واشنطن قلقة: هل تهاجم إسرائيل المواقع النووية في إيران؟

جانب من تصدي «القبة الحديدية» الإسرائيلية للصواريخ الإيرانية الأسبوع الماضي (رويترز)
جانب من تصدي «القبة الحديدية» الإسرائيلية للصواريخ الإيرانية الأسبوع الماضي (رويترز)
TT

واشنطن قلقة: هل تهاجم إسرائيل المواقع النووية في إيران؟

جانب من تصدي «القبة الحديدية» الإسرائيلية للصواريخ الإيرانية الأسبوع الماضي (رويترز)
جانب من تصدي «القبة الحديدية» الإسرائيلية للصواريخ الإيرانية الأسبوع الماضي (رويترز)

قبل عامين، حلقت عشرات الطائرات الإسرائيلية المقاتلة فوق البحر الأبيض المتوسط، في محاكاة لهجوم على المنشآت النووية الإيرانية. قالت القوات الدفاعية الإسرائيلية علناً إن التدريب كان يركز على «الرحلات الطويلة، والتزود بالوقود جواً، وضرب الأهداف البعيدة». لم يكن الهدف الرئيسي للتدريب هو تخويف الإيرانيين فقط؛ بل إرسال رسالة إلى إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، مفادها بأن القوات الجوية الإسرائيلية تتدرب على تنفيذ هذه العملية بمفردها، رغم أن فرص النجاح ستكون أكبر بكثير إذا انضمت إلى الهجوم الولايات المتحدة بأسلحتها المتطورة، مثل القنابل الخارقة للتحصينات التي تزن 30 ألف رطل.

في تصريحات صحافية، اعترف مسؤولون إسرائيليون حاليون وسابقون بوجود شكوك في قدرة إسرائيل على إلحاق ضرر كبير بالمنشآت النووية الإيرانية. ومع ذلك، أثارت تحركات إسرائيل في الأيام القليلة الماضية تساؤلات داخل «وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)» عما إذا كانت إسرائيل تستعد للتحرك بمفردها، بعد أن توصلت إلى استنتاج بأنها قد لا تحصل على فرصة مشابهة مرة أخرى.

حذر بايدن الإسرائيليين من استهداف المواقع النووية أو منشآت الطاقة، مشدداً على أن أي رد يجب أن يكون «متناسباً» مع الهجوم الإيراني على إسرائيل في الأسبوع الماضي. وأوضح وزير الدفاع الأميركي، لويد أوستن، لنظيره الإسرائيلي، يوآف غالانت، أن الولايات المتحدة تفضل تجنب تصعيد جديد مع إيران. ومن المقرر أن يلتقي غالانت وأوستن في واشنطن الأربعاء.

من المتوقع أن تركز أولى الردود الإسرائيلية على إيران، بعد الهجمات الصاروخية التي استهدفت القواعد العسكرية الإسرائيلية يوم الثلاثاء الماضي. قد تشمل الأهداف مواقع استخباراتية أو قيادية إيرانية. ولكن، على الأقل في البداية، يبدو أن إسرائيل لن تستهدف المواقع النووية الرئيسية لإيران. بعد مناقشات طويلة، قررت إسرائيل تأجيل استهداف هذه الأهداف إلى وقت لاحق؛ إذا صعّدت إيران ضرباتها.

ومع ذلك، تزداد الدعوات داخل إسرائيل، وبدعم من بعض الأوساط في الولايات المتحدة، إلى استغلال هذه الفرصة لإبطاء قدرة إيران على إنتاج قنبلة نووية لسنوات. رغم تركيز النقاش العام على مدى سرعة إيران في تخصيب اليورانيوم إلى مستوى يسمح بإنتاج قنبلة في غضون أسابيع، فإن التحدي الأكبر هو تحويل هذا الوقود إلى سلاح جاهز للاستخدام، وهو ما قد يستغرق شهوراً أو حتى أكثر من عام.

نفتالي بينيت، رئيس الوزراء السابق وأحد الشخصيات القومية المتشددة، كتب مؤخراً على وسائل التواصل الاجتماعي: «إسرائيل الآن أمام أعظم فرصة منذ 50 عاماً لتغيير وجه الشرق الأوسط». وأضاف: «علينا أن نتحرك الآن لتدمير البرنامج النووي الإيراني ومنشآت الطاقة المركزية وضرب هذا النظام الإرهابي ضربة مميتة». وتابع: «لدينا المبرر والأدوات... والآن، بعد أن شُلت أذرع إيران المتمثلة في (حزب الله) و(حماس)، أصبحت إيران مكشوفة وضعيفة».

