مصر تلاحق «الكهرباء المسروقة» بمناطق فقيرة ومترفة

طرق متنوعة لسرقة «التيار»... وأكثر من نصف مليون محضر في 5 أسابيع

أبراج كهرباء ضغط عالٍ في مصر (رويترز)
أبراج كهرباء ضغط عالٍ في مصر (رويترز)
TT

مصر تلاحق «الكهرباء المسروقة» بمناطق فقيرة ومترفة

أبراج كهرباء ضغط عالٍ في مصر (رويترز)
أبراج كهرباء ضغط عالٍ في مصر (رويترز)

منذ 18 عاماً، يعمل أيمن جمال (اسم مستعار)، الذي يشارف على عقده الخامس، في شركة كهرباء جنوب القاهرة، حيث بات خبيراً بالطرق التي يتمكن بها كثيرون من سرقة الكهرباء، وبقوة القانون أصبح منذ أعوام واحداً ممن يستطيعون وقف ذلك بـ«ضبطية قضائية» تُمكنه من تحرير محاضر مباشرة لسارقي التيار، لكنه رغم هبّة الحكومة لملاحقتهم، لا يُبدي تفاؤلاً كبيراً في أن تنتهي المشكلة قريباً.

وسرقة الكهرباء تعني الحصول على وصلات غير شرعية، سواء من المصدر الرئيسي للطاقة في الحي الذي يقطن فيه سارق التيار، أو باستهلاك الكهرباء دون عداد، تُحصل من خلاله الحكومة مستحقاتها لدى المواطن، أو أن يُركب المواطن عداداً ثم يتلاعب فيه بحيث لا يحسب قيمة استهلاكه الفعلي، وفق ما شرح لـ«الشرق الأوسط» مسعد محفوظ (اسم مستعار) وهو موظف آخر في شركة الكهرباء، متخصص في توصيل العدادات بمنطقة السادس من أكتوبر (جنوب الجيزة).

يتجاوز جمال، الذي عمل 15 عاماً محصلاً لفواتير الكهرباء ثم ترقى ليصبح مراجعاً منذ 3 سنوات، عن شرح الطرق التي يُسرق بها التيار إلى قدرتهم على كشف التلاعب من خلال عداد يسمى «غفير»، يوجد في كل منطقة تقريباً، ويحسب حجم الطاقة الكهربائية المستهلكة فيها مقابل الطاقة المسجلة في العدادات، ما يعكس مقدار السرقات، أو ما يسميه «الفقد التجاري».

أسعار الكهرباء للمنازل ارتفعت بنسب تراوحت ما بين 14 إلى 40 % (الشركة القابضة لكهرباء مصر)

وكلما كان الرقم أكبر، حفّز ذلك جمال وزملاءه على القيام بحملات تفتيشية في تلك المنطقة. وكلما كشفوا سرقات أكبر زاد ذلك من «أرباحهم»، إذ يُحاسبون بنظام الأرباح وليس الحوافز. يقول لـ«الشرق الأوسط»: «نتفقد بيتاً بيتاً، حتى نضبط السرقات ونحرر محاضر بها».

وتنتشر طرق سرقة الكهرباء في مصر منذ سنوات، حتى إنها شهدت تطوراً في الأسلوب. يقول جمال: «في البداية كانوا يستخدمون كيس ملح، أو مغناطيس داخل العداد لإبطاء حركة دوران العداد، لكن هذه الطرق باتت قديمة، وحالياً يتم التلاعب في بوردة (الشريحة الإلكترونية) العداد نفسه، من قبل فني، فيخفض القراءات».

وأعلن جهاز «تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك»، الشهر الماضي، زيادات سنوية في شرائح استهلاك الكهرباء لقطاعات عدة، منها المنازل التي تراوحت معدلات الزيادة في شرائحها ما بين 14 إلى 40 في المائة.

العقاب

ينص قانون الكهرباء الصادر عام 2015 على «معاقبة من استولى بغير حق على التيار الكهربائي بالحبس مدة لا تقل عن 3 أشهر، وبغرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه، ولا تزيد على 100 ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين»، وفي حالة تكرار السرقة تتضاعف العقوبة (الدولار يساوي 48.88 جنيه).

ومؤخراً لوّحت الحكومة بحرمان سارقي الكهرباء - ممن تثبت عليهم التهمة بحكم قضائي - من الدعم التمويني، وهو عبارة عن سلع يحصل عليها أكثر من 8 ملايين أسرة بأسعار مخفضة.

