يرسمون أحلامهم لتتّسع غرف النزوح... علاج نفسي للّبنانيين الصغار

جمعيّة «إمبرايس» تقدّم الدعم النفسي المجاني للنازحين والمتضررين من الحرب

طفلة لبنانية نازحة من الجنوب إلى أحد مراكز الإيواء ببيروت (الشرق الأوسط)
طفلة لبنانية نازحة من الجنوب إلى أحد مراكز الإيواء ببيروت (الشرق الأوسط)
TT

يرسمون أحلامهم لتتّسع غرف النزوح... علاج نفسي للّبنانيين الصغار

طفلة لبنانية نازحة من الجنوب إلى أحد مراكز الإيواء ببيروت (الشرق الأوسط)
طفلة لبنانية نازحة من الجنوب إلى أحد مراكز الإيواء ببيروت (الشرق الأوسط)

كان عادل في الخامسة من عمره في صيف عام 2006. مثلُه مثل الأطفال النازحين اليوم من الجنوب إلى مدارس بيروت والمناطق المجاورة، اختبر الشاب اللبناني النزوح، خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان، قبل 18 عاماً.

انطبعت في ذاكرته وجوه أشخاصٍ كانوا يزورون مراكز الإيواء لينثروا بعض فرحٍ وطمأنينة بين الأطفال. انقضى عقدان تقريباً على الحرب الأخيرة، تحوّل خلالهما عادل من ولدٍ نازح إلى شاب متخصص في علم النفس العياديّ، يُعِدّ أطروحته الجامعية حول الصدمات النفسية جرّاء حرب 2006. وقد قرر، اليوم، أن يعود إلى المكان الذي انطلق منه حلمُه، ليساعد الأطفال على رسم أحلامهم، رغم الكوابيس التي يعيشونها.

عادل وزملاؤه في جمعية «Embrace» يتطوّعون لإقامة أنشطة ترفيهية ذات أبعاد نفسية للأطفال النازحين (الشرق الأوسط)

ضحكاتٌ أعلى من «الزنّانة»

يدخل عادل، وزملاؤه في جمعية «إمبرايس (Embrace)»، ملعب إحدى مدارس بيروت التي تؤوي النازحين. في انتظارهم هناك عشراتُ الأطفال، المتراوحة أعمارهم بين 3 و13 سنة، والمتلهّفون إلى ما يُضحكهم ويسلّيهم. يستقبل النازحون الصغار فريق «Embrace» بالتصفيق وصرخات الابتهاج. إنهم على موعدٍ مع ساعتَين من الأنشطة الترفيهية ذات البُعد النفسي، والتي تُنسيهم لبُرهةٍ المأساة التي يقبعون فيها.

تغطّي أصواتُ لهوِهم وفرحِهم صوت «الزنّانة»؛ أي طائرة الاستطلاع الإسرائيلية التي لا تفارق سماء العاصمة. تختلط الأنشطة الجسدية بتلك الفكرية والإبداعية؛ من أجل تحفيز الأطفال على إخراج الطاقة من أجسادهم، وعلى البَوح بما يؤلم أرواحهم.

تتنوّع الأنشطة بين جسدية وفكرية وإبداعية لمساعدة الأطفال على البَوح بما يؤرقهم (الشرق الأوسط)

لعبة الـ«إيموجيز»

بعد جولة تعارف، تسأل جيسيكا، الاختصاصية الاجتماعية المتطوّعة إلى جانب «Embrace»، أحد الأطفال: «كيف حاسس اليوم؟»، فيجيبها: «مش منيح». يشير بإصبعه إلى الوجه العابس من بين الـ«إيموجيز» التي وضعتها جيسيكا أرضاً. يقول إنه حزينٌ مثله.

هذه اللعبة تحفّز الأولاد على التماهي مع الوجوه الأليفة المعروضة أمامهم، وعلى التعبير، من ثم، عمّا يحسّون، بعدما اختبروا من مشاهد قصفٍ ودمار، وما يرزحون تحته من صدماتٍ جرّاء الخوف والنزوح.

