قضايا ثنائية إقليمية «حرجة» في مباحثات إردوغان وشولتس بإسطنبول

مقاتلات «يوروفايتر» وإعادة طالبي اللجوء تتقدمان المباحثات

إردوغان وشولتس التقيا الشهر الماضي في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة (الرئاسة التركية)
إردوغان وشولتس التقيا الشهر الماضي في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة (الرئاسة التركية)
TT

قضايا ثنائية إقليمية «حرجة» في مباحثات إردوغان وشولتس بإسطنبول

إردوغان وشولتس التقيا الشهر الماضي في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة (الرئاسة التركية)
إردوغان وشولتس التقيا الشهر الماضي في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة (الرئاسة التركية)

يقوم المستشار الألماني أولاف شولتس بزيارة عمل إلى تركيا، السبت، يجري خلالها مباحثات مع الرئيس رجب طيب إردوغان في إسطنبول، تتناول عدداً من الموضوعات الثنائية والإقليمية والدولية. ويتصدر المباحثات بين إردوغان وشولتس الموقف الألماني من حصول تركيا على مقاتلات «يوروفايتر- تايفون»، التي تشارك ألمانيا في إنتاجها ضمن كونسورتيوم يضم أيضاً بريطانيا وإيطاليا وإسبانيا، في أعقاب السماح بتصدير أسلحة بملايين الدولارات إلى تركيا بعد حظر استمر منذ عام 2019.

ولفت وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، إلى تقدم المحادثات مع ألمانيا حول مقاتلات «يوروفايتر- تايفون». وقال، في مقابلة تلفزيونية ليل الخميس - الجمعة، إن هناك إشارات إيجابية من الجانب الألماني لبدء المفاوضات الفنية بهذا الخصوص.

وعلى الرغم من التقلبات في العلاقات بين أنقرة وبرلين، فإن ألمانيا هي الدولة الأكثر اتصالاً مع تركيا من بين دول مجموعة السبع، والتقى إردوغان وسولتش منذ أسابيع قليلة في نيويورك، على هامش أعمال الدورة 79 للجمعية العامة للأمم المتحدة.

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (الخارجية التركية)

وتركز أنقرة على قضيتين أساسيتين حالياً مع ألمانيا؛ الأولى قضية مقاتلات «يوروفايتر- تايفون»، والثانية مشكلة تحرير تأشيرة «شنغن» للمواطنين الأتراك، أما في برلين فتبرز قضيتان؛ الأولى هي المهاجرون، ولها شقان الأول يتعلق باللاجئين السوريين ومنع طالبي اللجوء غير الأتراك، وهي قضية مستمرة منذ عام 2011، والشق الثاني يتعلق بعودة آلاف المواطنين الأتراك الذين رُفضت طلباتهم للجوء السياسي إلى ألمانيا.

ومن المقرر أن تبدأ في الأسابيع المقبلة إعادة 13500 مواطن تركي رُفضت طلباتهم للجوء السياسي (بلغ معدل الرفض نحو 95 في المائة)، لكن تم الاحتفاظ بهم في ألمانيا.

وبحسب عضو لجنة الامتثال لمعايير الاتحاد الأوروبي في حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، مراد جاهد جينجي، ستغطي ألمانيا تكاليف إعادة مَن تم رفض طلبات لجوئهم.

تركيا تتطلع إلى موقف ألماني إيجابي بشأن حصولها على مقاتلات «يوروفايتر» (إعلام تركي)

وأعلنت وزيرة الداخلية الألمانية، نانسي فيزر، أنه سيتم إعادة 500 مواطن تركي إلى بلادهم كل أسبوع، لكن تقارير أشارت إلى أن أنقرة رفضت هذا الادعاء، ما يشير إلى وجود سوء تفاهم بين الأطراف المعنية.

وتطرق البرلماني التركي إلى الصعوبات التي يواجهها المواطنون الأتراك في الحصول على تأشيرات «شنغن»، مشيراً إلى أن هذا يشكل تحدياً منذ فترة طويلة، وقد تفاقم في السنوات الأخيرة.

وقال جينجي إن المواطنين الأتراك في ألمانيا يواجهون مشكلات فيما يتعلق بالجنسية المزدوجة، ففي السابق، كان يتعين على الأفراد التخلي عن جنسيتهم التركية للحصول على الجنسية الألمانية، ومع ذلك، سيسمح القرار الجديد، الذي سيدخل حيز التنفيذ في يونيو (حزيران) 2025، بالجنسية المزدوجة.