وعملياً لا يرى جمال أن تهديد الحكومة سيُنفذ، إذ لا تصل عادة المحاضر للمحكمة، ويتصالح سارق التيار بدفع مبلغ متوسطه 10 آلاف جنيه.

وارتفعت أعداد المحاضر التي حرّرتها الحكومة لسارقي الكهرباء الفترة الماضية، حتى تجاوزت خلال 5 أسابيع فقط أكثر من 600 ألف محضر سرقة، وفق ما صرّح به وزير الكهرباء المهندس محمود عصمت، خلال اجتماع الحكومة، في 19 سبتمبر (أيلول) الحالي.

ومن بين هذه المحاضر، حرّر جمال وزملاؤه في شركات الكهرباء أكثر من 100 ألف منها، والباقي ضبطته مباحث الكهرباء.

لماذا الآن؟

تربط الحكومة بين أزمة انقطاعات التيار الكهربي التي تشهدها مصر منذ سنوات قبل أن تتفاقم خلال شهور الصيف، وسرقة التيار. وعلّق رئيس الحكومة مصطفى مدبولي، على السرقات المضبوطة قائلاً، خلال مؤتمر صحافي عقب الاجتماع ذاته: «لو نصف هذه السرقات لم تكن موجودة، فلن تكون هناك مشكلة في أي شيء، ولن نحتاج لتدبير موارد إضافية للكهرباء».

وكلّف توفير الكهرباء مصر خلال فصل الصيف، وفق مدبولي، 2.5 مليار دولار، بعدما كان تقدير الحكومة أنه سيحتاج 1.180 مليار دولار.

ومع ذلك، لا يرى مصدر مسؤول في وزارة الكهرباء، أن سرقة الكهرباء هي السبب الرئيسي في أزمة الانقطاعات، ويقول لـ«الشرق الأوسط»، طالباً عدم نشر اسمه: «الأزمة أكبر من ذلك»، منبهاً إلى ضرورة حساب «الفقد الفني»، عند محاولة تقليل المُهدر من الطاقة، في إشارة إلى البنية التحتية للكهرباء ونوع وأقطار الموصلات والكابلات.

وتقدر مصر قيمة المُهدر من الطاقة بسبب سرقة التيار بنحو «20 في المائة»، وفق مدبولي.

زيادة أسعار كهرباء المنازل تُقلق المصريين (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأكد المصدر أن ذلك لا يتعارض مع ضرورة مواجهة سرقات الكهرباء المتفشية، مشدداً على أن ذلك لن يتحقق سوى بالردع بالقانون «تعديل قانون الكهرباء وتغليظ العقوبات فيه، ووقف عملية التصالح في المحاضر».

لكن الخبير في مجال الطاقة والمسؤول السابق في وزارة الكهرباء، محمد سليم، يشدد على أن سرقة الكهرباء قضية مهمة، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط»: «أهمية مواجهتها لتقليل الفقد الذي يكبّد الدولة خسائر مالية كبيرة»، بالإضافة إلى أن «عمليات السرقة تتسبب في عدم توازن الأحمال في الشبكات، فعند زيادتها في منطقة معينة يمكن أن تتسبب في تأثيرات ضارة كبيرة، مثل حرق محولات نتيجة الأحمال غير المخططة».

«الناس تعبانة»

يشكّك جمال في أن يُنهي الردع وحده الأزمة، قائلاً: «الناس تعبانة»، في إشارة إلى الأعباء الاقتصادية وأثرها على المواطنين. يقول لـ«الشرق الأوسط»: «نحن ندخل بيوت الناس، ونرى كيف تعيش، لا يمكن أن ننزل في مرة لتحصيل فواتير ونعود بها كاملة، لا بد أن نذهب مرة واثنين وثلاثاً، وأحياناً لا يستطيع المواطن الدفع». يتذكر حين كاد يقطع التيار عن منزل بعد بلاغ من أحد زملائه المُحصلين، ليتفاجأ أن الأسرة في حاجة لمساندة مالية.

وكانت جامعة الأزهر أوقفت الأستاذ المساعد بالعقيدة والفلسفة بكلية التربية في جامعة الأزهر الدكتور إمام رمضان إمام، في 10 من الشهر الحالي، بعد ظهوره في فتوى عبر «فيسبوك»، يحلّل فيها سرقة الكهرباء بعد ارتفاع الأسعار. ووصف الأزهر الفتوى بالشاذة: «تتضمن مخالفات فقهية، وتتعارض مع تعاليم الدين الحنيف».

