السعودية تواصل الإنفاق التوسعي الموجه لتحقيق النمو الاقتصادي والاستدامة المالية

مختصون لـ«الشرق الأوسط»: المملكة تحرص على استمرارية المشروعات ورفع جودة الخدمات العامة 

العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
TT

السعودية تواصل الإنفاق التوسعي الموجه لتحقيق النمو الاقتصادي والاستدامة المالية

العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

غداة نشر وزارة المالية السعودية البيان التمهيدي لميزانية العام المالي 2025، قال مختصون لـ«الشرق الأوسط» إن الحكومة السعودية تظهر من خلال توقعاتها في الميزانية حرصها على الاستمرار في تمويل المشروعات الاقتصادية الكبرى، وخلق الوظائف الجديدة، وتنفيذ الخطط الاستراتيجية المرتبطة بـ«رؤية 2030»، لتسريعها وفق تطلعات الدولة لكي تصبح رافداً للاقتصاد الوطني في الأعوام المقبلة.

ووفق البيان التمهيدي للميزانية، فمن المتوقع أن يبلغ إجمالي الإيرادات نحو 1.184 تريليون ريال في 2025 وصولاً إلى نحو 1.289 تريليون ريال في 2027، في حين يُقدَّر أن يبلغ إجمالي النفقات نحو 1.285 تريليون ريال في العام المقبل ليرتفع إلى نحو 1.429 تريليون ريال في العام المالي 2027.

وأشار البيان إلى أن الحكومة تعتزم في العام المالي المقبل، وفي المدى المتوسط، ترتيب أولويات الإنفاق ورفع كفاءته، بالإضافة إلى الاستمرار في الإنفاق على الخدمات الأساسية للمواطنين والمقيمين. كما تواصل استثمار الموارد المالية المتاحة لتنويع القاعدة الاقتصادية عن طريق الإنفاق التحولي الذي يشتمل على الاستراتيجيات القطاعية والمناطقية، والمراجعة الدورية للجداول الزمنية للمشروعات، وبرامج «رؤية 2030»؛ وذلك لتجنب الضغط على النشاط الاقتصادي الذي قد ينشأ نتيجة زيادة الإنفاق الحكومي.

كما تستهدف المملكة الاستمرار في تنويع قنوات التمويل ما بين إصدار السندات والصكوك والقروض، إضافة إلى التوسع في عمليات التمويل الحكومي البديل عن طريق تمويل المشروعات وتمويل البنى التحتية ووكالات ائتمان الصادرات، وذلك من ضمن استراتيجية وزارة المالية لدعم استمرارية واستكمال المشروعات التنموية في البلاد.

المشروعات التنموية

وقال المستشار وأستاذ القانون التجاري الدكتور أسامة العبيدي لـ«الشرق الأوسط»، إن البيان التمهيدي يعكس حرص الحكومة السعودية على الاستمرار في المشروعات التنموية الكبرى المحفزة للنمو الاقتصادي، وتعزيزه، ورفع جودة الخدمات العامة المقدمة للأفراد والأعمال على حد سواء، والمحافظة على استدامة مؤشر الدين العام، وعلى مستويات آمنة من الاحتياطي النقدي، واستكمال تنفيذ المبادرات والإصلاحات الاقتصادية في ظل «رؤية 2030».

وأوضح أن المملكة قررت مواصلة الإنفاق التوسعي لتحقيق نمو اقتصادي ملائم، والحفاظ على الاستدامة المالية، لافتاً إلى أن وجود عجز في الميزانية يعني مواصلة الاقتراض لسد هذا العجز.

وتهدف الميزانية التوسعية إلى الاستمرار في تمويل المشروعات الاقتصادية الكبرى، وتعزيز النمو الاقتصادي، وخلق وظائف جديدة، وتنفيذ الخطط والمبادرات لتحقيق مستهدفات «رؤية 2030»، إضافة إلى جذب الاستثمارات الأجنبية، حيث ازدادت الفرص الاستثمارية المتاحة، خصوصاً في قطاعَي التعدين والتقنية وغيرهما من القطاعات الواعدة، ما سيؤدي إلى زيادة في نمو الناتج الإجمالي المحلي.