وتشير بيانات صادرة عن الوكالة الأوروبية للجوء إلى أن عدد طلبات اللجوء التي تقدم بها مواطنون أتراك بلغ أكثر من 28 ألفاً خلال النصف الأول من عام 2024 الحالي، وهو رقم يوازي طلبات اللجوء التي تقدم بها الأتراك لدى دول الاتحاد الأوروبي جميعها في عام 2023.

على صعيد القضايا الإقليمية والدولية ستركز المباحثات على علاقات تركيا بالاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، والحرب الروسية - الأوكرانية، بينما تشكل الحرب الإسرائيلية على غزة ولبنان ملفاً خلافياً بين أنقرة وبرلين.

طالبو اللجوء الأتراك لألمانيا فاق عددهم في دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة (إعلام تركي)

ومنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية في غزة قبل عام، كان دعم شولتس لإسرائيل، رغم الإبادة الجماعية للفلسطينيين ثم الهجوم على لبنان، نقطة خلاف كبيرة دفعت إردوغان إلى تذكير ألمانيا، مراراً، بمحرقة الهولوكوست في الحقبة النازية.

لكن ذلك الخلاف العميق لم يمنع البلدين من العمل على إطلاق سراح الرهائن المحتجزين لدى «حماس» وإسرائيل، وإيصال المساعدات الإنسانية إلى الفلسطينيين، ويعد الاجتماع الثاني بين إردوغان وشولتس خلال شهر واحد مهماً في حد ذاته، كما أكد رئيس مجلس الأعمال التركي الألماني، محمد علي يالتشين داغ.

إردوغان وشولتس خلال لقاء سابق بينهما (أرشيفية)

وبحسب يالتشين داغ، يبحث كلا البلدين (تركيا وألمانيا) عن «قصة نجاح جديدة»، ليس فقط بسبب ملايين المواطنين الأتراك الذين يعيشون في ألمانيا، وحجم التجارة السنوي الذي يبلغ 55 مليار دولار، لكن لأنه يتعين عليهما تحسين علاقاتهما التاريخية من خلال استراتيجية مشتركة لمدة 10 سنوات قادمة على الأقل.

وأضاف أنه فيما يتعلق بالاستثمارات الجديدة، تتمتع العلاقات بين تركيا وألمانيا بالمزيد من الفرص للتطور نحو دول ثالثة، وأحد الأسباب وراء ذلك هو أن الاستثمارات الألمانية واسعة النطاق وصلت إلى نقطة التشبع، والسبب الآخر هو أنه مع التحفظات على استقلال القضاء وسيادة القانون في تركيا، يعتقد الألمان أن الشركات الكبيرة لا تتصرف انطلاقاً من مخاوف تجارية، بل انطلاقاً من مخاوف سياسية، فالمسألة تعود إلى سيادة القانون، شئنا أم أبينا.


مقالات ذات صلة

تركيا: زعيم المعارضة يواجه رفع الحصانة البرلمانية والمحاكمة

شؤون إقليمية زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل متحدثاً أمام حشد من أنصار الحزب في مدينة أوشاك غرب تركيا السبت الماضي (حساب الحزب في إكس)

تركيا: زعيم المعارضة يواجه رفع الحصانة البرلمانية والمحاكمة

اتهم رئيس حزب «الشعب الجمهوري» المعارض أوزغور أوزيل الرئيس إردوغان بتحويل القضاء إلى «أداة سياسية» للانتقام من منافسه رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية أنصار حزب «الشعب الجمهوري» يرفعون صورة لرئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو خلال تجمع بمدينة أوشاك غرب تركيا السبت الماضي (حساب الحزب في إكس)

تركيا: زعيم المعارضة يقترح فرض «الإقامة الجبرية» على إمام أوغلو

أثار اقتراح لرئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل وضع رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو رهن الإقامة الجبرية لحين انتهاء محاكمته في قضية فساد جدلاً واسعاً.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)

إردوغان يؤكّد رفض تركيا الانجرار إلى الحرب

أكّد الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، أن بلاده لن تنجرَّ إلى الحرب الدائرة بين إيران، وإسرائيل والولايات المتحدة، لافتاً إلى استعدادها لمواجهة جميع التهديدات.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (رويترز) p-circle

إردوغان: تركيا لن تنجر للحرب مع إيران

قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، اليوم الجمعة، إن تركيا لن تنجر إلى الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، لكنها مستعدة لمواجهة جميع التهديدات.

