جدل واسع في الأوساط العلمية بعد تصدر «الذكاء الاصطناعي» جوائز نوبل

مكَّن الذكاء الأصطناعي العلماء من تخليق بروتينات جديدة تماماً (جامعة ولاية بنسلفانيا)
مكَّن الذكاء الأصطناعي العلماء من تخليق بروتينات جديدة تماماً (جامعة ولاية بنسلفانيا)
TT

جدل واسع في الأوساط العلمية بعد تصدر «الذكاء الاصطناعي» جوائز نوبل

مكَّن الذكاء الأصطناعي العلماء من تخليق بروتينات جديدة تماماً (جامعة ولاية بنسلفانيا)
مكَّن الذكاء الأصطناعي العلماء من تخليق بروتينات جديدة تماماً (جامعة ولاية بنسلفانيا)

أثار إعلان جوائز نوبل في الفيزياء والكيمياء لعام 2024 حالة من الجدل في أوساط العلماء والباحثين، بعد هيمنة تطبيقات الذكاء الاصطناعي على الجوائز في المجالين، مما دفع البعض إلى القول إن لجان نوبل المسؤولة عن اختيار الفائزين جانبَها الصواب، في حين ذهب البعض إلى أنها أحسنت الاختيار، لأن هذه التطبيقات تمتد آثارها إلى كثير من المجالات العلمية. في حين أن فريقاً ثالثاً أشاد بالمستوى العلمي للأبحاث الفائزة ولكنه رأى أنه كان من الأولى أن تحظى بالتكريم ضمن مسابقات علمية أخرى تُعنى بالتطبيقات الحاسوبية والذكاء الاصطناعي، معتبرين أن هناك كثيراً من الأبحاث والجهود العلمية في الفيزياء والكيمياء كانت أولى بهذا التقدير ونيل الجائزتين.

ومنحت أكاديمية نوبل السويدية، الأربعاء، جائزة الكيمياء لعام 2024 مناصفةً بين الأمريكي ديفيد بيكر، من جامعة واشنطن الأميركية، لأبحاثه حول «تصميم البروتينات باستخدام التقنيات الحاسوبية»، في حين تقاسم النصف الآخر من الجائزة كل من البريطاني ديميس هاسابيس والأميركي جون إم. جامبر، من مختبر «غوغل ديب مايند» بالمملكة المتحدة، لنجاحهما في «فك شفرة البنى المذهلة للبروتينات باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي».

في حين حصد الأميركي جون هوبفيلد، والبريطاني الكندي جيفري هينتون، جائزة نوبل في الفيزياء، الثلاثاء، تقديراً لاكتشافاتهما وابتكاراتهما الجوهرية التي أفسحت المجال لظهور تقنيات التعلم الآلي وشبكات الذكاء الاصطناعي العصبية.

تحوُّل نحو الموضوعات الرائجة

يطرح الدكتور علي عبده، أستاذ الهندسة النووية، سؤالاً يصفه بـ«البريء» : «ماذا لو خاض علماء الحاسوب الفائزون بجائزتي نوبل لهذا العام امتحاناً مماثلاً لامتحانات البكالوريوس في فرعَي الفيزياء والكيمياء؟ هل من المتوقع أن ينجحوا فيه؟ أم أن الذكاء الاصطناعي سيساعدهم على تحقيق ذلك؟»

وأكد عبده في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن كلامه ليس تقليلاً من إسهامات الفائزين التي نقلت البشرية نقلة كبيرة إلى الأمام، وفتحت أبواب المستقبل علي مصراعيه لتطبيقات غير مسبوقة، موضحاً أنه «إذا أردنا تكريم هؤلاء العلماء على إسهاماتهم، فهناك جوائز أخرى كثيرة تضاهي (نوبل) في مجال الحاسوب والرياضيات، في حين أن هناك كثيراً من علماء الفيزياء والكيمياء جديرون بجوائز نوبل، وقد ضيعت اختيارات نوبل لهذا العام عليهم فرصة التقدير المستحق».

