تحذيرات مصرية من المشروعات «غير المدروسة» على الأنهار

مدبولي يرى أن «سد النهضة» الإثيوبي قد يؤدي إلى تزايد «الهجرة غير الشرعية»

رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال كلمته في «أسبوع القاهرة للمياه» (مجلس الوزراء المصري)
رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال كلمته في «أسبوع القاهرة للمياه» (مجلس الوزراء المصري)
TT

تحذيرات مصرية من المشروعات «غير المدروسة» على الأنهار

رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال كلمته في «أسبوع القاهرة للمياه» (مجلس الوزراء المصري)
رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال كلمته في «أسبوع القاهرة للمياه» (مجلس الوزراء المصري)

وسط مخاوف من تصاعد أزمة «الندرة المائية»، حذرت مصر من المشروعات المائية «غير المدروسة» التي تقام على الأنهار الدولية. وأكدت ضرورة «حفاظ واستدامة الموارد المائية الدولية وفقاً لمبادئ القانون الدولي». وأشارت القاهرة إلى «مخاطر التشغيل الأحادي لمشروع (سد النهضة) الإثيوبي»، وقال رئيس مجلس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الأحد: «السد قد يؤدي إلى تزايد الهجرة غير الشرعية».

وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن «بلاده تضع المياه على رأس أولوياتها»، وقال في كلمة مسجلة خلال افتتاح فعاليات مؤتمر «أسبوع القاهرة للمياه»، الأحد، إن «نهر النيل المصدر الرئيسي للمياه في مصر، بنسبة تتجاوز 98 في المائة»، عاداً أن الحفاظ على هذا المورد «مسألة وجود تتطلب التزاماً سياسياً دؤوباً وجهوداً دبلوماسية وتعاوناً مع الدول الشقيقة».

وأكد السيسي أهمية «بحث سبل تنمية الموارد المائية، في ظل تصاعد أزمة الشح والندرة المائية»، مشيراً إلى مخاطر «المشروعات العملاقة التي تقام لاستغلال الأنهار الدولية بشكل (غير مدروس)، ودون مراعاة لأهمية الحفاظ وسلامة واستدامة الموارد المائية الدولية»، وشدد على ضرورة «الإخطار المسبق، وتبادل المعلومات والتشاور، وإجراءات الدراسات اللازمة؛ لضمان عدم الإضرار»، داعياً المجتمع الدولي إلى «زيادة دعمه للجهود الأفريقية في مجال الموارد المائية، وتوفير التمويل والتكنولوجيا اللازمين لتحقيق الأمن المائي».

وتعاني مصر عجزاً مائياً يبلغ 55 في المائة، وتعتمد على مورد مائي واحد هو نهر النيل بنسبة 98 في المائة، بواقع 55.5 مليار متر مكعب سنوياً، وتقع حالياً تحت خط الفقر المائي العالمي، بواقع 500 متر مكعب للفرد سنوياً، حسب بيانات وزارة الري المصرية.

جانب من افتتاح «أسبوع القاهرة للمياه» (مجلس الوزراء المصري)

وافتتح مدبولي، الأحد، النسخة السابعة لـ«أسبوع القاهرة للمياه» (مؤتمر سنوي يناقش أبرز التحديات المائية في مصر وأفريقيا والعالم)، بحضور مسؤولين مصريين ودوليين وأفارقة، وبمشاركة نحو 30 منظمة دولية وإقليمية، ويقام بالتزامن مع «أسبوع المياه الأفريقي» التاسع، في ضوء رئاسة مصر لمجلس وزراء المياه الأفارقة (الأمكاو).

وحذر في كلمة له من «مخاطر (التصرفات الأحادية) من الحكومة الإثيوبية في مشروع (سد النهضة)»، وقال مدبولي إن «السد الإثيوبي بدأ إنشاؤه منذ أكثر من 13 عاماً، دون تشاور أو دراسات كافية تتعلق بالسلامة والتأثيرات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للدول المجاورة»، مؤكداً أن التشغيل الأحادي غير التعاوني لـ«السد» سيؤدي إلى «عواقب وخيمة، منها فقدان مليون ومائة ألف شخص سبل عيشهم، وفقدان نحو 15 في المائة من الرقعة الزراعية»، إلى جانب «زيادة التوترات الاجتماعية والاقتصادية بما يؤدي إلى النزوح والتهجير، وتفاقم (الهجرة غير الشرعية) عبر الحدود المصرية».