«الشرق الأوسط» (أنقرة )
شؤون إقليمية جزء من حطام صاروخ باليستي إيراني سقط بهطاي جنوب تركيا في 4 مارس الحالي بعد تصدي دفاعات حلف شمال الأطلسي (الناتو) له (رويترز)

دفاعات «الناتو» تُدمّر صاروخاً ثالثاً دخل مجال تركيا الجوي من إيران

أكّد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أن بلاده تقود حراكاً دبلوماسياً مكثفاً لاحتواء دوامة العنف التي تتمحور حول إيران، والتي تنطوي على خطر جر المنطقة إلى «كارثة».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

البدائل الأوروبية لمطالب ترمب بشأن أمن مضيق هرمز

صورة مأخوذة من القمر الصناعي «لاندسات - 8-9» نشرتها هيئة المسح الجيولوجي الأميركية الثلاثاء تظهر دخاناً يتصاعد من منشأة «مينا للبترول» في ميناء صلالة بعمان (أ.ف.ب)
صورة مأخوذة من القمر الصناعي «لاندسات - 8-9» نشرتها هيئة المسح الجيولوجي الأميركية الثلاثاء تظهر دخاناً يتصاعد من منشأة «مينا للبترول» في ميناء صلالة بعمان (أ.ف.ب)
TT

البدائل الأوروبية لمطالب ترمب بشأن أمن مضيق هرمز

صورة مأخوذة من القمر الصناعي «لاندسات - 8-9» نشرتها هيئة المسح الجيولوجي الأميركية الثلاثاء تظهر دخاناً يتصاعد من منشأة «مينا للبترول» في ميناء صلالة بعمان (أ.ف.ب)
صورة مأخوذة من القمر الصناعي «لاندسات - 8-9» نشرتها هيئة المسح الجيولوجي الأميركية الثلاثاء تظهر دخاناً يتصاعد من منشأة «مينا للبترول» في ميناء صلالة بعمان (أ.ف.ب)

عجل الأوروبيون في قطع الطريق على دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لحثهم على إرسال قطعهم العسكرية البحرية إلى مياه الخليج من أجل مواكبة ناقلات النفط والغاز والسفن الأخرى لعبور مضيق هرمز الاستراتيجي المغلق فعلياً إلا بوجه عدد محدود من الدول التي توصلت إلى تفاهمات مع إيران كالصين والهند للسماح لناقلاتها أو تلك المتجهة إليها بالعبور الآمن.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (وسط) مترئساً اجتماعاً لمجلس الدفاع والأمن القومي في قصر الإليزيه مخصصاً للوضع في الخليج والشرق الأوسط (أ.ب)

كذلك لجأت عدة دول أوروبية أعضاء في الحلف الأطلسي إلى تذكير ترمب بأن مهام الحلف الأطلسي لا تشمل مضيق هرمز. وما لا يريده الأوروبيون، بأي شكل من الأشكال، أن يكونوا جزءاً من الحرب الدائرة منذ 18 فبراير (شباط) الماضي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.

وجاء إلحاح ترمب، الذي وجهه إلى الحلف الأطلسي والصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، ليضع الأوروبيين في وضع بالغ الدقة، حيث إنهم ليسوا مستعدين للحاق بترمب، ولا هم قادرون على تجاهله، والأكثر من ذلك مواجهته.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

وبان التردد الأوروبي في عجز وزراء خارجية دول الاتحاد في اجتماعهم الاثنين في بروكسل للتوصل إلى مخرج يتخطى رفضهم الاستجابة لما يريده الرئيس الأميركي.

بيد أن الخط العام الذي يسير عليه الأوروبيون، بشكل عام، لخصته كايا كالاس، في مقابلة مع وكالة «رويترز» الثلاثاء، وجاء في حرفيته أن «لا أحد مستعد لتعريض شعبه للخطر في ‌مضيق هرمز، ولذا علينا إيجاد سبل ⁠دبلوماسية ⁠لإبقاء هذا المضيق مفتوحاً، حتى لا نواجه أزمة غذاء أو أزمة أسمدة أو أزمة طاقة أيضاً».

ويعني كلام المسؤولة الأوروبية الاستبعاد الكلي للجوء إلى القوة العسكرية للمحافظة على حرية الإبحار في المضيق الاستراتيجي. غير أن هذا الموقف الذي يحظى، كما بينت مناقشات وزراء خارجية الاتحاد، بدعم غالبية أعضائه، لا يكفي لإخراج الأوروبيين من ورطتهم؛ الأمر الذي برز من خلال عدم تبنيهم لأي قرار في اجتماع الاثنين.