لعبة الـ«إيموجيز» تساعد الأطفال على التعبير عما يشعرون به (الشرق الأوسط)

قلوبٌ وزهور... وبندقيّة

الجلوس ضمن حلقاتٍ مستديرة للكلام أو اللعب أو الرسم، يمنح الأطفال شعوراً بالأمان، هم الذين انسلخوا فجأةً عن بيوتهم وغرفهم وألعابهم التي بقيت عالقةً تحت القصف والركام في الجنوب.

مقابل مَن يشعر بالحزن، تسمع صوتاً صغيراً يقول: «قصفوا جنب بيتنا بس أنا ما خفت». لكن مهما خبّأوا مشاعرهم، فإنّ تصرّفاتهم تفضح كثيراً ممّا يكبتون. تشير المدرّبة جيسيكا إلى أنها لاحظت ازدياداً في ردود الفعل العنيفة لديهم، كأن يتعرّضوا لبعضهم البعض بالضرب خلال اللعب.

الجلوس ضمن حلقاتٍ مستديرة يمنح الأطفال شعوراً بالأمان (الشرق الأوسط)

هذا صبيٌ لم يتجاوز السادسة يرسم بندقيّة. تتكرّر رسومات الأسلحة، ولا سيّما بين الفتيان، في وقتٍ تُصوّر معظم الفتيات قلوباً وأزهاراً ثم يرفعن الأوراق قائلات: «هذه لماما... هذه لبابا». ومن بين الأولاد مَن يعبّر عن اشتياقٍ لوالدٍ ابتعدَ أثرُه: «بدنا البابا يرجع».

المتطوّعة جيسيكا متحدّثةً إلى أحد الأطفال رسم بندقيّة (الشرق الأوسط)

بيوتٌ من ورق

ترسم آية وجهاً ضاحكاً، في حين ينكبّ سامر فوق الورق وهو يلوِّن الأشجار التي صوّرتها يده الصغيرة. يبدو حسين أكثر واقعيةً من أترابه، فهو يرسم خيمة متأثراً بظروف التهجير. إلّا أنّ غالبية الأوراق تمتلئ ببيوتٍ أشرقت الشمس فوقها. «هذا بيتي في صور»، يقول هادي الذي نزح عن مدينته الجنوبية الساحلية.

يرسم الأطفال النازحون بيوتهم التي فارقوها، يصورونها جميلةً على الورق. تحاول مخيّلاتهم البريئة الواسعة أن تُحصّنها ضدّ الغارات الإسرائيلية.

يرسم العدد الأكبر من الأطفال بيوتهم التي سلختهم الحرب عنها (الشرق الأوسط)

في ظلّ ما يرزحون تحته من خوفٍ وقلق وغيابٍ للأمان، يبقى الرسم إحدى أفضل وسائل التعبير بالنسبة للأطفال، ولا سيّما منهم مَن غرقوا في العزلة الاجتماعية والصمت. يلفت جاد ضوّ، منسّق برنامج الصحة النفسية للأطفال والمراهقين في «Embrace»، إلى أن «فريق الجمعيّة يشجّع الصغار على التعبير عن مشاعرهم، ويوعّيهم بأهمية الصحة النفسية بما يستطيعون أن يستوعبوا. أما الهدف الأهم من ذلك فهو إفهامُهم أنهم ليسوا وحدَهم بما يحسّون، وأن القلق والخوف حالتان مشتركتان».

الرسم من أفضل وسائل التعبير للأطفال خصوصاً مَن غرقوا في العزلة والصمت (الشرق الأوسط)

خط ساخن ومعاينات مجانية

على قدر الحاجة النفسية، تأتي مبادرات «Embrace» استجابةً للمتضرّرين نفسياً من الحرب. تفصّل ميا عطوي، رئيسة الجمعيّة، في حديثها مع «الشرق الأوسط»، تلك المبادرات، وأولاها تشغيل الخط الوطني الساخن 1564 «خط الحياة»، المخصص للدعم النفسي والوقاية من الانتحار. تقول إن «الخط يتلقّى قرابة 250 اتصالاً في الأسبوع، ولا سيّما من الأشخاص المتأثّرين من الحرب، إضافةً إلى النازحين الذين يعبّرون عن أوضاعهم الصعبة في مراكز الإيواء».