وأقامت إثيوبيا «سد النهضة» على رافد نهر النيل الرئيسي، وسط اعتراضات من دولتَي المصب (مصر والسودان)، للمطالبة باتفاق «قانوني يُنظّم عمليات ملء وتشغيل السد، بما لا يضر بحصتَيهما في المياه».

وتوقف رئيس الوزراء المصري، مع ما سمَّاه «القرار غير التوافقي الذي اتخذته بعض دول حوض نهر النيل، بالتوقيع على مشروع غير مكتمل للاتفاقية الإطارية لدول الحوض»، وهي الاتفاقية المعروفة باسم (عنتيبي)، وعدّ هذا التحرك «مخالفاً لمبادرة حوض النيل التي تم تأسيسها عام 1999 بمشاركة جميع دول الحوض»، وقال إنه «رغم تعليق مصر مشاركتها في الأنشطة الفنية للمبادرة، بسبب تحركات بعض الدول باتفاقية (عنتيبي)، فإن القاهرة ترى أن المبادرة ستظل الآلية الشاملة والوحيدة، التي تمثل حوض نهر النيل بأكمله»، مطالباً بضرورة «الحفاظ على الحقوق القانونية والالتزامات المترتبة عليها، وتجنب مزيد من الإجراءات ترسخ الانقسام بين دول الحوض».

واتفاقية «عنتيبي» قدمتها إثيوبيا في عام 2010 لدول حوض النيل للموافقة عليها، حيث أقرتها 6 دول هي (إثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا ورواندا وجنوب السودان)، وترفضها مصر والسودان، كونها تُنهي الحصص التاريخية لمصر والسودان المقررة في اتفاقيات المياه مع دول حوض النيل (55.5 مليار متر مكعب لمصر و18.5 مليار متر مكعب للسودان).

وسلمت أديس أبابا، اتفاقية «عنتيبي» إلى مفوضية الاتحاد الأفريقي، في سبتمبر (أيلول) الماضي، تمهيداً لدخولها حيز التنفيذ، رداً على خطاب قدمته مصر لمجلس الأمن، ترفض فيه «إجراءات الملء الخامس لسد النهضة».

وقال خبير المياه الدولي، ضياء القوصي، إن «تأكيد القاهرة على عدم إلزامية اتفاقية (عنتيبي) رسالة ضرورية، منعاً لاتخاذ الدول الموقعة عليها قرارات تضر بمصالح مصر والسودان المائية»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الحكومة المصرية تريد التأكيد على غياب التوافق والإجماع بشأن هذه الاتفاقية من دول حوض النيل».

وأشار القوصي إلى أن استمرار التشغيل الأحادي لـ«سد النهضة» الإثيوبي، قد يترتب عليه «تصعيد الأمر للتحكيم الدولي»، وقال إنه «حال ثبوت الضرر على دولتي المصب، قد يدفع مجلس الأمن إلى إحالة القضية لمحكمة العدل الدولية للنظر بشأنها».

«سد النهضة» الإثيوبي (حساب رئيس الوزراء الإثيوبي على «إكس»)

وترى القاهرة، في إقامة «السد» الإثيوبي دون اتفاق، «مخالفة لمبادئ القانون الدولي، ولإعلان المبادئ الموقّع بين مصر والسودان وإثيوبيا في عام 2015، ويتعارض مع بيان مجلس الأمن الصادر في سبتمبر 2021».

أما أستاذ نظم علوم الأرض والاستشعار في جامعة «تشابمان» الأميركية، هشام العسكري، (أحد المشاركين في مؤتمر أسبوع القاهرة للمياه)، فيرى في «التصرفات الأحادية» الإثيوبية «أضراراً مضاعفة على دولتي المصب مصر والسودان»، وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «غياب التنسيق من جانب أديس أبابا مع دولتي المصب، سيؤدي إلى فقدان كميات كبيرة من الرقعة الزراعية، بسبب الجفاف، في ظل تحدٍ آخر، وهو التغير المناخي»، وقال مثل هذه التأثيرات «ستزيد من حالات الهجرة والنزوح القسري للسكان، ما يعني تزايد أعداد (الهجرة غير الشرعية) بالمنطقة».

