تقرير: أزمة مالية حادة تضرب «حزب الله»

تمثال لقاسم سليماني القائد السابق لـ«فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني أمام فرع لمؤسسة «القرض الحسن» المصرفية التي يديرها «حزب الله» في الغبيري بلبنان (أرشيفية - أ.ب)
تمثال لقاسم سليماني القائد السابق لـ«فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني أمام فرع لمؤسسة «القرض الحسن» المصرفية التي يديرها «حزب الله» في الغبيري بلبنان (أرشيفية - أ.ب)
TT

تقرير: أزمة مالية حادة تضرب «حزب الله»

تمثال لقاسم سليماني القائد السابق لـ«فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني أمام فرع لمؤسسة «القرض الحسن» المصرفية التي يديرها «حزب الله» في الغبيري بلبنان (أرشيفية - أ.ب)
تمثال لقاسم سليماني القائد السابق لـ«فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني أمام فرع لمؤسسة «القرض الحسن» المصرفية التي يديرها «حزب الله» في الغبيري بلبنان (أرشيفية - أ.ب)

قال باحثون إن جماعة «حزب الله» اللبنانية تعاني من نقص الأموال؛ إذ أدى الهجوم الإسرائيلي المستمر منذ أسابيع ضد المجموعة المدعومة من إيران، إلى تعطيل ثلاثة من مصادرها الرئيسية للنقد، بحسب موقع «فويس أوف أميركا».

وحدد باحثون مقيمون في الولايات المتحدة ولبنان، وتقارير وزارة الخزانة الأميركية، أن المصدر الرئيسي للنقد لـ«حزب الله» هو مؤسسة «القرض الحسن»، وهي مؤسسة شبه مصرفية لبنانية تديرها جماعة «حزب الله» والتي صنفتها الولايات المتحدة دون ترخيص مصرفي حكومي.

ويقول الباحثون إن مصادر النقد الأخرى للمجموعة تشمل البنوك التجارية المرخصة في لبنان، ووصول الطائرات التي تحمل النقد إلى مطار بيروت.

مؤسسة «القرض الحسن»

وأسس «حزب الله» مؤسسة «القرض الحسن» في لبنان في عام 1982 كمؤسسة خيرية تقدم قروضاً خالية من الفوائد للبنانيين المحتاجين، وخاصة الشيعة، وفقاً لمركز «مائير أميت» الإسرائيلي لمعلومات الاستخبارات والإرهاب، وهو مجموعة بحثية غير حكومية تضم قدامى المحاربين في مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي.

ويقول المركز إن مؤسسة «القرض الحسن» في لبنان نمت منذ ذلك الحين لتصبح مؤسسة رئيسية لها فروع في معقل «حزب الله» في الضاحية الجنوبية لبيروت وأجزاء أخرى يهيمن عليها «حزب الله» في لبنان.

وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على مؤسسة «القرض الحسن» عام 2007. وفي عام 2021 أعلنت عن فرض عقوبات إضافية على موظفي المؤسسة، وقالت إن المؤسسة جمعت نحو نصف مليار دولار.

وتعرضت المؤسسة لضربة شديدة بسبب الغارات الجوية الإسرائيلية الأولية على أهداف «حزب الله» في الضاحية في أواخر سبتمبر (أيلول)، وفقاً لقناة «إم تي في» اللبنانية. وفي 30 سبتمبر (أيلول)، ذكرت الشبكة اللبنانية أن الغارات الجوية الإسرائيلية استهدفت «مراكز تخزين الأموال النقدية لـ(حزب الله)، بما في ذلك جزء كبير من خزائن مؤسسة (القرض الحسن)»، مما ترك المجموعة فيما أسمته «أزمة مالية».

رجل ينظر لمبانٍ مدمرة جراء القصف الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية في بيروت (أ.ب)

وقال هلال خشان، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت، لموقع «فويس أوف أميركا»، إن إسرائيل «دمرت» معظم فروع مؤسسة «القرض الحسن» في الغارات الجوية. وتابع خشان: «يواجه (حزب الله) مشكلة مالية خطيرة للغاية؛ إذ إنهم غير قادرين على دفع رواتب الأعضاء العاديين الذين فروا من منازلهم ويحتاجون إلى إطعام أسرهم».

