أصداء الزمن... القصص الكامنة في قلب الصحراء تمد جسورها للواقع

معرض لفنانتين سعودية وألمانية بمناسبة الاحتفال بالذكرى العشرين لحفريات معهد الآثار الألماني في السعودية

المفارقة بين الظاهر والمخفي في عمل لدانية الصالح من المعرض (الفنانة)
المفارقة بين الظاهر والمخفي في عمل لدانية الصالح من المعرض (الفنانة)
TT

أصداء الزمن... القصص الكامنة في قلب الصحراء تمد جسورها للواقع

المفارقة بين الظاهر والمخفي في عمل لدانية الصالح من المعرض (الفنانة)
المفارقة بين الظاهر والمخفي في عمل لدانية الصالح من المعرض (الفنانة)

أن تقوم بمصاحبة بعثة أثرية في عمليات التنقيب أمر يتطلب الالتزام بجدول دقيق يستلزم الاستيقاظ المبكر، والعمل لساعات طويلة، ومراقبة تفاصيل العمل اليومي التي قد تكون رتيبة وخالية من الدهشة. هذا ما عاصرته الفنانتان دانية الصالح من السعودية، وسوزان كريمان من ألمانيا، إذ قامتا بمرافقة البعثة الألمانية في رحلة عمل بمدينة تيماء السعودية. ثم قُدّمت نتائج تلك التجربة في معرض فني تحت عنوان «أصداء الزمن»، من تنسيق سلمى الخالدي، أقيم بالتعاون مع السفارة الألمانية ومعهد «جوته» في الرياض، والمعهد الأثري الألماني في برلين، بمناسبة الاحتفال بالذكرى العشرين لحفريات معهد الآثار الألماني في السعودية. فكرة العرض عميقة، وتدعو للتفكير في التاريخ القديم وتقاطعه مع الحاضر، فهو من ناحية يقدم لنا جانباً مهماً من الاستكشافات الأثرية في تيماء، والعلا، ومحاولات لفك طلاسم طبقات من التاريخ القديم، ومن ناحية أخرى يقدم لنا نظرة فنية معاصرة تدعو المشاهدين إلى إعادة تصور المناظر الطبيعية الصحراوية ليس فقط بوصفها آثاراً، ولكن بوصفها مساحة يتقاطع فيها التاريخ والحاضر.

من أعمال الفنانة دانية الصالح في معرض «أصداء الزمن» (الفنانة)

العقيق والذاكرة الجماعية

بالنسبة إلى الفنانة دانية الصالح كان الأمر مختلفاً عن طريقة عملها بالذكاء الاصطناعي وتركيبات الفيديو، تقول في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «وجدت أنه يرتبط بممارستي الفنية التي تدور حول التكييف الاجتماعي والذاكرة والوسائط، وكيف تؤثر الوسائط فينا، وعلى ذاكرتنا، وعلى الثقافة بطريقة تترجم لتفاصيل في حياتنا اليومية».

من العناصر التي شكلت ملامح التجربة لدانية الصالح كانت رؤية كميات كبيرة من شذرات العقيق في أماكن الحفر، وقررت توظيفها في أعمالها. جاء الاختيار للعقيق الأحمر بوصفه شيئاً كان يستخدم في الحياة اليومية لمن سكنوا هذه المواقع قديماً، ويوجد بشكل متكرر في المناطق الأثرية القديمة. اتخذت منه الفنانة مدخلاً وعنصراً تنسج من خلاله رؤيتها الفنية، تنظر إليه بوصفه «أكثر من مجرد حجر كريم أو قطعة زخرفية»، وربما كان شيئاً قد لا نضعه في الاعتبار اليوم، ولا نركز عليه. لكن كانت له استخداماته ورمزيته. «أنا مهتمة جداً بالأشياء اليومية التي نأخذها على محمل الجد، والأشياء التي نعدها أمراً مفروغاً منه».

وتستطرد قائلة: «بالنسبة إليَّ كان ذلك أمراً مثيراً، ولكن بسؤال العلماء حولي، قيل لي إن جميع المواقع الأثرية التي عملوا بها كانت بها آثار للعقيق. حتى في المقابر التي عثر عليها في منطقة تيماء ومنطقة رجوم صعصع التي يعود تاريخها لنحو 5 آلاف عام».