في المقابل، بدأ المسؤولون الأميركيون؛ بداية من الرئيس بايدن، حملة دبلوماسية تهدف إلى إبعاد فكرة الهجوم العسكري عن الطاولة، مؤكدين أن مثل هذا التحرك قد لا يكون فعالاً، بل وقد يؤدي إلى اندلاع حرب شاملة في المنطقة.

أصبح النقاش حول كيفية التعامل مع إيران قضية سياسية. الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترمب، جادل بأن على إسرائيل «ضرب المنشآت النووية أولاً؛ ثم القلق بشأن البقية لاحقاً»، رغم أنه تراجع عن هذا النهج خلال رئاسته. ويوم الأحد الماضي، انتقد النائب مايكل ر. تيرنر، رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، الرئيس بايدن خلال مقابلة مع برنامج «وجه الأمة» على شبكة «سي بي إس»، واصفاً تصريحات بايدن بأنها «غير مسؤولة تماماً» بعدما صرح سابقاً بأن الخيار العسكري ما زال مطروحاً.

أثارت المناقشات حول الضربة الإسرائيلية المحتملة تساؤلات جديدة حول ما إذا كانت ستؤدي إلى تأخير القدرات النووية الإيرانية فعلياً، أم إنها ستدفع إيران ببساطة إلى نقل برنامجها النووي إلى مواقع أعمق وأشدّ تحصيناً. كما أثيرت مخاوف من أن الهجوم قد يحث قادة إيران على اتخاذ قرار بالسعي الفعلي نحو إنتاج قنبلة نووية، وهو الخط الذي تجنبت إيران تجاوزه على مدى ربع قرن.

هدف قديم وآخر جديد

على مدار 22 عاماً، كانت منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم محور تركيز كل من إسرائيل وواشنطن فيما يخص البرنامج النووي الإيراني. تقع هذه المنشأة على عمق 3 طوابق تحت الأرض في الصحراء، وتضم قاعة طرد مركزي ضخمة؛ حيث تدور آلاف الأجهزة الفضية بسرعات هائلة لتخصيب اليورانيوم إلى مستوى قريب من مستوى إنتاج القنابل. وبينما تنفي إيران رسمياً سعيها إلى امتلاك سلاح نووي، فإن بعض المسؤولين والمعلقين الإيرانيين ناقشوا مؤخراً إمكانية إلغاء الفتوى التي أصدرها المرشد الأعلى علي خامنئي عام 2003، والتي تحظر امتلاك الأسلحة النووية.

في الوقت ذاته، رفعت إيران من إنتاج اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وهي نسبة قريبة من مستوى تخصيب القنابل النووية. ويعتقد الخبراء أن إيران تملك الآن ما يكفي من هذا الوقود لصنع 3 أو 4 قنابل، وأن الوصول إلى مستوى تخصيب بنسبة 90 في المائة؛ وهو المطلوب لصنع قنبلة نووية، سيستغرق أياماً فقط.

ورغم أن منشأة «نطنز» قد تكون هدفاً أسهل نسبياً، فإن مهاجمتها ستُعدّ عملاً حربياً. لذا؛ على مدار الـ15 عاماً الماضية، دعت الولايات المتحدة إلى استخدام وسائل أخرى لتعطيل البرنامج النووي الإيراني، مثل الدبلوماسية، والتخريب، وفرض العقوبات، بدلاً من اللجوء إلى القصف العسكري. كما عملت بنشاط على منع إسرائيل من الحصول على الأسلحة التي تحتاج إليها لتدمير منشأة الطرد المركزي الأخرى؛ «فوردو»، التي بُنيت تحت الجبال.

في عام 2008، رفض الرئيس الأميركي الأسبق، جورج بوش الابن، طلبات إسرائيل للحصول على القنابل الخارقة للتحصينات التي تملكها الولايات المتحدة وطائرات «بي2» اللازمة لتوصيلها. كانت هذه الأسلحة ضرورية لأي محاولة لتدمير المنشآت الإيرانية المدفونة في الجبال والمحصنة بشكل كبير.