«مهمة أسبيدس»

بوسع الاتحاد الأوروبي، نظرياً، أن يختار واحداً من الحلول الثلاثة الممكنة، في حال وضع الخيار الأميركي جانباً، وأولها توسيع إطار ما يسمى «مهمة أسبيدس» التي تعني باليونانية «الدروع». وهذه «المهمة» الأوروبية أطلقت في عام 2024 لحماية الملاحة في البحر الأحمر من الهجمات الحوثية التي كانت تستهدف السفن العابرة فيه. والفارق الرئيسي بين هذه «المهمة» وما قام به الطرف الأميركي أنها «محض دفاعية»؛ بمعنى أن القطع الأوروبية المشاركة فيها (وليست كثيرة وهي تعد ثلاث فرقاطات) كانت تمتنع عن استهداف مواقع إطلاق الصواريخ والأراضي اليمنية.

منظر جوي لجزيرة قشم المفصولة عن البر الإيراني الرئيس بمضيق كلارنس (رويترز)

والفكرة التي راجت أوروبياً أن بالإمكان تعزيز «أسبيدس» ومد انتدابها لتشمل مياه الخليج ومضيق هرمز. وهذا الخيار يحظى بدعم فرنسا وعدد آخر من الدول التي ترى فيه مخرجاً للهروب من الضغوط الأميركية. لكن المناقشات الوزارية لم تفض إلى نتيجة إيجابية أقله في الوقت الحاضر. وما يهم الأوروبيين راهناً هو كسب الوقت وعدم الانجرار وراء الأميركيين وترقب مسار التطورات العسكرية رغم الأزمة التي ضربت سريعاً قطاع الطاقة. بيد أن كالاس أسفت مع نهاية الاجتماع الوزاري أن «الدول الأعضاء لا ترغب بالوقت الراهن في تغيير انتداب (مهمة أسبيدس) وأن لا أحد يرغب في المشاركة النشطة في الحرب».

Leaders of the "European Troika" with the Ukrainian President at the entrance to the British Prime Minister's headquarters in London on Monday (AFP)

هل سيرى التحالف الدولي النور؟

ثمة خيار آخر متاح للأوروبيين عنوانه إقامة «تحالف دولي» من الجهات الراغبة بالمشاركة بعيداً عن الأميركيين، وتنحصر مهمته بتوفير الإبحار الآمن في الخليج ومضيق هرمز، من خلال مواكبة الناقلات بقطع عسكرية أوروبية وغير أوروبية.

وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أول من طرح المشروع الذي لا يمكن السير به في ظل الحرب القائمة. ووفق تصوره، فإن مهمة التحالف المشار إليه «محض دفاعية».

ورغم مرور عشرة أيام على مقترحه، فإن الأمور ما زالت ضبابية. واستبعد ماكرون، بعد ظهر الثلاثاء، وبمناسبة اجتماع جديد لمجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه، مشاركة بلاده في أي عمليات مواكبة في ظل الحرب المشتعلة، مكذباً بذلك تأكيدات ترمب الذي أشار نهاية الأسبوع إلى أن باريس تدعم جهود بلاده. وقال ما حرفيته: «لسنا طرفاً ‌في ‌النزاع، وبالتالي لن تشارك فرنسا أبداً في ‌عمليات فتح أو تحرير ‌مضيق هرمز في السياق الراهن».

سفينة الحاويات «سورس بليسنغ» التي أصيبت بمقذوفات أصابتها بالقرب من مضيق هرمز راسية في هامبورغ (رويترز)

بيد أنه أردف قائلاً: «نحن مقتنعون بأنه بمجرد أن تهدأ الأوضاع - وأنا أستخدم هذا المصطلح على نحو فضفاض عن قصد - أي بمجرد توقف القصف الرئيسي، سنكون مستعدين، إلى جانب الدول الأخرى، لتحمل مسؤولية نظام المرافقة».

ما يفهم من المصادر الفرنسية أن الغرض إنشاء قوة بحرية - جوية يكون حضورها رادعاً. ورغم سلمية المهمة والميل للتفاهم بشأنها مع إيران، فإن القوة ستكون مؤهلة للرد على الاعتداءات التي تستهدف السفن العابرة. وحتى اليوم، فإن دولاً أوروبية رئيسية مثل ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وأخرى غير أوروبية مثل الهند وكندا وأخرى خليجية أبدت انفتاحاً على المقترح المذكور الذي يحتاج للكثير من البحث والتأطير، والوقت.