من هنا قررت الفنانة استخدام الحجر الكريم في تكوين أعمالها المعروضة، «اشتريت بعض أحجار العقيق من الهند، وقمت بطحنها للحصول على بودرة يمكنني خلطها مع الألوان للرسم».

العقيق ودوره الربط بين الماضي والحاضر في عمل لدانية الصالح في معرض «أصداء الزمن» (الفنانة)

في الأعمال التي عرضتها دانية الصالح، نرى أولاً عدة مناظر من المناطق التي زارتها، لجبل ولصحراء ولعربة قديمة مهملة، وهي في أصلها صور فوتوغرافية التقطتها دانية الصالح خلال فترة الإقامة مع البعثة الألمانية في تيماء. حولت الصور إلى لوحات مركّبة، تقدم من خلالها الثنائية الدائمة بين الظاهر والمخفي، بين ما تراه أعيننا فوق الأرض وما تخفيه تحتها. هنا استخدمت الفنانة أسلوباً ميز أعمالاً سابقة لها، مثال لذلك لوحة بعنوان «اخْتبِئَ، وابحث»، تمثل منظراً لمدينة تيماء في الخلفية، وضعت فوقه تصميماً يشبه تصميم «المشربيات» بتقاطعاتها الخشبية والفجوات التي يمكننا من خلالها رؤية الخلفية، نراها أحياناً، وتختفي خلف التصميم أحياناً أخرى، الرؤية مزدوجة هنا.

«الأعمال هنا تعكس ما تقوم به البعثة الأثرية، ففي كل عملية تنقيب يحفرون للعثور على قطع من بازل (أحجية) قديمة في محاولة لحل ألغاز الماضي، يعثرون على بعض القطع، وتستعصي عليهم قطع أخرى. من جانبي أحاول أن أقلد تلك العملية، الحفر والاكتشاف ثم التساؤل».

«لوحة الألوان الحجرية» من أعمال الفنانة دانية الصالح في معرض «أصداء الزمن» (الفنانة)

لوحة ثانية تبدو في تصميمها مثل سجادة عليها تصوير لجرار فخارية، بالنظر إلى العمل نجد أنه أيضاً يعتمد على أكثر من طبقة، الأساس كولاج لأكثر من صورة فوتوغرافية عليها أشكال مفرغة لثلاث جرات.

وأوضحت دانية الصالح: «يكتشف الخبراء الكثير من الجرار في هذه المواقع، بعضها سليم وبعضها متكسر. اللوحة عبارة عن كولاج من الصور والأشكال المختلفة. استخدمت في تلوينها ألواناً ممزوجة ببودرة أحجار العقيق وأحجار اللازورد. ما هو الفرق بين القطع القديمة التي تختفي تحت طبقات الأرض وما يتركه الإنسان في الحاضر خلفه؟».

نرى رؤية لهذا في عمل آخر تصور فيه دانية الصالح سيارة بيك أب مهملة «بدت لي بمكانة تذكار من السبعينات، مهملة على الأرض التي تحوي الألغاز الغامضة في بطنها. تشبه قطع العقيق المتكسرة التي تركها القدماء». في أعمالها نرى أشكالاً لعقود من العقيق، حبات منتظمة في أشكال عقود وأساور وغيرها، تفسر بأسلوبها الفني كيف تتغير قيمة ورمزية شيء كان يستخدم قبل آلاف السنين ليصبح مجرد شيء كمالي أو عنصر تجميلي لتذكارات سياحية، «يفقد الرمز معناه بمرور السنين، قد لا نعرف أبداً رمزية هذا الشيء في الماضي السحيق، كل ما نستطيع فعله هو التساؤل والتخمين».

سوزان كريمان مع المنسقة سلمى الخالدي والفنانة دانية الصالح (دانيا الصالح)

سوزان كريمان... آثار ومخلفات

تتشابه بعض اللقطات الفوتوغرافية التي التقطتها سوزان كريمان ودانية الصالح. قضت الفنانتان فترة أسبوعين في الأماكن نفسها، وراودتهما أسئلة كثيرة متشابهة، لكن الفرق في المعرض هو رؤية وفلسفة كل فنانة، وطريقة تصويرها للمشاهد. تصف سوزان تأثير قضاء فترة في تيماء برفقة البعثة الألمانية، وتتحدث عن الاستيقاظ في الصباح الباكر، والذهاب للعمل في الصحراء، وتأثير مشاهدة شروق الشمس على الطبيعة «يشبه الانتقال من الظلام إلى النور، وهو شيء أجده مثيراً للاهتمام، غالباً ما أفكر في ذلك من ناحية ما يمكن رؤيته وما لا يمكن رؤيته مع أنه موجود».