في عام 2021، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على ستة من موظفي مؤسسة «القرض الحسن»، وقالت إنهم استخدموا حسابات شخصية في بنوك لبنانية مرخصة لتحويل أكثر من 500 مليون دولار من وإلى المؤسسة على مدى العقد الماضي. وقالت الوزارة إن هذا النشاط أعطى المؤسسة إمكانية الوصول إلى النظام المالي الدولي من خلال الحسابات الشخصية للموظفين في البنوك اللبنانية، وفق الموقع الأميركي.

الرياح تهب ضد «حزب الله»

وفي هذا الصدد، قال ديفيد آشر، المسؤول السابق في وزارة الدفاع ووزارة الخارجية الأميركية، إن المجموعة في «مشكلة عميقة»؛ لأنها تفقد أيضاً القدرة على الوصول إلى النظام المصرفي اللبناني.

وقال آشر، وهو زميل بارز في معهد هدسون، ومقره واشنطن: «لقد سمعت من مصرفيين لبنانيين، بمن في ذلك ممولو (حزب الله)، أن أغنى المصرفيين في لبنان الذين يستطيعون تحمل تكاليف السفر فروا إلى أوروبا والخليج، خوفاً من أن يتم استهدافهم بعد ذلك من قبل إسرائيل لمساعدتهم (حزب الله)».

وأضاف آشر أن «هؤلاء المصرفيين الفارين يرون أن الرياح تهب ضد (حزب الله)؛ لذلك لن يسمحوا له بسحب ملايين الدولارات من بنوكهم، التي لا تزال تحتفظ بالنقد على الرغم من إفلاسها على الورق».

نيران جراء القصف الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية في بيروت 6 أكتوبر الجاري (أ.ب)

ووفقاً لآشر وخشان، فإن مصدر تمويل آخر لـ«حزب الله» جفت مصادره، وهو تسليم الأموال النقدية على متن الطائرات المتجهة إلى مطار بيروت، وخاصة من إيران، الراعي الرئيسي للجماعة.

وقال المتحدث العسكري الإسرائيلي دانييل هاغاري للصحافيين في 27 سبتمبر، إن الطائرات الحربية الإسرائيلية بدأت في دوريات في المجال الجوي لمطار بيروت، وأضاف: «لن نسمح للرحلات المعادية التي تحمل أسلحة بالهبوط في منشأة مدنية». ولم يذكر قضية الأموال النقدية التي يتم نقلها على متن ما تعتبره إسرائيل رحلات معادية.

نقل الأموال والأسلحة

وفي اليوم التالي، أبلغت وزارة النقل اللبنانية وسائل إعلام لبنانية وغربية أنها أمرت طائرة إيرانية متجهة إلى بيروت بالابتعاد عن المجال الجوي اللبناني. وعزت الوزارة هذه الخطوة إلى تحذير إسرائيلي لبرج مراقبة الحركة الجوية في بيروت بأن إسرائيل ستستخدم القوة إذا هبطت الطائرة هناك.

وقال آشر: «سمعت من نظرائي الإسرائيليين أن الإيرانيين يخشون إرسال الأموال إلى لبنان الآن؛ لأن إسرائيل تهدد باستهداف الرحلات الجوية إلى بيروت. ويحذر الإسرائيليون بأنهم سيستهدفون الرحلات الجوية المليئة بالمال، وليس الأسلحة فقط».

ومن جانبه، قال خشان إن إيران اعتادت تنظيم رحلات منتظمة من طهران إلى بيروت لتهريب الأموال إلى «حزب الله» دون المرور عبر إدارة الجمارك التابعة للحكومة اللبنانية.

وتابع أستاذ العلوم السياسية: «في الأسابيع التي تلت تصعيد إسرائيل لهجماتها على الضاحية الجنوبية لبيروت، فرضت الحكومة اللبنانية المزيد من السيطرة على المطار، والآن لا يوجد تدفق نقدي لـ(حزب الله)».

وقال وزير الأشغال العامة والنقل، علي حمية، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الثلاثاء، إن السلطات تلقت خلال اتصالاتها الدولية «تطمينات» لناحية عدم استهداف إسرائيل لمطار بيروت، لكنها لا ترقى إلى «ضمانات» على وقع غارات كثيفة في محيط المرفق الجوي منذ الأسبوع الماضي.