وتابع أستاذ القانون التجاري، أن توقعات النمو جاءت أقل من التنبؤات السابقة؛ بسبب انخفاض أسعار النفط، وخفض المملكة إنتاجها؛ تنفيذاً لالتزاماتها وفق اتفاق «أوبك بلس»، ما أدى إلى انخفاض إيرادات المملكة النفطية، وانخفاض الناتج المحلي الإجمالي، وتحقيق نمو اقتصادي أقل من التوقعات السابقة.

جودة الحياة

من ناحيته، بيّن أستاذ المالية والاستثمار في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الدكتور محمد مكني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن العجز في الميزانية العامة للدولة خلال 2025 محدود، ويبلغ نحو 26.9 مليار دولار، وهو مرتبط بالحرص على مواصلة الإنفاق حتى لا تتأثر المشروعات العملاقة المستهدفة، وكذلك جودة حياة المواطن.

وقال: «يلاحظ أن الميزانية جاءت استكمالاً للأهداف التوسعية لسياسة المملكة المعتاد عليها في السنوات السابقة في زيادة الإنفاق، وهناك مبشّرات فيما يخصّ القطاع غير النفطي وتوقعات نموه في الأعوام المقبلة بنحو 4 في المائة».

وبخصوص العام الحالي، «هناك عجز طفيف أيضاً في الميزانية العامة، إلا أنه من المتوقع ارتفاع الإيرادات غير النفطية بنسبة تتجاوز 3 في المائة»، وفق مكني.

وواصل أستاذ المالية والاستثمار في جامعة الإمام محمد بن سعود، أن المؤشرات الرئيسية التي تركز عليها الاقتصادات كافة، تتمثل في مستويات الإنفاق الاستهلاكي، وهذا البند يشهد نمواً في المملكة، وكذلك مؤشرات البطالة في البلاد التي تواصل التراجع خلال الفترة الماضية.

وتابع أن «القطاع النفطي كان يعاني في الفترات السابقة نظراً للسياسات المتبعة من قبل منظمتَي (أوبك) و(أوبك بلس)، وبسبب التخفيضات الطوعية المتخذة من قبل المملكة، إلا أنه من المتوقع أن يتحسّن في الفترة بين عامَي 2025 و2027».

التحسينات الاقتصادية

ومن المعلوم أن المملكة انتهجت سياسة إعادة أولويات الإنفاق، والتركيز على المشروعات التي يمكن إنجازها بشكل أسرع؛ لتصبح رافداً للاقتصاد الوطني خلال الأعوام ما قبل 2030، كما ستُمكّن تلك السياسات المستثمرين الأجانب والمحليين من زيادة التوسع وتحقيق أهدافهم الربحية.

وأضاف الدكتور مكني، أن «الإصلاحات التي قامت بها المملكة باتت ملموسة بشكل مباشر، وطالت مجموعة التحسينات كثيراً من القطاعات على مستوى الأنظمة والتشريعات، والأرقام المحققة في مؤشرات اقتصادية مهمة، إلى جانب سيناريوهات ثلاثة وضعتها وزارة المالية؛ لضمان استمرارية نمو الاقتصاد، وخلق فرص مستقبلية للمستثمرين، وكذلك انتعاش الأنشطة غير النفطية».

القطاعات الواعدة

وأكد البيان التمهيدي للميزانية العامة، أنه «في ضوء التطورات الاقتصادية التي تشهدها المملكة، واستكمالاً لتنفيذ عدد من المبادرات المالية والاقتصادية، وتبني سياسات مالية تسهم في تعزيز الاستقرار والاستدامة لميزانية الدولة للعام المالي 2025، يُتوقع أن تسجل ميزانية عام 2025 عجزاً بنحو 2.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي».