«جلد على الرمال» للفنانة سوزان كريمان من معرض «أصداء الزمن» (الفنانة)

يتباين عمل سوزان كريمان «الجلد على الرمال» بين القطع الأثرية القديمة والنفايات الحديثة الموجودة في المواقع الأثرية في تيماء. باستخدام المطبوعات الفوتوغرافية التي تدمج النتائج الأثرية مع البلاستيك الدقيق، يسلط عملها الضوء على التأثير البيئي للتلوث البلاستيكي في المناظر الطبيعية الصحراوية، مما يقدم رؤية معقدة للقضايا البيئية الحالية.

تقول في حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «عثرت على سترة مدفونة في الرمال استخدمتها موضوعاً لعدد من الأعمال، ولكن السترة ليست قديمة بل حديثه، قد يكون عمرها ثلاث أو خمس سنوات، ولكنها كانت في الرمال التي ترك آثارها عليها، وحولتها لشيء آخر لدرجة أنها قد تبدو منظراً طبيعياً». يختصر البيان الصحافي المعرض بعبارة معبرة «بينما تتعمق سوزان كريمان ودانية الصالح في النسيج الغني لهذه المناظر الطبيعية التاريخية، فإنهما ينفخان حياة جديدة في البقايا، وتقومان بنسج روايات تربط العمق التاريخي للصحراء بالتعبير المعاصر، وتكشفان عن أصداء الزمن».


مقالات ذات صلة

مصر: مسجد محمد بك الصغير الأثري بحُلة جديدة بعد الترميم

يوميات الشرق المسجد يتميز بمنبره الخشبي الأثري (وزارة السياحة والآثار)

مصر: مسجد محمد بك الصغير الأثري بحُلة جديدة بعد الترميم

اكتسى مسجد محمد بك الصغير الأثري في منطقة مصر القديمة (وسط القاهرة) بحُلة جديدة بعد ترميمه وإعادة افتتاحه لإبراز ما يمثله من نمط معماري مميز.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق المتحف المصري بالتحرير من معالم القاهرة المميزة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر تحتفل بالعيد القومي لـ«مدينة المتاحف»

شهدت العاصمة المصرية القاهرة فعاليات احتفالية متنوعة أبرزت جماليات العاصمة التاريخية في عيدها القومي رقم 1057.

محمد الكفراوي (القاهرة )
المشرق العربي وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يستقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى وصوله في زيارة دولة إلى مطار دمشق الدولي في دمشق... 6 يوليو 2026 (سانا)

ماكرون في دمشق... أول زيارة لرئيس غربي منذ فرار الأسد

سيدعو ماكرون، وفق ما أفاد قصر الإليزيه للصحافيين، إلى «سوريا حرة وتعددية تحترم جميع مكوناتها»، وتضطلع بـ«دور في تهدئة التوترات» في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
يوميات الشرق جانب من المقابر المكتشفة (وزارة السياحة والآثار)

مصر: اكتشاف 18 مقبرة أثرية في مارينا العلمين

أعلنت البعثة الأثرية المصرية العاملة بمدينة مارينا العلمين الأثرية بالساحل الشمالي الغربي عن اكتشاف 18 مقبرة أثرية.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق المدينة السكنية المكتشفة في واحة الداخلة (وزارة السياحة والآثار)

الكشف عن مدينة سكنية بيزنطية بواحة الداخلة المصرية

كشفت البعثة الأثرية المصرية، التابعة للمجلس الأعلى للآثار، عن مدينة سكنية متكاملة تعود إلى العصر البيزنطي، شُيدت جميع مبانيها من الطوب اللبن.

