يرسمون أحلامهم لتتّسع غرف النزوح... علاج نفسي للّبنانيين الصغار

جمعيّة «إمبرايس» تقدّم الدعم النفسي المجاني للنازحين والمتضررين من الحرب

طفلة لبنانية نازحة من الجنوب إلى أحد مراكز الإيواء ببيروت (الشرق الأوسط)
طفلة لبنانية نازحة من الجنوب إلى أحد مراكز الإيواء ببيروت (الشرق الأوسط)
TT

يرسمون أحلامهم لتتّسع غرف النزوح... علاج نفسي للّبنانيين الصغار

طفلة لبنانية نازحة من الجنوب إلى أحد مراكز الإيواء ببيروت (الشرق الأوسط)
طفلة لبنانية نازحة من الجنوب إلى أحد مراكز الإيواء ببيروت (الشرق الأوسط)

كان عادل في الخامسة من عمره في صيف عام 2006. مثلُه مثل الأطفال النازحين اليوم من الجنوب إلى مدارس بيروت والمناطق المجاورة، اختبر الشاب اللبناني النزوح، خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان، قبل 18 عاماً.

انطبعت في ذاكرته وجوه أشخاصٍ كانوا يزورون مراكز الإيواء لينثروا بعض فرحٍ وطمأنينة بين الأطفال. انقضى عقدان تقريباً على الحرب الأخيرة، تحوّل خلالهما عادل من ولدٍ نازح إلى شاب متخصص في علم النفس العياديّ، يُعِدّ أطروحته الجامعية حول الصدمات النفسية جرّاء حرب 2006. وقد قرر، اليوم، أن يعود إلى المكان الذي انطلق منه حلمُه، ليساعد الأطفال على رسم أحلامهم، رغم الكوابيس التي يعيشونها.

عادل وزملاؤه في جمعية «Embrace» يتطوّعون لإقامة أنشطة ترفيهية ذات أبعاد نفسية للأطفال النازحين (الشرق الأوسط)

ضحكاتٌ أعلى من «الزنّانة»

يدخل عادل، وزملاؤه في جمعية «إمبرايس (Embrace)»، ملعب إحدى مدارس بيروت التي تؤوي النازحين. في انتظارهم هناك عشراتُ الأطفال، المتراوحة أعمارهم بين 3 و13 سنة، والمتلهّفون إلى ما يُضحكهم ويسلّيهم. يستقبل النازحون الصغار فريق «Embrace» بالتصفيق وصرخات الابتهاج. إنهم على موعدٍ مع ساعتَين من الأنشطة الترفيهية ذات البُعد النفسي، والتي تُنسيهم لبُرهةٍ المأساة التي يقبعون فيها.

تغطّي أصواتُ لهوِهم وفرحِهم صوت «الزنّانة»؛ أي طائرة الاستطلاع الإسرائيلية التي لا تفارق سماء العاصمة. تختلط الأنشطة الجسدية بتلك الفكرية والإبداعية؛ من أجل تحفيز الأطفال على إخراج الطاقة من أجسادهم، وعلى البَوح بما يؤلم أرواحهم.

تتنوّع الأنشطة بين جسدية وفكرية وإبداعية لمساعدة الأطفال على البَوح بما يؤرقهم (الشرق الأوسط)

لعبة الـ«إيموجيز»

بعد جولة تعارف، تسأل جيسيكا، الاختصاصية الاجتماعية المتطوّعة إلى جانب «Embrace»، أحد الأطفال: «كيف حاسس اليوم؟»، فيجيبها: «مش منيح». يشير بإصبعه إلى الوجه العابس من بين الـ«إيموجيز» التي وضعتها جيسيكا أرضاً. يقول إنه حزينٌ مثله.

هذه اللعبة تحفّز الأولاد على التماهي مع الوجوه الأليفة المعروضة أمامهم، وعلى التعبير، من ثم، عمّا يحسّون، بعدما اختبروا من مشاهد قصفٍ ودمار، وما يرزحون تحته من صدماتٍ جرّاء الخوف والنزوح.

لعبة الـ«إيموجيز» تساعد الأطفال على التعبير عما يشعرون به (الشرق الأوسط)

قلوبٌ وزهور... وبندقيّة

الجلوس ضمن حلقاتٍ مستديرة للكلام أو اللعب أو الرسم، يمنح الأطفال شعوراً بالأمان، هم الذين انسلخوا فجأةً عن بيوتهم وغرفهم وألعابهم التي بقيت عالقةً تحت القصف والركام في الجنوب.

