون في أبريل (نيسان) الماضي. غير أن المشروع تم التخلي عنه، وصرح تبون للصحافة في بداية هذا الشهر بأنه يرفض التوجه إلى باريس في الظروف الحالية، عادّاً الخطوة «إهانةً» لبلده. ولمح في تصريحاته إلى وجود سببين لإلغاء الزيارة: الأول، ضغط يمارسه اليمين التقليدي واليمين المتطرف في فرنسا لإلغاء «اتفاق الهجرة 1968»، الذي يُسيّر مسائل الإقامة والدراسة والعمل في فرنسا بالنسبة للجزائريين، بحجة أنه «يقيد خطة التصدي للهجرة»، التي تطبقها الحكومة. أما السبب الثاني فهو إعلان ماكرون نهاية يوليو (تموز) الماضي، دعم فرنسا مقترح الحكم الذاتي للصحراء، ما دفع الجزائر إلى التنديد بشدة به، وسحب سفيرها من باريس.



حراك إقليمي ودولي مكثف لدفع التسوية السياسية في ليبيا

جانب من اجتماع وزراء خارجية مصر والجزائر وتونس بالقاهرة مايو الماضي (الخارجية المصرية)
جانب من اجتماع وزراء خارجية مصر والجزائر وتونس بالقاهرة مايو الماضي (الخارجية المصرية)
TT

حراك إقليمي ودولي مكثف لدفع التسوية السياسية في ليبيا

جانب من اجتماع وزراء خارجية مصر والجزائر وتونس بالقاهرة مايو الماضي (الخارجية المصرية)
جانب من اجتماع وزراء خارجية مصر والجزائر وتونس بالقاهرة مايو الماضي (الخارجية المصرية)

شهدت الساحة السياسية، الأحد، جهوداً دبلوماسية مكثفة لدفع مسار الحل السياسي في ليبيا، حيث تزامنت اللقاءات في كل من الجزائر والدوحة لتعزيز التنسيق الإقليمي، وتوحيد المؤسسات الوطنية تحت مظلة الأمم المتحدة.

وانطلق في العاصمة الجزائرية، الأحد، الاجتماع الوزاري التشاوري لـ«آلية دول الجوار الثلاثية» الخاصة بليبيا، بحضور وزراء خارجية الجزائر وتونس ومصر: أحمد عطاف، ومحمد علي النفطي، وبدر عبد العاطي.

ويأتي هذا الاجتماع في إطار المساعي المتواصلة للدول الثلاث، لتعزيز التشاور والوصول إلى رؤية مشتركة تدعم حلاً سياسياً توافقياً يملكه الليبيون أنفسهم عبر الحوار المباشر.

ويركز اللقاء على إيجاد «خريطة طريق» تفضي إلى إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية حرة ونزيهة، تفرز مؤسسات موحدة وقوية تحقق تطلعات الشعب الليبي في الأمن والاستقرار.

كما يستعرض الوزراء آخر التطورات السياسية والأمنية لبحث سبل إنهاء الانقسام والحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها.

وكان وزراء خارجية مصر والجزائر وتونس قد أبدوا، في مايو (أيار) الماضي، «رفضهم لأشكال التدخل الخارجي كافة في الشأن الليبي»، عادّينَ ذلك «عاملاً رئيسياً في تأجيج التوترات وإطالة أمد الأزمة».

وكانت القاهرة قد احتضنت اجتماعاً سابقاً لـ«وزراء دول جوار ليبيا» في إطار «الآلية الثلاثية»، انضمت إليه المبعوثة الأممية هانا تيتيه.

وشكّل حينها الوزراء عبد العاطي وعطاف والنفطي، موقفاً متكاملاً يؤكد أن «الحل السياسي الشامل يظل السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة الليبية»، مشددين على «أهمية الدفع بالعملية السياسية قُدماً تحت رعاية الأمم المتحدة، بما يفضي إلى إنهاء حالة الانقسام، وتوحيد مؤسسات الدولة، وتهيئة الظروف الملائمة لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن استجابة لتطلعات الشعب الليبي».

وعلى صعيد متصل، استقبل رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، بالديوان الأميري في الدوحة الأحد، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة.

رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني مستقبلاً رئيس حكومة «الوحدة» الليبية الدبيبة (منصة حكومتنا)

وتناول اللقاء، حسب مكتب الدبيبة، «سُبل تطوير التعاون الثنائي بين البلدين ومتابعة الملفات المشتركة، إلى جانب تبادل وجهات النظر حول مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية وتأثيرها على أمن المنطقة».

كما ناقش الجانبان تطورات المسار السياسي الليبي، «والجهود المبذولة لتجاوز حالة الانسداد السياسي، مع التأكيد على أهمية توحيد المؤسسات الرسمية والأمنية والعسكرية، بما يضمن صون سيادة ليبيا ووحدتها الترابية».