كما حذر أستاذ نظم علوم الأرض والاستشعار من «خطورة إقامة مشروعات مائية من دون دراسات لآثارها البيئة والاقتصادية»، مدللاً على ذلك «بعدم وجود دراسات كاملة تتعلق بأمان مشروع (سد النهضة)».

من جانبه، جدد وزير الري المصري، هاني سويلم، التأكيد على تحدي الندرة المائية لبلاده، وقال في كلمته بالمؤتمر، إن «مصر تعد من أكثر الدول جفافاً بمعدل أمطار سنوي لا يتجاوز 1.3 مليار متر مكعب، في المقابل تتجاوز كمية الأمطار المتساقطة في دول أعالي نهر النيل 1600 مليار متر مكعب سنوياً، ولا يصل مصر منها سوي 3 في المائة من هذه الأمطار»، مشيراً إلى أنه «لا يوجد مبرر للتنافس على المياه بالمنطقة»، لافتاً إلى «حرص بلاده على تعزيز التعاون مع دول حوض النيل، بمشروعات ثنائية تمولها القاهرة، في دول (كينيا، أوغندا، جنوب السودان، الكونغو الديمقراطية، بوروندي، تنزانيا، ورواندا)».

وأكد الوزير المصري «رفض بلاده للإجراءات غير التعاونية والأحادية المتمثلة في إنشاء السد الإثيوبي، دون الالتزام بتطبيق قواعد القانون الدولي، وتجاهل المبادئ الأساسية للتعاون، خصوصاً مبدأ التشاور وإجراء دراسات تقييم الأثر الاجتماعي والاقتصادي والبيئي، وهو ما قد يتسبب في حدوث أضرار جسيمة».


مقالات ذات صلة

«شرق الكونغو»... صراع النفوذ يزيد ضغوط واشنطن لإحياء مسار السلام

شمال افريقيا رئيس الكونغو الديمقراطية يتوسط وزير الخارجية الأميركي وكبير مستشاري ترمب (حساب وزارة الخارجية الأميركية على إكس)

«شرق الكونغو»... صراع النفوذ يزيد ضغوط واشنطن لإحياء مسار السلام

لا يزال النفوذ الأميركي يبحث عن تعميق مسار السلام الذي بدأه قبل أشهر في الكونغو الديمقراطية، بحثاً عن توسيع وجوده بالقرن الأفريقي.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجري محادثات في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)

مصر تجدد رفضها المساس بوحدة الصومال

جدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي موقف بلاده الداعم لوحدة الصومال وسلامة أراضيه، ورفضها القاطع لأي إجراءات تمس هذه الوحدة.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
العالم العربي رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)

مقترحات آبي أحمد للوصول للبحر الأحمر... رسائل طمأنة أم مناورة تفاوضية؟

طرح رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، مقترحات بلده بشأن الوصول إلى منفذ بحري عبر البحر الأحمر، في هدف يكرره منذ سنوات رغم رفض دول مشاطئة.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا وزير الدفاع الصومالي أحمد معلم فقي خلال افتتاح أعمال اجتماع «لجنة الدفاع العليا» (وكالة الأنباء الصومالية)

«مجلس الدفاع» الصومالي... خطوة نحو «تطويق» التهديدات

دشنت مقديشو «مجلس الدفاع» منصةً جديدة تعزز التنسيق بين المؤسسات الأمنية، وتوحيد العمليات العسكرية، وإصلاح القوات في تزامناً مع تصاعد التوتر مع «أرض الصومال».

محمد محمود (القاهرة )
تحليل إخباري الرئيس الإسرائيلي يلتقي قائد إقليم أرض الصومال الانفصالي على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)

تحليل إخباري إسرائيل ترسخ اعترافها بـ«أرض الصومال» بلقاء هرتسوغ ورئيس الإقليم الانفصالي

وسَّعت إسرائيل من علاقاتها بالإقليم الصومالي الانفصالي بلقاء جمع رئيسها إسحاق هرتسوغ مع قائد الإقليم عبد الرحمن عرو في دافوس.