ويشعر بعض المنتقدين بالقلق من أن الاهتمام المتزايد بالذكاء الاصطناعي سوف يطغى على البحوث الأساسية في الكيمياء والفيزياء البحتة. ويعتقد الكثير من الباحثين أن جوائز نوبل، التي احتفلت تاريخياً بالاختراقات الأساسية في العلوم، تحول تركيزها نحو الموضوعات «الرائجة»، مثل الذكاء الاصطناعي، بدلاً من الاعتراف بالاكتشافات العلمية الأساسية التي كانت تاريخياً أساس هذه المجالات. ويهدد هذا التحول، من وجهة نظرهم، بتقويض الاعتراف بالاكتشافات الأساسية طويلة الأجل التي غالباً ما تمر دون أن يلاحظها أحد ولكنها حاسمة لتقدم المعرفة البشرية.

العلماء الحائزون جائزة نوبل في الكيمياء ديفيد بيكر وجون جامبر وديميس هاسابيس (أ.ب)

من جانبه، شدد الدكتور أحمد سمير سعد، الكاتب العلمي ومدرس التخدير بمستشفى قصر العيني في مصر، على أنه «لكل الآراء المعارضة والمؤيدة وجاهتها»، ولكنه شخصياً لا يرى أي غضاضة على الإطلاق في منح جائزة الفيزياء أو جائزة الكيمياء لتطبيقات الذكاء الاصطناعي التي خدمت هذين المجالين، ففي النهاية هما جائزتا عام واحد فقط ولا تمثلان بأي حال توجهاً عاماً سيتم الالتزام به خلال السنوات المقبلة.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الجائزة لا يمكنها أن تكرم كل الجهود التي تستحق تكريماً من نوع ما، نعم كان من المعتاد أن تستهدف الجائزة الباحثين في العلوم الأساسية، ولكن لا يضر على الإطلاق أن تنتصر بين الحين والآخر للتطبيقات العملية».

إضافة حقيقية للعلم

ويجيب الدكتور علي فرج، أستاذ الهندسة الكهربية وعلوم الحاسب في جامعة لويزفيل بالولايات المتحدة، عن سؤال طرحه الكثير من المتخصصين والأكاديميين، في أعقاب الإعلان عن جوائز هذا العام مفاده: «أليس من المفترض أن يكون الإنجاز المستحق للجائزة يمثل إضافةً حقيقةً للعلم في مجال الجائزة؟».

يقول فرج لـ«الشرق الأوسط»: «هذا السؤال يتعلق في الأساس بتعريف ماذا تعني علوم الفيزياء والكيمياء، ومدى تقارب العطاء العلمي للفائزين مع هذا التعريف»، مشدداً على أن «جوائز هذا العام مستحَقة تماماً في المجالين، وستعطي دفعة كبرى لأبحاث الذكاء الاصطناعي ذات الأساس النظري».

وهو ما اتفق معه الدكتور محمد حلمي، أستاذ مساعد ورئيس معمل البايوانفورماتيكس وبيولوجيا النظم في منظمة اللقاحات والأمراض المعدية بجامعة ساسكاتشيوان في كندا، قائلاً: «من حيث الفائدة والتأثير، أعتقد أن الاختيارات الخمسة للجائزتين جديرة بالتكريم»، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «ما قدمه الفائزون بالجائزتين أحدثَ نقلة نوعية غير مسبوقة ووفَّر على الباحثين جهوداً كبيرة ربما كانت تحتاج إلى سنوات طويلة للتوصل إليها بالطرق التقليدية المعتادة»، ضارباً المثال بفك شفرة البروتينات وتحديد أشكالها البنائية، واصفاً الأمر بأنه «كان لغزاً وكان يستغرق من الباحث قضاء عمره كله في سبر تركيب بروتين واحد فقط بالطرق التقليدية، فضلاً عن عدم دقة النتائج».

وأضاف: «تكفي الإشارة إلى أن الحائزين جائزة نوبل في الكيمياء نجحوا في تحديد بنية 200 مليون بروتين وبدقة عالية جداً، كما أنهم أتاحوا كل هذه النتائج في قاعدة بيانات مفتوحة للجميع على شبكة الإنترنت، مما ينعكس على كثير من الاكتشافات في مجالَي ابتكار الأدوية واللقاحات، على سبيل المثال لا الحصر».

وتابع: «يمكن لكل باحث تقريباً الآن اللجوء إلى قاعدة البيانات هذه واستخدام هذه الأدوات لمعالجة مشكلته البحثية».

