تقنيات حديثة تُطور صناعة السيارات ذاتية القيادة

أحدثها روبوتات الدردشة الذكية

تجربة عملية لاختبار روبوت الدردشة في السيارات ذاتية القيادة (جامعة بوردو)
تجربة عملية لاختبار روبوت الدردشة في السيارات ذاتية القيادة (جامعة بوردو)
TT

تقنيات حديثة تُطور صناعة السيارات ذاتية القيادة

تجربة عملية لاختبار روبوت الدردشة في السيارات ذاتية القيادة (جامعة بوردو)
تجربة عملية لاختبار روبوت الدردشة في السيارات ذاتية القيادة (جامعة بوردو)

تتطور صناعة السيارات ذاتية القيادة بسرعة، مدفوعة بعدة تقنيات حديثة في مقدمتها الذكاء الاصطناعي الذي يتيح للسيارات تحليل البيانات واتخاذ القرارات في الوقت الحقيقي، بالإضافة لأجهزة الاستشعار المتطورة مثل الرادارات والكاميرات التي تساعد في اكتشاف العقبات وتحديد المسارات والتعامل مع حركة المرور، وتجنب العوائق.

كما تساهم أنظمة الملاحة الذكية في تحسين تجربة القيادة، حيث توفر توجيهات دقيقة وتحديثات حية حول حركة المرور. بالإضافة إلى ذلك، تسهم تقنيات الاتصال المتطور في تعزيز التواصل بين السيارات والبنية التحتية، ما يزيد من تحسين السلامة على الطرق، وتقليل الحوادث الناتجة عن الخطأ البشري، وتقديم حلول نقل أكثر كفاءة وراحة.

التجربة أثبتت قدرة النماذج اللغوية الكبيرة على تعزيز أداء السيارات ذاتية القيادة (جامعة بوردو)

روبوتات الدردشة

وبعدما اقتحمت تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل روبوت الدردشة الشهير «تشات جي بي تي»، العديد من المجالات، جاء الدور على السيارات ذاتية القيادة.

تخيل أنك تقول لسيارتك: «أنا في عجلة من أمري»، فتقوم السيارة تلقائياً باختيار الطريق الأسرع للوصول إلى وجهتك. ووجد مهندسو جامعة بوردو الفرنسية أن السيارة ذاتية القيادة يمكنها تنفيذ ذلك بمساعدة «تشات جي بي تي» أو روبوتات الدردشة الأخرى، وذلك بعد إجراء تجربة عملية.

وأوضح الباحثون أن دراستهم، التي عُرضت في 25 سبتمبر (أيلول) 2024، أمام المؤتمر الدولي السابع والعشرين لأنظمة النقل الذكية (IEEE) في كندا، تُعد من بين أولى التجارب التي تختبر قدرة السيارات ذاتية القيادة على تفسير الأوامر الصوتية البشرية وتنفيذها بدقة. وتعتمد هذه النماذج على كميات هائلة من البيانات النصية وتتعلم بمرور الوقت، ما يجعلها قادرة على الاستجابة للأوامر بشكل أكثر إنسانية مقارنة بأنظمة التحكم التقليدية.

شملت التجارب أوامر مباشرة مثل «قُدْ بسرعة أكبر»، وأخرى غير مباشرة مثل «أشعرُ بالغثيان»، مع تزويد النماذج بالمعايير اللازمة، مثل قواعد المرور وحالة الطرق وأجهزة الاستشعار الخاصة بالسيارة. وأثبتت التجارب أن هذه النماذج تُحسّن استجابة السيارة، ما يجعل تجربة القيادة أكثر راحة.

وأوضح الباحثون أن الأنظمة التقليدية في السيارات تتطلب الضغط على أزرار أو استخدام نظام التعرف على الصوت الذي يحتاج إلى دقة في الكلام، بينما تتميز النماذج اللغوية الكبيرة بقدرتها على فهم الأوامر الصوتية البشرية بصورة أكثر دقة.