وأفاد مصدر عسكري قبل يومين بأن باريس تقوم بمجموعة من الاتصالات مع دول يرجح أن تكون مهتمة بالمقترح ولن يكون ممكن التحقيق إلا بعد أن تتوقف الحرب عملياً. ويمكن تلخيص المبادرة الفرنسية بأنها أقرب إلى الدبلوماسية، ويراد لها أن تكون دفاعية ودولية وألا يتم الخلط بينها وبين النشاط الأميركي - الإسرائيلي في المنطقة في الخليج والمضيق.

الاحتذاء بالنموذج الأوكراني

خلال اجتماع الاثنين، وبعد أن أكدت كالاس أن الحرب الدائرة حالياً «ليست حرب أوروبا، ولكن المصالح الأوروبية معنية بها بشكل مباشر»، اقترحت حلاً شبيهاً بما يسمّى «مبادرة البحر الأسود»، التي تم التوصل إليها في يوليو (تموز) من عام 2022؛ أي بعد الأشهر الأولى من الحرب الروسية - الأوكرانية.

وهدف المبادرة وقتها، إتاحة الإبحار الآمن في البحر الأسود للبواخر المحملة بالحبوب والأسمدة إن من أوكرانيا أو من روسيا. والدول التي كانت ضالعة في الاتفاق، إلى جانب الأمم المتحدة، هي روسيا وأوكرانيا وتركيا. وتقوم «المبادرة» على إيجاد ممرات بحرية آمنة مع مركز للتنسيق قائم في إسطنبول. وقد سمحت المبادرة بإخراج آلاف الأطنان من الحبوب والمساهمة في استقرار الأسواق. وبالنظر إلى ما قامت به الأمم المتحدة، فإن كالاس اتصلت بأمينها العام غوتيريش للتنسيق معه. وسيكون الأخير في أوروبا هذا الأسبوع بمناسبة القمة التي ينوي قادة الاتحاد عقدها، والتي ستدور غالبية أعمالها عن الحرب في الخليج والشرق الأوسط.

وصلت السفينة الهندية «ناندا ديفي» المحمَّلة بغاز البترول المسال إلى ميناء فادينار بولاية غوجارات بعد أن سمحت لها إيران بالمرور عبر مضيق هرمز (أ.ف.ب)

في عام 2020، أطلق الأوروبيون «مهمة دولية» للمحافظة على الأمن وحرية الملاحة في مضيق هرمز، ويشار إليها بـEMASOH. لكن هذه «المهمة» تراجع دورها بعد أن انسحبت منها عدة دول وتقلص القطع العسكرية المخصصة لها، إما بسحبها أو بتحويلها إلى مهمة «أسبيدس». وكان لهذه المهمة جناح عسكري يسمى «AGENOR» ومركز قيادة في أبوظبي. وبسبب هذه التطورات فرغت هذه «المهمة» التي كانت تجمع ما بين الدبلوماسية وإمكانية اللجوء إلى القوة العسكرية من أي محتوى. ولذا، ليس من المستبعد أن الدول التي كانت ناشطة فيها وغير الراغبة بالاستجابة لنداء ترمب أن تكون مستعدة، عندما تتوافر الظروف، في الانخراط بـ«التحالف الدولي» الذي يستعيد «فلسفتها»، والذي يريده الأوروبيون بالدرجة الأولى.


«الباسيج»… ذراع التعبئة وحارس الداخل في بنية «الحرس الثوري»

دوريات لـ«الباسيج» تابعة لوحدة القوات الخاصة «ثار الله» المسؤولة عن حماية أمن العاصمة طهران (أرشيفية - تسنيم)
دوريات لـ«الباسيج» تابعة لوحدة القوات الخاصة «ثار الله» المسؤولة عن حماية أمن العاصمة طهران (أرشيفية - تسنيم)
TT

«الباسيج»… ذراع التعبئة وحارس الداخل في بنية «الحرس الثوري»

دوريات لـ«الباسيج» تابعة لوحدة القوات الخاصة «ثار الله» المسؤولة عن حماية أمن العاصمة طهران (أرشيفية - تسنيم)
دوريات لـ«الباسيج» تابعة لوحدة القوات الخاصة «ثار الله» المسؤولة عن حماية أمن العاصمة طهران (أرشيفية - تسنيم)

لا ينظر إلى «الباسيج» في إيران، بوصفه مجرد تشكيل ميليشياوي تابع لـ«الحرس الثوري»، بل هو أحد أكثر أدوات «الجمهورية الإسلامية» تشعباً داخل المجتمع الإيراني، وأقربها إلى وظيفة الربط بين الأمن والعقيدة والسياسة.