وقال الدبيبة، في افتتاح «منتدى الاستثمار العالمي 2026» بالعاصمة الدوحة، الأحد، إن «ليبيا تعمل على تنويع اقتصادها وتوسيع فرص الاستثمار المحلي والأجنبي؛ نظراً لموقعها الجغرافي والاستراتيجي».

وفي إطار التحركات الدولية، استقبل وكيل وزارة الدفاع بـ«الوحدة» الفريق عبد السلام الزوبي، في طرابلس الأحد، وفداً عسكرياً من المملكة المتحدة برئاسة قائد شبكة وزارة الدفاع البريطانية، اللواء جون كلارك، بحضور سفير بريطانيا لدى ليبيا، مارتن رينولدز.

الزوبي وكيل وزارة الدفاع بـ«الوحدة» الليبية يتوسط وفداً عسكرياً من المملكة المتحدة (وزارة الدفاع بغرب ليبيا)

وتناول اللقاء، حسب وزارة الدفاع في طرابلس، العلاقات الثنائية بين ليبيا والمملكة المتحدة، «وسبل تعزيز التعاون وتطويره في المجالات الدفاعية والأمنية، إلى جانب مناقشة عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك».

وأكد الزوبي «عمق العلاقات التي تجمع البلدين، وأهمية توسيع آفاق التعاون بينهما، فيما شدد الجانبان على مواصلة التشاور والتنسيق وتبادل وجهات النظر، بما يدعم المصالح المشتركة، ويسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في ليبيا والمنطقة».

وتعكس هذه التحركات المتزامنة توافقاً عربياً وإقليمياً ودولياً على ضرورة تقديم الدعم الكامل للمسار السياسي الشامل، وتهيئة الظروف المناسبة للوصول إلى الانتخابات، بوصفها الطريق الأمثل لإنهاء الأزمة الليبية، وتحقيق الاستقرار الدائم.


الجيش السوداني يتصدّى لمسيّرات في ولاية الجزيرة

جنود في مطار الخرطوم الدولي يوم 3 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
جنود في مطار الخرطوم الدولي يوم 3 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

الجيش السوداني يتصدّى لمسيّرات في ولاية الجزيرة

جنود في مطار الخرطوم الدولي يوم 3 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
جنود في مطار الخرطوم الدولي يوم 3 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

أسقطت الدفاعات الجوية للجيش السوداني، في وقت مبكر من صباح الأحد، طائرات مسيّرة يُرجح أنها كانت تستهدف مستودعات «أم عليلة» للوقود، الواقعة على بُعد كيلومترات قليلة من مدينة ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة وسط السودان.

وأفادت مصادر بأن 4 مسيّرات حلّقت في سماء بلدة «أم عليلة»، شرقي الولاية، قبل دقائق من سماع دوي إطلاق النار من المضادات الأرضية.

وذكرت منصات إعلامية أن الجيش السوداني تصدّى للمسيّرات قبل تنفيذ هجومها، فيما لم يتسنَّ التحقق من هذه المعلومات من مصادر أخرى، في ظل غياب أي تعليق رسمي فوري.

وفي السياق نفسه، أفادت مصادر محلية بأن مسيّرة انتحارية قصفت محطة للوقود في مدينة أم روابة بولاية شمال كردفان، دون تسجيل خسائر في الأرواح والممتلكات.

وكثّفت «قوات الدعم السريع» استخدام المسيّرات الاستراتيجية والانتحارية بعيدة المدى لاستهداف مواقع عسكرية ومطارات ومنشآت تابعة للجيش، بما في ذلك مواقع في العاصمة الخرطوم.

في المقابل، يواصل الجيش السوداني شنّ غارات جوية مكثفة على مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، التي يتخذها تحالف «تأسيس» الموالي لـ«قوات الدعم السريع» مقراً لحكومته الموازية.

وخلال الأيام القليلة الماضية، قُتل أكثر من 300 شخص في غارات جوية بطائرات مسيّرة استهدفت عدداً من المواقع المدنية في دارفور وكردفان والنيل الأزرق والخرطوم، في تصعيد للهجمات المتبادلة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، وفق تقارير أممية.

وتحوّلت المسيّرات إلى واحدة من أبرز أدوات القتال في الحرب السودانية، في ظل اعتماد الطرفين المتزايد عليها لاستهداف مواقع بعيدة عن خطوط المواجهة المباشرة.

تفكيك السودان

جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 في مدينة جنيف السويسرية (أ.ف.ب)

من جهة أخرى، حذّر رئيس الوزراء السوداني السابق ورئيس التحالف المدني «صمود»، عبد الله حمدوك، من أن استمرار الحرب والمواجهات المسلحة بين طرفَي النزاع قد يؤدي إلى تشظي البلاد. وقال: «إن وراء هذه الكارثة الإنسانية يكمن خطر أشد عمقاً، وهو تفكك الدولة السودانية».

