منصات عالية الارتفاع لإيصال الإنترنت إلى بقاع العالم النائية

بديل أفضل من الأقمار الاصطناعية

منصات عالية الارتفاع لإيصال الإنترنت إلى بقاع العالم النائية
TT

منصات عالية الارتفاع لإيصال الإنترنت إلى بقاع العالم النائية

منصات عالية الارتفاع لإيصال الإنترنت إلى بقاع العالم النائية

معدات اتصالات متمركزة على بالونات ومركبات جوية وطائرات شراعية يفتقر نحو ثُلث سكان العالم، أي نحو 3 مليارات نسمة، إلى القدرة على الوصول إلى الإنترنت، أو لديهم اتصالات ضعيفة؛ بسبب القيود التي تفرضها البنية الأساسية، والتفاوتات الاقتصادية، والعزلة الجغرافية.

فجوات الاتصالات

وتُخلّف الأقمار الاصطناعية والشبكات الأرضية وراءها، اليوم، فجوات على صعيد الاتصالات، خصوصاً في ظل حقيقة أن معدات الاتصالات الأرضية التقليدية قد تكون مكلفة للغاية، بسبب العوامل الجغرافية.

هنا، قد تسهم محطات المنصات عالية الارتفاع (معدات الاتصالات المتمركزة في الهواء على بالونات غير مأهولة، ومركبات جوية، وطائرات شراعية، وطائرات) في تحسين مستوى المساواة الاجتماعية والاقتصادية، عبر سدّ فجوات الاتصال بالإنترنت في التغطية الأرضية والفضائية. وقد يتيح هذا، بدوره، لأعداد أكبر المشارَكة الكاملة في العصر الرقمي.

شبكات الجيل الخامس الجوية

من بين الخبراء الفاعلين في هذا المجال، محمد سليم العلويني، مهندس كهربائي أسهم في تجربة أظهرت أنه من الممكن توفير معدلات بيانات عالية، وتغطية شبكة اتصالات الجيل الخامس في كل مكان، من طبقة الستراتوسفير.

يذكر أن الستراتوسفير، ثاني أدنى طبقة في الغلاف الجوي، ويتراوح ارتفاعها من 4 إلى 30 ميلاً فوق الأرض. وعادة ما تحلق الطائرات التجارية في الجزء السفلي من طبقة الستراتوسفير. وقد تولى القائمون على التجربة قياس الإشارات بين محطات المنصات والمستخدمين على الأرض في 3 سيناريوهات: شخص يقيم في مكان محدد، وآخر يقود سيارة، وثالث يقود قارباً.

ويقول العلويني، إن زملاءه تولوا قياس مدى قوة الإشارة، فيما يتعلق بمستويات التداخل والضوضاء الخلفية، وهو واحد من مقاييس موثوقية الشبكة. وأظهرت النتائج أن محطات المنصات يمكنها دعم التطبيقات ذات المعدلات المرتفعة من البيانات، مثل بث مقاطع الفيديو بدقة «كيه 4 (4K)»، ويمكنها تغطية مساحة من 15 إلى 20 ضعف المساحة التي تغطيها الأبراج الأرضية القياسية.

لم تصادف المحاولات المبكرة التي أقدم عليها «فيسبوك» و«غوغل» لنشر محطات المنصات، النجاح تجارياً. ومع ذلك، فإن الاستثمارات الأخيرة، والتحسينات التكنولوجية، والاهتمام من جانب شركات الطيران التقليدية، والشركات الناشئة المتخصصة بمجال الطيران والفضاء، قد تغير المعادلة.

ويتمثل الهدف من وراء محطات المنصات في توفير قدرة اتصال بالإنترنت على المستوى العالمي، السبب الذي أدى إلى الاعتراف بفكرة محطات المنصات في تقرير «المنتدى الاقتصادي العالمي» لأفضل 10 تقنيات ناشئة لعام 2024. كما تعمل مبادرة «تحالف محطات المنصات عالية الارتفاع»، التي تضم شركاء أكاديميين، على الدفع قدماً نحو هذا الهدف.