فمنذ تأسيسه عقب ثورة 1979، تطور من قوة تعبئة شعبية استدعيت أولاً لحماية النظام الوليد والمشاركة في الحرب العراقية - الإيرانية، إلى جهاز واسع الحضور يؤدي أدواراً متداخلة في الضبط الداخلي، والمراقبة الاجتماعية، والتعبئة الآيديولوجية، ودعم نفوذ «الحرس الثوري» داخل الدولة والمجتمع.

من «تعبوي» إلى جهاز أمن داخلي

تأسس «الباسيج» بأمر من المرشد الأول (الخميني) في نوفمبر (تشرين الثاني) 1979، في إطار فكرة إنشاء «جيش العشرين مليوناً» للدفاع عن الثورة والنظام الجديد.

وفي بداياته، اضطلع بأدوار أمنية وخدمية محدودة، قبل أن يتحول سريعاً خلال الحرب مع العراق إلى خزّان بشري للتعبئة. وهناك ارتبط اسمه بما عُرف بـ«الموجات البشرية»، حين زُجّ بمتطوعين، كثير منهم من صغار السن أو قليلي التدريب، في جبهات القتال والحقول الملغومة.

لكن نهاية الحرب لم تعنِ تراجع دوره. على العكس، أعيد توجيه «الباسيج» تدريجياً نحو الداخل، ليتحول إلى أحد الضامنين الأساسيين للأمن الداخلي. ومنذ تسعينات القرن الماضي، ومع اتساع الاحتجاجات الطلابية والاجتماعية، صار الباسيج أداة رئيسية في مواجهة الاضطرابات، وخصوصاً في احتجاجات 1999 ثم الحركة الخضراء عام 2009، وصولاً إلى موجات الاحتجاج اللاحقة.

موقعه داخل القوات المسلحة

من الناحية الهيكلية، لا يعمل «الباسيج» كقوة مستقلة بالكامل، بل يخضع لـ«الحرس الثوري»، الذي يتولى قيادته وإعادة تنظيمه وتحديد وظائفه. وقد مرّ بعدة مراحل تنظيمية، قبل أن يُدمج بصورة أوثق داخل بنية الحرس، ويصبح جزءاً من منظومة الأمن الموازي التي يقودها الأخير.

أعضاء الباسيج الطلابي يستقبلون المرشد السابق علي خامنئي بترديد هتافات (أرشيفية - موقع خامنئي)

وبذلك، لا يُقاس وزن «الباسيج» بعدد أفراده فقط، وهو رقم محل جدل كبير بين التقديرات الرسمية وغير الرسمية، بل أيضاً بموقعه كامتداد اجتماعي لـ«الحرس الثوري» داخل المدن والجامعات والمدارس والنقابات والأحياء.

وعلى هذا الأساس، يشكل «الباسيج» طبقة وسيطة بين المؤسسة العسكرية الصلبة والمجتمع. فهو ليس جيشاً نظامياً بالمعنى التقليدي، ولا مجرد ميليشيا شوارع، بل شبكة تعبئة تتغلغل في البنية المدنية، وتتيح لـ«الحرس الثوري» الوصول إلى المجتمع، ومراقبته، والتأثير فيه، واستدعاء عناصره عند الحاجة.

بنية متشعبة تتجاوز الأمن المباشر

تكشف المواد الواردة عن بنية واسعة ومعقدة لـ«الباسيج»، تشمل وحدات قتالية وأخرى اجتماعية وثقافية ومهنية. فإلى جانب كتائب مثل «عاشوراء» و«الزهراء» و«بيت المقدس» و«الإمام علي» و«الإمام الحسين» و«كوثر»، التي تضطلع بأدوار تتراوح بين مكافحة الشغب، والدعم اللوجستي، والحماية، والتدريب العسكري، توجد أيضاً فروع موجهة إلى شرائح المجتمع المختلفة: الطلاب، والتلاميذ، والجامعيون، والموظفون، والعمال، والقبائل، والمهندسون، والأطباء، والفنانون، والإعلاميون، والرياضيون، حتى رجال الدين والمنشدون الدينيون.