إلى جانب «خط الحياة»، تُجنّد «Embrace» فِرقاً طبية تتنقّل بين مراكز الإيواء في بيروت والمناطق، لتقديم المعاينات والأدوية النفسية المجانية، «خصوصاً أن عدداً كبيراً ممّن نزحوا عن بيوتهم، لم يتسنّ لهم حتى أن يجلبوا دواءهم معهم، كما انقطع التواصل بينهم وبين أطبّائهم ومعالجيهم النفسيين»، وفق تأكيد عطوي. يتدفّق النازحون على تلك العيادات النقّالة، كما أنّ باستطاعتهم زيارة مكاتب الجمعية المفتوحة مجاناً، ثلاث مرات أسبوعياً؛ للاستفادة كذلك من العلاجات النفسية.

جزء من فريق «Embrace» يجول على مراكز الإيواء لتقديم الدعم النفسي للأطفال (الشرق الأوسط)

أما فيما يتعلّق بالأنشطة الترفيهية المخصصة للأطفال والمراهقين النازحين، والتي تتولّاها مجموعة كبيرة من متطوّعي «Embrace» المدرّبين على الإسعافات النفسية الأوّليّة، فتشدّد عطوي على أهميتها القصوى «من أجل مساعدة تلك الفئة على استرجاع، ولو جزء صغير من روتينها اليومي، وتحفيزها على التلهّي عن الضغط النفسي الذي تعيشه، خصوصاً في ظلّ الحرمان من المدرسة والبيت».

يعيش الأطفال النازحون حرماناً مزدوجاً فهم بلا بيت ولا مدرسة (الشرق الأوسط)

يجول عادل بين الأطفال. يصرّ على سؤالهم عمّا يريدون أن يصيروا عندما يكبرون. «جرّاح عظام»، «طبيبة قلب»، «لاعب كرة قدم»، «صاحبة متجر ألبسة»... تتنوّع الإجابات وتلمع معها عيون الأطفال الحالمين بغَدٍ لا حروبَ فيه ولا نزوح، غدٍ يتّسع لأحلامهم ولقدراتهم الأكبر بكثير من خيمة أو غرفة ضيّقة في مركز إيواء.

تخبرني زينب، الآتية من قرية بيت ليف الحدوديّة، أنها تريد أن تصير قائدة كشفيّة، ثمّ تُريني الورقة حيث رسمت العَلم اللبناني... «رسمت العلم لأنّو هيدا بلدي وبوثق فيه وبحبّو كتير».


مقالات ذات صلة

صدمات الطفولة... وخطر إيذاء النفس لدى المراهقين

صحتك صدمات الطفولة... وخطر إيذاء النفس لدى المراهقين

صدمات الطفولة... وخطر إيذاء النفس لدى المراهقين

كشفت دراسة حديثة، عن ارتباط تجارب الطفولة المؤلمة بخطر إيذاء النفس أو الانتحار لاحقاً في فترة المراهقة.

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك طفلة تنام بشكل هادئ في سريرها محاطة بألعابها (بيكسلز)

قد يجنب الجراحة... المحلول الملحي يحد من انقطاع النفس الانسدادي في نوم الأطفال

تفيد دراسة أسترالية بأن استخدام بخاخات المحلول الملحي الخاصة بالأنف فعّال مثل استعمال البخاخات الستيرويدية في علاج الأطفال المصابين بانقطاع ​النَّفَس الانسدادي.

«الشرق الأوسط» (كانبيرا)
صحتك التدخل المبكر يساعد الأطفال المصابين بالتوحد على تحسين النطق

التدخل المبكر يساعد الأطفال المصابين بالتوحد على تحسين النطق

أظهرت دراسة حديثة، أن التدخلات المبكرة تساعد نسبة تقرب من ثلثي الأطفال المصابين بالتوحد، غير القادرين على التكلم، أو الذين يتحدثون بشكل محدود، في تعلم النطق.