لا يبرر جمال بذلك سرقة التيار، بينما يؤكد فني العدادات مسعد محفوظ، لـ«الشرق الأوسط»: «ليس الفقراء وحدهم من يسرقون الكهرباء، هناك أغنياء كثيرون يسرقونها، وكذلك مصانع تسرقها».

وهو أيضاً ما أكده وكيل لجنة الطاقة في الكهرباء، النائب محمد الجبلاوي، الذي يرى أن توجه الحكومة لمواجهة سرقة الكهرباء، الذي وصفه بـ«المحمود»، يجب أن «يشهد تعديلاً»، مطالباً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، بـ«بعدم إغفال مشاريع كاملة تستهلك طاقة كبيرة، وتحصل عليها بالمخالفة، والتركيز على مواجهة سرقات المنازل فقط».


مقالات ذات صلة

قبل شهرين من نهاية ولايته... غوتيريش يبحث في القاهرة تسوية سلمية للنزاعات

العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الأمين العام للأمم المتحدة بالقاهرة (الرئاسة المصرية)

قبل شهرين من نهاية ولايته... غوتيريش يبحث في القاهرة تسوية سلمية للنزاعات

زيارة جديدة من الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، للقاهرة متحدثاً عن فرص للتهدئة بالمنطقة وحقوق للفلسطينيين، وذلك قبل لملمة أوراق عمله الأممي.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي مبنى مجلس النواب المصري في العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة (رويترز)

«النواب» المصري يوافق على تفويض السيسي بدعم السعودية عسكرياً

وافق مجلس النواب المصري (البرلمان)، الاثنين، بأغلبية ثلثي أعضائه، على تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ كل ما يلزم لدعم السعودية عسكرياً.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
شمال افريقيا جلسة سابقة في مجلس النواب المصري بالعاصمة الجديدة (صفحة مجلس النواب على فيسبوك)

البرلمان المصري يوافق على تقديم دعم دفاعي إلى السعودية

وافق البرلمان المصري، الاثنين، على تقديم دعم دفاعي إلى السعودية، بناء على طلب الرئيس عبد الفتاح السيسي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في العاصمة الإدارية (أ.ب)

وزير الخارجية المصري: نُجري محادثات يومية مع الإيرانيين

قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، اليوم (الاثنين)، إن بلاده تُجري محادثات يومية مع المسؤولين الإيرانيين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
رياضة عالمية هذا الموقع السياحي غير المتوقع صار أحد مظاهر الهوس بصلاح الذي يجتاح تركيا (أ.ب)

«صخرة محمد صلاح» تتحول إلى مزار سياحي في طرابزون التركية

منذ أن نشر نجم كرة القدم محمد صلاح صورة له، وهو يجلس على صخرة صغيرة في منطقة نائية قريبة من طرابزون، توافد المشجعون إلى المكان لالتقاط الصور في الوضعية نفسها.

«الشرق الأوسط» (طرابزون (تركيا))

البرلمان و«الأعلى للدولة» في ليبيا يستأنفان التنسيق «لمواجهة التحديات»

اجتماع وفد المجلس الأعلى للدولة الليبي مع رئيس مجلس النواب في بنغازي 25 أكتوبر (المجلس الأعلى)
اجتماع وفد المجلس الأعلى للدولة الليبي مع رئيس مجلس النواب في بنغازي 25 أكتوبر (المجلس الأعلى)
TT

البرلمان و«الأعلى للدولة» في ليبيا يستأنفان التنسيق «لمواجهة التحديات»

اجتماع وفد المجلس الأعلى للدولة الليبي مع رئيس مجلس النواب في بنغازي 25 أكتوبر (المجلس الأعلى)
اجتماع وفد المجلس الأعلى للدولة الليبي مع رئيس مجلس النواب في بنغازي 25 أكتوبر (المجلس الأعلى)

تتواصل التحركات السياسية والعسكرية الرامية إلى معالجة الانقسام المؤسسي في ليبيا، مع استئناف التنسيق بين مجلسي النواب و«الدولة» خلال لقاء في بنغازي (شرق البلاد) تناول توحيد المؤسسات الرقابية والملفات الاقتصادية والسياسية.