وقال وزير الأشغال العامة والنقل اللبناني إن مطار بيروت «يخضع للقوانين اللبنانية ولرقابة مختلف الإدارات والأجهزة الأمنية ذات الصلة». وأضاف حمية أن أي طائرة تحمل أسلحة يجب أن توافق عليها القوات اللبنانية، وتحصل على ترخيص من وزارته.


مقالات ذات صلة

نواب يحذّرون من فراغ أمني في جنوب لبنان قبل الانسحاب الإسرائيلي

المشرق العربي الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً نيابياً سلّمه مذكرة موقعة من 86 نائباً بخصوص مهمة «يونيفيل» في جنوب لبنان (رئاسة الجمهورية)

نواب يحذّرون من فراغ أمني في جنوب لبنان قبل الانسحاب الإسرائيلي

استكمالاً للمبادرة النيابية المطالبة بإعادة النظر في القرار 2790، التقى وفد نيابي الثلاثاء رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام متفقداً سرية درك النبطية يوم الجمعة الماضي (الوكالة الوطنية للإعلام)

بري يكبح حملات «حزب الله» على رئيس الحكومة اللبنانية

دفع رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري باتجاه إنجاز تهدئة بين رئيس الحكومة نواف سلام وجزء كبير من الجنوبيين، عكستها زيارة سلام الى النبطية يوم الجمعة الماضي.

نذير رضا (بيروت)
تحليل إخباري مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في الذكرى السنوية الثانية لاغتيال أمينيه العامين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين (د.ب.أ)

تحليل إخباري من بقي من حلفاء «حزب الله» في الداخل اللبناني؟

كشفت الذكرى الثانية لاغتيال الأمينين العامين السابقين لـ«حزب الله» حسن نصر الله وهاشم صفي الدين، عن واقع مرير يعانيه «حزب الله» في الداخل اللبناني.

بولا أسطيح (بيروت)
تحليل إخباري وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في وزارة الخارجية في واشنطن الأسبوع الماضي (رويترز)

تحليل إخباري اجتماع فلوريدا... ومخاوف لبنانية من تمرير الوقت بانتظار الانتخابات الإسرائيلية

يخشى لبنان أن يشكّل الاجتماع العسكري اللبناني - الإسرائيلي، برعاية أميركية في فلوريدا في 20 أكتوبر الحالي، محطة لتمرير الوقت ريثما تجرى الانتخابات الإسرائيلية.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة نواف سلام متحدثاً من مقر بلدية النبطية يوم الجمعة (رئاسة الحكومة)

سلام في جنوب لبنان: رسائل إلى الداخل والخارج

جاءت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى النبطية -وهي الثالثة له إلى الجنوب منذ توليه رئاسة الحكومة- في توقيت يحمل دلالات سياسية واضحة.

كارولين عاكوم (بيروت)

اعتكاف وزير الطاقة عن حضور جلسات الحكومة في لبنان

وزير الطاقة جو الصدي خلال مؤتمر صحافي أعلن خلاله اعتكافه عن المشاركة في جلسات الحكومة (الشرق الأوسط)
وزير الطاقة جو الصدي خلال مؤتمر صحافي أعلن خلاله اعتكافه عن المشاركة في جلسات الحكومة (الشرق الأوسط)
TT

اعتكاف وزير الطاقة عن حضور جلسات الحكومة في لبنان

وزير الطاقة جو الصدي خلال مؤتمر صحافي أعلن خلاله اعتكافه عن المشاركة في جلسات الحكومة (الشرق الأوسط)
وزير الطاقة جو الصدي خلال مؤتمر صحافي أعلن خلاله اعتكافه عن المشاركة في جلسات الحكومة (الشرق الأوسط)

نقل وزير الطاقة والمياه اللبناني جو الصدي أزمة الكهرباء من دائرة المعالجات التقنية والمالية إلى داخل مجلس الوزراء، بإعلانه الاعتكاف عن حضور جلسات الحكومة «إلى حين تحملها مسؤولياتها تجاه قطاع الطاقة، واتخاذ القرارات المطلوبة لضمان استمرارية التغذية».

وقال الصدي، خلال مؤتمر صحافي، إنه قرر «في هذه المرحلة» عدم حضور جلسات مجلس الوزراء، إلى حين «تحمّل الحكومة مسؤولياتها تجاه قطاع الطاقة، والتعامل الجدي مع الطروحات المقدمة لضمان استمرارية الكهرباء وحماية المواطنين من أعباء إضافية».