وفي كلمة ألقاها أمام المؤتمر السنوي لجمعية الأساتذة السودانيين الأميركيين، مساء السبت، أشار إلى أن «الحرب أطلقت موجة من الانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين، شملت العنف بدوافع إثنية، والعنف الجنسي، والهجمات العشوائية، وتدمير سبل كسب العيش».

وجدد حمدوك تأكيده أن الأزمة السودانية لا يمكن حسمها عسكرياً، وأن الحل السياسي الشامل يظل الخيار الوحيد لإنقاذ البلاد. وقال: «لا يستطيع أي من الطرفين تحقيق تسوية سياسية مستدامة من خلال الانتصار العسكري وحده».

وفي هذا الصدد، أشار إلى أن سعي الأطراف المسلحة لتحقيق تفوق عسكري على الأرض، أدى إلى تقويض فرص الوصول إلى حل سلمي متفاوض عليه عبر طاولة المفاوضات.

ويبحث المؤتمر ورقة بعنوان «السودان ما بعد الحرب... خارطة طريق للحكم وإعادة الإعمار والمشاركة المدنية».

وشدد حمدوك على أن الأولوية أمام القوى المدنية والمجتمع الدولي وقف الأعمال العدائية فوراً، وحماية المدنيين، عبر هدنة إنسانية عاجلة، تضمن وصول المساعدات الإنسانية إلى جميع السودانيين دون معوقات.

وقال حمدوك إن تحالف «صمود» أجرى اتصالات دبلوماسية مع الحكومات والمنظمات الإقليمية والدولية والمنظمات العاملة في بناء السلام، مشدداً على «الحاجة الملحة إلى تنسيق جهود الوسطاء تجاه حل الأزمة السودانية».

وأضاف: «رحبنا بمبادرة الآلية الرباعية التي تضم المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر والولايات المتحدة، لتأكيدها عدم وجود حل عسكري قابل للتحقق، ودعمها مسار الانتقال المدني الديمقراطي في البلاد».

وأوضح «أن التحدي أمام الجهود الدولية تحويل هذه الأطر الدبلوماسية إلى عملية سلام منسقة وذات مصداقية وقابلة للتنفيذ».


أسعار الإنترنت ترهق ميزانيات أسر مصرية رغم «التدخل الحكومي»

مصطفى مدبولي أكد خلال «منتدى مصر» السبت أن الحكومة تستهدف مضاعفة سعة باقة الإنترنت الأرضي الأساسية (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
مصطفى مدبولي أكد خلال «منتدى مصر» السبت أن الحكومة تستهدف مضاعفة سعة باقة الإنترنت الأرضي الأساسية (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
TT

أسعار الإنترنت ترهق ميزانيات أسر مصرية رغم «التدخل الحكومي»

مصطفى مدبولي أكد خلال «منتدى مصر» السبت أن الحكومة تستهدف مضاعفة سعة باقة الإنترنت الأرضي الأساسية (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
مصطفى مدبولي أكد خلال «منتدى مصر» السبت أن الحكومة تستهدف مضاعفة سعة باقة الإنترنت الأرضي الأساسية (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

رغم اتجاه الحكومة المصرية إلى «مضاعفة سعة الباقة الأساسية للإنترنت الأرضي»، لا تزال تكاليف خدمات الاتصالات «تمثل عبئاً على ميزانيات بعض الأسر»، وذلك بسبب تعدد الاشتراكات الشهرية للهواتف الجوالة والإنترنت المنزلي، والاضطرار إلى شراء سعات إضافية أو تجديد الباقات قبل موعدها.

وأعلن «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر، الأحد، بدء الإجراءات التنفيذية والفنية اللازمة لمضاعفة سعة الباقة الأساسية للإنترنت الأرضي من 50 إلى 100 غيغابايت، دون زيادة في سعر الاشتراك البالغ 150 جنيهاً (الدولار يساوي 55.08 جنيه) في خطوة تستهدف الاستجابة لشكاوى المستخدمين من سرعة نفاد الباقات.

وكان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي قد قال في الجلسة الختامية لـ«منتدى مصر 2026»، السبت، إن «الحكومة تستهدف مضاعفة سعة باقة الإنترنت الأرضي الأساسية بنفس السعر الحالي».

ويشكو الأربعيني محمود إسماعيل، الذي يعمل في شركة خاصة، مما يصفه بـ«البند المخصص لخدمات الاتصالات»؛ إذ يسدد شهرياً فاتورة هاتفه الجوال إلى جانب باقتَي نجلَيه في المرحلة الإعدادية، فضلاً عن اشتراك الإنترنت المنزلي.