تحديات الاستجابة السريعة والهلوسة

الدكتور ران وانغ، الأستاذ المساعد في كلية الهندسة بجامعة بوردو والباحث الرئيسي للدراسة، يرى أن التجارب أثبتت قدرة النماذج اللغوية الكبيرة على تعزيز أداء السيارات ذاتية القيادة، لكن لا تزال هناك تحديات تحتاج إلى معالجة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن دمج روبوتات الدردشة بالكامل في المركبات ذاتية القيادة يتطلب تحسينات ضرورية، أبرزها تقليل زمن الاستجابة للأوامر إلى أقل من 1.6 ثانية لضمان التصرف السريع في الحالات الطارئة، ومعالجة مشكلة «الهلاوس» التي قد تؤدي إلى تفسير الأوامر بشكل خاطئ، مما يشكل تهديداً للسلامة، إلى جانب اختبار هذه النماذج في بيئات متنوعة مثل الظروف الجوية المتغيرة وحركة المرور المعقدة لضمان دقتها.

وتوقع وانغ تطوراً في المستقبل لتلك النماذج لتعزيز التواصل بين الركاب والمركبات ذاتية القيادة، مشيراً إلى أن دمج وسائل متعددة للتواصل مثل الصوت والنص والصور سيساهم في تحسين التفاعل الطبيعي بين الركاب والمركبة، كما يمكن لتلك النماذج التفاعل بشكل استباقي عبر اقتراح مسارات أو تقديم تحذيرات بناءً على سلوك الركاب، ما يعزز من فعالية وسلامة حركة المرور.

تقنيات القيادة الذاتية

وتعد السيارات ذاتية القيادة واحدة من أبرز الابتكارات التي تعتمد على مجموعة متكاملة من التقنيات المتطورة التي تعزز من قدرتها على التنقل بأمان وفعالية.

من بين هذه التقنيات، تبرز تقنية «الليدار» (Lidar)، التي تعني «كشف الضوء وتحديد المدى». وتستخدم هذه التقنية الليزر لإنشاء خرائط ثلاثية الأبعاد عالية الدقة للبيئة المحيطة بالسيارة، من خلال إرسال أشعة ليزر، وقياس الوقت الذي تستغرقه للعودة، ما يوفر معلومات دقيقة حول المسافات والأشكال. وتُعتبر هذه التقنية حيوية لاكتشاف العقبات مبكراً.

أيضاً، تُتيح تقنية «الاتصال بين المركبات وكل شيء» (V2X Communication) للمركبات التواصل مع بعضها البعض ومع البنية التحتية، مثل إشارات المرور، لتحسين إدارة حركة المرور وزيادة الأمان. وتساعد هذه التكنولوجيا في تقليل الحوادث وزيادة كفاءة حركة المرور.

تأتي أيضاً تقنية الحوسبة السحابية (Cloud Computing)، التي توفر بنية تحتية قوية لتخزين البيانات ومعالجتها بشكل مركزي. ومن خلال استخدام السحابة، يمكن للسيارات جمع كميات هائلة من البيانات من حساسات متعددة وتبادل المعلومات بشكل فوري؛ ما يتيح تحديثات في الوقت الحقيقي ويُحسن نماذج التعلم الآلي. وتساهم هذه العملية في تعزيز دقة وموثوقية أنظمة القيادة الذاتية.

ومع اعتماد السيارات على الاتصال الشبكي لتبادل المعلومات، يصبح تأمين هذه البيانات أمراً بالغ الأهمية. وهنا يأتي دور تقنيات الأمن السيبراني لحماية المركبات من الاختراقات والتهديدات الأمنية، من خلال تشفير البيانات لحماية المعلومات الحساسة ونظم اكتشاف التسلل للكشف عن الأنشطة المشبوهة قبل أن تتسبب في ضرر.



باحثون: لقاح تجريبي قد يقي من 3 فيروسات تنفسية

ممرض يقوم بتحضير جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد - 19» (رويترز)
ممرض يقوم بتحضير جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد - 19» (رويترز)
TT

باحثون: لقاح تجريبي قد يقي من 3 فيروسات تنفسية

ممرض يقوم بتحضير جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد - 19» (رويترز)
ممرض يقوم بتحضير جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد - 19» (رويترز)

أفاد ‌باحثون بأن لقاحاً تجريبياً قد يوفر الحماية من «جائحة ثلاثية» من الإنفلونزا الموسمية، وفيروس كوفيد – 19، والفيروس المخلوي التنفسي.