محمد محمود (القاهرة)

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
TT

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)

أعلن السودان أنه سيعود إلى الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) التي تجمع دولاً في شرق أفريقيا، بعد عامين من تجميد عضويته فيها بسبب دعوة وجّهتها آنذاك إلى قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف باسم «حميدتي»، الذي يقاتل القوات الحكومية منذ أبريل (نيسان) عام 2023.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان نُشر على موقع «إكس» أمس، إن «حكومة جمهورية السودان ستستأنف نشاطها الكامل في عُضوية المنظمة»، التي بدورها أعربت عن التزامها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، مؤكدةً احترامها الكامل لسيادة السودان ووحدة أراضيه وشعبه، وسلامة مؤسساته الوطنية القائمة.

وكان السودان قد جمَّد عضويته في «إيغاد» في يناير (كانون الثاني) 2024، بعدما دعت المنظمة دقلو إلى قمة في أوغندا لمناقشة النزاع في السودان. وكانت القمة تهدف إلى مناقشة وقف الحرب عبر سلسلة من المقترحات على رأسها نشر قوات أممية في مناطق النزاعات.

 


حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
TT

حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

أَطلعت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هانا تيتيه، القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، على مجريات لجان «الحوار المهيكل» الذي ترعاه البعثة الأممية، في وقت يشهد تصاعداً في «صراع الشرعية» بين مجلسي النواب والدولة.

واستقبل القائد العام تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري والوفد المرافق لهما، يوم الاثنين، في مقر القيادة العامة بمدينة بنغازي.

ونقلت القيادة العامة أن المشير أكد دعمه لجهود بعثة الأمم المتحدة ومساعيها الرامية إلى الدفع بالعملية السياسية إلى الأمام، وصولاً إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وقالت إن تيتيه عرضت عليه إحاطة حول ما أجرته لجان «الحوار المهيكل» من نقاشات وحوارات تهدف إلى تشكيل خريطة طريق تقود لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

المشير خليفة حفتر يلتقي المبعوثة الأممية هانا تيتيه في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

وأضاف مكتب حفتر أن الطرفين اتفقا على مواصلة التنسيق والتشاور لدعم خطوات البعثة الأممية في ليبيا، وصولاً إلى تحقيق الاستقرار الدائم.

في غضون ذلك، دخل «صراع الشرعية» في ليبيا مرحلة جديدة بين مجلسي «النواب» و«الدولة» حول إدارة المؤسسات السيادية، بعدما اتهم رئيس «الأعلى للدولة» محمد تكالة، رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، باستخدام «ألاعيب متكررة لإرباك المشهد عبر إصدار قوانين وقرارات أحادية».

ولم يتوقف هذا التصعيد عند حد القوانين، بل امتد ليعمّق الانقسام حول مفوضية الانتخابات ومجلس القضاء، وسط تحذيرات شديدة اللهجة إلى البعثة الأممية من مغبة الانحياز.

وجاءت الاتهامات التي وجّهها تكالة إلى صالح في تصريحات تلفزيونية، مساء الأحد، مشيراً إلى إصدار صالح قوانين أو قرارات قبل لقاءاتهما الرسمية، ومن ذلك إصداره قانوناً وصفه بأنه «معيب» بإنشاء المحكمة الدستورية؛ وقال إنه طالب صالح من قبل بعدم إصدار أي قوانين أو قرارات قبل لقائهما، لأن ذلك «يربك المشهد».

ودافع تكالة عن انتخاب مجلسه منفرداً، رئيس وأعضاء مجلس إدارة للمفوضية العليا للانتخابات، باعتباره تطبيقاً لـ«اتفاق أبو زنيقة»، أحد الاتفاقات المبرمة بناءً على «اتفاق الصخيرات» الموقّع في المغرب نهاية 2015.

وتابع: «نحن نسعى للتغيير في المفوضية من أجل التطوير وتصحيح مسارها بإعادة تشكيلها؛ والتصحيح الحقيقي فيها هو الذي لا يترك مجالاً للطعن في أي انتخابات مستقبلاً»، لافتاً إلى أن اللجنة الاستشارية التي تضم خبراء قانون أوصت بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية، وأن أعضاءها رأوا أن المفوضية بهذه الوضعية لن تستطيع أن تدير عملية انتخابية.

وأشار إلى أن البعثة الأممية أخذت برأي اللجنة الاستشارية واقترحته في الأمم المتحدة بوصفه جزءاً من «خريطة الطريق»، موضحاً أن رئيس مجلس النواب تراجع عن مسألة تغيير مجلس المفوضية بسبب قوة قاهرة ضغطت عليه، وقال إن مجلس المفوضية السابق كان من المفترض إقالته منذ 2021 عندما فشل في إجراء الانتخابات.