أثار قرار بوش نقاشاً حاداً داخل البيت الأبيض، حيث أيد نائب الرئيس حينها، ديك تشيني، فكرة الضربة العسكرية، لكن بوش أصر على أن الولايات المتحدة لا يمكنها المخاطرة بخوض حرب أخرى في الشرق الأوسط. إيهود باراك، الذي شغل أعلى المناصب العسكرية في إسرائيل وكان رئيساً للوزراء أيضاً، قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» عام 2019، إن تحذيرات بوش «لم يكن لها تأثير كبير» على إسرائيل. وبحلول نهاية 2008، لم تكن إسرائيل تمتلك خطة عملية لضرب إيران.

إلا إن الخطط تطورت لاحقاً. وأسهمت المناقشات حول استخدام القنابل الخارقة للتحصينات في ولادة عملية سرية ضخمة عُرفت باسم «الألعاب الأولمبية»، وهي «برنامج سري إسرائيلي - أميركي» لتدمير أجهزة الطرد المركزي الإيرانية باستخدام سلاح سيبراني. وقد دُمّر أكثر من ألف جهاز طرد مركزي بفيروس «ستوكسنت»؛ مما أدى إلى تأخير البرنامج النووي الإيراني لمدة عام أو أكثر.

ومع ذلك، لم تكن عملية «الألعاب الأولمبية» حلاً دائماً، حيث أعادت إيران بناء منشآتها، وأضافت آلاف أجهزة الطرد المركزي الجديدة. كما نقلت جزءاً أكبر من برنامجها إلى أعماق الأرض. وقد كشف تسريب الفيروس عن وجود تهديدات إلكترونية أخرى، دفعت بدول أخرى إلى تطوير هجماتها الخاصة على البنية التحتية؛ بما فيها شبكات الكهرباء وأنظمة المياه.

وفي السنوات الأخيرة، واصلت إسرائيل استهداف العلماء الإيرانيين، وضرب منشآت التخصيب فوق الأرض، واستخدام الطائرات المسيّرة لضرب مراكز تصنيع أجهزة الطرد المركزي. كما استثمرت موارد هائلة في التحضير لضربة محتملة ضد المنشآت النووية.

لكن الجهود الإسرائيلية خفتت مع توقيع إدارة الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، الاتفاق النووي مع إيران، الذي أدى إلى نقل معظم الوقود النووي الإيراني إلى خارج البلاد. وعندما انسحب الرئيس ترمب لاحقاً من الاتفاق، كان هو ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يعتقدان أن إيران ستتراجع عن برنامجها النووي تحت ضغط العقوبات الأميركية والتهديدات العسكرية. إلا إن إيران استمرت في تطوير قدراتها، مما دفع بإسرائيل إلى التركيز أكثر على تهديدات أخرى مثل «حزب الله» و«شبكة الأنفاق» التي خزنت فيها صواريخ إيرانية الصنع.

عندما أصبح نفتالي بينيت رئيساً للوزراء في 2021، فوجئ من ضعف استعداد إسرائيل لضرب إيران، وأمر بإجراء تدريبات جديدة لمحاكاة الضربات بعيدة المدى ضد إيران، وضخ موارد إضافية للتحضير لتلك العمليات. ورغم ذلك، فإن قدرات إسرائيل لا تزال محدودة، حيث تعتمد على أسطول قديم من طائرات التزود بالوقود، وسيستغرق الأمر سنوات قبل أن تصل الطائرات الجديدة؛ القادرة على تنفيذ الضربات، إلى مسافات طويلة.

وبينما حققت القنابل الخارقة للتحصينات نجاحات ضد الأنفاق التي يخزن فيها «حزب الله» صواريخه، ومع قتل قائد «حزب الله» حسن نصر الله في إحدى العمليات، تعتقد إسرائيل أنها تستطيع تدمير الدفاعات الجوية حول بعض المواقع النووية الإيرانية. ومع ذلك، فإنها لا تستطيع الوصول إلى المنشآت المحصنة بشدة والمدفونة في الجبال.

قال الجنرال فرنك ماكينزي، الذي كان مسؤولاً عن خطط الحرب ضد إيران خلال توليه «القيادة المركزية الأميركية»، إن «الهدف النووي هدف صعب للغاية». وأضاف أن هناك بدائل أخرى قد تكون أسهل تنفيذاً؛ بما فيها استهداف البنية التحتية للطاقة.