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك أطفال الأمهات اللواتي يعشقن التقاط صور «السيلفي» يكونون أكثر عرضة للتفكير في عمليات التجميل (رويترز)

هوس الأمهات بـ«السيلفي» يدفع أبناءهن للتفكير في عمليات التجميل

كشفت دراسة جديدة مثيرة للقلق، أن أطفال الأمهات اللواتي يعشقن التقاط صور «السيلفي» يكونون أكثر عرضة للتفكير في عمليات التجميل في سن المراهقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون مكتبة متنوعة في أدب الطفل

مكتبة متنوعة في أدب الطفل

يركز الباحث الدكتور محمد فتحي فرج في كتابه «كامل كيلاني»، على الدور المؤسس لرائد ادب الأطفال في مصر والعالم العربي الذي عاش في الفترة من 1897 حتى 1959

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
TT

بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)

يشهد كل من المغرب وسوريا فيضانات وأمطاراً استثنائية، مما دفع سلطات البلدين إلى إجلاء عشرات الآلاف من السكان. ويرى خبراء المناخ أن هذا التطور يعكس تطرف الظواهر المناخية نتيجة تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ.

وتتعرض مناطق شمال المغرب لفيضانات وسيول قوية منذ أسبوع، فيما أعلنت السلطات عن إجلاء أكثر من 154 ألف شخص من أربعة أقاليم هي: العرائش، والقنيطرة، وسيدي قاسم، وسيدي سليمان، ضمن جهود حماية السكان من تداعيات الأمطار الغزيرة والسيول المستمرة لليوم الثاني عشر على التوالي، مع اتساع رقعة القرى المتضررة.

ومنذ 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، شهدت هذه الأقاليم فيضانات في عدة مدن، خصوصاً القصر الكبير، نتيجة ارتفاع مستوى وادي اللوكوس بعد امتلاء سد وادي المخازن إلى 156 في المائة من سعته للمرة الأولى، ما أدى إلى فيضانه وفق معطيات رسمية. كما تسبب هطول الأمطار الغزيرة في فيضان مجاري المياه وارتفاع مستوى الأنهار بسرعة غير معتادة، ما استدعى عمليات تفريغ وقائي لسدي الوحدة ووادي المخازن لحماية المناطق المجاورة.

قبل هذه الموجة، شهدت المملكة في سبتمبر (أيلول) الماضي، أمطاراً غزيرة استثنائية، مما رفع مخزون السدود إلى أكثر من 61 في المائة، أي ما يفوق 10 مليارات متر مكعب، وهو مستوى غير مسبوق منذ عام 2019، وفق المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب.

وفي جنوب غربي البلاد، شهدت مدينة آسفي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيضانات مفاجئة أودت بحياة 37 شخصاً، في أكبر حصيلة من نوعها خلال العقد الأخير.

التغير المناخي تسبب في ظواهر جوية متطرفة (رويترز)

أما في سوريا، فقد سجلت محافظات اللاذقية، وإدلب، وحماة (شمال غربي البلاد) فيضانات مفاجئة ليل السبت نتيجة هطول أمطار غزيرة، ما أسفر عن سقوط ضحايا وتضرر مخيمات مدنيين، فيما تواصل فرق الدفاع المدني جهود البحث والإنقاذ، وإجلاء المتضررين.

كما سجلت فرق الدفاع المدني السورية وفاة طفلين وإنقاذ ثالث بعد جرفهم من قبل السيول في منطقتي العسلية وعين عيسى بريف اللاذقية الشمالي. وذكرت تقارير وفاة متطوعة من الهلال الأحمر العربي السوري وإصابة 6 آخرين، بينهم 5 متطوعين، إثر حادث سير في جبل التركمان أثناء توجههم لتقديم المساعدة للسكان.

الاستمطار الاصطناعي

أوضح الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق المصرية، أن الفيضانات التي تشهدها سوريا والمغرب تعود بشكل كبير إلى عدة عوامل، أبرزها تفاقم ظاهرة تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة، بالإضافة إلى التلوث البيئي الناتج عن استخدام الطاقة، إلى جانب تقلص المسطحات الخضراء، وهو ما يزيد من حدة التغيرات المناخية.