جاء ذلك بالتزامن مع بحث رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي مع وكيل وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد السلام زوبي، جهود توحيد المؤسسة العسكرية، وسط استمرار الخلافات بشأن آليات اتخاذ القرار وترتيبات القيادة الموحدة.

وبحث رئيس مجلس النواب الصالحين عبد النبي، مساء الأحد، مع وفد من المجلس الأعلى للدولة برئاسة النائب الثاني لرئيسه عمر بوشاح، سبل تعزيز التعاون بين المجلسين، وتوحيد المؤسسات الرقابية والمناصب السيادية، إلى جانب أزمة سعر الصرف ودعم الدينار الليبي وتوحيد جدول المرتبات، فضلاً عن الاستحقاقات السياسية المرتبطة بالانتخابات.

عبد النبي رئيس مجلس النواب الليبي يتوسط دومة نائبه الثاني (إلى اليمين) وعمر بوشاح النائب الثاني لرئيس المجلس الأعلى للدولة 25 أكتوبر (المجلس الأعلى)

وشدد عبد النبي على ضرورة الإسراع في توحيد المؤسسات الرقابية، باعتبار ذلك خطوة أساسية نحو الاستقرار، فيما أكد النائب الثاني لرئيس مجلس النواب مصباح دومة، أهمية دور لجنة «4+4» في مناقشة الملفات الأساسية، وفي مقدمتها المفوضية العليا للانتخابات وتوحيد المؤسسات، مشيراً إلى أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب وجود سلطة تنفيذية موحدة.

من جانبه، أكد بوشاح استعداد لجان المجلس الأعلى للدولة للتعاون مع نظيراتها في مجلس النواب، مشدداً على أهمية معالجة الملفات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية، وتوحيد المناصب السيادية، بما يشمل ديوان المحاسبة والرقابة الإدارية وهيئة مكافحة الفساد.

وقال المجلس الأعلى إن الزيارة تأتي في إطار «حرصه على استمرار التواصل والتنسيق بين المؤسستين التشريعيتين، بما يسهم في دعم الاستقرار السياسي ومواجهة التحديات الراهنة».

ويعكس اللقاء استمرار الاتصالات بين المجلسين بشأن الملفات التي تتطلب توافقاً سياسياً، لكنه لم يسفر، وفق البيانات المنشورة، عن إعلان اتفاق نهائي بشأن تشكيل سلطة تنفيذية موحدة أو تحديد موعد جديد للانتخابات، ما يجعل تقييم نتائجه مرتبطاً بما قد يترتب عليه من خطوات عملية خلال الفترة المقبلة.

وفي المسار العسكري، بحث المنفي، بصفته رئيس المجلس الرئاسي والقائد الأعلى للجيش الليبي، مع الزوبي، الجهود الجارية لتوحيد المؤسسة العسكرية، في إطار متابعة الاتصالات التي تستهدف تقريب وجهات النظر بين الأطراف العسكرية في شرق البلاد وغربها.

المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي مجتمعاً مع وكيل وزارة الدفاع بـ«الوحدة» الفريق عبد السلام زوبي (مكتب المنفي)

ويأتي الاجتماع في أعقاب محادثات استضافتها أنقرة بين الزوبي ونائب قائد «الجيش الوطني» الفريق صدام حفتر، الجمعة الماضي، لبحث ترتيبات توحيد المؤسسة العسكرية.

ولم تحسم تلك الاتصالات الخلافات المتعلقة بهيكل القيادة الموحدة وآليات اتخاذ القرار، رغم استمرار الجهود الرامية إلى دفع المسار العسكري.

وتكتسب متابعة المنفي لهذا الملف أهمية في ضوء تمسكه بضرورة مراعاة الاختصاصات القانونية والمؤسسية في أي ترتيبات تتعلق بالقيادة العسكرية، وعدم تجاوز صلاحيات القائد الأعلى أو الأطر المعتمدة لإقرار التفاهمات.

وكان المنفي قد أثار جدلاً بشأن آليات إدارة هذا المسار، بعد توجيه رسالة تتعلق بالترتيبات التنظيمية والقيادية لتوحيد الجيش، في حين أعلن عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني اعتراضه على هذه الرسالة، قائلاً إنها «لم تعرض على المجلس ولم تصدر بشأنها موافقة جماعية موثقة أو تفويض جماعي، مع تأكيده دعم جهود توحيد المؤسسة العسكرية».