تحركات إيران المقبلة

سواء أَشَنَّت إسرائيل هجوماً على المنشآت النووية الإيرانية أم لم تفعل، فهناك أسباب جديدة تثير القلق بشأن مستقبل إيران النووي.

السبب الأول جاء على لسان وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، الذي أكد مراراً في الأسابيع الأخيرة، استناداً إلى معلومات استخباراتية لم تفصح عنها الولايات المتحدة، أن روسيا تقدم لإيران دعماً تقنياً في مجال التكنولوجيا النووية. ويصف المسؤولون هذه المساعدة بأنها «مساعدة فنية»، مؤكدين عدم وجود دليل على أن روسيا تزود إيران بالمعدات اللازمة لصنع رأس حربي نووي.

حتى اندلاع الحرب في أوكرانيا، كانت روسيا تتعاون مع الولايات المتحدة وأوروبا في الحد من تقدم البرنامج النووي الإيراني، بل وشاركت في مفاوضات الاتفاق النووي عام 2015 إلى جانب القوى الغربية. لكن إذا كانت التقارير الأميركية صحيحة، فإن حاجة روسيا إلى الطائرات المسيّرة الإيرانية والأسلحة الأخرى قد تدفع بها إلى تسريع تقدم إيران نحو امتلاك سلاح نووي.

السبب الثاني للقلق يتمثل في الأضرار التي لحقت بـ«حزب الله» في الأسابيع الأخيرة؛ بما في ذلك إطاحة قيادته، مما قد يجعل إيران تشعر بالضعف. فمع تراجع قدرة هذه الجماعة الإرهابية على تهديد إسرائيل، قد تصبح إيران أشدّ حرصاً على الحصول على سلاح نووي برؤيتها له وسيلةً وحيدةً لردع إسرائيل.

أما السبب الثالث، فهو أن البرنامج النووي الإيراني سيصبح أكثر صعوبة في استهدافه. فمنذ سنوات عدة، وتحت مراقبة الأقمار الاصطناعية الأميركية والإسرائيلية، بدأت إيران حفر شبكة أنفاق ضخمة جنوب «نطنز»، يُعتقد أنها ستكون مركز تخصيب جديداً وأكبر منشأة نووية في إيران. وعلى الرغم من أن هذا المركز لم يُشغّل بعد، فإن إسرائيل في الماضي؛ سواء أكان في العراق عام 1981 أم سوريا عام 2007، كانت تختار مهاجمة المنشآت النووية في مراحل البناء قبل تشغيلها، وقد تختار النهج نفسه الآن.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

الاتصالات السياسية تنزع فتيل التوتر حول شحنة متفجرات «حزب الله»

المشرق العربي الرئيس جوزيف عون مترئساً جلسة الحكومة (رئاسة الجمهورية)

الاتصالات السياسية تنزع فتيل التوتر حول شحنة متفجرات «حزب الله»

نجحت الاتصالات السياسية التي تكثفت في الساعات التي سبقت جلسة مجلس الوزراء، الخميس، في تخفيف حدة التوتر المحيط بملف شحنة المتفجرات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي خلال العملية الأمنية المشتركة لقوى الأمن الداخلي السورية وجهاز الاستخبارات العامة ضد خلية «داعش» في بلدة رنكوس (قوى الأمن الداخلي)

قتلى في اشتباكات بين «الأمن» السوري وخلية لـ«داعش» بريف دمشق

كثيرٌ من بلدات وقرى القلمون الغربي المحاذية للحدود اللبنانية مهمشة وتعاني نقصاً حاداً في الخدمات وباتت بؤرة لتجار ومهربي المخدرات والسلاح والبشر وخلايا «داعش».