وذكر الباحثون في الدراسة التي نشرت بدورية «ساينس أدفانسز» أن اللقاح الثلاثي حفّز مناعة وقائية من الأمراض التنفسية الثلاثة لدى الفئران والنموس.

وقال جوناثان لوفيل، قائد الدراسة بجامعة نيويورك ‌في بوفالو، في ‌بيان: «كانت استجابة الأجسام المضادة ‌مماثلة لتلك التي تنتجها اللقاحات التي تستهدف فيروساً واحداً فقط، مما يشير إلى أن دمج اللقاحات الثلاثة في جرعة واحدة لم يُضعف فعاليتها».

ويتكون اللقاح أحادي الجرعة، وفقاً لوكالة «رويترز»، من جسيمات كروية دقيقة من الكوبالت والبورفيرين، ومغطاة بغلاف ‌خارجي من ‌الشحم الفسفوري، وهو مزيج يُعرف باسم «كوبوب». وتساعد ‌البروتينات الفيروسية المرتبطة بالجسيمات الدقيقة ‌في تدريب الجهاز المناعي على التعرّف على الفيروسات ومقاومتها.

وأشار الباحثون إلى أن نهج «كوبوب» يختلف عن لقاحات كوفيد - 19 الأكثر ‌استخداماً، والتي تعتمد على تقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال، نظراً لاستخدامه البروتينات الفيروسية بدلاً من التعليمات الوراثية المخزنة في الحمض النووي.

ويؤكد الباحثون ضرورة إجراء دراسات إضافية لتحديد ما إذا كانت التفاعلات الدقيقة بين مكونات اللقاح المختلفة قد تؤثر على الاستجابة المناعية في ظل اختلاف الجرعات.

وقال لوفيل: «نأمل توسيع نطاق هذه المنصة لتوفير الحماية من نطاق أوسع من الفيروسات التنفسية في المستقبل».


بعد الجينوم... هل حان وقت «الأطلس البروتيني»؟

هل حان وقت الأطلس البروتيني العربي
هل حان وقت الأطلس البروتيني العربي
TT

بعد الجينوم... هل حان وقت «الأطلس البروتيني»؟

هل حان وقت الأطلس البروتيني العربي
هل حان وقت الأطلس البروتيني العربي

عندما أُعلن عن فك الشيفرة الجينية للبشر مطلع هذا القرن، اعتقد كثيرون أن العلماء باتوا يمتلكون المفتاح الكامل لفهم أسرار جسم الإنسان. لكن السنوات التالية كشفت أن الجينات وحدها لا تكفي لفهم القصة كاملة؛ فالجين يمثل التعليمات البيولوجية المكتوبة، أما البروتينات فهي التي تنفذ تلك التعليمات وتؤدي معظم الوظائف الحيوية داخل الخلايا والأنسجة والأعضاء.

ولهذا السبب، يتجه اهتمام العلماء اليوم بصورة متزايدة نحو التدقيق فيما يُعرف بـ«البروتيوم» (Proteome)؛ أي مجموعة البروتينات الموجودة داخل الجسم وكيفية توزيعها وتفاعلها وتغيرها في الصحة والمرض. وفي خطوة قد تمثل محطة مهمة في هذا المجال، نُشرت في يونيو (حزيران) 2026، دراسة واسعة في مجلة «Nature» قادها الباحث الصيني ليانغ يو (Liang Yue) من جامعة الطب في هانغتشو بالصين (Hangzhou Medical University, China)، بالتعاون مع فريق دولي من الباحثين، نجح في بناء واحدة من أكثر الخرائط المكانية للبروتينات شمولاً حتى اليوم.

وشملت الدراسة أكثر من 13 ألف بروتين موزعة على آلاف العينات المأخوذة من أعضاء وأنسجة بشرية مختلفة، إضافة إلى 25 نوعاً من الأورام السرطانية و58 نوعاً من الأنسجة الرئيسية و251 نوعاً فرعياً، في محاولة لرسم ما يشبه «الأطلس البروتيني المكاني» لجسم الإنسان.