الأكاديمية السويدية للعلوم لدى إعلانها الفائزين بجائزة نوبل للفيزياء في استوكهولم أمس (إ.ب.أ)

محاكاة الظواهر الطبيعية

من جانبه، أوضح فرج أن «الفيزياء تُعنى بالظواهر الطبيعية وتتم محاكاتها مع أنظمة حيوية كالعقل، على سبيل المثال، الذي يُعنى بتخزين واسترجاع وتطويع المعلومات، وهذا ما حاول هوبفيلد محاكاته في 1982 بما عُرف بالدائرة العصبية. وجاء هنتون ليبرمج التعلم في تلك الدوائر، في 1986 وما بعدها».

وأضاف: «لم تكن الحاسبات ولا البرمجيات مثلما هي اليوم، ومن ثم تطورت الدوائر من حيث التكوين ودرجة التعقيد، ومن حيث لوغاريتمات التعلم، بتطور الحاسبات والبرمجيات، ووجود تطبيقات جديدة تستدعي وجود هذه الدوائر»، مشدداً على أن «هوبفيلد من علماء الفيزياء ونال جائرة بنيامين فرانكلين في 2019 عن أعمال في صميم الفيزياء، بينما نال هينتون جائزة (تورنغ)، كبرى جوائز الحسابيات في 2018 عن دوره في تعليم الدوائر العصبية. فالعالمان راسخان في هذا المجال وعملهما يتعلق بمحاكاة ظاهرة الفهم لدى البشر».

واستطرد: «أما بيكر، فأساس عمله تعلَّق بفهم تراكيب البروتين، وتخليق بروتينات جديدة، مما يساعد في دراسات كيميائية لا حصر لها، وهو عمل يتعلق بالمادة العضوية، ومن ثم فانتماء الفعل إلى الكيمياء لا ريب فيه، وبدأ هذا العمل في 2003. وجاء هاسابيس وجامبر فيما بعد، وبالتحديد في 2021، ليبنيا اللوغاريتمات المتضمَّنة في هذه التراكيب. والعلماء الثلاثة بارزون، نالوا من قبل مختلف الجوائز القيمة المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي في فهم تراكيب البروتين».

وهو ما يتفق معه سعد قائلاً: «بررت لجنة نوبل منح جائزة الفيزياء للشبكات العصبية الاصطناعية بأن مبتكريها استغلوا تطبيقات وآليات فيزيائية من أجل إنتاجها». وأضاف أنه «فيما يتعلق بجائزة الكيمياء، كانت نماذج الذكاء الاصطناعي وسيلة لسبر أغوار البروتينات، بل تصنيع بروتينات غير موجودة في الطبيعة لأداء وظائف معينة، وهو أمر يستدعي الإلمام بأساسيات الذكاء الاصطناعي وكذلك الكثير من المعرفة ببنية البروتينات، وبالتالي فهو تكريم لمجال كيميائي معروف، وما قام به الذكاء الاصطناعي هو تحقيق غايات هذا المجال العلمي».

لقد فتحت جوائز هذا العام المجال لمناقشة أوسع حول كيفية إعادة تشكيل الذكاء الاصطناعي لمستقبل العلوم، وما إذا كان ينبغي لجوائز نوبل أن تتكيف مع هذه التغييرات أو تؤكد التزامها بالاعتراف بالاكتشافات العلمية الأساسية التي تدفع التقدم.


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي يضع علماء الرياضيات أمام «أزمة وجودية»

تكنولوجيا زوار يقفون بالقرب من لافتة للذكاء الاصطناعي في جناح روبوت يعمل بالذكاء الاصطناعي بمعرض في بكين الصين 7 يونيو 2023 (رويترز) p-circle

الذكاء الاصطناعي يضع علماء الرياضيات أمام «أزمة وجودية»

أحدثت «أوبن إيه آي» ضجة كبيرة في عالم الرياضيات، بعد أن نجح برنامجها للذكاء الاصطناعي في حل معضلة رياضية كبرى ظلت عصية على الحل طوال قرن.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أميركا اللاتينية صورة تجمع ممثلي المعارضة الفنزويلية (يسار) ورئيس الجمعية الوطنية في كراكاس يوم 6 أغسطس (د.ب.أ)

كراكاس تستضيف حواراً بين السلطة والمعارضة لبحث انتقال سياسي

انطلق في كراكاس، هذا الأسبوع، حوار بين السلطات الفنزويلية وقوى المعارضة، ترعاه الولايات المتحدة، ويأمل كثيرون في أن يفضي إلى انتقال سياسي وانتخابات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
ثقافة وفنون أولغا توكارتشوك

حائزة «نوبل» توكارتشوك تؤلّف مستعينة بالذكاء الاصطناعي

أثارت الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك، الحاصلة على «جائزة نوبل» لعام 2018، موجة من الغضب بعد تصريح لها، خلال مشاركتها في «مؤتمر إمباكت 26» في مدينة بوزنان.