محمد الكفراوي (القاهرة )

«بوليفارد بيزنس بارك»... أول مقر ترفيهي ومنتجع أعمال في السعودية

مشروع «بوليفارد بيزنس بارك» يأتي ضمن منطقة «بوليفارد سيتي» في الرياض (هيئة الترفيه)
مشروع «بوليفارد بيزنس بارك» يأتي ضمن منطقة «بوليفارد سيتي» في الرياض (هيئة الترفيه)
TT

«بوليفارد بيزنس بارك»... أول مقر ترفيهي ومنتجع أعمال في السعودية

مشروع «بوليفارد بيزنس بارك» يأتي ضمن منطقة «بوليفارد سيتي» في الرياض (هيئة الترفيه)
مشروع «بوليفارد بيزنس بارك» يأتي ضمن منطقة «بوليفارد سيتي» في الرياض (هيئة الترفيه)

أعلن المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه بالسعودية، الخميس، اكتمال الأعمال بمشروع «بوليفارد بيزنس بارك»؛ أول مقر ترفيهي ومنتجع أعمال في البلاد، وذلك بدعم من القيادة، وباستثمار يتجاوز مليار ريال (267 مليون دولار).

وأوضح آل الشيخ، في تصريح له، أن المشروع يضم 9 مبانٍ مكتبية بمساحات تأجير تتجاوز 60 ألف متر مربع، بالإضافة لمساحات تجارية، ومقرات رئيسة للشركات، ومساحات عمل مشتركة، وأكثر من 1300 موقف سيارات.

وأضاف أن المشروع جاء «بالشراكة مع شركة (حي للتطوير العقاري)، وبالتعاون مع صندوق (REQ العقاري - الفرنسي كابيتال)، وبإدارة وتشغيل شركة (صلة)»، مُختتماً تصريحه بالقول: «عزيمة السعوديين ما لها حدود ولا سقف، والقادم أعظم».

وكان آل الشيخ أعلن في أغسطس (آب) 2024 إطلاق هذا المشروع ضمن منطقة «بوليفارد سيتي»، باعتباره المرحلة الأولى من المخطط الحضري لإعادة تخطيط وتنظيم منطقة «بوليفارد ديستريكت» بالشراكة مع القطاع الخاص.


موناليزا طفلة في معرض للوحات بوتيرو في نيويورك

بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)
بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)
TT

موناليزا طفلة في معرض للوحات بوتيرو في نيويورك

بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)
بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)

للفنان الكولومبي الراحل فرناندو بوتيرو طابع يميزه عن غيره، ولا يمكن تخطيه، فلوحاته تنظر للعالم من خلال عدسة مكبرة، الأشخاص عنده يسيطرون على اللوحات بأحجامهم الضخمة، حتى التفاصيل التي تحيط بهم لا تنجو من تأثير العدسة المكبرة، فالأشجار ضخمة الجذوع، وأدوات المائدة والفواكه وكل التفاصيل تتحول إلى عناصر ضخمة مستمدة من الحياة اليومية، تزهو بأحجامها المبالغ فيها وألوانها.

بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)

«بوتيرزمو» الجمال في الضخامة

في لوحات ومنحوتات بوتيرو يظهر نهجه الذي أطلق عليه مصطلح «بوتيرزمو» (Boterismo)، الذي تحدى به الفنان هيمنة الفن التجريدي الذي طبع تلك الحقبة، وابتكر بدلاً منه شخصيات ضخمة الحجم تتسم بروح الدعابة والعمق الإنساني، وللحق يستحق أسلوب بوتيرو مصطلحاً يضع فنه في مكانة خاصة بين فناني العصر الحديث.

لمسة «البوتيرزمو» أصبغها الفنان الكولومبي على لوحات استوحاها من كبار فناني العالم، وكان لموناليزا ليوناردو دافنشي مكانه خاصة لديه، فرسم عدد من اللوحات التي تصور الموناليزا صغيرة وكبيرة وفي كل حالاتها، وتحولت السيدة المبتسمة على يد الفنان إلى نسخ أضخم وأطرف. فتلك اللمسة البوتيرية تحمل حس دعابة جميلاً يلمس كل من ينظر للوحات الفنان الكولومبي، وتفسر المكانة التي احتلها فنه.

فرناندو بوتيرو مع أعماله (الدار)

حياة في نيويورك

يرتبط المعرض بمكانة نيويورك لدى الفنان الراحل، فقد قضى فترة من حياته فيها، وهناك اقتنى متحف الفن الحديث أول لوحة له، ولذلك لا عجب أن تكون المدينة هي المكان الذي اختارته عائلته لعرض مجموعة من لوحاته التي أبدعها خلال الفترة التي عاش بها في المدينة (بين عامي 1960 و1973) وذلك ضمن معرض مخصص للبيع تقيمه دار سوذبيز، يحمل عنوان «بوتيرو في نيويورك» بالتعاون مع المؤسسة التي تحمل اسمه.