محطات سريعة أفضل من الأقمار الاصطناعية

بوجه عام، ستوفر المحطات الأرضية اتصالاً أسرع وأفضل من حيث الجدوى الاقتصادية وأكثر مرونة، عن الأنظمة القائمة على الأقمار الاصطناعية. ولأنها تحافظ على معدات الاتصالات أقرب إلى الأرض عن الأقمار الاصطناعية، فإن محطات المنصات يمكن أن توفر إشارات أقوى وأعلى سعة. وهذا من شأنه أن يتيح الاتصالات في الوقت الحقيقي بسرعة كافية للتواصل مع الهواتف الذكية القياسية، وقدرات عالية الدقة لمهام التصوير، وحساسية أكبر لتطبيقات الاستشعار. وتنقل هذه المحطات البيانات عبر البصريات الفضائية الحرة، أو أشعة الضوء، وأنظمة صفيف الهوائيات واسعة النطاق، التي يمكنها إرسال كميات ضخمة من البيانات بسرعة.

علاوة على ما سبق، فإن الأقمار الاصطناعية عرضة للتنصت أو التشويش، عندما تحملها مداراتها فوق بلدان معادية، بينما تظل محطات المنصات عالية تظل داخل المجال الجوي لدولة واحدة، ما يحد من هذا الخطر.

أضف إلى ما سبق أن محطات المنصات عالية الارتفاع، أسهل في التركيب من الأقمار الاصطناعية، التي تتطلب تكاليف إطلاق وصيانة مرتفعة. ومن المرجح أن تكون المتطلبات التنظيمية والإجراءات المطلوبة لتأمين المواقع في طبقة الستراتوسفير، أبسط عن القوانين الدولية المعقدة، التي تحكم مدارات الأقمار الاصطناعية. كما أن محطات المنصات أسهل من حيث التحديث، وبالتالي يمكن نشر التحسينات بسرعة أكبر.

علاوة على ذلك، تشير الاحتمالات إلى أن محطات المنصات أقل تلويثاً عن مجموعات الأقمار الاصطناعية الضخمة، لأن الأقمار الاصطناعية تحترق عند إعادة الدخول إلى الغلاف الجوي، ويمكن أن تطلق معادن ضارة فيه، في حين يمكن تشغيل محطات المنصات بمصادر الطاقة النظيفة، مثل الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر.

على الجانب الآخر، تتركز التحديات الرئيسة التي تواجه محطات المنصات، في زيادة الوقت الذي يمكنها البقاء فيه في الهواء، إلى أشهر في المرة الواحدة، وتعزيز الطاقة الخضراء على متنها، وتحسين درجة الموثوقية، خصوصاً في أثناء الإقلاع والهبوط الآلي عبر الطبقات المضطربة السفلية من الغلاف الجوي.

دور حاسم في حالات الطوارئ

يمكن لمحطات المنصات أن تلعب دوراً حاسماً في حالات الطوارئ والحالات الإنسانية، عبر دعم جهود الإغاثة عندما تتضرر الشبكات الأرضية أو تصبح غير صالحة للعمل

كما يمكن لمحطات المنصات كذلك أن تربط أجهزة إنترنت الأشياء وأجهزة الاستشعار في أماكن بعيدة، لمراقبة البيئة وإدارة الموارد بشكل أفضل.

وبالمجال الزراعي، يمكن للمحطات استخدام تكنولوجيا التصوير والاستشعار، لمساعدة المزارعين على مراقبة صحة المحاصيل، وظروف التربة وموارد المياه. كما يمكن أن تدعم قدرتها على التصوير عالي الدقة أنشطة الملاحة والرسم الخرائطي الحاسمة لرسم الخرائط والتخطيط الحضري والاستجابة للكوارث.

ويمكن للمحطات كذلك القيام بمهام متنوعة عبر حمل أدوات لمراقبة الغلاف الجوي، ودراسات المناخ، والاستشعار عن بعد لخصائص سطح الأرض والنباتات والمحيطات.

من البالونات إلى الطائرات

يمكن أن تستند محطات المنصات إلى أنواع مختلفة من الطائرات.

وتوفر البالونات عملية مستقرة وطويلة الأمد على ارتفاعات عالية، ويمكن ربطها أو تعويمها بحرية. أما المناطيد فتعتمد على غازات أخف من الهواء، وهي أكبر وأكثر قدرة على المناورة من البالونات. وتعدّ مناسبة، بشكل خاص، لأغراض المراقبة والاتصالات والأبحاث.

ويمكن التحكم في الطائرات الشراعية، والطائرات التي تعمل بالطاقة بشكل أكثر دقة عن البالونات، والتي تكون حساسة للتغيرات في سرعة الرياح. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للطائرات التي تعمل بالطاقة، التي تتضمن الطائرات المسيّرة والطائرات ذات الأجنحة الثابتة، توفير الكهرباء لمعدات الاتصالات وأجهزة الاستشعار والكاميرات.