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق التكنولوجيا تركض أسرع من قدرة البشر على استيعابها (إ.ب.أ)

الذكاء الاصطناعي يقترب من نوبل... ومخاوف من «ثورة» قد تهدّد البشرية

توقَّع الشريك المؤسِّس لشركة «أنثروبيك» المتخصّصة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، جاك كلارك، أن تشهد السنوات المقبلة تحولات غير مسبوقة في قدرات الذكاء الاصطناعي...

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الناشطة الإيرانية نرجس محمدي (أ.ف.ب)

الإفراج بكفالة عن الناشطة الإيرانية نرجس محمدي لأسباب طبية

أفرجت السلطات الإيرانية بكفالة عن الناشطة نرجس محمدي، الحائزة جائزة نوبل للسلام لعام 2023، ونقلت إلى مستشفى في طهران لتلقّي العلاج، حسب ما أفادت لجنة دعمها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
TT

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)

في معرض يستعيد أساطير المرأة والأرض، يدمج الأماكن والشخوص في حالة فنية يتناغم فيها اللون مع التكوين، أعادت 8 فنانات من مصر والسعودية وفلسطين ولبنان وسوريا اكتشاف أساطير ارتبطت بالمرأة وبفكرة الأرض، على أكثر من مستوى، سواء أكان أسطورياً أو حياتياً أو شعبياً أو الانتماء والتشبث بالوطن.

المعرض الذي يقام في غاليري «آزاد» بالزمالك، تحت عنوان «على أرضها» يضم أعمالاً للفنانة الفلسطينية دينا مطر، والسعودية فاطمة النمر، واللبنانية منى نحلة، والسورية هلا الجعفري، والفنانات المصريات هيام عبد الباقي، وأمل نصر، ونورهان خورشيد، وعائشة الحريري.

لوحة للفنانة هلا الجعفري (الشرق الأوسط)

وفي مجموعتها «أن اللؤلؤ في الصدف مصون»، تستعيد الفنانة السعودية فاطمة النمر المثل الشعبي انطلاقاً من علاقتها بالبيئة البحرية للخليج، لتبني من اللآلئ والصدف والمنسوجات والحُلي مفردات تتقاطع من خلالها ذاكرة البحر مع ذاكرة المرأة. فاللؤلؤة التي تتكون ببطء في عمق الصدفة، لا تظهر بوصفها زينة فحسب، وإنما كجوهر تصنعه طبقات الزمن والصبر والرعاية.

وتظهر المرأة في هذا العالم بوصفها حاملة للذاكرة وفاعلة في استمرارها؛ تحفظ المعرفة والعادات والقيم، لكنها لا تنقلها كما تسلمتها بالضرورة، بل تعيد منحها معنى في زمنها الخاص، ومن هنا يكتسب احتضان الصدفة للؤلؤة دلالة تتجاوز الحماية، ليصبح فعلاً من أفعال الصون الذي يسمح لما يحمله من إرث بأن ينمو ويتغير ويستمر. وفق الكلمة التعريفية بمجموعتها الفنية.

ولا تتعامل الفنانة مع الأصالة باعتبارها عودة إلى الماضي، بل باعتبارها علاقة متجددة بالجذور. وبين أثر اليد وذاكرة البحر وحضور المرأة، يصبح الموروث في أعمالها مادة حية، يحمل ما كان، ويتشكل في الحاضر، ثم يعبر إلى ما سيأتي.

من أعمال الفنانة هيام عبد الباقي (الشرق الأوسط)

وتقدم الفنانة المصرية هيام عبد الباقي لغة بصرية خاصة، تستند إلى التعبيرية وتتقاطع مع الفكر الصوفي عبر لوحات تشهد زخماً في الألوان والتفاصيل الدقيقة عن قرية متخيلة.

وفي قلب تجربتها، تبني هيام قرية متخَيَّلة تنطلِق من مقولة تتكرّر في عالمها: «الناس بيوت والبيوت ناس»، وفق ما تشير الكلمة التعريفية بأعمالها، وتتداخل الشخصيات والعمارة في تكوينات متشابكة؛ تتراصّ البيوت رأسياً وتمتدّ أفقياً، فيما تتجاوز الضفائر والخطوط أحياناً حدود اللوحة، وكأن هذا العالم يستمر خارج إطارها. ورغم غياب الملامح الفردية الواضحة عن شخوصها، فإنها تحمل إحساساً عميقاً بالألفة والانتماء.