ولفت البيان إلى «تحقيق معدلات نمو في الناتج المحلي الإجمالي مدعومةً بنمو الأنشطة غير النفطية؛ ما أسهم في ازدهار القطاعات الواعدة مثل السياحة والترفيه والنقل والخدمات اللوجيستية والصناعة، بالإضافة إلى تحسين جودة الحياة، وتمكين القطاع الخاص، وانخفاض معدل البطالة إلى أدنى مستوياته تاريخياً، وقد انعكس ذلك بشكل إيجابي على توقعات المنظمات الدولية ووكالات التصنيف الائتماني لأداء الاقتصاد السعودي».

واستعرض البيان أبرز توقعات عام 2024، ومنها تسجيل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نمواً بنسبة 0.8 في المائة في عام 2024؛ مدعوماً بنمو الأنشطة غير النفطية الذي من المتوقع أن يسجل نحو 3.7 في المائة، إضافة إلى أنه من المتوقع أن يسهم انخفاض أسعار الفائدة مؤخراً في ارتفاع الطلب؛ ما قد يؤثر بشكل إيجابي على النمو الاقتصادي.

كما تشير التوقعات الأولية إلى وصول الرقم القياسي لأسعار المستهلك (معدل التضخم) إلى نحو 1.7 في المائة بنهاية عام 2024.


مقالات ذات صلة

مؤشر السوق السعودية يغلق على تراجع 0.28 % بضغط من قطاع الطاقة

الاقتصاد متداول يمر أمام شعار السوق السعودية (أ.ف.ب)

مؤشر السوق السعودية يغلق على تراجع 0.28 % بضغط من قطاع الطاقة

أنهى مؤشر السوق الرئيسية السعودية «تاسي» جلسة يوم الأربعاء، متراجعاً بنسبة 0.28 في المائة، ليغلق عند مستوى 11114 نقطة، وسط تداولات بلغت قيمتها 4.2 مليار ريال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد جانب من توقيع المذكرة بين بنك التصدير والاستيراد السعودي ووكالة ائتمان الصادرات الإسبانية (الشرق الأوسط)

بنك التصدير والاستيراد السعودي يوقّع مذكرة تفاهم لتوسيع التبادل التجاري مع إسبانيا

أبرم بنك التصدير والاستيراد السعودي مذكرة تفاهم مع وكالة ائتمان الصادرات الإسبانية.

«الشرق الأوسط» (براغ)
خاص شاحنة للأمن والسلامة التابعة لـ«مدن» (مدن)

خاص «مدن» تعزّز كفاءة سلاسل الإمداد السعودية باستثمارات تتجاوز 147 مليون دولار

رسّخت الهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية (مدن) مكانة المملكة منصة لوجستية عالمية ومركزاً حيوياً للتجارة العابرة بين القارات الثلاث.

ساره بن شمران (الرياض)
الاقتصاد العاصمة الرياض (الأراضي البيضاء والعقارات الشاغرة)

رسوم الأراضي البيضاء تحرك 71 مليون متر مربع في الرياض

تمكنت رسوم الأراضي البيضاء والعقارات الشاغرة من تحريك أكثر من 71 مليون متر مربع للدخول في الدورة التنمية العمرانية.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3 في المائة على أساس سنوي خلال الربع الأول من العام الحالي (واس)

السعودية: تطورات المنطقة لن توقف المشروعات التنموية الكبرى

أكد تقرير رسمي استعرضه «مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية» السعودي، خلال اجتماعٍ افتراضي، أن التطورات التي تشهدها المنطقة لن تُوقف عجلة المشروعات التنموية الكبرى.