وبعدما عدّ تصريح البعثة الأممية حول تغيير رئاسة المفوضية «نوعاً من المغازلة» لمجلس النواب، شدّد تكالة على أن مجلس الدولة «لم يتجاوز اختصاصاته، ولم يتدخل في أي جزئية إلا بما كفله له الاتفاق السياسي».

وقال إن صلاح الكميشي، الرئيس المنتخب من مجلس الدولة لرئاسة المفوضية، بصدد ترتيب عملية تسلّم منصبه، رغم اعتراض السايح، مشيراً إلى أن الكميشي سيباشر أعماله من داخل مقر مفوضية الانتخابات في طرابلس قريباً، من دون تحديد أي موعد.

الدبيبة مستقبلاً القائم بالأعمال بسفارة السعودية في ليبيا عبد الله بن دخيل الله السلمي يوم الاثنين (مكتب الدبيبة)

وعلى صعيد مختلف، قالت حكومة «الوحدة» المؤقتة إن رئيسها عبد الحميد الدبيبة استقبل القائم بالأعمال بسفارة المملكة العربية السعودية في ليبيا، عبد الله بن دخيل الله السلمي، حيث بحثا سبل تعزيز التعاون الثنائي في عدد من الملفات موضع الاهتمام المشترك.

وأضافت الحكومة، الاثنين، أن الدبيبة سلّم، بصفته وزير الدفاع، رسالة موجهة إلى وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، في إطار دعم وتطوير مسارات التعاون والتنسيق بين البلدَين وتعزيز العلاقات السياسية والأمنية بما يخدم المصالح المشتركة.

وأكد الجانبان، حسب الحكومة، أهمية مواصلة التواصل والتنسيق في القضايا الإقليمية والدولية، بما يعزز الاستقرار ويدعم جهود التعاون العربي.

Your Premium trial has ended


شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
TT

شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)

انتقل الجدل حول وقائع التحرش في مصر إلى مساحة جديدة، تتعدى الوقائع نفسها إلى مواقف المحيطين فيها من الشهود، بعدما أظهر مقطعٌ مصورٌ لفتاة تتهم شاباً بالتحرش بها في حافلة نقل عام بمنطقة المقطم (جنوب القاهرة)، صمتَ بعض الركاب، ودفاع آخرين عن الشاب ومهاجمة الفتاة، فيما سعى فريقٌ ثالثٌ لمحاولة التهدئة، وسط انتقادات «سوشيالية» وهجوم على مواقفهم.

وأظهر مقطع مصور نشرته فتاة تدعى مريم شوقي على حسابها عبر «فيسبوك»، مساء الأحد، شاباً يقف في الحافلة محاولاً إخفاء وجهه عن الكاميرا أحياناً وإظهاره أحياناً أخرى، قبل إقدامه على الفتاة لمنعها من التصوير، وهي تنهال عليه بالسباب وتتهمه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها، وتستغيث في الفيديو لإنقاذها، وسط صمت من المحيطين. فيما أعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط المتهم الذي أنكر ارتكابه الواقعة، قبل أن تتولى النيابة العامة التحقيق.

وفي مقطع آخر، تدخل راكب لمهاجمة مريم منتقداً تصرفاتها، ما شجع الشاب المتهم على الرد، قائلاً لها: «شوفي انتي لابسه إيه»، وهذا ما اعتبره البعض «اعترافاً ضمنياً بالتحرش وتبريره لذلك بملابسها».

وحسب بيان الداخلية المصرية، فإن مقاطع الفيديو التي تم تداولها تظهر اتهام الفتاة لأحد الأشخاص بقيامه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها بدائرة قسم شرطة المقطم بالقاهرة وتتبعها عقب ذلك إلى داخل أحد أتوبيسات النقل العام.

وقالت الداخلية، في بيان، الاثنين، إنه بسؤال الشاكية (موظفة بإحدى الشركات - مقيمة بمحافظة السويس) أقرت بأنها حال خروجها من مقر عملها الكائن بدائرة القسم قام الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو بالتحرش اللفظي بها وتتبعها حال استقلالها أحد أتوبيسات النقل العام. وأنه أمكن تحديد وضبط الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو (عامل - مقيم بمحافظة الدقهلية)، وبمواجهته أنكر ارتكابه الواقعة، أو سابقة تقابله مع المجني عليها، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية، وتولت النيابة العامة التحقيق.