من اللوحات في المعرض (الدار)

25 عملاً

ويجمع المعرض المقرر افتتاحه في 22 من يوليو (تموز) الحالي، بحسب بيان الدار، لوحات ومنحوتات، بعضها قادم مباشرة من عائلة بوتيرو، والبعض الآخر من مجموعات خاصة. يعرض بعضها للجمهور للمرة الأولى على الإطلاق. المعرض سيركز على المرحلة التي عاشها بوتيرو في نيويورك، ويعتبرها نقاد الفن بمثابة المرحلة التأسيسية للفنان، ومن خلال المعروضات سيتسنى للجمهور استكشاف تطور أسلوب الفنان في الرسم. تمثل كل قطعة من الأعمال الخمسة والعشرين في المعرض محطة هامة في مشوار الفنان.

ومن جانبها، تعلق أنا دي ستازي، الرئيسة العالمية لقسم فنون أميركا اللاتينية بـ«سوذبيز»: «تكشف سنوات بوتيرو في نيويورك عن فنان كان منخرطاً بعمق في التيارات الفنية المحيطة به، ومع ذلك ظل ثابتاً في عزمه على تطوير لغة فنية خاصة به تماماً. وتُبرز الأعمال المعروضة هنا ركائز ذلك الإنجاز؛ فنان تعامل مع التقاليد الفنية الأوروبية باستقلالية، وأعاد صياغة العالم البصري والاجتماعي لكولومبيا عبر مخيلته الخاصة، ليصيغ بذلك واحدة من أكثر اللغات التصويرية تفرداً في القرن العشرين».

«موناليزا في الثالثة عشرة من عمرها» (الدار)

موناليزا طفلة وزهور فان جوخ

أثناء إقامته في نيويورك زارت دوروثي ميلر استوديو الفنان، واختارت لوحة تصور الموناليزا وهي طفلة لتضمها لمجموعة متحف الفن الحديث بنيويورك، وكانت هذا النقطة الفاصلة في حياة الفنان، إذ وضعت عمله بجوار أعظم الفنانين العالميين. خلال حياته رسم بوتيرو أكثر من لوحة تصور الموناليزا، وتعرض الدار لوحة منها لم تعرض من قبل بعنوان «موناليزا في الثالثة عشرة من عمرها» نفّذها الفنان في عام 1959 تظهر فيها الموناليزا بوجه طفولي مكتنز وابتسامة ساحرة. هذه اللوحة وغيرها تقدم موضوعات وشخصيات مستمدة من أهم اللوحات العالمية، وهو ما يعكس نهج الفنان وترجمته الفنية لأعمال غيره من عباقرة الفن العالمي، وهو أسلوب تصفه الدار بـ«إعادة التفكير بطريقة جريئة في التقاليد الفنية التاريخية»، ويظهر ذلك بشكل كبير في لوحته الأشهر عن الموناليزا التي رسمها في عام 1978.

لوحة «أزهار عباد الشمس» (الدار)

في لوحة ثانية من المعرض بعنوان «نزهة» (1973) يزور بوتيرو مشهداً مألوفاً في اللوحات العالمية، حيث يجتمع حبيبان في نزهة برية تحيط بهما الأشجار. الجديد في اللوحة هو ذلك التصوير الممتع للأشجار، تكاد من حجمها أن تبتلع الأشخاص الجالسين على العشب أسفلها. اللوحة تعرض للجمهور للمرة الأولى.

ومن ليوناردو دافنشي إلى فان جوخ، تنتقل فرشاة بوتيرو الساحرة لتصور مزهرية متضخمة لزهور عباد الشمس التي أبدع فان جوخ في تصويرها في لوحاته الشهيرة.

تمنحنا «زهور عباد الشمس» (1977) كثيراً من المتعة، فالإناء الأزرق المتضخم يبدو متخماً بمجموعة من الأزهار المنتفخة والنابضة بالحياة والمتميزة بدرجات اللون الأصفر. يرى المختصون بالدار أن الإناء الأزرق والأزهار داخله «حوّل موضوع فان جوخ الشهير إلى عمل فني ذي ثقل نحتي وتوتر هادئ»، وأن بوتيرو قدّم في هذه اللوحة «ابتكاراً معاصراً بالكامل».