Your Premium trial has ended


مصر والجزائر وتونس ترسم «خطوطاً مشتركة» لتسوية الأزمة الليبية

جانب من اجتماع وزراء خارجية تونس والجزائر ومصر في الجزائر 25 أكتوبر (الخارجية المصرية)
جانب من اجتماع وزراء خارجية تونس والجزائر ومصر في الجزائر 25 أكتوبر (الخارجية المصرية)
TT

مصر والجزائر وتونس ترسم «خطوطاً مشتركة» لتسوية الأزمة الليبية

جانب من اجتماع وزراء خارجية تونس والجزائر ومصر في الجزائر 25 أكتوبر (الخارجية المصرية)
جانب من اجتماع وزراء خارجية تونس والجزائر ومصر في الجزائر 25 أكتوبر (الخارجية المصرية)

اتفقت مصر والجزائر وتونس على ضرورة تنسيق وتكامل الجهود الإقليمية والدولية، دعماً لمسار سياسي ليبي - ليبي جامع، تيسره بعثة الأمم المتحدة، بما يعزز الملكية الوطنية، ويسهم في حل الأزمة الليبية.

وتوصل وزراء خارجية الدول الثلاث - ضمن «آلية دول الجوار» - خلال اجتماع احتضنته الجزائر، مساء الأحد، إلى ما يشبه رسم خطوط مشتركة، مشددين على «ضرورة دعم المساعي الأممية والدولية الرامية إلى تيسير العملية السياسية (في ليبيا) بهدف تنظيم انتخابات عامة وفق إطار دستوري وقانوني متوافق عليه».

وعبّر وزراء خارجية مصر بدر عبد العاطي، والجزائر أحمد عطاف، وتونس محمد علي النفطي، في بيانهم الختامي، عن أملهم في أن «يتمخض عن هذه الانتخابات مؤسسات دستورية شرعية موحدة وقوية ومستقرة، من شأنها أن تضع حداً لحالة الانقسام المؤسساتي القائم»، وتنهي «المراحل الانتقالية» التي أصبحت أمراً واقعاً يزيد في «تعميق الأزمة واستفحالها».

وقال السفير نادر زكي المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، إن الاجتماع تركز على «تنسيق مواقف دول الجوار المباشر إزاء التطورات في المشهد الليبي؛ حيث أكد الوزير عبد العاطي ثوابت الموقف المصري القائمة على ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي الليبية وسيادتها».

جانب من اجتماع وزراء خارجية تونس والجزائر ومصر في الجزائر بشأن ليبيا 25 أكتوبر (الخارجية المصرية)

وشدد الوزراء الثلاثة على «أهمية تبني مقاربة شاملة لا تقتصر على الشق الأمني أو السياسي فحسب، بل تمتد لتشمل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية لمعالجة جذور الأزمة الليبية»، كما اتفقوا على استمرار التشاور والتنسيق الوثيق لضمان تطابق الرؤى بما يخدم مصالح وتطلعات الشعب الليبي.

وقالت الخارجية المصرية إن الاجتماع يأتي تكريساً لمبدأ التشاور والتنسيق و«تنفيذاً لمخرجات اجتماع الآلية الثلاثية لدول الجوار حول الأزمة الليبية الملتئم بالقاهرة يوم 21 مايو (أيار) الماضي، في إطار هذه الآلية، وذلك لمتابعة مستجدات الأزمة الليبية وآفاق حلها».

وأكد الوزراء الثلاثة «المسؤولية التاريخية والدور المركزي لآلية دول الجوار، تحت الرعاية الأممية، في دعم المسار السياسي الليبي؛ وضرورة الأخذ بعين الاعتبار دورها المحوري بوصفها الدول المعنية أكثر من غيرها بتطورات ومستجدات الوضع في ليبيا؛ والأكثر وعياً بتعقيدات الأزمة وتداعياتها».

وتطرق الوزراء، وفق البيان، إلى «الجهود الدؤوبة التي تضطلع بها البعثة الأممية في إطار تنفيذ مرتكزات (خريطة الطريق) السياسية التي أعلنتها في 21 أغسطس (آب) 2025، واستعرضوا، في هذا الإطار، النتائج التي توصلت إليها لجنة (4+4) والاتفاق الإطاري الموقع عليه في 30 أغسطس الماضي».