ولا تعد هذه البنية مجرد اتساع تنظيمي، بل فلسفة عمل تقوم على تحويل «الباسيج» إلى «مجتمع موازٍ» داخل المجتمع الإيراني. فوجوده في المدارس والجامعات والمساجد والأحياء والدوائر الرسمية يجعله جهازاً للفرز والتعبئة والرقابة، لا مجرد قوة تُستدعى عند اندلاع الاضطرابات.

العمود الفقري للأمن الداخلي

تكمن الأهمية العملية لـ«الباسيج» في كونه أحد أول خطوط الاستجابة عند وقوع الاحتجاجات كجهاز موازٍ لـ«قوات إنفاذ القانون (الشرطة)». فبحسب المواد أعلاه، تظهر عناصره سريعاً في الشوارع، على دراجات نارية أو في مجموعات ميدانية، ويتولون تفريق المحتجين، واعتقالهم، ومطاردتهم، ورصد النشطاء، والعمل أحياناً بملابس مدنية أو عبر مخبرين داخل التجمعات. كما يضطلع بدور في مراقبة المجتمع، وفرض المعايير السلوكية، ومساندة أجهزة الأمن والشرطة في ضبط المجال العام.

عناصر من «الباسيج» خلال عرض عسكري في طهران (أرشيفية - رويترز)

وفي هذا المعنى، يؤدي «الباسيج» وظيفة حاسمة للنظام: تخفيض تكلفة القمع الرسمي المباشر عبر الاعتماد على شبكة تعبئة عقائدية - أمنية موزعة على القاعدة الاجتماعية. ولذلك، لا يُفهم حضوره من خلال عدد البنادق أو الكتائب فقط، بل من خلال قدرته على إنتاج حضور أمني يومي داخل المجتمع.

النفوذ السياسي والاقتصادي

لم يعد «الباسيج» مجرد أداة أمنية. فمع الوقت، اتسع نفوذه السياسي والاقتصادي، سواء عبر دعمه لتيارات محافظة في الانتخابات، أو من خلال حضوره في الجامعات والإعلام، أو عبر شبكات المنح والامتيازات والتوظيف. كما دخل في مشاريع اقتصادية وإنشائية وتنموية، مستفيداً من صلاته بـ«الحرس الثوري» ومؤسساته المالية والتعاونية.

هذا التمدد جعل «الباسيج» جزءاً من منظومة السلطة، لا من هامشها. فهو يساعد على حماية التوازن السياسي الداخلي، ويدعم نفوذ «الحرس الثوري» في مؤسسات الدولة، ويؤمن قاعدة اجتماعية وآيديولوجية للنظام في لحظات التوتر.

ذراع الحرب الناعمة والميليشيا الرقمية

ولا يقتصر دور «الباسيج» على الشارع أو الأمن الميداني، بل توسّع في العقدين الأخيرين ليشمل ما تسميه السلطات الإيرانية «الحرب الناعمة». وفي هذا السياق، أنشأ «الحرس الثوري» و«الباسيج» بنية دعائية وسيبرانية واسعة تهدف إلى مواجهة الخصوم السياسيين والإعلاميين للنظام، داخل إيران وخارجها.

عناصر من «الباسيج» في عرض عسكري بطهران 10 يناير 2024 (أ.ب)

ويعمل «مقر الحرب الناعمة» التابع لـ«الباسيج» على تنظيم الأنشطة في الفضاء الإلكتروني، بما في ذلك إدارة المواقع الإلكترونية والمدونات ومنصات التواصل الاجتماعي، وتدريب آلاف الأعضاء على إنتاج المحتوى السياسي والدعائي ومواجهة المعارضين على الإنترنت. وتشير تقارير إلى أن آلاف عناصر الباسيج تلقوا تدريبات على التدوين، ومراقبة الشبكات الاجتماعية، والإبلاغ عن الحسابات المعارضة، إضافة إلى المشاركة في حملات إلكترونية منظمة.

كما يدير «الباسيج» شبكة إعلامية موازية تضم مؤسسات، مثل: وكالة أنباء تحمل اسمه و«وكالة أنباء دانشجو» المرتبطة بـ«الباسيج الطلابي» الذي ينشط بالجامعات، فضلاً عن ارتباطه الوثيق بوسائل إعلام قريبة من «الحرس الثوري»، مثل «تسنيم» و«فارس». وتُستخدم هذه المنصات لترويج خطاب النظام، وتعبئة المؤيدين، ومهاجمة الخصوم السياسيين والنشطاء.