أما الفنانة الفلسطينية دينا مطر، فتقدم أعمالها انطلاقاً من الذاكرة الشخصية وتفاصيل الحياة اليومية، لتَبني عالماً بصرياً تتجاور فيه قسوة الواقع مع كثافة اللون.

وتستعيد الفنانة في لوحاتها التي تتميز بألوانها النابضة لحظات يهددها الفقد والغياب، ليتحوّل اللون إلى فعل مقاومة، والجمال إلى مساحة للأمل.

وتحتلّ المرأة قلب هذا العالم؛ فهي الأم والجدة ونساء الذاكرة، وتتجاوز حضورها الفردي لتصبح رمزاً للوطن والأرض. وتبرز في أعمالها الرموز والموتيفات المعبرة عن فلسطين وعن المرأة الفلسطينية ورمزية الأرض والبحث عن مساحة للسلام.

من أعمال الفنانة أمل نصر (الشرق الأوسط)

كما تقدم الفنانة المصرية أمل نصر تجربة فريدة في مجموعة لوحات تعبر عن عوالم أسطورية تتوسطها المرأة في الغالب، لتقدم لنا مزيجاً سحرياً بين الفن المرتبط بالواقعية السحرية والسريالية المستمدة من أساطير شتى، كلها تضع الإنسان في مركز الحدث وتجعل من الأرض مسرحاً ممتداً للأساطير.

جانب من أعمال الفنانة منى نحلة (غاليري آزاد)

وتنطلق الفنانة اللبنانية منى نحلة في أعمالها من العلاقة بين الشكل والذاكرة، ومن المسافة الملتبسة بين ما فُقد وما تبقى، وبين الغياب والحضور، والواقع وما يستمر في الذاكرة. تظهر في أعمالها شخصيات وبيوت ممتلئة، لا بوصفها عناصر سردية مستقلة، بل بوصفها حوامل لتجارب داخلية. وتتحول البيوت في لوحاتها إلى أوعية شبه مقدسة للذكرى، وأماكن قد لا تكون قائمة في العالم المادي، لكنها تواصل وجودها داخل الإنسان. لا تظهر المنازل بوصفها فضاءات معمارية فحسب، بل كأجساد عاطفية تختزن أثر الحياة التي مرت بها. وتتجاور في أعمال الفنانة ملامح الشخصيات مع البنى المعمارية والعناصر المختلفة، فتبدو الأجساد والبيوت وكأنها تنتمي إلى ذاكرة واحدة لا يمكن الفصل بينهما.

وتظهر المرأة كموضوع أساسي تعتمد عليه الفنانة في تقديم رؤى جمالية تحمل أبعاداً حداثية من خلال عناصر عدة سواء التكوينات أو الألوان أو المنظور.


مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

بات «برج مونبارناس»، أعلى ناطحة سحاب في باريس ويوصف بأنه «أبشع مبنى» فيها، أمام مصير مجهول بعدما صوّتت غالبية مالكيه ضد مشروع طال انتظاره لتأهيله وتجديده، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفض المالكون في جمعية عمومية استثنائية عقدت الأربعاء، مشروعاً مطروحاً منذ عام 2015 بشأن البرج الواقع في جنوب العاصمة الفرنسية، بحسب ما أفاد أحد المستثمرين «وكالة الصحافة الفرنسية» طالباً عدم كشف اسمه.

وكانت الخطة الضخمة المقدرة كلفتها بـ800 مليون يورو، تلحظ تحويل المبنى المؤلف من 59 طبقة، إلى برج زجاجي يتضمن شرفات مزروعة وفندقاً ومتاجر، إضافة إلى دفيئة زراعية على السطح.

برج مونبارناس في باريس في 14 يوليو 2017 (أ.ف.ب)

ويبلغ ارتفاع البرج 210 أمتار، واكتمل بناؤه عام 1973. إلا أنه يبقى مادة للتهكم في العاصمة الفرنسية المعروفة بمبانيها التاريخية والأثرية، وحيث تندر المباني العالية الحديثة التصميم. كما أطلق سكان باريس بحقه دعابة تفيد بأن سطح «مونبارناس» هو المكان الوحيد في المدينة الذي لا يمكن رؤية البرج منه.