موفق محمد (دمشق)
تحليل إخباري برّي ونصر الله خلال جلسة الحوار الوطني قبل حرب 2006 (كتاب البرزخ)

تحليل إخباري تباينات متراكمة بين برّي و«حزب الله»... بداية افتراق أم توزيع أدوار؟

أتت تصريحات رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأخيرة عن علاقته بـ«حزب الله» لتخرج إلى العلن التباينات المتراكمة بين «الحليفين» في السنوات الأخيرة.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي مواطنون يؤدون الصلاة في جامع ببلدة زوطر الغربية في جنوب لبنان (أ.ب)

هاجس تجدد الحرب يؤرق اللبنانيين

في ظل تصاعد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة بالمنطقة، يعود لبنان ليجد نفسه أمام السؤال الأصعب: هل تتجه المنطقة نحو حرب جديدة لن يكون بمنأى عن تداعياتها.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي وزير العدل اللبناني عادل نصار (الوكالة الوطنية للإعلام)

وزير العدل اللبناني: التحقيقات بشحنة متفجرات «حزب الله» تتوسّع ولا سقف لها

تعهّد وزير العدل اللبناني عادل نصار بالمضيّ بالتحقيقات الجارية في ملف شحنة متفجرات «حزب الله» حتى النهاية، مؤكداً أنه «لا سقف لها وهي مستمرة وتتوسع».

نذير رضا (بيروت)

واشنطن تستعد لحرب طويلة الأمد مع إيران

سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)
TT

واشنطن تستعد لحرب طويلة الأمد مع إيران

سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)

تستعدّ واشنطن لسيناريو صراع طويل الأمد مع طهران، في وقت تتزايد فيه التقارير عن احتمال شنّ ضربات جديدة ضد إيران، قبل الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي أو بعدها، رغم تأكيد الرئيس دونالد ترمب إمكان انتهاء الحرب قريباً.

وأكد السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، أن بلاده تستعد لاحتمال استمرار الصراع مع إيران فترة طويلة، رغم آمال واشنطن في أن تؤدي الضربات والعقوبات الاقتصادية إلى انتزاع تنازلات من طهران بشأن البرنامج النووي وإعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز.

من جانبه، قال ترمب إن واشنطن قادرة على السيطرة على إيران والاستيلاء على نفطها.ولم يستبعد السفير الأميركي لدى تركيا توم براك احتمال شنّ ضربة أميركية ضد إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع، مشيراً إلى أن ترمب أتاح لطهران فرصاً متكررة للتوصل إلى اتفاق.


تحرك إقليمي ودولي لاحتواء أزمات المنطقة

جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)
جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)
TT

تحرك إقليمي ودولي لاحتواء أزمات المنطقة

جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)
جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)

بحث 8 وزراء خارجية من الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، خلال اجتماع في إسطنبول، الجمعة، محادثات غير مسبوقة حول حرية الملاحة في مضيق هرمز وملفات إقليمية ودولية.

ضم الاجتماع الذي نسقته تركيا -والذي عقد للمرة الأولى، بوصفه لقاءً تنسيقياً لبحث التعاون في حل الأزمات- وزراء خارجية مجموعة «آر 4» التي تشكّلت في مارس (آذار) الماضي، وهم وزير خارجية السعودية، الأمير فيصل بن فرحان، ونظراؤه المصري بدر عبد العاطي، والباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان، الذي استضاف الاجتماع الذي عُقد في قصر تشيران سراي، المطل على البسفور في إسطنبول، ومجوعة «إي 3» التي مثلها وزراء الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، والبريطاني إد ميليباند، والفرنسي جان نويل بارو، وانضم إلى الاجتماع وزير الخارجية الإيطالي أنتونيو تاياني.

قضايا متعددة وحلول إقليمية

وناقش الوزراء القضية الفلسطينية، والتطورات في اليمن، وهجمات الحوثيين على السعودية، وأزمة مضيق هرمز، وسبل إنهاء حرب روسيا وأوكرانيا.

وأكد فيدان، في بداية الاجتماع، أهمية الحلول القائمة على مبدأ «الملكية الإقليمية»، مشدداً على أنه لا يمكن فرض الحلول القادمة من الخارج، لافتاً إلى أن «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» الموقعة بين السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس (آب) الماضي، تعطي مثالاً على تطبيق هذا المبدأ عملياً.

اجتماع لوزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان قبل انطلاق الاجتماع (الخارجية التركية)

وأوضح أن الاتفاقية تهدف إلى حماية الأمن والسلام والازدهار الإقليمي، مستندة إلى الشعور بالملكية الإقليمية، مؤكداً دعم تركيا لأمن السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين، وضرورة حماية حرية الملاحة عبر مضيقي هرمز وباب المندب.