وشدد الوزراء على أن «تكون العملية السياسية ليبية القيادة والملكية، وأن يكون الحل السياسي نابعاً من إرادة الشعب وتوافقه الوطني، ويضمن وحدة الدولة وسيادتها وسلامة أراضيها».

وزراء خارجية تونس والجزائر ومصر خلال اجتماعهم في الجزائر بشأن ليبيا 25 أكتوبر (الخارجية المصرية)

وجدد الوزراء التأكيد على «موقف بلدانهم الثابت بالرفض القاطع لكل أشكال التدخلات الخارجية في الشؤون الليبية؛ التي كانت السبب الرئيس في إطالة أمد الأزمة وتعميق الخلافات بين الأطراف الليبية».

كما أكدوا «ضرورة انسحاب المرتزقة والمقاتلين الأجانب والقوات الأجنبية من كامل التراب الليبي، والحفاظ على مكتسبات اتفاق وقف إطلاق النار والإسراع في توحيد جميع المؤسسات الليبية، بما فيها العسكرية والأمنية».

وتطرق الوزراء إلى المصالحة الوطنية المعطلة في ليبيا، وشددوا «على ضرورة العمل عليها بين أبناء الشعب الليبي»، معربين عن دعم بلدانهم لجهود السلطات الليبية المختصة والاتحاد الأفريقي، وتحت الرعاية الأممية، لتحقيق ذلك.

وبشأن الموارد، حضّ الوزراء على أهمية المحافظة عليها، وتسخيرها لخدمة مصالح الشعب الليبي وتحقيق التنمية، وعلى ضرورة صون أصوله المالية المجمدة في الخارج والحفاظ عليها وضمان حسن إدارتها من قبل المؤسسات المالية الدولية التي توجد لديها، وفقاً لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

كما حثوا الأطراف الليبية على اتخاذ المزيد من الخطوات في إطار تنفيذ بنود إطار «الإنفاق الموحد» لعام 2026، المعلن عنه في 11 فبراير (شباط) الماضي.

وانتهى وزراء الخارجية الثلاثة إلى الاتفاق على مواصلة التنسيق والتشاور داخل الهيئات والمنظمات الدولية والإقليمية من أجل المساهمة في تسوية الأزمة الليبية؛ «مع التأكيد على أهمية احترام مبادئ القانون الدولي في أي اتفاقات أو تسويات أو تفاهمات يتم التوصل إليها».

Your Premium trial has ended


ليبيا تتمسك بمشاورة مصر بشأن «الاتفاقية البحرية» مع تركيا

هيئة رئاسة مجلس النواب الليبي 20 أكتوبر الحالي (مجلس النواب)
هيئة رئاسة مجلس النواب الليبي 20 أكتوبر الحالي (مجلس النواب)
TT

ليبيا تتمسك بمشاورة مصر بشأن «الاتفاقية البحرية» مع تركيا

هيئة رئاسة مجلس النواب الليبي 20 أكتوبر الحالي (مجلس النواب)
هيئة رئاسة مجلس النواب الليبي 20 أكتوبر الحالي (مجلس النواب)

في رسالة تستهدف طمأنة لمصر، أكد مجلس النواب الليبي عمق العلاقات التاريخية والأخوية الراسخة التي تجمع البلدين، وما يربط الشعبين من أواصر الدم والروابط الاجتماعية الممتدة على جانبي الحدود المشتركة، وذلك على خلفية توترات إثر توقيع البرلمان على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا.

وأبقى المجلس، برئاسة الصالحين عبد النبي، والحكومة المنبثقة عنه في شرق ليبيا، باب الحوار والتشاور مفتوحاً بشأن «الاتفاقية البحرية» وفق مبادئ القانون الدولي. وعلى أثر ذلك، بدأ الفريق أول صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، زيارة غير معلنة إلى القاهرة مساء الأحد.

وجدّد مجلس النواب، الذي ينعقد في بنغازي، في بيان الاثنين، «حرصه على تعزيز العلاقات الثنائية، وتوسيع آفاق التعاون والتشاور مع الشقيقة مصر، بما يراعي الشواغل والمصالح الاستراتيجية للبلدين، في إطار الاحترام المتبادل، وصون الحقوق السيادية والمصالح المشروعة، ووفقاً للقانون الدولي، وبما يحقق المنفعة المشتركة».