يمكن لمحطات المنصات الاستفادة من مصادر طاقة متنوعة، بما في ذلك الخلايا الشمسية خفيفة الوزن والفعالة بشكل متزايد، والبطاريات عالية الكثافة من الطاقة، ومحركات الاحتراق الداخلي للهيدروجين الأخضر، وخلايا وقود الهيدروجين الأخضر، التي هي الآن في مرحلة الاختبار، وكذلك تشغيل أشعة الليزر من محطات الطاقة الشمسية الأرضية أو الفضائية.

وبفضل تطور تصميمات الطائرات الخفيفة الوزن، إلى جانب التقدم في المحركات والمراوح عالية الكفاءة، أصبح بإمكان الطائرات أن تحلق لفترة أطول، مع وجود حمولات أثقل على متنها. وقد تسهم هذه الطائرات الخفيفة الوزن والمتطورة، في إنشاء محطات منصات قادرة على المناورة في طبقة الستراتوسفير لفترات طويلة.

وفي الوقت نفسه، فإن التحسينات في نماذج الطقس الستراتوسفيري، والنماذج الجوية تجعل من الأسهل التنبؤ بالظروف التي ستعمل فيها محطات المنصات ومحاكاتها.

سد الفجوة الرقمية العالمية

من المحتمل أن يتم نشر محطات المنصات التجارية، على الأقل في حالات ما بعد الكوارث أو حالات الطوارئ، بحلول نهاية العقد. على سبيل المثال، خصص كونسرتيوم شركات في اليابان، وهي دولة بها مجتمعات جبلية وجزرية نائية، 100 مليون دولار لمحطات المنصات التي تعمل بالطاقة الشمسية على ارتفاعات عالية.

ويمكن لمحطات المنصات سد الفجوة الرقمية، عبر تعزيز القدرة على الوصول إلى الخدمات الحيوية، مثل التعليم والرعاية الصحية، وتوفير فرص اقتصادية جديدة، وتحسين الاستجابة للطوارئ والمراقبة البيئية. ومع استمرار التقدم في التكنولوجيا في دفع تطورها، تبدو محطات المنصات في طريقها للاضطلاع بدور محوري في مستقبل رقمي أكثر شمولاً ومرونة.

* مجلة «فاست كومباني»

خدمات «تريبيون ميديا»الجيل المقبل من الطاقة



مهمة فضائية أوروبية - صينية لدراسة تأثير العواصف الشمسية على الأرض

ثلاث عواصف شمسية تم رصدها تتجه نحو الأرض عام 2023 (أرشيفية - رويترز)
ثلاث عواصف شمسية تم رصدها تتجه نحو الأرض عام 2023 (أرشيفية - رويترز)
TT

مهمة فضائية أوروبية - صينية لدراسة تأثير العواصف الشمسية على الأرض

ثلاث عواصف شمسية تم رصدها تتجه نحو الأرض عام 2023 (أرشيفية - رويترز)
ثلاث عواصف شمسية تم رصدها تتجه نحو الأرض عام 2023 (أرشيفية - رويترز)

تُقلع، الثلاثاء، مركبة فضائية أوروبية - صينية مشتركة لدراسة آثار اصطدام العواصف الشمسية بالدرع المغناطيسية لكوكب الأرض.

وبحسب «وكالة الصحافة الفرنسية»، يمكن أن تؤدي العواصف الشمسية الشديدة إلى تعطيل أقمار اصطناعية وتهديد رواد الفضاء. وهي الظاهرة التي ينتج عنها الشفق القطبي الملون في سماء المناطق القطبية الشمالية والجنوبية من كوكب الأرض.

وللتعمق في دراسة هذه الظاهرة التي ما زالت غير مفهومة تماماً، تتولى المركبة الفضائية «سمايل»، وهي بحجم شاحنة صغيرة، تنفيذ أول عملية رصد بالأشعة السينية للمجال المغناطيسي للأرض.

المركبة الفضائية «سمايل» (أ.ف.ب)

ومن المقرَّر أن تنطلق المركبة غير المأهولة على متن صاروخ «فيغا - سي» عند الساعة 3.52 بتوقيت غرينتش من يوم الثلاثاء، من قاعدة كورو في غويانا الفرنسية في أميركا الجنوبية.

وكان مقرراً الإقلاع في التاسع من أبريل (نيسان)، لكنه أُجِّل؛ بسبب مشكلة تقنية.