مقابل مَن يشعر بالحزن، تسمع صوتاً صغيراً يقول: «قصفوا جنب بيتنا بس أنا ما خفت». لكن مهما خبّأوا مشاعرهم، فإنّ تصرّفاتهم تفضح كثيراً ممّا يكبتون. تشير المدرّبة جيسيكا إلى أنها لاحظت ازدياداً في ردود الفعل العنيفة لديهم، كأن يتعرّضوا لبعضهم البعض بالضرب خلال اللعب.

الجلوس ضمن حلقاتٍ مستديرة يمنح الأطفال شعوراً بالأمان (الشرق الأوسط)

هذا صبيٌ لم يتجاوز السادسة يرسم بندقيّة. تتكرّر رسومات الأسلحة، ولا سيّما بين الفتيان، في وقتٍ تُصوّر معظم الفتيات قلوباً وأزهاراً ثم يرفعن الأوراق قائلات: «هذه لماما... هذه لبابا». ومن بين الأولاد مَن يعبّر عن اشتياقٍ لوالدٍ ابتعدَ أثرُه: «بدنا البابا يرجع».

المتطوّعة جيسيكا متحدّثةً إلى أحد الأطفال رسم بندقيّة (الشرق الأوسط)

بيوتٌ من ورق

ترسم آية وجهاً ضاحكاً، في حين ينكبّ سامر فوق الورق وهو يلوِّن الأشجار التي صوّرتها يده الصغيرة. يبدو حسين أكثر واقعيةً من أترابه، فهو يرسم خيمة متأثراً بظروف التهجير. إلّا أنّ غالبية الأوراق تمتلئ ببيوتٍ أشرقت الشمس فوقها. «هذا بيتي في صور»، يقول هادي الذي نزح عن مدينته الجنوبية الساحلية.

يرسم الأطفال النازحون بيوتهم التي فارقوها، يصورونها جميلةً على الورق. تحاول مخيّلاتهم البريئة الواسعة أن تُحصّنها ضدّ الغارات الإسرائيلية.

يرسم العدد الأكبر من الأطفال بيوتهم التي سلختهم الحرب عنها (الشرق الأوسط)

في ظلّ ما يرزحون تحته من خوفٍ وقلق وغيابٍ للأمان، يبقى الرسم إحدى أفضل وسائل التعبير بالنسبة للأطفال، ولا سيّما منهم مَن غرقوا في العزلة الاجتماعية والصمت. يلفت جاد ضوّ، منسّق برنامج الصحة النفسية للأطفال والمراهقين في «Embrace»، إلى أن «فريق الجمعيّة يشجّع الصغار على التعبير عن مشاعرهم، ويوعّيهم بأهمية الصحة النفسية بما يستطيعون أن يستوعبوا. أما الهدف الأهم من ذلك فهو إفهامُهم أنهم ليسوا وحدَهم بما يحسّون، وأن القلق والخوف حالتان مشتركتان».

الرسم من أفضل وسائل التعبير للأطفال خصوصاً مَن غرقوا في العزلة والصمت (الشرق الأوسط)

خط ساخن ومعاينات مجانية

على قدر الحاجة النفسية، تأتي مبادرات «Embrace» استجابةً للمتضرّرين نفسياً من الحرب. تفصّل ميا عطوي، رئيسة الجمعيّة، في حديثها مع «الشرق الأوسط»، تلك المبادرات، وأولاها تشغيل الخط الوطني الساخن 1564 «خط الحياة»، المخصص للدعم النفسي والوقاية من الانتحار. تقول إن «الخط يتلقّى قرابة 250 اتصالاً في الأسبوع، ولا سيّما من الأشخاص المتأثّرين من الحرب، إضافةً إلى النازحين الذين يعبّرون عن أوضاعهم الصعبة في مراكز الإيواء».

إلى جانب «خط الحياة»، تُجنّد «Embrace» فِرقاً طبية تتنقّل بين مراكز الإيواء في بيروت والمناطق، لتقديم المعاينات والأدوية النفسية المجانية، «خصوصاً أن عدداً كبيراً ممّن نزحوا عن بيوتهم، لم يتسنّ لهم حتى أن يجلبوا دواءهم معهم، كما انقطع التواصل بينهم وبين أطبّائهم ومعالجيهم النفسيين»، وفق تأكيد عطوي. يتدفّق النازحون على تلك العيادات النقّالة، كما أنّ باستطاعتهم زيارة مكاتب الجمعية المفتوحة مجاناً، ثلاث مرات أسبوعياً؛ للاستفادة كذلك من العلاجات النفسية.