ويقول إسماعيل، الذي يقطن في ضاحية 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة، إن متوسط ما يخصصه لهذا البند «لا يقل عن ألفَي جنيه شهرياً، علاوة على فاتورة الإنترنت الأرضي، التي ترتفع تباعاً مع زيادة استهلاك أفراد الأسرة؛ إذ غالباً ما تنفد الباقة قبل موعدها»، ما يضطره إلى شراء سعات إضافية أو التجديد المبكر.

إسماعيل لديه 3 أبناء في مراحل تعليمية مختلفة، وينتمي إلى قاعدة واسعة من مستخدمي خدمات الاتصالات بمصر؛ إذ «بلغ عدد اشتراكات الهاتف الجوال النشطة نحو 125.6 مليون اشتراك بنهاية مارس (آذار) 2026، في حين اقتربت اشتراكات الإنترنت الثابت من 13 مليوناً»، وفق مؤشرات صادرة عن وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في يونيو (حزيران) الماضي.

جلسة سابقة في مجلس النواب المصري بالعاصمة الجديدة (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

وترى وكيلة «لجنة الاتصالات» بمجلس النواب المصري مها عبد الناصر، أن مضاعفة سعة الباقة الأساسية دون زيادة سعرها تمثل «خطوة إيجابية لتخفيف الأعباء عن المواطنين»، لكنها «لا تعني انتهاء المشكلات المرتبطة بتكلفة خدمات الإنترنت وجودتها». وتدعو إلى «ضرورة مراجعة أسعار الإنترنت وسعات الباقات وجودة الخدمة، بما يتناسب مع احتياجات المواطنين ومعدلات استهلاكهم المتزايدة».

وتؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن «الإنترنت أصبح ضرورة أساسية ترتبط بالتعليم والعمل والحصول على الخدمات المختلفة، ولم يعد مجرد وسيلة للترفيه، ما يستدعي استمرار العمل على توفير خدمات اتصالات بأسعار مناسبة، مع مراعاة التوازن بين تكلفة الخدمة واحتياجات المستخدمين».

ويأتي التحرك الحكومي الأخير في ظل شكاوى متكررة من «سرعة نفاد باقات الإنترنت وارتفاع تكلفتها الفعلية على الأسر»، وأوصت «لجنة الاتصالات» بمجلس النواب في نهاية يونيو الماضي خلال مناقشة إحاطة برلمانية عن أسعار الإنترنت بـ«توفير باقات مخفضة للمواطنين لا يتجاوز سعرها 150 جنيهاً».

عضوة مجلس النواب إيرين سعيد أشارت إلى أن أعباء خدمات المحمول والإنترنت أصبحت «تمثل بنداً مهماً على ميزانيات الأسر، وقد تفوق القدرة الشرائية للمواطن المصري، خصوصاً مع الاعتماد المتزايد على الإنترنت».

وتوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «المشكلة لا تتعلق فقط بأسعار الباقات، إنما بسرعة نفادها والحاجة إلى تجديدها أكثر من مرة خلال الشهر، فحتى لو كان سعر الباقة في حد ذاته يبدو مقبولاً، فإن قِصر مدة الاستفادة الفعلية منها يؤدي إلى زيادة التكلفة الشهرية الحقيقية على الأسرة».

مقر «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر» (الصفحة الرسمية للجهاز على «فيسبوك»)

وكان «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» قد وافق في مايو (أيار) الماضي على تحريك أسعار بعض باقات الإنترنت والجوال بنسبة تراوحت بين 9 و15 في المائة، وعزا قراره حينها إلى «ارتفاع سعر الصرف وتكاليف الطاقة والتشغيل والعمالة وإنشاء الشبكات ومعدات الاتصالات».

وتأتي التوصية الحكومية الجديدة بمضاعفة سعة الباقة الأرضية الاقتصادية من 50 إلى 100 غيغابايت بعد أشهر من طرحها، في محاولة لتوسيع حجم الاستخدام المتاح للمشتركين دون تحميلهم زيادة في سعر الاشتراك. لكن بحسب المراقبين «لا تكفي السعة الجديدة أسرة تضم عدداً من المستخدمين، خصوصاً مع استخدام مقاطع الفيديو والمنصات التعليمية والألعاب والتحديثات التلقائية للتطبيقات والأجهزة».

وبحسب خبير الاتصالات محمد مصطفى، فإن «التكلفة الفعلية للاتصالات لا تتوقف عند السعر المعلن للباقة، إنما تتحدد في نهاية الشهر عند نفاد الباقة والحاجة إلى التجديد، وهي معادلة تجعل فاتورة الاتصالات واحدة من الفواتير الأساسية للمنزل، لكنها الوحيدة تقريباً التي لا يمكن توقع قيمتها بدقة في بداية الشهر».