وهذه المهمة مشتركة بين «وكالة الفضاء الأوروبية» و«الأكاديمية الصينية للعلوم».

ولخص فيليب إسكوبيه، أحد علماء «وكالة الفضاء الأوروبية»، أهداف هذا المشروع بـ«دراسة العلاقة بين الأرض والشمس».

ما العواصف الشمسية؟

العواصف الشمسية هي تيارات من الجسيمات المشحونة المنبعثة من الشمس.

أحياناً، تتحوَّل هذه الرياح إلى عاصفة هائلة بفعل انفجارات ضخمة من البلازما تُعرف باسم «الانبعاثات الإكليلية»، نسبة لإكليل الشمس، أي الطبقة الخارجية من الغلاف الجوي للشمس.

وتندفع هذه الانفجارات بسرعة نحو مليونَي كيلومتر في الساعة، وتستغرق يوماً أو يومين لبلوغ كوكب الأرض.

وعند وصولها، يعمل المجال المغناطيسي للأرض بوصفه درعاً تصدُّ معظم الجسيمات المشحونة.

لكن خلال العواصف الشمسية الشديدة، يمكن لبعض الجسيمات اختراق الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى تعطيل شبكات الكهرباء أو الاتصالات. كما تنتج عنها ظاهرة «الشفق القطبي».

أضواء «الشفق القطبي» في أستراليا عام 2024 (إ.ب.أ)

وتُعدُّ عاصفة عام 1859 أسوأ عاصفة مغناطيسية مسجَّلة، وشوهد يومها الشفق القطبي وصولاً إلى بلدان قريبة من خط الاستواء، وتعرَّض مشغلو التلغراف حول العالم لصدمات كهربائية.

ومن شأن العواصف الشمسية أن تُشكِّل خطراً على الأقمار الاصطناعية وعلى رواد الفضاء المقيمين في محطات تسبح في مدار الأرض.

لهذه الأسباب، يعكف العلماء اليوم على التعمق في فهم أفضل لـ«الطقس الفضائي».

وفي سبيل ذلك، ستعمل مهمة «سمايل» على رصد الأشعة الناتجة عن تفاعل الجسيمات المشحونة المنبعثة من الشمس مع تلك الموجودة في الغلاف الجوي العلوي للأرض.

مهمة من 3 سنوات

ستُراقب المركبة هذا التفاعل من مواقع مهمة عدة، وستحلِّق فوق قطبي الأرض الشمالي والجنوبي، حيث تكون فوتونات الأشعة السينية مرئية، وفقاً لديميترا كوترومبا من «المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي»، المشارِكة في المهمة.

وستحلق المركبة على ارتفاع 700 كيلومتر فوق سطح الأرض الثلاثاء، قبل أن تستقر في مدار أعلى.

وحين تحلق فوق القطب الجنوبي، ستكون على ارتفاع 5 آلاف كيلومتر، وستُرسل بياناتها إلى محطة أبحاث في القارة القطبية الجنوبية.

أما فوق القطب الشمالي، فيصل ارتفاعها عن سطح الأرض إلى 121 ألف كيلومتر، ما يتيح لها رؤية أوسع.

ويتيح ذلك رصد «الشفق القطبي» بشكل متواصل لمدة 45 ساعة لأول مرة على الإطلاق، وفقاً لـ«وكالة الفضاء الأوروبية».

ومن المتوقع أن تبدأ «سمايل» بجمع البيانات بعد ساعة واحدة فقط من بلوغها مدار الأرض.

تستمر هذه المهمة 3 سنوات، مع إمكانية تمديدها إن سارت الأمور على ما يرام.


حين دخل الذكاء الاصطناعي قاعات طب الأسنان البريطانية... تغيَّر المشهد بالكامل

الذكاء الاصطناعي يهيمن على مؤتمر طب الأسنان البريطاني في برمنغهام
الذكاء الاصطناعي يهيمن على مؤتمر طب الأسنان البريطاني في برمنغهام
TT

حين دخل الذكاء الاصطناعي قاعات طب الأسنان البريطانية... تغيَّر المشهد بالكامل

الذكاء الاصطناعي يهيمن على مؤتمر طب الأسنان البريطاني في برمنغهام
الذكاء الاصطناعي يهيمن على مؤتمر طب الأسنان البريطاني في برمنغهام

داخل قاعات «المؤتمر البريطاني لطب الأسنان ومعرض طب الأسنان 2026» (British Dental Conference and Dentistry Show 2026) في مدينة برمنغهام البريطانية، بدا واضحاً هذا العام أن طب الأسنان العالمي لا يعيش مجرد تطور تقني عابر؛ بل يقف أمام لحظة تحوّل تاريخية قد تغيّر شكل المهنة لعقود قادمة.