جزء من فريق «Embrace» يجول على مراكز الإيواء لتقديم الدعم النفسي للأطفال (الشرق الأوسط)

أما فيما يتعلّق بالأنشطة الترفيهية المخصصة للأطفال والمراهقين النازحين، والتي تتولّاها مجموعة كبيرة من متطوّعي «Embrace» المدرّبين على الإسعافات النفسية الأوّليّة، فتشدّد عطوي على أهميتها القصوى «من أجل مساعدة تلك الفئة على استرجاع، ولو جزء صغير من روتينها اليومي، وتحفيزها على التلهّي عن الضغط النفسي الذي تعيشه، خصوصاً في ظلّ الحرمان من المدرسة والبيت».

يعيش الأطفال النازحون حرماناً مزدوجاً فهم بلا بيت ولا مدرسة (الشرق الأوسط)

يجول عادل بين الأطفال. يصرّ على سؤالهم عمّا يريدون أن يصيروا عندما يكبرون. «جرّاح عظام»، «طبيبة قلب»، «لاعب كرة قدم»، «صاحبة متجر ألبسة»... تتنوّع الإجابات وتلمع معها عيون الأطفال الحالمين بغَدٍ لا حروبَ فيه ولا نزوح، غدٍ يتّسع لأحلامهم ولقدراتهم الأكبر بكثير من خيمة أو غرفة ضيّقة في مركز إيواء.

تخبرني زينب، الآتية من قرية بيت ليف الحدوديّة، أنها تريد أن تصير قائدة كشفيّة، ثمّ تُريني الورقة حيث رسمت العَلم اللبناني... «رسمت العلم لأنّو هيدا بلدي وبوثق فيه وبحبّو كتير».


مقالات ذات صلة

إساءة معاملة الأطفال تزيد خطر إصابتهم بالسرطان لاحقاً

صحتك التعرض للإساءة في مرحلة الطفولة قد يزيد خطر الإصابة بالسرطان بعد عقود (بيكسلز)

إساءة معاملة الأطفال تزيد خطر إصابتهم بالسرطان لاحقاً

كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون كنديون عن وجود ارتباط مقلق بين التعرض للإساءة في مرحلة الطفولة وارتفاع خطر الإصابة بالسرطان في مراحل لاحقة من الحياة.

«الشرق الأوسط» (أوتاوا)
أوروبا تم تلقي أدلة من مركز لحماية الأطفال بشأن مزاعم مشاركة مواد تتعلق باعتداء جنسي على أطفال على منصة «تلغرام» (رويترز)

هيئة بريطانية تحقق مع «تلغرام» بشأن تداول مواد تتضمن اعتداءً جنسياً على أطفال

فتحت هيئة تنظيم الاتصالات البريطانية (أوفكوم) تحقيقاً، الثلاثاء، بشأن تطبيق «تلغرام» للمراسلة بعد ظهور أدلة تشير إلى تداول مواد تتضمن اعتداءً جنسياً على أطفال.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك منتجات شركة «هيب» معروضة على أحد الرفوف في سوبر ماركت (رويترز)

النمسا: شركة «هيب» تسحب منتجاتها بعد العثور على سم فئران في عبوة طعام أطفال

أعلنت شرطة النمسا، السبت، العثور على سم فئران في عبوة من أغذية الأطفال تصنعها شركة «هيب»، وذلك بعد سحب المنتج من 1000 متجر من سلسلة «سبار».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الولايات المتحدة​ أوباما وممداني غنيا للأطفال الأغنية الشهيرة «عجلة الحافلة» (أ.ب)

شاهد... أوباما وممداني يغنيان للأطفال في أول ظهور مشترك لهما

التقى الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني، لأول مرة أمس (السبت)، في دار رياض أطفال، حيث قرأ الاثنان معاً للأطفال وغنَّيا معهم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك كسور الرسغ من أكثر الإصابات شيوعاً لدى الأطفال (أنسبلاش)

دراسة: علاج كسور الأطفال بالجبس يوازي الجراحة في التعافي

وجد فريق بحثي مشترك من جامعتي أكسفورد وليفربول في بريطانيا أنّ معظم الأطفال الذين يعانون كسوراً شديدة في الرسغ يمكن علاجهم من دون جراحة...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.