ورفض المالكون إعادة تأهيل تشمل إزالة مادة الأسبستوس العازلة والخطرة صحياً، وتجريد الداخل، وإزالة جزء من الواجهة. وكان اجتماع الأربعاء الفرصة الأخيرة لإطلاق المشروع قبل انتهاء صلاحية رخصة البناء الممنوحة لتجديده في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني).

وأثار المشروع توترات بين المالكين، ومنهم صناديق استثمار وشركات تأمين فرنسية، ومخاوف بشأن الكلفة.

إلا أن أربعة منهم أيّدوا المضي في مشروع تأهيل أصغر حجماً. وجاء في بيان مشترك أصدروه «نود أن يجتمع جميع المشاركين في ملكية المبنى، والشركاء الماليون، والسلطات العامة قريباً لبحث كل الحلول الممكنة».

برج مونبارناس في باريس في 19 ديسمبر 2016 (أ.ف.ب)

ودعا فيليب غوجون، رئيس البلدية اليميني للدائرة الخامسة عشرة في باريس حيث يقع البرج، إلى إعادة النظر في رفض الخطة.

وقال: «على الجميع أن يعودوا إلى رشدهم... أرفض أن يُلقى مشروع استغرق تطويره عشرة أعوام في سلة المهملات».

ووصفت صحيفة «لو باريزيان» هذا التراجع بأنه «إخفاق ذريع».

أما برنامج الأخبار الصباحي على قناة «تي إف 1» التلفزيونية، فقد اختار البرج «وجه اليوم»، قائلاً إنه «قبيح»، وسيبقى كذلك «لوقت طويل».


في آخر مصانع النسيج اللبنانية... خيوط الذاكرة لم تنقطع

إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)
إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)
TT

في آخر مصانع النسيج اللبنانية... خيوط الذاكرة لم تنقطع

إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)
إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)

لا تزال الآلات تدور في مصنع «كاتبه» للنسيج بمنطقة الحدث، والخيوط تعبُر مراحل الإنتاج، والأيدي تعرف طريقها إلى القماش. على مساحة ألفَي متر مربّع، تستمر صناعة تراجعت في لبنان حتى غدت مصانعها العاملة استثناءً. وفي هذا المكان الذي احتفظ بصوت الآلات وحركة العمّال، اختارت منصة «فراغمنتا» الثقافية أن تبدأ حكاية «قميص»، مشروعها الثاني الذي يتّخذ من قطعة نرتديها يومياً مدخلاً إلى تاريخ صناعة النسيج في لبنان، وما تختزنه من معارف وحِرف وذاكرة إنسانية.

ألوان ونقوش تحفظ شيئاً من تاريخ النسيج اللبناني (الشرق الأوسط)

تحت رعاية وزارة الثقافة، جمع لقاء «خيوط المعرفة» شخصيات من الأوساط الثقافية والصناعية والنسيجية داخل مصنع «كاتبه»، تمهيداً لمعرض «قميص... شذرات من اللباس» المُرتقب في نوفمبر (تشرين الثاني). وجاء اختيار المصنع من صميم فكرة المشروع الذي تنطلق فيه مؤسِّستا «فراغمنتا» نور نجم وغيلين إلياس من الأشياء المألوفة للبحث في المعارف الإنسانية والتقنية والتاريخية التي تقف وراءها.

القميص في نظرهما قطعة تجمع الأجيال والمهن والطبقات الاجتماعية، بالليونة والبناء الهندسي. وراءه، رحلة طويلة تبدأ بالألياف والخيوط، وتمرّ بالنسيج والآلات والخياطة، وصولاً إلى الأيدي التي تمنحه شكله النهائي. ومن هذه الرحلة يتفرَّع مشروع «قميص» إلى 5 فصول مترابطة تتناول أصول المواد والبناء والتفسيرات المعاصرة، والحوار مع الصنّاع والذاكرة والأرشيف.

ذاكرة النسيج مطويّة بين صفحات من قماش (الشرق الأوسط)

ويحمل مصنع «كاتبه» جانباً من تاريخ الصناعة اللبنانية التي أدّت حتى سبعينات القرن الماضي دوراً أساسياً في الاقتصاد المحلّي. ففي عام 1974، شكَّلت الصناعات التحويلية نحو 18 في المائة من الناتج المحلّي الإجمالي، وكانت صناعة النسيج من القطاعات الراسخة آنذاك. ثم جاءت الحرب والتحوّلات الاقتصادية وتبدُّل الأسواق، وتراكمت الأزمات التي أضعفت هذا الإنتاج.