وشدد على أن قراره «ليس تخلياً عن المسؤولية»، مؤكداً أنه سيواصل ممارسة كامل مسؤولياته في الوزارة والعمل لحماية استمرارية المرفق العام وحقوق المواطنين.

واعتكاف صدي يعيد إلى الواجهة أسلوباً سياسياً استخدمه وزراء ورؤساء حكومات في مراحل سابقة، رغم أن هذه الخطوة لا تشكل حالة دستورية قائمة بذاتها، ولا ترتب نتائج قانونية كتلك التي تترتب على الاستقالة.

الوزير جو الصدي خلال إعلانه الاعتكاف عن حضور جلسات الحكومة اللبنانية (الشرق الأوسط)

خلاف على كلفة الكهرباء

جاء تصعيد الصدي بعد سلسلة مطالب رفعها إلى الحكومة لمعالجة الوضع المالي لمؤسسة كهرباء لبنان، في ظل ارتفاع أسعار المحروقات وتراجع القدرة على تأمين الفيول اللازم للإنتاج.

وقال إنه طالب الوزارات والمؤسسات العامة بتسديد فواتير الكهرباء المتوجبة عليها، لكن التجاوب كان «جزئياً ولمرة واحدة»، سائلاً: «كيف نطلب من المواطن أن يسدد فاتورته كاملة، فيما مؤسسات الدولة لا تقوم بواجباتها؟».

كما كشف عن أنه طالب الحكومة بتسديد قيمة الكهرباء التي تحملتها مؤسسة الكهرباء نتيجة إعفاءات مرتبطة بالمتضررين من الحرب، لاستخدام هذه الأموال في شراء الفيول وتأمين التغذية، لافتاً إلى أن هذا الطلب لم يلق تجاوباً.

ووضع الصدي المسألة في إطار أوسع من مسؤولية وزارته، معتبراً أن الحكومة تؤمن الاعتمادات اللازمة لقطاعات أخرى لمساعدة المتضررين والنازحين، فيما لا يجري تأمين كلفة الكهرباء المقدمة لهم، ومشدداً على أن مؤسسة كهرباء لبنان «مؤسسة عامة شأنها شأن المستشفيات الحكومية وسائر مؤسسات الدولة».

تعرفة متحركة

وفي موازاة الخلاف المالي، أعاد الصدي طرح اعتماد تعرفة كهرباء متحركة ترتبط بتغيّر أسعار الفيول، معتبراً أنها أحد المطالب الإصلاحية التي تسمح بالحفاظ على الاستدامة المالية لمؤسسة كهرباء لبنان وزيادة ساعات التغذية، وبالتالي خفض الكلفة على المواطن، خاصة أن كهرباء الدولة تبقى أقل كلفة من المولدات الخاصة.

وقال إن الوزارة «حذرت وقدمت الأرقام وطرحت الحلول وانتظرت المعالجات»، إلا أن الاجتماع الوزاري الأخير لم يسفر، وفق قوله، عن تجاوب فعلي مع الطروحات التي قدمتها.

وأضاف: «أنا وزير الطاقة، وأقوم بواجباتي في الوزارة لتطبيق القوانين واحترامها وتأمين تسيير المرفق العام بأقل كلفة وضمان استمرارية الخدمات للمواطن»، معتبراً أن المسؤولية الوزارية لا تختصر بحضور جلسات لا يحظى فيها ملف الطاقة، وفق رأيه، بالاهتمام الذي تتطلبه الأزمة.

جلسة لمجلس الوزراء اللبناني برئاسة نوّاف سلام (رئاسة الحكومة)

لا وجود دستورياً لـ«الاعتكاف»

ويفتح قرار الصدي مجدداً النقاش حول مفهوم «الاعتكاف» في النظام اللبناني، وما إذا كان يترتب عليه أي تغيير في الوضع القانوني للوزير.

وفي هذا الإطار، أوضح الخبير الدستوري سعيد مالك لـ«الشرق الأوسط» أن «الاعتكاف ليس مصطلحاً موجوداً في الدستور اللبناني، ولكنه طريقة أداء وتعبير عن موقف»، مشيراً إلى أن التجربة السياسية جعلته موقفاً يتخذه المسؤول للتعبير عن رفضه لما جرى أو عن عدم تنفيذ قرار سبق اتخاذه.