«الشرق الأوسط» (جدة)

إليك أبرز مفاجآت قرار الاحتياطي الفيدرالي

جانب من مبنى الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
جانب من مبنى الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
TT

إليك أبرز مفاجآت قرار الاحتياطي الفيدرالي

جانب من مبنى الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
جانب من مبنى الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

فجّر مجلس الاحتياطي الفيدرالي، في أولى جلساته تحت قيادة رئيسه الجديد كيفين وارش، حزمة من المفاجآت التشغيلية والرقمية التي أعادت رسم خريطة التوقعات في الأسواق المالية العالمية.

ولم تقف صدمة الاجتماع الأخير عند حدود قرار تثبيت الفائدة بالإجماع، بل امتدت لتكشف عن انقسام عمودي حاد داخل كواليس صنع القرار حول خيار «رفع الفائدة»، بالتزامن مع مراجعة تصاعدية لمعدلات التضخم وبتر حاد للغة التيسير النقدي.

وفيما يلي رصد مكثف لأبرز الخلاصات والأرقام التي حملها القرار:

  • تثبيت بالإجماع: صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بالإجماع على إبقاء أسعار الفائدة القياسية دون تغيير عند نطاقها الحالي البالغ 3.50 في المائة - 3.75 في المائة.
  • انقسام حول «رفع الفائدة»: كشف «مخطط النقاط» للتوقعات المحدثة عن انقسام عمودي حاد بين الأعضاء الـ18 المشاركين؛ إذ صوّت 9 مسؤولين (نصف اللجنة تماماً) لصالح «رفع أسعار الفائدة» قبل نهاية عام 2026، مما دفع بمتوسط التوقعات للارتفاع إلى 3.75 في المائة مقارنة بـ 3.4 في المائة في تقديرات مارس (آذار) الماضي.
  • مقاطعة غامضة: شهد الاجتماع لغزاً تشغيلياً؛ إذ امتنع مسؤول في الاحتياطي الفيدرالي عن تقديم أي توقعات لأسعار الفائدة، في حين حجب مسؤول ثانٍ توقعاته الخاصة لعام 2028، وسط شكوك بأن رئيس الفيدرالي الجديد كيفين وارش يقف وراء هذه المقاطعة لتعطيل هذه الأداة التوقعية.
  • مراجعة التضخم والنمو: رفع الاحتياطي الفيدرالي توقعاته للتضخم الأساسي لعام 2026 بشكل ملحوظ إلى 3.3 في المائة (صعوداً من 2.7 في المائة في تقديرات مارس)، بينما خفّض توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 2.2 في المائة مقارنة بـ2.4 في المائة سابقاً.
  • «بتر» لغة التيسير: أقدم الفيدرالي على تجريد بيانه من المصطلحات التقليدية؛ حيث أزال أي إشارات توحي بإمكانية إجراء «تعديلات إضافية محتملة» على أسعار الفائدة، معلناً بلهجة حازمة: «اللجنة ستلتزم بتحقيق استقرار الأسعار».
  • تقييم الاقتصاد والوظائف: وصف الاحتياطي الفيدرالي النشاط الاقتصادي بأنه «يتوسع بوتيرة ثابتة وقوية رغم حالة عدم اليقين المرتفعة الناتجة جزئياً عن الصراع في الشرق الأوسط»، مؤكداً أن نمو الإنتاجية والاستثمار الرأسمالي قويان، وأن مكاسب الوظائف تتماشى مع القوة العاملة دون تغير يذكر في معدل البطالة.
  • صدمات الطاقة والنفط: شدد الاحتياطي الفيدرالي على أن التضخم لا يزال مرتفعاً، وهو ما يعكس في جزء منه «صدمات الإمداد التي قادت لارتفاع الأسعار في قطاعات معينة، بما في ذلك قطاع الطاقة».