من الجينوم إلى البروتيوم

> الجينات والبروتينات: إذا كان الجينوم يمثل مجموعة الجينات التي يحملها الإنسان، فإن البروتيوم يمثل مجموعة البروتينات التي تنتجها تلك الجينات وتنفذ وظائفها داخل الجسم. وبعبارة مبسطة، تخبرنا الجينات بما يمكن أن يحدث بيولوجياً، بينما تكشف البروتينات ما يحدث فعلياً في لحظة معينة.

وتكتسب البروتينات أهمية خاصة لأنها تشكل المحرك الحقيقي لمعظم العمليات الحيوية؛ فهي تشارك في إنتاج الطاقة، وبناء الخلايا والأنسجة، وتنظيم الاستجابات المناعية، ونقل الإشارات العصبية، إضافة إلى دورها في النمو والشفاء ومقاومة الأمراض. كما أن توزيعها يختلف من عضو إلى آخر، ويتغير بصورة مستمرة تبعاً للعمر والبيئة ونمط الحياة والحالة الصحية.

والأهم من ذلك أن كثيراً من الأمراض يترك بصمته الأولى على البروتينات قبل ظهور الأعراض السريرية، أو حتى قبل حدوث تغيرات يمكن رصدها على مستوى الجينات. ولذلك، أصبحت دراسة البروتيوم تمثل نافذة جديدة لفهم آليات المرض، واكتشاف المؤشرات الحيوية المبكرة، وتطوير علاجات أكثر دقة وتخصيصاً.

ولهذا، ينظر عدد متزايد من العلماء إلى البروتيوم بوصفه الخطوة التالية بعد الجينوم في رحلة استكشاف جسم الإنسان، وربما أحد أهم مفاتيح الطب الشخصي خلال العقود المقبلة.

> دراسة جديدة: ماذا أضافت الدراسة الجديدة؟ اعتمد الباحثون على تقنيات متقدمة لتحليل البروتينات ورسم مواقعها الدقيقة داخل الأنسجة البشرية، وذلك ضمن مشروع دولي واسع شاركت فيه مؤسسات بحثية مرموقة ومتخصصة في علوم البروتيوم والبيولوجيا المكانية، من بينها جامعة ويستليك (Westlake University)، وعدد من المراكز البحثية الرائدة في الصين وأوروبا.

ولم يقتصر العمل على تحديد البروتينات الموجودة في الجسم؛ بل سعى إلى فهم أماكن وجودها وعلاقاتها بالخلايا المحيطة بها، وكيفية تغيرها خلال مراحل النمو المختلفة، وفي الحالات المرضية. وبذلك، انتقلت الدراسة من مجرد «قائمة للبروتينات» إلى خريطة مكانية دقيقة توضح كيفية توزع هذه الجزيئات داخل الأنسجة البشرية.

ويرى الباحثون أن هذه الخريطة قد تساعد في اكتشاف مؤشرات حيوية جديدة للأمراض، وتحديد أهداف علاجية أكثر دقة، وفهم الآليات البيولوجية الكامنة وراء كثير من الاضطرابات المعقدة. كما يمكن أن تسهم في تطوير علاجات موجهة تعتمد على الخصائص البروتينية الفريدة لكل نسيج أو مرض، وهو ما قد يفتح آفاقاً جديدة أمام الطب الشخصي والتشخيص المبكر خلال السنوات المقبلة.

أطلس بروتيني عربي

> خصائص بروتينات العرب: إذا كان العقد الماضي قد شهد سباقاً عالمياً نحو بناء خرائط الجينوم، فقد يكون العقد المقبل عصر «الأطالس البروتينية». وهنا يبرز سؤال لا يخص العلماء وحدهم؛ بل صناع القرار الصحي في العالم العربي أيضاً: هل سنكتفي بما حققناه في مجال الجينوم؟ أم سنشارك في رسم الخريطة التالية للطب الدقيق؟

لقد حققت دول عربية عدة إنجازات مهمة في هذا المجال؛ فأطلقت السعودية مشروع الجينوم السعودي، وطورت قطر برنامج الجينوم القطري، كما وسعت الإمارات استثماراتها في الطب الدقيق والدراسات السكانية الجينية. وأسهمت هذه المبادرات في بناء قواعد بيانات وراثية تعد من بين الأهم في المنطقة، ووفرت أساساً علمياً لفهم كثير من الخصائص الوراثية والأمراض الشائعة بين السكان العرب.