وقال مالك إن الاعتكاف «أمر متعارف عليه، ولو كان غير دستوري»، وإنه «موقف سياسي لا أكثر ولا أقل، لا يرتب أي نتائج قانونية»، بل يعكس اعتراض المسؤول على واقع سياسي أو على عدم تنفيذ قرار، كما أن مدته غير محددة زمنياً.

وفي حالة الصدي، يبدو نطاق الاعتكاف محدداً بوضوح؛ إذ حصره على عدم حضور جلسات مجلس الوزراء، وأكد في الوقت نفسه استمراره في ممارسة مسؤولياته الوزارية، ما يفصل خطوته عن الاستقالة ويضعها في إطار الاعتراض السياسي من داخل الحكومة.

بطرس حرب... السابقة الأقرب

ولا يشكل اعتكاف الصدي سابقة وزارية في لبنان. ففي 13 أغسطس (آب) 2015، أعلن وزير الاتصالات آنذاك بطرس حرب اعتكافه عن حضور جلسات الحكومة، احتجاجاً على عجزها عن اتخاذ القرارات رابطاً عودته بوجود توجّه جدّي يعيد إلى المجلس قدرته على اتخاذ القرارات.

مجلس الوزراء اللبناني مجتمعاً في القصر الجمهوري (أرشيفية - أ.ف.ب)

اعتكافات جماعية

وعرفت الحكومات اللبنانية أيضاً حالات اعتكاف أو مقاطعة جماعية، وإن كانت تختلف عن حالة وزير يتخذ القرار منفرداً.

ففي أواخر عام 2005، علّق خمسة وزراء يمثلون حركة «أمل» و«حزب الله» مشاركتهم في حكومة فؤاد السنيورة، في أزمة سياسية استمرت أسابيع، قبل عودتهم إلى مجلس الوزراء بعد تسوية الخلافات التي أدت إلى الاعتكاف.

وتكرر نموذج قريب في حكومة نجيب ميقاتي عام 2021، عندما قاطع وزراء «حركة أمل» و«حزب الله» جلسات مجلس الوزراء على خلفية الخلاف حول التحقيق في انفجار مرفأ بيروت.

عرف سياسي أقدم

ويبقى استخدام «الاعتكاف» في لبنان مرتبطاً تاريخياً بصورة أكبر برؤساء الحكومات. ففي عام 1969، لجأ رئيس الحكومة رشيد كرامي إلى اعتكاف استمر أشهراً على خلفية الاشتباكات بين الجيش والفصائل الفلسطينية، فيما اعتكف صائب سلام عام 1973 في خضم خلاف سياسي أعقب عملية اغتيال إسرائيلية لقادة فلسطينيين في بيروت، قبل أن ينتهي اعتكافه باستقالته.

وفي مرحلة ما بعد اتفاق الطائف، استخدم رفيق الحريري الاعتكاف ورقة ضغط عام 1994، فيما امتنع تمام سلام عام 2015 لفترة عن دعوة مجلس الوزراء إلى الانعقاد خلال أزمة النفايات.


مواصلة محاكمة متهمين بجرائم ضد الإنسانية في دمشق بينهم طبيب ومصور

مدخل مستشفى تشرين العسكري قبل إعادة تسميته «مشفى دمشق العسكري» (أ.ف.ب)
مدخل مستشفى تشرين العسكري قبل إعادة تسميته «مشفى دمشق العسكري» (أ.ف.ب)
TT

مواصلة محاكمة متهمين بجرائم ضد الإنسانية في دمشق بينهم طبيب ومصور

مدخل مستشفى تشرين العسكري قبل إعادة تسميته «مشفى دمشق العسكري» (أ.ف.ب)
مدخل مستشفى تشرين العسكري قبل إعادة تسميته «مشفى دمشق العسكري» (أ.ف.ب)

علقت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق 4 جلسات من محاكمات الدفعة الثانية ضمن مسار العدالة الانتقالية، وذلك لاستكمال «إجراءات التبليغ والمطالبة والدفاع»، وفق «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا.