الذهب يتحول للهبوط عالمياً بعد «تجريد» بيان «الفيدرالي» من لغة التيسير النقدي

شخصان ينظران إلى المجوهرات الذهبية خارج متجر بالسوق الكبير في إسطنبول (أ.ف.ب)
شخصان ينظران إلى المجوهرات الذهبية خارج متجر بالسوق الكبير في إسطنبول (أ.ف.ب)
TT

الذهب يتحول للهبوط عالمياً بعد «تجريد» بيان «الفيدرالي» من لغة التيسير النقدي

شخصان ينظران إلى المجوهرات الذهبية خارج متجر بالسوق الكبير في إسطنبول (أ.ف.ب)
شخصان ينظران إلى المجوهرات الذهبية خارج متجر بالسوق الكبير في إسطنبول (أ.ف.ب)

تحولت أسعار الذهب في التعاملات الفورية نحو الهبوط بحدة، فاقدة جميع مكاسبها المحققة خلال الجلسة، فور صدور قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي بتثبيت أسعار الفائدة وشطب النبرة التيسيرية من بيانه الرسمي.

وهبط سعر الذهب الفوري بنسبة 0.5 في المائة ليصل إلى 4304.19 دولار للأوقية (الأونصة)، بعد أن كان يسجل ارتفاعاً بنسبة 0.4 في المائة ويتداول عند مستوى 4347.54 دولار للأوقية قبيل صدور بيان لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية.

وجاء هذا التحول الدراماتيكي في معنويات المستثمرين بعد أن فاجأ البنك المركزي الأسواق بـ«مقصلة تحريرية» طالت لغة بيانه الصادر الأربعاء؛ إذ عمد إلى إزالة الإشارات السابقة التي كانت توحي بميله نحو تيسير السياسة النقدية أو خفض تكلفة الإقراض في المستقبل القريب.

وتأثرت المعدن الأصفر—الذي لا يدر عائداً—بإعادة تقييم المستثمرين لآفاق السياسة النقدية؛ حيث أظهر «مخطط النقاط» المحدث للأعضاء شطب أي توقعات لخفض الفائدة هذا العام، مع فتح الباب أمام احتمالات الرفع لمواجهة عناد الضغوط التضخمية؛ مما دفع العوائد على سندات الخزانة والدولار الأميركي إلى الارتفاع على حساب الذهب الذي تراجعت جاذبيته الاستثمارية فوراً كأداة تحوط من التضخم في المدى القصير.


«عصر وارش» يبدأ بـ«تجميد» رغبات ترمب

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش يلقي خطاباً في يوم مراسم تنصيبه (رويترز)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش يلقي خطاباً في يوم مراسم تنصيبه (رويترز)
TT

«عصر وارش» يبدأ بـ«تجميد» رغبات ترمب

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش يلقي خطاباً في يوم مراسم تنصيبه (رويترز)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش يلقي خطاباً في يوم مراسم تنصيبه (رويترز)

لم يكد يجفّ حبر قرار تعيين كيفين وارش رئيساً لـ«مجلس الاحتياطي الفيدرالي»، حتى اختار في أول اختبار حقيقي له أن يبدأ بـ«تجميد» رغبات البيت الأبيض. إذ قرر «البنك المركزي الأميركي»، الأربعاء، الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير عند نطاق 3.50 - 3.75 في المائة.

هذا التثبيت - وهو الرابع على التوالي من «البنك المركزي الأميركي» - يمثل صدمة مباشرة لطموحات الرئيس دونالد ترمب وفريقه الاقتصادي.

فترمب كان جدّد ضغوطه علناً قبل أيام قليلة، وتحديداً في 7 يونيو (حزيران) الحالي، مؤكداً بصريح العبارة: «أريد خفضاً لأسعار الفائدة»، بل وصل به الأمر إلى حدّ «المزاح علناً» بأنه سيقاضي وارش (الذي عيّنه بنفسه) إذا لم يخفض أسعار الفائدة، ليدشن «عصرُ وارش» أولى جلساته بإرسال إشارة هادئة للأسواق والمكتب البيضاوي معاً بأن «قرارات (البنك المركزي) ستكون محكومة بالأرقام والمؤشرات الفنية أولاً، بعيداً عن الاستجابة السريعة للمطالب السياسية».