من مؤتمر مهني إلى نافذة على مستقبل الطب

الذكاء الاصطناعي لم يعد عنواناً جانبياً في بعض المحاضرات التقنية، ولا فكرة مستقبلية تُناقَش بحذر داخل الجامعات ومراكز البحوث؛ بل أصبح الحضور الأكثر كثافة داخل المعرض والمؤتمر معاً، من منصات الشركات العالمية إلى القاعات العلمية، وصولاً إلى الأحاديث اليومية بين أطباء الأسنان أنفسهم.

وفي أروقة المؤتمر، كان المشهد يوحي بأن العيادة السِّنية تدخل تدريجياً عصراً مختلفاً، تتحول فيه من مساحة تعتمد بالكامل على الخبرة البشرية التقليدية، إلى بيئة رقمية هجينة تتشارك فيها الخوارزميات مع الطبيب في التحليل والتخطيط واتخاذ القرار السريري.

واستقطب المؤتمر الذي يُعد أكبر تجمع مهني لطب الأسنان في المملكة المتحدة، آلاف الأطباء والأكاديميين وخبراء التكنولوجيا الصحية، وسط حضور واسع لشركات عالمية متخصصة في الذكاء الاصطناعي الطبي والتصوير الرقمي والأنظمة السريرية الذكية.

لكن اللافت هذا العام لم يكن فقط حجم التقنية المعروضة؛ بل الشعور المتزايد بأن الذكاء الاصطناعي بدأ يغيّر تعريف الممارسة الطبية نفسها، وأن طبيب الأسنان القادم قد لا يُقاس فقط بمهارته اليدوية وخبرته السريرية؛ بل بقدرته أيضاً على فهم الأنظمة الذكية التي ستشاركه قراءة البيانات وصناعة القرار.

جلسات الذكاء الاصطناعي تستقطب اهتمام أطباء الأسنان في مؤتمر برمنغهام البريطاني

العيادة الذكية لم تعد خيالاً

في أروقة المعرض، ظهرت أنظمة قادرة على قراءة الأشعة السنية خلال ثوانٍ معدودة، وتحليل احتمالات التسوس وأمراض اللثة بدقة متزايدة، والمساعدة في تخطيط الزراعة والتقويم، إضافة إلى منصات ذكية توثق السجلات الطبية، وتكتب الملاحظات السريرية تلقائياً أثناء حديث الطبيب مع المريض.

وفي بعض الأجنحة، بدا المشهد أقرب إلى مختبرات المستقبل منه إلى عيادات الأسنان التقليدية: شاشات عملاقة تعرض تحليلات فورية مدعومة بالأنظمة الذكية، وأنظمة رقمية تتوقع المشكلات السنية قبل ظهورها سريرياً، وتقنيات قادرة على دمج الصور الشعاعية والفحوصات الرقمية والتاريخ المرضي للمريض، داخل نموذج تحليلي واحد يساعد الطبيب على اتخاذ القرار بسرعة ودقة أكبر.

كما خُصصت جلسات علمية كاملة لمناقشة دور الذكاء الاصطناعي في تقليل الأخطاء التشخيصية، وتحسين كفاءة العمل السريري، وتسريع تحليل البيانات الطبية، وإعادة تشكيل تجربة المريض داخل العيادة، بدءاً من لحظة التشخيص وحتى التخطيط العلاجي والمتابعة طويلة المدى.

تحول عميق في الممارسة الطبية

لكن اللافت أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بسرعة التقنية أو دقتها؛ بل بطبيعة التحول العميق الذي بدأ يصيب مفهوم الممارسة الطبية نفسها.

فالذكاء الاصطناعي لا يغيّر الأدوات فقط؛ بل يغيّر طريقة وصول الطبيب إلى المعرفة واتخاذ القرار. ففي الماضي، كانت الخبرة السريرية تتراكم ببطء داخل عقل الطبيب، عبر سنوات طويلة من الممارسة والتجربة. أما اليوم، فقد أصبحت النماذج التحليلية قادرة على الوصول خلال ثوانٍ إلى أنماط وتحليلات تستند إلى ملايين الصور والبيانات الطبية المتراكمة حول العالم.