وأفادت المحكمة بأن الجلسات تضمنت تلاوة قوائم الاتهام لعدد من المشتبه بارتكابهم جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في عهد النظام السابق، بينهم طبيب شرعي ومصور متهم بإخفاء هوية ضحايا التعذيب من المعتقلين في سجون النظام.

وعقدت محكمة الجنايات الرابعة المتخصصة بالعدالة الانتقالية في دمشق 4 جلسات علنية، يوم الاثنين، جرى خلالها تلاوة أوراق الدعاوى على أحد عشر متهماً حضر منهم أربعة، وتغيب سبعة متوارين عن الأنظار. ولاستكمال إجراءات الدعوة تم رفع الجلسات إلى يومي 20 و21 من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

مدخل مستشفى تشرين العسكري قبل إعادة تسميته «مشفى دمشق العسكري» (أ.ف.ب)

وبحسب «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، نظرت الجلسة الرابعة في الاتهامات الموجهة إلى الطبيب الشرعي الضابط في قوات النظام السابق برتبة عقيد، أيمن خلو بن محمد. وأكدت النيابة العامة تورط المتهم مع «سبق الإصرار ‏والترصد في جرائم بالقتل العمد، والتدخل في ‏التعذيب المفضي إلى الموت، والإخفاء القسري، ‏وإجراء الكشف على جثث المعتقلين في المشافي ‏بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية، وإصدار شهادات طبية ‏كاذبة بأسباب الوفاة»، بحسب بيان للهيئة نشرته، الثلاثاء، في معرفاتها الرسمية.

‏ وشددت النيابة العامة على أن الجرائم التي ارتكبها العقيد أيمن خلو ترقى إلى «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية». وأنكر المتهم بدوره الجرائم المسندة إليه، متراجعاً عن اعترافاته السابقة أمام هيئة ‏المحكمة.

وفي الجلسة الثالثة، وُجهت اتهامات للرقيب في الشرطة العسكرية، عماد صلاح ‏صلاح، بتصوير وتوثيق الجثث في المشافي، ومنحها أرقاماً، وإخفاء ‏آثار التعذيب عن المعتقلين، وجعلهم مجهولي الهوية. وأكدت النيابة العامة، ‏ارتكاب المتهم للأفعال المنسوبة ‏إليه، مطالبة بإنزال أشد العقوبات بحقه.‏

محكمة الجنايات الرابعة بدمشق من صفحة وزارة العدل السورية

وكانت المحكمة في الجلسة الثانية قد نظرت في ملف ‏المسؤول في الشرطة العسكرية في النظام السابق، أكرم سلوم العبد الله، مع آخرين ما زالوا متوارين عن الأنظار، وهم: جمال محمد عباس، وعلاء علي ‏إبراهيم، وحسام عبد الرزاق مخلوف، وتم توجيه تهم اليهم بالقتل العمد، والتدخل في التعذيب المفضي إلى ‏الموت، بما يشكل جريمة ضد الإنسانية وجريمة ‏حرب.‏ ورفعت الجلسة لتحديد إجراءات التبليغ. ‏

كذلك رُفعت الجلسة الأولى التي حضرها واحد من المدعى عليهم هو سامي جبران، في حين غاب جمال ‏شريتح، ومفيد خضور، وعامر محمود أحمد، ‏ومحمود علي خلوف، المتهمون بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم ‏حرب.‏

‏ودعت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» كل من يملك معلومات موثوقاً بها عن ‏أماكن وجود المتهمين المتوارين عن الأنظار إلى ‏إبلاغ الجهات القضائية أو القنوات الرسمية المعتمدة، ‏بما يساعد على استكمال إجراءات العدالة.‏

وقال مدير إدارة المساءلة والمحاسبة في الهيئة، المحامي رديف مصطفى، إن الملفات التي نظرت فيها ‏المحكمة، تُظهر «أهمية التحقيق في ‏الأدوار المختلفة التي قد يكون أفراد ما قد اضطلعوا ‏بها ضمن منظومة الانتهاكات». وأكد في بيان نشرته الهيئة، الثلاثاء، أن «‏المحكمة وحدها هي صاحبة الاختصاص في تحديد ‏المسؤولية الجنائية، استناداً إلى الأدلة وضمانات ‏المحاكمة العادلة».‏