ولم تكن المفاجأة في قرار التثبيت الذي سعّرته الأسواق مسبقاً، بل في «المقصلة التحريرية» التي أدخلها وارش على أدوات التواصل؛ إذ أقدم رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد على «بتر» صياغة البيان الصادر عقب الاجتماع بشكل غير مسبوق، مستأصلاً كل الإشارات التي كانت توحي بإمكانية تيسير نقدي مستقبلي.

ولم يتجاوز بيان هذا الأسبوع 130 كلمة فقط، مقارنة بـ341 كلمة في بيان أبريل (نيسان) الماضي، ليتحول إلى بلاغ مقتضب ركّز فيه على متانة الاقتصاد والتعهد الحازم بـ«تحقيق استقرار الأسعار».

وجاء في البيان: «النشاط الاقتصادي يتوسع بوثيرة هادئة وثابتة رغم حالة عدم اليقين المرتفعة الناتجة جزئياً عن الصراع في الشرق الأوسط. إن نمو الإنتاجية والاستثمار الرأسمالي قويان، والوظائف تواكب القوة العاملة، ولم يطرأ تغير يذكر على معدل البطالة».

وأضاف البنك: «التضخم لا يزال مرتفعاً مقارنة بهدف اللجنة البالغ 2 في المائة، وهو ما يعكس جزئياً صدمات الإمداد التي دفعت الأسعار للارتفاع في قطاعات معينة، بما في ذلك الطاقة. اللجنة ستلتزم بتحقيق استقرار الأسعار». كما أكد البنك الحفاظ على سياسة «الاحتياطيات الوفيرة» في النظام المصرفي دون أي خطط فورية لتقليص محفظة السندات البالغة 6.7 تريليون دولار، وهو نهج طالما دافع عنه وارش.

لغز «مخطط النقاط» والتلميح بالرفع

وفي تحول دراماتيكي صدم الأسواق، أظهر «مخطط النقاط» (Dot Plot) المثير للجدل أن مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي شطبوا تماماً توقعاتهم السابقة بإجراء أي خفض للفائدة خلال العام الجاري، بل وأشاروا إلى أن «خيار رفع الفائدة بات مطروحاً على الطاولة» وإن لم يكن مؤكداً، مؤجلين أي دورة تيسير إلى عامي 2027 و2028 لمراقبة مدى متانة قفزة التضخم الناجمة عن حرب إيران.

وأظهر المخطط أن متوسط التوقعات لسعر الفائدة بنهاية العام يقف عند 3.8 في المائة، أي أعلى بـ 0.16 نقطة مئوية من المستوى الحالي، مما يعزز فرضية الرفع.

وشهد الاجتماع لغزاً أثار حيرة المراقبين؛ إذ أظهرت الملاحظات المرفقة بالتوقعات الاقتصادية أن 18 عضواً فقط من أصل 19 شاركوا في تقديم تقديراتهم المحدثة.

ورجح «مراقبو الفيدرالي» أن يكون الرئيس الجديد كيفين وارش نفسه هو العضو الذي قاطع التصويت على المخطط، تماشياً مع انتقاداته الحادة والعلنية السابقة لأدوات التوجيه المسبق ومستهدفات البطالة والنمو، وسط تكهنات بأنه يسعى لإلغاء هذا المخطط نهائياً.

باول «مُصوّتاً» في عهد خَلَفه

ولم يكن قرار تثبيت أسعار الفائدة هو العنصر الأعلى إثارة في الاجتماع؛ إذ كانت الأسواق قد سعّرت هذا الاحتمال بشكل شبه كامل، بل اتجهت الأنظار إلى «الديناميكية التشغيلية» المعقدة خلف الأبواب المغلقة.

فقد اكتسب الاجتماع أهمية استثنائية؛ لأنه الأول الذي يترأسه وارش في وقت لا يزال فيه سلفه جيروم باول عضواً مصوّتاً في «اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة»، في ترتيب نادراً ما شهده تاريخ «البنك المركزي»، ويعكس مرحلة انتقالية غير مألوفة في قيادة المؤسسة.