وأضاف قطب لـ«الشرق الأوسط» أن أحد الأسباب الأخرى وراء الفيضانات في المغرب يتعلق بـظاهرة الاستمطار الاصطناعي للسحب، التي ينفذها المغرب وبعض الدول المجاورة لمواجهة الجفاف.

وأوضح أن هذه العملية، التي تعتمد على رش مواد كيميائية مثل نترات الفضة أو يوديد الفضّة في السحب، لتسهيل تكوّن قطرات الماء وتسريع سقوطها على شكل أمطار، قد تؤدي إلى تطرف مناخي، بسبب زيادة كميات الأمطار الناتجة عن السحب الآتية من المحيط.

الفيضانات أحدثت ضرراً كبيراً بمدينة القصر الكبير (رويترز)

وأشار إلى أن هذه الظاهرة الاصطناعية، إلى جانب تفاقم التغير المناخي، يؤديان إلى تطرف الظواهر المناخية، بما في ذلك الفيضانات والسيول، كما هي الحال في المغرب وسوريا حالياً. كما ينتج عن هذا التطرف ندرة الأمطار في بعض الدول المجاورة مثل الجزائر وليبيا ومصر؛ إذ إن الحركة الطبيعية للسحب تكون من الغرب إلى الشرق، وبالتالي قد لا تصل بعض المناطق إلى كميات الأمطار المعتادة.

وحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب، أسهم برنامج «غيث» لاستمطار السحب خلال الفترة 2020 - 2025 في رفع حجم التساقطات في المناطق المستهدفة بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة، وتستفيد بشكل مباشر المناطق الواقعة فوق السدود، حيث تعزز الأمطار المحفَّزة المخزون المائي في الأودية والأحواض الكبرى.

وأكد قطب أن التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة أسهما أيضاً في حدوث ظواهر مناخية غريبة هذا الشتاء في مصر، حيث بلغت الحرارة نحو 30 درجة مئوية في فبراير (شباط) الحالي، وهي مستويات غير معتادة في هذا الوقت من السنة.

وشدد على أن تطرف الظواهر المناخية يعني أن الدول الممطرة قد لا تتلقى الأمطار، والدول غير الممطرة قد تشهد أمطاراً غير متوقعة، كما قد يشهد الشتاء ارتفاعاً غير معتاد في درجات الحرارة في بعض المناطق، بينما يكون الصيف أشد حرارة في مناطق وأقل في أخرى، ما يشكل ظواهر مناخية غير طبيعية وغير معتادة.

واقع ملموس

فيما قال الدكتور وحيد إمام، أستاذ علوم البيئة بجامعة عين شمس المصرية، إن التغيرات المناخية أصبحت واقعاً ملموساً نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح الأرض، ما أدى إلى تزعزع الثبات المعتاد لأنماط الطقس التقليدية خلال الفصول، بمعنى أن بعض البلدان تشهد منخفضات جوية في حين تعاني دول أخرى من مرتفعات جوية خلال الشتاء، ما يعكس اضطراباً واضحاً في أنماط الطقس المعهودة.

محافظة إدلب بسوريا تعرضت لأمطار غزيرة (محافظة إدلب)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن متوسط حرارة سطح الأرض ارتفع من 15 درجة مئوية إلى 16.2 درجة مئوية، وأن هناك جهوداً عالمية للحفاظ على هذه الزيادة دون تجاوز 16.5 درجة مئوية، من خلال التحكم في مستويات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

وأكد أن زيادة 1.2 درجة مئوية قد تبدو ضئيلة، لكنها تؤثر بشكل كبير على التوازن البيئي، إذ إن درجة حرارة سطح الأرض المثالية لحياة الإنسان والنبات والحيوان هي حوالي 15 درجة مئوية.