الشاب المتهم بالتحرش يختبئ من كاميرا الفتاة صاحبة الشكوى (لقطة مثبتة)

واتجه جزء كبير من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى المحيطين بالواقعة، خصوصاً الراكب الذي تدخل وهاجم الفتاة، بينما يمسك مسبحة في يده، معتبرين أن مثل هؤلاء «سبب في عدم تجريم التحرش وتوفير حماية للمتحرشين».

واعتبر هذا الفريق أن ما يعكسه الفيديو من سلبية للمحيطين، بل وحماية لـ«المتحرش»، على حد وصفهم، أخطر من التحرش نفسه، إذ يمثل حاضنة مجتمعية تتصالح مع هذه الأفعال، مقابل لوم الضحية، وذهب بعضهم إلى ما هو أبعد بالمطالبة بمحاكمة الشهود.

وشكك آخرون في الرواية كلياً، انطلاقاً من موقف الشهود نفسه، مستبعدين حالة الصمت والتصالح مع خطأ وقع فعلياً من كل الموجودين في الأتوبيس، ومعتبرين أن ذلك الصمت دليل على اختلاق الفتاة للواقعة.

وحذر آخرون من الهجوم على أحد بدعوى التحرش دون تقديم دليل، معتبرين أنه سلاح يمكن أن تستخدمه النساء لتصفية حسابات أو التشهير بمظلومين.

وتنص المادة 306 مكرر أ من قانون العقوبات على «معاقبة كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإيحاءات، أو تلميحات جنسية أو إباحية، سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل (بما في ذلك الاتصالات)، بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تتجاوز 4 سنوات، وغرامة مالية بين 100 ألف و300 ألف جنيه (الدولار نحو 47 جنيهاً).

وفسر أستاذ علم الاجتماع، وليد رشاد، المعضلة التي يتعرض لها الشهود والمحيطون وقت ارتكاب جريمة ما، سواء بالتدخل أو الصمت، وزيادة التوجه الأخير إلى 3 أسباب؛ الأول الخوف من الجريمة المرتكبة، أي تجنب أن تطوله الجريمة أو الاعتداء، خصوصاً في ظل وهن الروابط المجتمعية الكبيرة حالياً، وهو سبب اجتماعي، أما الثاني فسبب نفسي متعلق بتوجه الفرد نحو الانزواء على ذاته، والانعزال عن المحيط.

وأضاف أستاذ علم الاجتماع أن السبب الثالث مرتبطٌ بالتطور التكنولوجي وسعي البعض إلى الحصول على تفاعل أكبر بتصوير الحادثة ونشرها، مؤكداً في الوقت نفسه أن ذلك لا يعني أن المجتمع أصبح سلبياً بالكامل، فالشخصية المصرية ما زالت تحتفظ بصفاتها المعروفة بإغاثة المظلوم.

أحد التعليقات على «فيسبوك» يحلل رد فعل المحطين بالواقعة محل الاتهام

وسبق أن تعرض شهود عيان في وقائع عديدة للاعتداء، وبعضهم فقد حياته، من أشهرهم الشاب محمود البنا (17 عاماً) الذي قُتل عام 2019 إثر دفاعه عن إحدى الفتيات في محافظة المنوفية، وتحول لبطل شعبي في مصر.

ورفض رشاد التعليق على الواقعة الأخيرة باعتبارها ما زالت قيد التحقيقات، مؤكداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن ثمة وعياً مجتمعياً أكبر تجاه قضية التحرش، وتوجهاً مجتمعياً لفضح الجاني، في تغير عن اعتقاد سابق بأن فضح الجاني سيترتب عليه فضح الضحية، مرجعاً ذلك إلى حملات التوعية التي حدثت على مدار سنوات وصولاً للتطور الإيجابي الحالي.

وظهر الشاب المتهم في مقابلة مع أحد المواقع المحلية، نافياً الاتهامات الموجهة إليه، مشيراً إلى أن «الركاب رأوا عدم فعله شيئاً، وكذلك محصل التذاكر».