«طبيعة صامتة مع بطيخ» (الدار)

في لوحة «طبيعة صامتة مع بطيخ» (1976) يعود بوتيرو لموضوع أثير لديه، يستكشف التفاصيل اليومية بأسلوبه الخاص، وفي هذه اللوحة تتحول ثمرة البطيخ إلى كائن مدهش نستمتع بالنظر له. يرجع البعض جذور لوحات الطبيعة الصامتة لدى بوتيرو لإعجابه العميق بفن الرسم الإسباني الكلاسيكي واطلاعه المبكر على روائع متحف برادو في مدريد وتقديره للوحات لفلاسكيز وغويا وغيرهما من عمالقة الفن الإسباني.


المهند كلثوم: «فوتوغراف» رؤية عميقة لتمسك الإنسان بذاكرته وكرامته

لقطة من الفيلم وسط أنقاض البنايات السورية خلال الحرب (الشرق الأوسط)
لقطة من الفيلم وسط أنقاض البنايات السورية خلال الحرب (الشرق الأوسط)
TT

المهند كلثوم: «فوتوغراف» رؤية عميقة لتمسك الإنسان بذاكرته وكرامته

لقطة من الفيلم وسط أنقاض البنايات السورية خلال الحرب (الشرق الأوسط)
لقطة من الفيلم وسط أنقاض البنايات السورية خلال الحرب (الشرق الأوسط)

يطرح الفيلم السوري «فوتوغراف» سؤالاً يبدو بسيطاً في ظاهره، عميقاً في جوهره، عما يبقى للإنسان عندما تتغير الأمكنة، وتتبدل الأيام، وتتساقط التفاصيل التي كان يظنها ثابتة، فالأشياء لا تمنحنا هويتنا، لكن الذكريات التي تعلقنا بها هي التي تفعل ذلك.

طاف الفيلم الروائي القصير مهرجانات عدة. وحاز، أخيراً، جائزة «العدالة والسلام» من مهرجان الشرق الأوسط السينمائي في دورته التاسعة، الذي أقيم في يونيو (حزيران) الماضي بمدينة لاهاي الهولندية.

يُسلط «فوتوغراف» الضوء على تداعيات الحرب في سوريا، وأثرها على عمالة الأطفال وحرمانهم من التعليم لدعم أسرهم مادياً، وأنتجت الفيلم المؤسسة العامة للسينما السورية، وكتبت السيناريو والحوار بثينة نعيسة، والفيلم بطولة سليمان الأحمد، وغالب شندوية، وجمال العلي، وصفوح ميماس، وإخراج المهند كلثوم.

ويروي الفيلم حكاية صبيين تربطهما صداقة عميقة؛ «سلطان» و«يحيى»، اللذين يتجولان في مدينتهما وسط أنقاض المباني وبقايا الأثاث ومتعلقات بقيت شاهدة على حياة كانت هنا ولم تعد، بينما يقيمان في معسكرات الإيواء، ويقود سلطان صديقه يحيى، بعد أن فقد بصره ليقوما بجمع بقايا أدوات تحت الأنقاض لبيعها لأحد التجار مقابل ليرات معدودة، وبينما يبحثان في أنقاض بيت «يحيى» يعثران على كاميرا تخص عائلته، ينجحان في تشغيلها، فيلتقطان صوراً لبعضهما وسط البنايات المنهارة، لتصبح هذه اللقطات الفوتوغرافية شاهداً على ذكرياتهما، وفيما يحاول سلطان أن يلتقط مزيداً من الصور يسقط ركام المبنى فوق رأس صديقه.

ويقول المخرج المهند كلثوم إن «الجائزة التي حصل عليها الفيلم أكدت لي أن السينما ما زالت قادرة على أن تفتح حواراً بين البشر على اختلاف لغاتهم وثقافاتهم»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن القيمة الحقيقية لأي جائزة تكمن في السؤال الذي تطرحه: لماذا وصل هذا الفيلم إلى الناس، و«منذ بدايته وفيلم (فوتوغراف) لم يكن يبحث عن التعاطف، ولا عن إدانة أحد، بل كان يحاول أن يقترب من الإنسان عندما يكون مضطراً لأن يتمسك بما تبقى من ذاكرته وكرامته، لذا شعرت أن اسم الجائزة يلتقي مع روح الفيلم»، على حد تعبيره.