وأشار إمام إلى أن تغير المناخ أفرز ظواهر مناخية متطرفة تسببت جزئياً فيما يحدث في المغرب وسوريا حالياً، من بينها ظاهرة «اللانينا» الجوية. وتحدث هذه الظاهرة عندما تنخفض درجات حرارة مياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي بشكل غير طبيعي، ما يؤدي إلى تغييرات كبيرة في أنماط الطقس حول العالم، بما في ذلك زيادة الأمطار في بعض المناطق وحدوث جفاف شديد في مناطق أخرى، إضافة إلى تأثيرها على درجات الحرارة وشدة الأعاصير.

كما أكد أن هذه الظاهرة هي جزء من دورة طبيعية تشمل أيضاً ظاهرة «النينو»، وهي على العكس تماماً من ظاهرة «اللانينا»، إذ تسبب زيادة في حرارة سطح المياه بدلاً من انخفاضها.

أمطار بعد سنوات عجاف

من جهة أخرى، فسّر خبير المناخ المغربي المهندس محمد بنعبو الفيضانات الأخيرة في المغرب بأنها نتيجة ظرفية استثنائية، إذ شهدت البلاد هطول كميات هائلة من الأمطار خلال فترة وجيزة، بعد سنوات طويلة من الجفاف.

غرق مدينة القصر الكبير في المغرب (رويترز)

وأوضح أن المرتفع الأزوري، أو مرتفع شمال الأطلسي شبه الاستوائي عادةً ما يحجب المنخفضات الرطبة عن البلاد، وهو ما يؤدي إلى فترات جفاف طويلة، لكن هذا العام، وبفضل تأثير «اللانينا» الجوية، تحرك المرتفع الأزوري نحو الشمال الاسكندنافي، ما فتح الواجهة الأطلسية لاستقبال المنخفضات الرطبة، فشهد المغرب منذ بداية سبتمبر وحتى اليوم هطول جميع المنخفضات الرطبة دون استثناء، وفق ما ذكر موقع «فرانس 24».

وأضاف أن المغرب بطبيعته منطقة ذات مناخ جاف أو شبه جاف، وأن هذه الأشكال المناخية غير المستقرة تشترك فيها معظم دول حوض البحر الأبيض المتوسط، التي تُعد نقطة ساخنة مناخياً. وتتميز هذه المناطق بدورات الأمطار المتقطعة، حيث قد تتوقف الأمطار لعام أو عامين، وقد تمتد فترات الانقطاع حتى سبع سنوات كما حدث سابقاً.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة خارج فصل الصيف يؤدي إلى تبخر كميات كبيرة من المياه، بينما تجعل السنوات الطويلة من الجفاف التربة صلبة وغير قادرة على امتصاص مياه الأمطار بشكل كافٍ، وهذا الواقع أسهم بشكل كبير في شدة الفيضانات التي تشهدها البلاد حالياً.


تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
TT

تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)

جدد «انبهار» ابنة الرئيس الأميركي تيفاني ترمب، بالمعالم الأثرية المصرية، الدعوات لاستغلال زيارتها لمصر رفقة زوجها رجل الأعمال الأميركي من أصول لبنانية مايكل بولس، في تنشيط السياحة.

وتجولت تيفاني، الابنة الصغرى لترمب، رفقة زوجها في منطقة الأهرامات، الجمعة، قبل أن تتجه إلى الأقصر (جنوب مصر)، السبت؛ حيث زارت «معابد الكرنك»، ومعبد الأقصر، ومتحف التحنيط، قبل أن تتجه إلى البر الغربي، وتزور «معبد حتشبسوت»، ومقابر وادي الملوك والملكات، ومعبد «الرامسيوم» ومنطقة تمثالي ممنون.

واحتفت وسائل إعلام محلية بالرحلة الشتوية لابنة الرئيس الأميركي. وتداولت صوراً ومقاطع فيديو لها في المعالم المصرية، ونقلت عن الدكتور محمود موسى مدير آثار «البر الغربي» بالأقصر، تأكيده على أن تيفاني ترمب «أبدت انبهاراً شديداً بالنقوش الفرعونية على الجدران، وبكيفية حفاظ قدماء المصريين على تاريخهم وكنوزهم من السرقات».