ولفت إلى أن إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة واستمرار الحوار حول القضايا والأزمات أمر ضروري، حتى إذا كان التقدم بطيئاً وهشاً، موضحاً أن هذا النهج تجسّد في عدد من التحركات التركية، بينها المحادثات بين روسيا وأوكرانيا لإنهاء الحرب.

كان فيدان قد أكد، خلال كلمته في افتتاح «مؤتمر إسطنبول التاسع للوساطة»، الذي عُقد في إسطنبول الجمعة، تزايد حالة انعدام الثقة على المستوى العالمي، مشيراً إلى أن شعوب عدد من المناطق باتت تواجه صراعات مسلحة، رغم أن السلام ظل مقبولاً لسنوات طويلة.

فيدان متحدثاً في افتتاح مؤتمر «إسطنبول التاسع للوساطة» (الخارجية التركية)

وأضاف فيدان أن السنوات القليلة الماضية شهدت استمرار صراعات متعددة في مناطق مختلفة من العالم، ما أثّر في طرق تجارية برية وبحرية بالغة الأهمية، فيما أصبحت خروقات وقف إطلاق النار أمراً روتينياً.

ولفت إلى أن خروقات إسرائيل اليومية لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة تقوض الثقة بالنظام الدولي، مؤكداً أن إيصال المساعدات الإنسانية وحماية الأطفال يجب أن يكونا أولوية.

هجمات الحوثيين ومضيق هرمز

وقبل قليل من انطلاق «الاجتماع الثُّماني» في إسطنبول، قال مكتب وزير الخارجية البريطاني، إد ميليباند، إن المحادثات، خلال الاجتماع، ستتمحور، بشكل أساسي، حول «مضيق هرمز والوضع في السعودية، وأنه سيدعو إلى حل دبلوماسي لأزمة مضيق هرمز، يُعيد الحقوق والحريات الملاحية الكاملة، وسيوضح كيف يجري تكرار التكتيكات الإيرانية في أنحاء المنطقة؛ حيث تؤدي الهجمات على السعودية إلى زيادة زعزعة استقرار المنطقة، وتصعيد الضغوط على الممرات المائية الحيوية والمضايق الاستراتيجية العالمية، مثل باب المندب وقناة السويس.

لقاء بين فيدان وميليباند قبل انطلاق الاجتماع الثُماني في إسطنبول (الخارجية التركية)

وأشارت «الخارجية الفرنسية» إلى أن المحادثات، التي تُعقد بهذه الصيغة، للمرة الأولى على خلفية حالة من عدم الاستقرار الشديد وعدم اليقين في المنطقة، ستغطي «الأزمة الإيرانية بمختلف تداعياتها».

وأضافت أن «الاجتماع يهدف إلى تعزيز التنسيق بين الأوروبيين ودول الشرق الأوسط في مواجهة أزمات لم نخترها، لكنها تؤثّر علينا جميعاً».

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره المصري بدر عبد العاطي في إسطنبول (رويترز)

وقبل الاجتماع، قال وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، إنه من المهم أن يتم استجلاء جميع الفرص للتوصل إلى حل دبلوماسي لإنهاء الصراع اليمني، قبيل تصويت البرلمان المصري الأسبوع المقبل على تفويض ​القوات المسلحة المصرية لدعم السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين المتحالفين مع إيران.

حرية الملاحة البحرية

وحذّر وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، من تداعيات الهجمات على الممرات البحرية، سواء في مضيق هرمز أو هجمات الحوثيين أو الهجمات الروسية على شحنات الحبوب.

وقال إنه «لا يمكننا مواجهة هذه التحديات الجسيمة إلا إذا عملنا معاً، متجاوزين الأطر القائمة، سواء تعلّق الأمر بالنزاع حول مضيق هرمز، أو هجمات الحوثيين على السعودية وحرية الملاحة البحرية، أو تداعيات الهجمات الروسية المتصاعدة باستمرار على شحنات الحبوب في البحر الأسود».

ولفت إلى أن الدول المشاركة في الاجتماع يجمعها إدراك أن هذه النزاعات المستعصية لها تداعيات كبيرة على الأوضاع الاقتصادية والأمنية، فضلاً عن رغبتها في البحث عن حلول.