غير أن التطورات الأخيرة في علوم البروتينات تطرح سؤالاً جديداً: هل تكفي معرفة الجينات لفهم صحة الإنسان العربي ومستقبله المرضي؟

ورغم التقدم الملحوظ في مشاريع الجينوم، لا يزال العالم العربي يفتقر إلى مشروع بروتيومي واسع النطاق يهدف إلى بناء أطلس بروتيني عربي، أو دراسة الخصائص البروتينية للسكان العرب بصورة منهجية وشاملة. وما زال معظم الأبحاث الحالية يتركز في دراسات متفرقة تستهدف أمراضاً محددة؛ مثل السرطان والسكري وأمراض القلب، من دون وجود قاعدة بيانات بروتينية عربية متكاملة يمكن أن تدعم الجيل المقبل من الطب الشخصي والعلاجات الموجهة.

ومع تزايد الاعتماد العالمي على الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الحيوية، قد يصبح امتلاك خرائط بروتينية عربية دقيقة ليس مجرد مشروع بحثي طموح؛ بل ضرورة استراتيجية لضمان أن تُبنى أدوات التشخيص والعلاج المستقبلية على بيانات تمثل المجتمعات العربية نفسها، لا أن تعتمد حصراً على بيانات مستمدة من شعوب أخرى تختلف وراثياً وبيئياً وغذائياً.

> لماذا نحتاج إلى أطلس بروتيني عربي؟ تكمن أهمية أي أطلس بروتيني عربي مستقبلي في أنه قد يساعد في فهم الصورة البيولوجية الحقيقية للأمراض الأكثر انتشاراً في المنطقة؛ مثل السكري وأمراض القلب والسمنة وبعض أنواع السرطان. فبينما تتشابه الجينات البشرية بدرجة كبيرة بين الشعوب، فإن أنماط التعبير البروتيني قد تختلف تبعاً للعوامل الوراثية المحلية والبيئة والغذاء ونمط الحياة، وهي عوامل تؤثر بصورة مباشرة في كيفية ظهور المرض وتطوره واستجابة المرضى للعلاج.

وتزداد أهمية هذا الأمر في العالم العربي الذي يشهد معدلات مرتفعة من الأمراض المزمنة، إلى جانب خصائص سكانية وجينية مميزة في بعض المجتمعات. ومن هنا، فإن فهم البصمة البروتينية للسكان العرب قد يكشف مؤشرات حيوية جديدة للتشخيص المبكر، ويساعد في تطوير علاجات أكثر دقة وملاءمة لاحتياجات المرضى في المنطقة.

كما أن معظم قواعد البيانات البروتينية العالمية الحالية بُني اعتماداً على عينات من أوروبا وأميركا الشمالية وشرق آسيا، في حين لا يزال تمثيل السكان العرب محدوداً نسبياً. ومع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى مجالات التشخيص والطب الدقيق، تزداد أهمية امتلاك بيانات حيوية تمثل المجتمعات العربية نفسها، لأن دقة النماذج الطبية المستقبلية ستعتمد إلى حد كبير على نوعية البيانات التي دُربت عليها.

ومن هذا المنطلق، قد لا يكون الأطلس البروتيني العربي مجرد مشروع علمي جديد؛ بل خطوة استراتيجية لضمان مشاركة العالم العربي في رسم ملامح الجيل القادم من الطب الشخصي، بدلاً من الاكتفاء بدور المستفيد من نتائج أبحاث أُجريت على مجتمعات أخرى.

وتشير دراسة «نيتشر» إلى أن الطب العالمي قد بدأ بالفعل الانتقال التدريجي من عصر الجينوم إلى عصر البروتيوم. وإذا كان العقد الماضي قد شهد إطلاق مشاريع الجينوم الوطنية في عدد من الدول العربية، فقد يشهد العقد المقبل سباقاً عالمياً لبناء الأطالس البروتينية التي ستشكل أحد الأسس الرئيسية للطب الدقيق والذكاء الاصطناعي الطبي.