وسط التراجع، بقي المصنع الذي تُديره اليوم العائلة في جيلها الرابع، ممثَّلاً بطوني كاتبه، شاهداً على استمرارية المعرفة الصناعية. فهو ينتج الأقمشة البسيطة النسج والمناشف القطنية، وتَشغَل أقمشة القمصان نحو 40 في المائة من إنتاجه الحالي، فيما تتوزَّع النسبة المتبقّية على منتجات أخرى.

تبدأ العملية بخيوط تُستورَد من مورّدين مُعتَمدين، ثم تُلفّ وتُنسَج وتُغسَل وتُستَكمل مراحل تجهيزها داخل المصنع، حيث تتعاقب الآلات والعمل اليدوي حتى يتحوّل الخيط إلى قماش.

خيوط تنتظر أن تمنحها الآلات شكلاً وحياة (الشرق الأوسط)

بالنسبة إلى طوني كاتبه، يرتبط الحفاظ على المصنع بمسؤولية إنسانية واجتماعية. فالمشروع الذي بدأ مع جدّه وانتقل بين أجيال العائلة، لا يزال يؤمّن للعاملين فيه مصدر رزق واستقراراً لعائلاتهم، ويحفظ خبرات مَن أمضوا أعمارهم في هذه المهنة، لتُنقل حكاية الصناعة على ألسنة الذين عاشوها وأسهموا في بقائها.

ومن هذه الحكاية التي يرويها المصنع بأهله وآلاته، تنطلق «فراغمنتا» للبحث عمّا بقي من صناعة النسيج اللبنانية، وما يمكن أن تقدّمه خبراتها للمستقبل. فنور نجم وغيلين إلياس تريان في المهارات والمعارف التي صمدت رغم تراجع القطاع مادةً يمكن البناء عليها وإعادة إدخالها في ممارسات التصميم والإنتاج المعاصرة، بما يمنح هذه الذاكرة فرصة للتجدُّد والانتقال إلى أجيال مقبلة.

وتسعى «فراغمنتا» إلى نقل هذه المعارف بين الحرفيين والمصمّمين والباحثين، وإيجاد مساحات يلتقي فيها أصحاب الخبرة الصناعية بالممارسات الفنّية والتصميمية الحديثة. وتقوم مشاريعها على البحث في المواد والأشياء التي تحمل شيئاً من تاريخ المنطقة وثقافتها، وما تكشف عن علاقة الإنسان بالصناعة والحرفة. وقد اختارت في دورتها الثانية القميص، بما يختزنه من ذاكرة صناعة النسيج اللبنانية والعاملين فيها.

صفحات من قماش تختزن سنوات من الحرفة وتحوّلاتها (الشرق الأوسط)

وفي احتضان «كاتبه» إطلاق المشروع، تأكيدٌ على أهمية العودة إلى الأماكن التي احتفظت بمعارفها الصناعية، وإلى الأشخاص الذين توارثوا هذه الخبرات وحافظوا عليها رغم التحوّلات التي شهدها لبنان. فالمصنع الذي لا يزال ينتج حتى اليوم، يضع أمام «قميص» تاريخاً يمكن قراءته من خلال العمل، وأيضاً العاملين الذين يعرفون أسرار هذه المهنة.

يُفتتح المعرض أمام الجمهور في 28 نوفمبر المقبل، ويستمر حتى 5 يناير (كانون الثاني) 2027، في معمل تكرير السكّر المهجور بمنطقة الزلقا شمال بيروت؛ ليُعيد «قميص» إلى الأشياء التي نرتديها وجوهَ الذين صنعوها، وإلى الأيدي التي أمضت أعمارها في هذه المهنة شيئاً من حقّها في الذاكرة. فالقماش الذي يُرافقنا من دون أن نفكّر في حكايته، مرَّ يوماً بين أصابع تعرف أسرار الخيط والآلة، وحمل معه شيئاً من أعمار أصحابها. وللخيط عمرٌ آخر حين يُغادر المصنع؛ يواصل حياةً بدأها آخرون، ويصير بعض أقرب الأشياء إلينا، فيما تبقى أيديهم بعيدة عن العيون.