فاديفول ووزيرا الخارجية الفرنسي والبريطاني على هامش اجتماع إسطنبول (رويترز)

وأضاف فاديفول: «لن نقبل أن تبتز إيران وميليشيات الحوثيين التجارة العالمية، وأن تواصل إبقاء إمدادات العالم من الطاقة والأسمدة تحت قبضتها الخانقة. يجب أن تتوقف الهجمات العشوائية على حرية الملاحة البحرية والدول المجاورة»، لافتاً إلى أن النزاع يؤدي، من بين أمور أخرى، إلى الجوع.

وذكر أن الوضع في البحر الأسود يُسهم أيضاً في تفاقم الأزمة، متهماً روسيا بأنها تُحاول من خلال مهاجمة شحنات الحبوب المجازفة بحدوث نقص في الغذاء في دول الجنوب العالمي، وهذا يُلحق الضرر بأشد فئات العالم فقراً، التي يعتمد توفير احتياجاتها بدرجة كبيرة على القمح، وكذلك بشركائنا، مثل تركيا التي تُعدّ أكبر دولة في العالم من حيث معالجة القمح المخصص للتجارة العالمية. وقال إن اجتماع إسطنبول، الأول من نوعه بهذا التنسيق، يهدف إلى محاولة تحريك مسار هذين النزاعين.


تركيا تقول إن إعادة توحيد شرق ليبيا وغربها «باتت وشيكة»

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب)
TT

تركيا تقول إن إعادة توحيد شرق ليبيا وغربها «باتت وشيكة»

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب)

رأى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الجمعة، أن الوقت حان لإعادة توحيد الإدارتَين المتنافستَين في شرق ليبيا وغربها، ملمّحاً إلى إمكان صدور إعلان في هذا الشأن في وقت قريب.

ودعمت تركيا على امتداد سنوات النزاع الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس، إلا أن علاقاتها شهدت في السنوات الأخيرة تحسّناً ملحوظاً مع سلطات الشرق الليبي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال فيدان للصحافيين: «لقد بلغنا مرحلة أصبحت فيها الظروف مهيأة لترسيخ إعادة توحيد الشرق والغرب بشكل دائم». وأضاف: «لكل طرف هياكل عسكرية، وهذه الهياكل ينبغي أن تُدمج في إطار جيش وطني».

ترسيم الحدود البحرية

وجاءت تصريحات فيدان إثر استضافته اجتماعاً في إسطنبول ضمّ نظراءه من دول أوروبية وإقليمية، بينها مصر.

وتابع: «لعل إحدى أهم ركائز الوحدة الوطنية تتمثّل في كيفية جمع الوحدات العسكرية الخاضعة حالياً لسيطرة الجانبين تحت مظلّة واحدة».

وأضاف الوزير التركي: «بإذن الله، ستسمعون قريباً أخباراً جيدة جداً من تركيا تخصّ هذا الملف».

كان مجلس النواب في شرق ليبيا قد صادق، الثلاثاء، على مذكرة تفاهم لترسيم الحدود البحرية مع تركيا، بعدما رفضها لدى توقيعها للمرة الأولى في عام 2019.

لكن الاتفاق أثار حفيظة الاتحاد الأوروبي، لا سيما إيطاليا واليونان، بينما اعترضت عليه مصر بوصفه يمس حقوقها في البحر المتوسط.

ولفت فيدان إلى أن «تركيا تتّخذ موقفاً بنّاءً للغاية في هذا الملف»، مضيفاً: «يمكن لتركيا وإيطاليا ومصر أن تجتمع لبحث هواجس» جميع الأطراف.

حرب إيران

وأشار فيدان إلى أن شن هجوم جديد على إيران من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم التوتر وتوسيع نطاق الصراع، مضيفاً أن الدبلوماسية والحوار هما السبيل الوحيد لإنهاء الحرب.

وقال: «نتفق جميعاً على أن أي هجوم جديد على إيران سيؤدي إلى توسيع نطاق الحرب في المنطقة... التدخل العسكري في إيران ليس حلاً على الإطلاق. ولا أحد يوافق على ذلك في الوقت الحالي».

وقال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو بعد اجتماعات اليوم إن أي تصعيد جديد بين إيران والولايات المتحدة لن يسفر إلا عن خاسرين، وسيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط.

وتأتي هذه التصريحات عقب تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، يوم الأربعاء، يفيد بأن الجيشين الأميركي والإسرائيلي وضعا خططاً محددة لشن هجمات جديدة على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، الشهر المقبل.