لقد ساعدنا الجينوم في فهم ما نحمله من استعدادات وراثية، لكن البروتيوم قد يساعدنا في فهم ما يحدث فعلياً داخل أجسامنا في الصحة والمرض. ومن خلاله، قد يصبح بالإمكان اكتشاف الأمراض في مراحل أبكر، وتصميم علاجات أكثر دقة، وفهم الفروق البيولوجية الدقيقة بين الأفراد والمجتمعات.

وبالنسبة للعالم العربي، لا يتعلق الأمر بمجرد مواكبة اتجاه علمي جديد؛ بل بالمشاركة في بناء المعرفة الحيوية التي ستعتمد عليها أنظمة الرعاية الصحية المستقبلية. وكما أدركت المنطقة أهمية الاستثمار في الجينوم خلال السنوات الماضية، فقد يكون الوقت قد حان للتفكير في الخطوة التالية.

وربما لا يكون السؤال الذي تطرحه هذه الدراسة اليوم: هل نحتاج إلى أطلس بروتيني عربي؟ بل السؤال الأكثر إلحاحاً: هل سنشارك في صناعة مستقبل الطب الدقيق؟ أم سنكتفي باستخدام ما يطوره الآخرون؟ يسهل الأطلس اكتشاف مؤشرات حيوية جديدة للأمراض وتحديد أهداف

علاجية أكثر دقة


لماذا يصيب التوحد الأولاد أكثر من البنات؟

لماذا يصيب التوحد الأولاد أكثر من البنات؟
TT

لماذا يصيب التوحد الأولاد أكثر من البنات؟

لماذا يصيب التوحد الأولاد أكثر من البنات؟

يُعد اضطراب طيف التوحد من أكثر الاضطرابات النمائية التي تُظهر نمطاً ثابتاً ومثيراً للجدل؛ إذ يُشخَّص لدى الأولاد بمعدل يقارب أربعة أضعاف ما يُشخَّص لدى الفتيات.

ولعقود طويلة اعتقد الباحثون أن هذا الفرق يعود بشكل أساسي إلى تحيزات في التشخيص؛ إذ إن معظم أبحاث التوحد (ASD) وأدوات الفحص المبكر طُوّرت اعتماداً على كيفية ظهور الأعراض لدى الذكور. ونتيجة لذلك أصبحت المعايير السريرية تميل إلى «الشكل الذكوري» للتوحد، مما أدى إلى تأخر تشخيص الفتيات أو إغفاله أو الخلط بينه وبين اضطرابات أخرى مثل القلق أو فرط الحركة وتشتت الانتباه. لكن هذا التفسير رغم أهميته لا يبدو كافياً وحده.

وقد أدى انخفاض تشخيص التوحد لدى الإناث إلى تمثيل ضعيف لهن في الدراسات العلمية، مما خلق حلقة مفرغة: قلة في التشخيص تعني قلة البيانات، وقلة البيانات تعني فهماً أقل لطبيعة التوحد لدى الفتيات. وهذا الخلل جعل من الصعب على العلماء التمييز بين ما إذا كانت الفجوة بين الجنسَين ناتجة عن عوامل اجتماعية وتشخيصية فقط أم أن هناك أساساً بيولوجياً أيضاً.

«الحماية الأنثوية»

«الحماية الأنثوية» فرضية تتقدم إلى الواجهة؛ إذ برزت في السنوات الأخيرة فرضية تُعرف باسم «التأثير الوقائي لدى الإناث» (female protective effect) التي تفترض أن الفتيات قد يمتلكن مقاومة بيولوجية أعلى تجاه التوحد مقارنة بالأولاد.

وتدعم هذه الفرضية دراسات جينية أظهرت أن الفتيات المصابات بالتوحد غالباً ما يحملن عدداً أكبر من الطفرات الجينية، أو ما يُعرف بـ«الضربات الجينية» (Genetic strikes)، مقارنة بالأولاد، مما يشير إلى أنهن يحتجن إلى وجود عبء وراثي أكبر لظهور الأعراض. لكن الآلية البيولوجية الدقيقة وراء هذه الحماية لم تكن واضحة حتى وقت قريب.