ووصف الخبير السياحي محمد كارم الزيارة بأنها «مهمة». وعدَّها «رسالة غير مباشرة لتنشيط السياحة في مصر». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الزيارة ستشكل نقطة انطلاق للترويج السياحي، ولا سيما جذب السوق الأميركية للسياحة الثقافية في مصر خلال الفترة المقبلة».

معبد حتشبسوت في الأقصر (الشرق الأوسط)

وهو ما أكده رئيس غرفة السياحة بالأقصر، ثروت عجمي، لـ«الشرق الأوسط»، واصفاً الزيارة بأنها «دعاية لا تقدَّر بثمن للمعالم السياحية المصرية». وتوقع أن «تؤتي الزيارة عائداتها على السياحة المصرية سريعاً، على غرار ما أحدثه افتتاح المتحف المصري الكبير».

وأشار إلى أنه «سيتم استغلال الزيارة في الترويج السياحي»، ولكنه عاد وأكد أن «السياحة ستزيد تلقائياً بعد الزيارة»، لافتاً إلى أن «زيارات المشاهير للمعالم السياحية توازي دعاية سياحية بمليارات، وهي فرصة ذهبية لا بد من استغلالها بالشكل الأمثل».

وساهم افتتاح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في الترويج السياحي لمصر، وشهد زحاماً وتكدساً من مصريين وسياح في الأيام الأولى لافتتاحه.

وفي تصريحات متلفزة مساء السبت، أشار رامي فايز، عضو غرفة المنشآت الفندقية، إلى «سعيهم لاستغلال واستثمار زيارة تيفاني ترمب في الترويج للسياحة المصرية»؛ مشيراً إلى أن مصر «تستهدف الوصول لنحو 22 مليون سائح بنهاية 2026»، مضيفاً أن «العائد عن كل مليون سائح يوازي ملياراً و200 مليون دولار».

مقابر أثرية بالبر الغربي في الأقصر (الشرق الأوسط)

واستقبلت مصر خلال العام الماضي نحو 19 مليون سائح، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، وأكد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، في تصريحات صحافية الشهر الماضي، أن معدل النمو المحقق يفوق المتوسط العالمي البالغ نحو 5 في المائة، وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للسياحة، مما يعكس ثقة السائحين في مصر.

وجددت المطالب باستثمار زيارة تيفاني لمصر الدعوات السابقة لاستغلال زيارة اثنين من المشاهير العالميين للمناطق الأثرية في مصر الشهر الماضي، هما: النجم العالمي ويل سميث، وصانع المحتوى سبيد، وجولتيهما في منطقة الأهرامات والمتحف المصري الكبير.

وتعتمد مصر على قطاع السياحة بوصفه من ركائز الدخل القومي، وتسعى مصر لاجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.

تيفاني ترمب زارت أهرامات الجيزة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعلى هامش وجوده بالمعرض السياحي الدولي (EMITT) بتركيا، قال وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، لوسائل إعلام تركية، حسبما أفادت به الوزارة في بيان لها، الأحد، إن مصر تستهدف تحقيق نمو إضافي في أعداد السائحين بنسبة 10 في المائة في عام 2026. كما أشار إلى الزيادة الكبيرة في أعداد السائحين القادمين من تركيا بنسبة 43 في المائة خلال 2025، متوقعاً استمرار النمو خلال 2026، في ظل توقعات بزيادة حجوزات الطيران القادمة من السوق التركية بنسبة تتراوح بين 20 في المائة و25 في المائة.

وأكد الوزير أن «مصر بلد آمن، وأن الصورة الإيجابية عنها تنتقل بالأساس من خلال تجارب الزائرين أنفسهم، بعد عودتهم إلى بلدانهم، أو من خلال سفراء الدول المعتمدين لدى مصر»؛ مشيراً إلى «حرص كثير من السفراء على التجول في شوارع القاهرة التاريخية بصفة منتظمة، في رسالة واضحة تعكس الأمن والاستقرار، وتدعم الصورة الإيجابية عن مصر».

وأضاف فتحي أن «مصر تمتلك منتجات سياحية متنوعة وفريدة لا مثيل لها عالمياً، والتي يمكن دمجها لتقديم تجارب جديدة، إلى جانب الاعتماد على أدوات التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في الحملات الترويجية»، موضحاً أن «الموسم السياحي في مصر ممتد طوال العام، مع ازدياد الطلب على السياحة الفاخرة والرحلات النيلية».


إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
TT

إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)

كشفت دراسة كندية أن إجراءً جراحياً مبتكراً يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بسرطان المبيض، أحد أخطر أنواع السرطان النسائية.

وأظهرت الدراسة، التي قادها باحثون من جامعة كولومبيا البريطانية، أن الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بأكثر أنواع سرطان المبيض شيوعاً وفتكاً، ونُشرت النتائج، الجمعة بدورية «JAMA Network Open».

وغالباً ما يظهر سرطان المبيض دون أعراض واضحة في مراحله المبكرة، مما يجعل تشخيصه صعباً، وغالباً بعد تفاقم المرض. ويصيب سنوياً آلاف النساء حول العالم، مع ارتفاع معدلات الوفيات بسبب تأخر التشخيص؛ إذ لا يتوافر حتى الآن فحص مبكر فعّال للكشف عنه. وأكثر الأنواع شيوعاً هو سرطان المبيض المصلي، الذي يشكّل تحدياً علاجياً كبيراً نظراً لسرعته وخطورته.

وتعتمد الاستراتيجية الجراحية المبتكرة على إزالة قناتَي فالوب بشكل استباقي أثناء خضوع المرأة لجراحة نسائية روتينية، مثل استئصال الرحم أو ربط قناتي فالوب، مع الحفاظ على المبيضين لإنتاج الهرمونات الطبيعية وتقليل أي آثار جانبية.

وكانت مقاطعة كولومبيا البريطانية أول منطقة في العالم تعتمد هذا النهج عام 2010، بعد أن اكتشف باحثو جامعة كولومبيا البريطانية أن معظم حالات سرطان المبيض تنشأ في قناتَي فالوب، وليس في المبيضين كما كان يُعتقد سابقاً.

وحللت الدراسة بيانات صحية سكانية لأكثر من 85 ألف سيدة أجرين جراحات نسائية في المقاطعة بين عامي 2008 و2020، وقارن الباحثون معدلات الإصابة بسرطان المبيض المصلي بين من خضعن للاستئصال الوقائي لقناتي فالوب ومن أجرين جراحات مماثلة دون هذا الإجراء.

استئصال وقائي

وأظهرت النتائج أن السيدات اللاتي خضعن للاستئصال الوقائي كن أقل عرضة للإصابة بسرطان المبيض المصلي بنسبة 78 في المائة. وفي الحالات النادرة التي ظهر فيها السرطان بعد الإجراء، كان أقل شراسة بيولوجياً. كما دعمت بيانات من مختبرات تشريح مرضي حول العالم هذه النتائج، مؤكدة وجود تأثير وقائي مماثل.

ومنذ اعتماد هذا النهج، أصبح يُطبق على نطاق واسع في مقاطعة كولومبيا البريطانية، حيث تُجرى إزالة قناتي فالوب في نحو 80 في المائة من عمليات استئصال الرحم وربط القنوات. وعلى الصعيد العالمي، توصي منظمات طبية في 24 دولة بهذا الإجراء كاستراتيجية للوقاية من سرطان المبيض، من بينها الجمعية الكندية لأطباء النساء والتوليد التي أصدرت إرشادات رسمية عام 2015.

وقال الدكتور ديفيد هانتسمان، أستاذ علم الأمراض وأمراض النساء والتوليد بجامعة كولومبيا البريطانية والباحث المشارك بالدراسة: «هذه النتائج هي خلاصة أكثر من عقد من العمل بدأ هنا في كولومبيا البريطانية، وتأثير هذا الإجراء كان أكبر مما توقعنا».

وأضاف أن توسيع نطاق تطبيق الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب عالمياً قد يمنع آلاف حالات سرطان المبيض سنوياً، مشيراً إلى أن إدراج هذا الإجراء ضمن جراحات البطن والحوض الأخرى، كان مناسباً، وقد يزيد من عدد النساء المستفيدات بشكل كبير.