بطلا الفيلم السوري «فوتوغراف» (الشرق الأوسط)

ويوضح كلثوم أن «إخفاء الكاميرا خلف الشخصيات كان هاجسه الأكبر أثناء التصوير، فقد كنت أبحث عن صورة تتنفس بهدوء، وعن ضوء يشبه الحياة، وعن أماكن تحمل آثار الزمن من دون أن تتكلم، لم أرد صورة جميلة بقدر ما أردت صورة صادقة، لأن الصدق يبقى في ذاكرة المشاهد أكثر من أي إبهار بصري، ولهذا أقول دائماً إن (فوتوغراف) ليس فيلماً عن الحرب، بل عن الإنسان وهو يقاوم النسيان، لأن أكثر ما يخيف الإنسان ليس أن يفقد بيته بل أن يفقد حكايته».

وتُعد جائزة «العدالة والسلام» تتويجاً لمسيرة خاضها الفيلم بين عدة مهرجانات عربية ودولية، حصل خلالها على جوائز عدة، لكن المهند كلثوم لا ينظر لهذه المشاركات كسباق، بل كرحلة يتغير فيها الفيلم مع كل جمهور يشاهده، ويقول عن ذلك: «أحياناً كنت أخرج من قاعة العرض وأنا أشعر أن الجمهور اكتشف في الفيلم ما لم أكن واعياً له، وهذه واحدة من أجمل مفاجآت السينما، لهذا لا أحب أن أقيس نجاح الفيلم بعدد الجوائز، وإنما بعدد المرات التي استطاع فيها أن يترك أثراً صامتاً في قلب المشاهد بعد أن تُطفأ الشاشة».

ويفسر كلثوم سبب اختيار عنوان الفيلم «فوتوغراف» قائلاً: «لقد كنت أبحث عن عنوان لا يصف الفيلم، بل يفتح باباً للدخول إليه، فالصورة الفوتوغرافية بالنسبة إليّ تعد ذاكرة تقاوم الزمن، أحياناً تكفي صورة واحدة حتى تحمل حياة كاملة وتعيد إلينا أشخاصاً وأماكن لم تعد موجودة إلا في داخلنا، من هنا وُلد الفيلم».

المخرج السوري المهند كلثوم (الشرق الأوسط)

ويحمل «فوتوغراف» بعداً إنسانياً واضحاً، ويبدو كما لو كان يحاكم الذاكرة، لكن كلثوم يؤكد أنه «لا ينظر للذاكرة كمكان نهرب إليه كلما اشتقنا للماضي، بل هو المكان الذي نحمي فيه إنسانيتنا من النسيان، لذلك لم تكن الذاكرة في (فوتوغراف) مساحة للحنين، بقدر ما كانت مساحة للتأمل، ولإعادة طرح الأسئلة»، وفق قوله.

ويؤكد كلثوم أنه تعامل مع السيناريو كمساحة للحوار بين رؤية الكاتبة ورؤيته كمخرج، ويقول: «كان يهمني أن يصبح كل مشهد أكثر قرباً من الشخصيات، وأكثر قدرة على التعبير بالصورة والصمت، لا بالكلمات، وقد ترجمت هذا الحس للغة بصرية هادئة، تترك للمشاهد مساحة ليشعر بأكثر مما يُقال له، لأنني أؤمن أن أجمل الأفلام هي تلك التي تثق بإحساس المتلقي، ولا تفرض عليه تفسيراً واحداً».

وحول السينما السورية، وهل تجاوزت الحرب لتطرح أسئلة عن الهوية؟ يقول كلثوم: «أعتقد أن السينما السورية اليوم تقف أمام فرصة مهمة لإعادة اكتشاف نفسها، ليس لأن الحرب انتهت، بل لأن السينما لا تستطيع أن تبقى أسيرة الحدث إلى الأبد، فالتحدي الحقيقي اليوم ليس أن نروي ما جرى، وإنما أن نفهم ما الذي تركه داخل الإنسان».

وقدّم المهند كلثوم أعمالاً عديدة روائية ووثائقية شاركت في مهرجانات دولية، وحاز العديد من الجوائز الدولية، ومن بين أفلامه الروائية «لماذا» و«يالا نلعب»، و«على سطح دمشق»، و«أمل إيمان حب»، ومن الوثائقية «البرزخ»، و«رحلة الحرير السوري»، و«هذه الأرض»، وهو مؤسس مشروع «يلا سينما» ومهرجان «أيام دمشق السينمائية» لأفلام الطفولة واليافعين.