من جلسات محاكمة عاطف نجيب في مايو الماضي

وبحسب مصطفى، فإن «كشف الحقيقة ومحاسبة ‏المسؤولين لا يقتصران على من أصدر الأوامر أو ‏ارتكاب الانتهاك بصورة مباشرة، بل يشملان كل ‏دور تثبت مسؤوليته بالأدلة والقانون، دون انتقائية أو ‏انتقام أو مسؤولية جماعية».‏

للتذكير، انطلق مسار العدالة الانتقالية في أبريل (نيسان) الماضي بمحاكمة عدد من أبرز رموز النظام السابق، وابتدأت الدفعة الأولى بمحاكمة العميد مسؤول الأمن العسكري في درعا عام 2011 عاطف نجيب، وبشار وماهر الأسد وعدد من القياديين.

وفي أغسطس (‏آب) الماضي، أصدرت المحكمة قرارات غيابية بالإعدام بحق بشار وماهر الأسد، وحضورياً بحق عاطف نجيب رئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، ووسيم الأسد المتهم بارتكاب وانتهاكات جسيمة بحق الشعب السوري. وعبد الناصر براقي، بينما حكم على المفتي السابق للجمهورية محمد حسون بالسجن المؤبد.


نواب يحذّرون من فراغ أمني في جنوب لبنان قبل الانسحاب الإسرائيلي

الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً نيابياً سلّمه مذكرة موقعة من 86 نائباً بخصوص مهمة «يونيفيل» في جنوب لبنان (رئاسة الجمهورية)
الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً نيابياً سلّمه مذكرة موقعة من 86 نائباً بخصوص مهمة «يونيفيل» في جنوب لبنان (رئاسة الجمهورية)
TT

نواب يحذّرون من فراغ أمني في جنوب لبنان قبل الانسحاب الإسرائيلي

الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً نيابياً سلّمه مذكرة موقعة من 86 نائباً بخصوص مهمة «يونيفيل» في جنوب لبنان (رئاسة الجمهورية)
الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً نيابياً سلّمه مذكرة موقعة من 86 نائباً بخصوص مهمة «يونيفيل» في جنوب لبنان (رئاسة الجمهورية)

استكمالاً للمبادرة النيابية المطالبة بإعادة النظر في القرار 2790 والتمسك ببقاء قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «يونيفيل» في الجنوب، التقى وفد نيابي الثلاثاء رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، حاملاً مذكرة موقعة من 86 نائباً ودراسة قانونية حول تداعيات انتهاء مهمة القوة الدولية.

وكان نواب قد دعوا في مؤتمر صحافي، الاثنين، مجلس الأمن الدولي إلى إعادة النظر في القرار 2790، مطالبين بإبقاء قوات «يونيفيل» التي تنتهي مهامها نهاية العام الحالي، وتعزيز فاعليتها إلى حين انسحاب إسرائيل وتمكّن الجيش اللبناني من الانتشار وتولي المسؤولية كاملة في الجنوب، في استكمال للمبادرة التي وقّع عليها 86 نائباً.

استحالة تنفيذ القرار في ظل الاحتلال

والتقى النائب ملحم خلف على رأس وفد نيابي ضم نجاة عون، وميشال موسى، وعدنان طرابلسي، وقاسم هاشم، وناصر جابر، وسليم الصايغ، وفيصل الصايغ وإدغار طرابلسي، رئيس الجمهورية جوزيف عون في القصر الرئاسي حيث سلّمه دراسة قانونية حول القرار 2790، خلصت إلى وجود صعوبات جوهرية في تنفيذ بعض مندرجاته، ولا سيما تسليم المواقع التي تنسحب منها «يونيفيل» إلى الجيش اللبناني، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي على الخط الأزرق.

وقال خلف بعد اللقاء إن الوفد أجرى دراسة معمقة للقرار، وخلص إلى وجود «مخاطر كبرى» ناتجة عن استحالة تنفيذ بعض مندرجاته. وأوضح أن القرار يفرض تسليم المواقع التي تنسحب منها القوات الدولية إلى الدولة اللبنانية والجيش اللبناني، فيما توجد 33 نقطة على امتداد الخط الأزرق يفترض تسليمها، متسائلاً عن كيفية تنفيذ ذلك في ظل وجود الاحتلال الإسرائيلي.