ويقع كروموسوم «إكس» (X) في قلب التفسير الجديد؛ إذ قدمت دراسة تحليلية نُشرت في مجلة «Nature Genetics» في 30 مارس (آذار) 2026، تفسيراً محتملاً لهذه الظاهرة من خلال التركيز على هذا الكروموسوم. وقاد الدراسة الباحث ديفيد بيج من معهد وايتهيد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بالولايات المتحدة، وبمشاركة الباحثة مايا تالوكدار.

يمتلك الذكور كروموسوماً واحداً من نوع «إكس» (X)، وكروموسوماً واحداً من نوع «واي» (Y)، في حين تمتلك الإناث نسختين من «إكس». ولتجنب زيادة نشاط الجينات تُعطل إحدى نسختي «إكس» في خلايا الإناث عبر عملية تُعرف بـ«تعطيل كروموسوم إكس» (X stabilize or buffer). لكن الفرضية التقليدية التي اعتبرت أن النسخة المعطلة صامتة بالكامل لم تعد دقيقة.

وتكشف الأبحاث الحديثة عن أن بعض الجينات على كروموسوم «إكس» لا يتم تعطيلها بالكامل، بل تستمر في العمل وتُعرف باسم «جينات الهروب» (escape genes). وهذه الجينات تلعب أدواراً أساسية في تنظيم نشاط الجينات الأخرى في الجسم، بما في ذلك الجينات المرتبطة بنمو الدماغ وتكوين المشابك العصبية ونقل الإشارات العصبية، وهي عمليات مرتبطة مباشرة باضطراب التوحد.

وبما أن الإناث يمتلكن نسختين من كروموسوم «إكس» فإن لديهن مستويات أعلى من نشاط هذه الجينات التنظيمية، مما قد يمنح الدماغ قدرة أكبر على التوازن والتعويض في مواجهة الطفرات الجينية الضارة.

أما الذكور الذين يمتلكون كروموسوم «إكس» واحداً فقط فلا يملكون هذا النظام الاحتياطي.

إعادة التفكير في فهم الأمراض العصبية

ويرى الباحثون أن هذا النموذج لا يفسّر التوحد فقط، بل قد يمتد ليشمل اضطرابات نمائية أخرى تظهر بنسب أعلى لدى الذكور مثل بعض التشوهات الخلقية واضطرابات النمو. وتوضح الباحثة مايا تالوكدار أن العديد من هذه الحالات لا تتأثر بالتحيز التشخيصي، مما يعزّز فكرة أن الاختلافات بين الجنسين قد تكون ناتجة عن عوامل وراثية حقيقية وليست اجتماعية فقط.

ومن الأمثلة التي يطرحها الباحثون تضيّق «بواب المعدة» (Pyloric stenosis)، وهي حالة تصيب الرُّضع وتؤدي إلى قيء شديد، وتظهر أيضاً بمعدل أعلى لدى الذكور، مع ملاحظة أن الإناث المصابات غالباً ما يحملن عبئاً جينياً أكبر.

تشير هذه النتائج إلى ضرورة إعادة النظر في تفسير الفجوة بين الجنسين في التوحد. فبينما تبقى العوامل التشخيصية والاجتماعية مهمة، يبدو أن هناك أيضاً أساساً بيولوجياً عميقاً يُسهم في هذا الاختلاف.

كما أن فهم دور كروموسوم «إكس» وجينات الهروب قد يفتح الباب أمام تطوير أدوات تشخيص أكثر دقة تأخذ بعين الاعتبار الفروق بين الجنسين بدلاً من الاعتماد على نموذج واحد موحد.

ويرى الباحثون أن إدراك هذه الفروق لا يقتصر على التوحد فقط بل قد يغيّر طريقة فهمنا لكثير من الأمراض التي تختلف في انتشارها بين الذكور والإناث مثل أمراض المناعة الذاتية وبعض السرطانات.

ويؤكد العلماء أن الهدف ليس القول إن أحد الجنسين «أكثر عرضة» بشكل مطلق، بل فهم كيف تتفاعل الجينات مع الجنس البيولوجي لتشكيل المخاطر الصحية.

وفي النهاية تشير هذه الأبحاث إلى أن الفجوة بين الأولاد والبنات في التوحد ليست مجرد مسألة تشخيص، بل قد تكون انعكاساً لتوازن جيني دقيق داخل كروموسوم صغير، لكنه يحمل تأثيراً كبيراً على الدماغ والسلوك.