جانب من جلسة البرلمان الليبي 20 أكتوبر الحالي (مجلس النواب)

وشدّد المجلس على أن «أمن ليبيا واستقرارها يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بأمن مصر واستقرارها، وأن ما يجمع البلدين من تحديات أمنية مشتركة، وفي مقدمتها مواجهة الإرهاب والتطرف والجريمة المنظمة وحماية الحدود، يؤكد أهمية مواصلة التعاون والتنسيق بينهما، بما يعزز أمنهما القومي، ويحفظ مقدرات الشعبين».

ورفضت القاهرة، الأربعاء الماضي، موافقة مجلس النواب الليبي على الاتفاقية البحرية مع ‌تركيا، وقالت إن الاتفاقية «باطلة بطلاناً مطلقاً، ومعدومة الأثر ⁠القانوني» على مصر.

وبادر مجلس النواب الليبي إلى تخفيف حالة التوتر التي خلفها التوقيع على الاتفاقية، مع مصر، وثمّن المجلس «المواقف المصرية الثابتة الداعمة لسيادة دولة ليبيا واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها، التي عبّر عنها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مناسبات كثيرة».

وأعرب المجلس عن «تقديره لهذه المواقف التي تعكس عُمق العلاقات الأخوية والشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وتُجسد حرص جمهورية مصر العربية على أمن ليبيا واستقرارها».

وانتهى مجلس النواب إلى التأكيد على أن العلاقات الليبية - المصرية «ستظل ركيزة أساسية للأمن والاستقرار في المنطقة، وأن وحدة المصير والمصالح الاستراتيجية المشتركة تمثلان أساساً راسخاً لمواصلة تعزيز الشراكة والتعاون والتفاهم، بما يخدم المصالح العليا للبلدين، ويلبي تطلعات الشعبين الشقيقين».

ودون إعلان عن زيارته الرسمية، وصل صدام حفتر إلى القاهرة، مساء الأحد، وفق ما أفادت به وسائل إعلام ليبية مقربة من القيادة العامة، في توقيت تشهد فيه العلاقات المصرية - الليبية حساسية على خلفية التوقيع على «الاتفاقية البحرية» مع تركيا.

ولم تصدر السلطات المصرية، حتى مساء الاثنين، أي بيانات رسمية توضح جدول الزيارة أو اللقاءات المقرر أن يعقدها حفتر مع المسؤولين المصريين. كما لم يصدر عن مكتبه أو قيادة «الجيش الوطني» أي تعليق رسمي بشأن الزيارة.

صدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي وأسامة حماد رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب (القيادة العامة)

وفي سياق التهدئة وإفساح المجال للحوار أيضاً، أعربت الحكومة المكلفة من مجلس النواب، برئاسة أسامة حماد، عن تطلعها إلى اضطلاع المجلس «بدوره الوطني في دعم المسار التفاوضي بين اللجان الفنية المختصة في ليبيا ومصر».

وجدّدت الحكومة تأكيدها «عمق العلاقات التاريخية والروابط الأخوية التي تجمع ليبيا ومصر». وأوضحت الحكومة أنها «تنطلق من هذه الروابط الاستراتيجية لترسيخ أهمية التعاطي مع الملفات المتعلقة بالحدود البرية والبحرية، وما يتصل بها من نقاط تماس في المنطقة الاقتصادية الخالصة بالبحر المتوسط، بروح من المسؤولية والتفاهم المتبادل».

وانتهت حكومة حمّاد إلى ضرورة معالجة هذه الملفات في إطار الاحترام المتبادل وقواعد حُسن الجوار، وبما يصون حقوق البلدين ومصالحهما المشروعة وفقاً لقواعد القانون الدولي؛ تعزيزاً للأمن والاستقرار والثقة المتبادلة في المنطقة.

وسبق أن وقّعت طرابلس، ممثلة في فائز السراج رئيس المجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق الوطني» السابق، اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية مع أنقرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، رفضته القاهرة ونيقوسيا وأثينا.

وكان رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، أبلغ رئيس جهاز الاستخبارات العامة المصرية حسن رشاد، بأن الحكومة «مستعدة لمعالجة مخاوف القاهرة بشأن الحدود البحرية والمياه الاقتصادية في البحر المتوسط».

وترسم الاتفاقية خطاً بحرياً يصل بين السواحل الجنوبية لتركيا والسواحل الشرقية لليبيا، وتعمل على تحديد مجالات الصلاحية البحرية في البحر المتوسط، بما يشمل الجرف القاري، والمنطقة الاقتصادية الخالصة لكل من البلدين.