وأكد خلف أن مهمة «يونيفيل» لا تقتصر على الانسحاب، بل ترتبط بأهداف متكاملة، أبرزها التثبت من الانسحاب الإسرائيلي، وتأمين السلم والأمن الدوليين، ومساعدة الجيش اللبناني وتمكين الدولة من بسط سيادتها على كل أراضيها.

وحذر النائب اللبناني من أن انسحاب القوات الدولية في الظروف الراهنة سيترك فراغاً أممياً في الجنوب، مشيراً إلى الممرات الآمنة التي تؤمنها «يونيفيل» بين القرى، ومنها رميش ودبل وعين إبل، وإلى خطر انقطاعها وتعريض الأهالي للحصار. كما حذر من احتكاكات مباشرة بين الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي، مذكراً بما حصل سابقاً في دير ميماس وزوطر، حيث تولت «يونيفيل» معالجة الاحتكاكات.

ودعا خلف مجلس الأمن إلى إعادة النظر في القرار 2790، مشيراً إلى أن الرئيس عون طرح، في حال تعذر استمرار «يونيفيل» بصيغتها الحالية، البحث عن قوة بديلة تحت مظلة الأمم المتحدة، يمكن أن تكون أوروبية أو أوروبية - عربية، بحيث لا يُترك الجنوب أمام فراغ أمني ودولي.

رئيس البرلمان نبيه بري مستقبلاً وفداً نيابياً سلّمه مذكرة ودراسة قانونية حول تداعيات انتهاء مهمة «يونيفيل» في الجنوب (رئاسة البرلمان)

كذلك التقى الوفد النيابي رئيس مجلس النواب نبيه بري وسلّمه المذكرة، وأكد خلف أن الجولة على المرجعيات الرسمية تهدف إلى تثبيت الموقف المتمسك بالقرارات الأممية وبوجود القوات الدولية «باعتبارها مظلة أممية حمائية» لأهالي الجنوب.

وجدد خلف التأكيد بأن القرار 2790 يرتبط بموجبات مترابطة، بينها التثبت من الانسحاب الإسرائيلي، وتسليم مواقع «يونيفيل» إلى الجيش اللبناني، وإعادة بسط الدولة سلطتها على كامل أراضيها، معتبراً أن عدم تحقق هذه الشروط يجعل الانسحاب مصدراً لفراغ قد يضعف الدولة بدلاً من تمكينها.

معوض: لا مفاوضات ناجحة من دون حصرية القرار

في موازاة ذلك، تستمر المواقف الداعمة لخيارات رئيسي الجمهورية والحكومة لا سيما فيما يتعلق بقرار التفاوض مع إسرائيل وحصرية السلاح، وهو ما كان محور لقاء النائب ميشال معوض مع عون. وأكد معوض بعد اللقاء أن «تعنت حزب الله» في تسليم سلاحه وقراره للدولة يدفع ثمنه جميع اللبنانيين، معتبراً أن الدولة اتخذت خيار المفاوضات لإنهاء الاحتلال والحرب والدمار.

ورأى معوض أن نجاح المفاوضات يتطلب أن تكون الدولة صاحبة القرار، داعياً إلى متابعة هذا المسار بالتوازي مع تطبيق قرارات الدولة المتعلقة بحصر السلاح والقرار.

اعتداءات إسرائيلية مستمرة جنوباً

في غضون ذلك، تواصلت الاعتداءات الإسرائيلية جنوباً، إذ أدى انفجار جسم من مخلفات الحرب الإسرائيلية قرب الميتم عند أطراف شوكين في قضاء النبطية إلى إصابة مواطنة بجروح. كما استهدف قصف مدفعي إسرائيلي أطراف كونين وعيناثا من جهة برعشيت، فيما تعرضت المنصوري لقصف مدفعي وتمشيط بالأسلحة الرشاشة، وتحركت آليات عسكرية إسرائيلية نحو منطقة الخزان بين مجدل زون والمنصوري جنوب شرقي صور، بحسب ما أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام».

وفي كفررمان، وبعد تداول خبر عن تهديد هاتفي لسكان أحد المباني، أخلت البلدية المبنى مؤقتاً، قبل أن يتبين، بحسب المعطيات المتوافرة، وفق «الوطنية» أن الرقم المتصل مصدره العراق ويرجح عدم وجود تهديد فعلي، فيما بقي الوضع في البلدة طبيعياً.