باول مغادراً آخر مؤتمر صحافي له قبل انتهاء ولايته (رويترز)

وتشير كواليس واشنطن إلى أن قرار باول النادر البقاء حاكماً في مجلس الإدارة - على غير عادة رؤساء «الفيدرالي» السابقين الذين يفضلون الاستقالة فور انتهاء ولايتهم - يرتبط برغبته في مراقبة مآلات التحقيق في قضية «تجديدات مبنى (الفيدرالي) المكلِّفة».

ورغم إعلان المدعية العامة لولاية كولومبيا، جينين بيرو، في أبريل (نيسان) الماضي، إسقاط التحقيق الجنائي، فإن تلميحاتها بأنها «لن تتردد في إعادة فتحه» دفعت باول إلى التحصن بكرسي التصويت للتأكد من إغلاق الملف كلياً، معلناً أن الظروف الأخيرة لم تترك له خياراً سوى البقاء.

هذا الوضع يضع الأسواق أمام مراقبة تيارين داخل اللجنة: «تيار باول» المحاذِر، و«تيار وارش» الراغب في إحداث صدمات نقدية أكبر جرأة لتطهير الاقتصاد من التضخم.

«عقيدة وارش» والتملص من أرقام التضخم

وأمام قفزة التضخم الرسمية المتمثلة في «مؤشر أسعار المنتجين»، بدا أن وارش يقود توجهاً نقدياً جديداً يعتمد على التملص من هذه الأرقام الصادمة؛ إذ يفضل الرئيس الجديد لـ«الاحتياطي الفيدرالي» التركيز على ما تُعرف بـ«المعدلات المتوسطة المُقَلَّمة (Trimmed-Mean Averages)» الصادرة عن البنوك الفيدرالية الإقليمية، التي تعزل الصدمات المؤقتة والتقلبات الحادة للسلع مثل النفط والمواد الغذائية.

وبتطبيق هذه العقيدة النقدية، تحصّن وارش بمؤشر «فيد دالاس» الذي يقف بالتضخم عند 2.3 في المائة، ومؤشر «فيد كليفلاند» عند 2.9 في المائة، ليقنع لجنته المكونة من 11 زميلاً بأن التضخم الهيكلي تحت السيطرة وأنه لا يتطلب رفعاً إضافياً، وفي الوقت ذاته ليس منخفضاً بما يكفي للسير في فلك رغبات ترمب التيسيرية.

ترمب يصافح وارش خلال مراسم تنصيب الأخير في البيت الأبيض (رويترز)

مسارات ترويض العجز

وكان وارش قد انتقد مراراً، قبل توليه المنصب، ما عَدّه إفراطاً من «الاحتياطي الفيدرالي» في تقديم «توجيهات مسبقة»، مؤكداً أن القرارات يجب أن تكون وليدة بياناتها الآنية.

وتجلى هذا النهج في بيان السياسة النقدية الذي حمل نبرة أعلى حياداً، مبتعداً عن الإشارات التي كانت توحي بإمكانية إجراء تخفيضات إضافية، ليمنح «اللجنة» مساحة أوسع للتحرك دون التزام مسبق بمسار محدد.

وأكد البيان أن النشاط الاقتصادي لا يزال يُظهر قدراً من المتانة، مدعوماً بقوة سوق العمل والإنفاق الاستهلاكي، في وقت لا يزال فيه التضخم أعلى من المستوى المستهدف البالغ اثنين في المائة.

وفي المقابل، لا يزال «البنك المركزي» ينظر بحذر إلى المخاطر التضخمية الناجمة عن الارتفاع السابق لأسعار الطاقة جراء حرب الشرق الأوسط، رغم التراجعات الأخيرة للنفط إثر الأنباء الواردة عن اتفاق سلام محتمل وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الإمدادات.