أكثر من ميليشيا

تحوّل «الباسيج» تدريجياً إلى قوة هجينة تجمع بين الميليشيا الميدانية والميليشيا الرقمية، إذ يعمل أعضاؤه في الشارع وفي الفضاء الإلكتروني معاً، ضمن استراتيجية أوسع لـ«الحرس الثوري» تهدف إلى السيطرة على المجالين الأمني والإعلامي في آن واحد.

ويبلغ عدد أفراد «الباسيج» مئات الآلاف. في المحصلة، يُعد أحد أعمدة النظام الإيراني في الداخل: ذراع تعبئة، وأداة ضبط اجتماعي، وخزاناً بشرياً للأمن، وقناة اختراق للمجتمع، ومكملاً مؤسسياً لـ«الحرس الثوري». قوته الحقيقية لا تكمن في قدرته على النزول إلى الشارع فقط، بل في اتساع شبكته داخل الدولة والمجتمع معاً. ولهذا، فإن فهم الباسيج لا يمر عبر اعتباره ميليشيا متشددة فحسب، بل بوصفه مؤسسة هجينة تجمع بين العقيدة والسلاح والتنظيم الاجتماعي، وتحتل موقعاً مركزياً في الهيكل الأمني والسياسي للجمهورية الإسلامية.


السلطات الإيرانية تدعو لمظاهرات حاشدة في مواجهة «مخططات الأعداء»

تجمع لإيرانيين في طهران دعماً للمرشد الجديد مجتبى خامنئي 9 مارس (أ.ب)
تجمع لإيرانيين في طهران دعماً للمرشد الجديد مجتبى خامنئي 9 مارس (أ.ب)
TT

السلطات الإيرانية تدعو لمظاهرات حاشدة في مواجهة «مخططات الأعداء»

تجمع لإيرانيين في طهران دعماً للمرشد الجديد مجتبى خامنئي 9 مارس (أ.ب)
تجمع لإيرانيين في طهران دعماً للمرشد الجديد مجتبى خامنئي 9 مارس (أ.ب)

دعت السلطات في طهران، الثلاثاء، المواطنين إلى النزول إلى الشوارع في مواجهة «مخططات» الأعداء، وذلك في ليلة يحييها الإيرانيون قبيل حلول رأس السنة الفارسية، وتأتي بعد أكثر من أسبوعين على بدء الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وحضت الرسالة التي بثتها وسائل الإعلام الإيرانية المواطنين على الانضمام إلى مجموعات دينية «في ساحات جميع مدن البلاد» ليلاً، في «حشد شعبي لتحييد المخططات المحتملة لعناصر مرتبطين بالعدو الصهيوني».

وتشهد ليلة الثلاثاء إلى الأربعاء الأخيرة من العام، حسب التقويم الهجري الشمسي الذي تعتمده إيران، احتفالات ليلية تعرف باسم «جهارشنبه سوري»، وهو مهرجان قديم للأنوار والنار يُقام قبيل عيد نوروز، وهو رأس السنة الجديدة.

ودعا رضا بهلوي، نجل شاه إيران الذي أطاحته الثورة عام 1979، الثلاثاء إلى إقامة احتفالات سلمية لمناسبة «جهارشنبه سوري»، وحضّ المواطنين على «تجنب أي توتر أو مواجهة أو الاقتراب» من قوات الأمن.

واندلعت في إيران أواخر ديسمبر (كانون الأول)، احتجاجات واسعة النطاق بدأت على خلفية معيشية، قبل أن تتحول حراكاً سياسياً رفع شعارات مناهضة للسلطة. وقمعت السلطات الاحتجاجات بعنف؛ ما أسفر عن مقتل الآلاف.

ومنذ اندلاع الحرب حذّرت السلطات من تجدد المظاهرات المناهضة للحكومة وفرضت إجراءات أمنية مشددة.

وحذَّرت السلطات القضائية في طهران، الأحد، المواطنين من النزول إلى الشارع كالمعتاد ليل الثلاثاء إلى الأربعاء.

وقالت: «للحفاظ على الأمن والنظام العام، يُرجى الامتناع عن إشعال النيران أو إطلاق المفرقعات» خلال العيد. وأضافت: «لنُبقِ القوات جاهزة للتعامل مع أي حوادث محتملة وضرورية».