وهنا يبدأ السؤال الأكثر عمقاً داخل طب الأسنان الحديث: إذا أصبحت الآلة قادرة على المساعدة في التشخيص والتنبؤ والتحليل... فما الذي سيبقى جوهراً إنسانياً خالصاً في مهنة الطب؟

الدكتور إيدي كراوتش رئيس جمعية طب الأسنان البريطانية

رئيس جمعية طب الأسنان البريطانية: التحدي لم يعد تقنياً

وفي حديث مع «الشرق الأوسط» على هامش المؤتمر، قال الدكتور إيدي كراوتش، رئيس المؤتمر ورئيس جمعية طب الأسنان البريطانية (British Dental Association)، إن الذكاء الاصطناعي «سيفرض تحولاً عميقاً على مستقبل طب الأسنان بوتيرة أسرع مما يتوقعها كثيرون»، مؤكداً أن السؤال لم يعد متعلقاً بوجود التقنية ولا غيابها؛ بل بمدى جاهزية المؤسسات الطبية والتعليمية للتعامل مع هذا التحول المتسارع بطريقة آمنة وأخلاقية.

وأوضح كراوتش أن الجامعات البريطانية بدأت بالفعل إعادة النظر في مناهج تعليم طب الأسنان؛ لأن «طبيب المستقبل لن يحتاج فقط إلى المهارة السريرية؛ بل إلى فهم عميق للأنظمة الذكية، وآليات اتخاذها للقرار، ونقاط ضعفها العلمية أيضاً».

استقلالية القرار السريري

وأضاف أن القضية لم تعد تقنية بحتة؛ بل أصبحت مرتبطة بطبيعة العلاقة الجديدة بين الطبيب والخوارزمية، وكيف يمكن الحفاظ على استقلالية القرار السريري في عصر تزداد فيه قدرة الأنظمة الذكية على التحليل والتوصية والتنبؤ.

وأكد وجود اهتمام متنامٍ بتطوير التعاون العلمي والأكاديمي بين المؤسسات البريطانية والجهات السعودية المماثلة، لا سيما في مجالات التعليم الطبي الرقمي، والذكاء الاصطناعي السريري، وحوكمة التقنيات الصحية الحديثة.

وفي كواليس المؤتمر، بدا واضحاً أن كثيراً من النقاشات العلمية لم تعد تركز فقط على ما تستطيع الأنظمة الذكية فعله؛ بل على نوع الطبيب الذي سيظهر في المرحلة القادمة. فالمهنة التي اعتمدت عقوداً طويلة على تراكم الخبرة البشرية التقليدية، بدأت اليوم تواجه واقعاً جديداً، يصبح فيه فهم الخوارزميات جزءاً من الثقافة الطبية الأساسية، تماماً كما كانت دراسة التشريح وعلم الأمراض جزءاً من تكوين الطبيب في الماضي.

الدكتور جيسون وونغ كبير أطباء الأسنان في الحكومة البريطانية

مركزية القرار البشري

* جيسون وونغ: القرار البشري يجب أن يبقى في المركز.

وفي حديث مع «الشرق الأوسط» على هامش المؤتمر، قال الدكتور جيسون وونغ (Jason Wong)، كبير أطباء الأسنان في الحكومة البريطانية (Chief Dental Officer for England)، إن الذكاء الاصطناعي «لن يلغي دور طبيب الأسنان، ولكنه سيعيد تعريف طبيعة الممارسة الطبية بالكامل خلال السنوات المقبلة».

وأوضح أن الأنظمة الذكية أصبحت قادرة على تقديم دعم تشخيصي مذهل، وتحليل كميات هائلة من البيانات الطبية بسرعة تفوق القدرات البشرية، ولكنها «لا تستطيع فهم الإنسان بكل تعقيداته النفسية والاجتماعية والإنسانية»، ولهذا يجب أن يبقى القرار البشري في قلب العملية الطبية مهما تطورت البرمجيات الطبية الحديثة.

وأضاف أن قيمة الطبيب لا تكمن في قراءة الأشعة أو تحليل النتائج فقط؛ بل في القدرة على فهم المريض كإنسان يعيش القلق والخوف والألم، وهي أمور لا تستطيع الأنظمة الذكية استيعابها بالطريقة التي يفهمها البشر.

تجارب السعودية

وأشار وونغ إلى أن التجارب السعودية الحديثة في تحديث القطاع الصحي واستخدام الأنظمة الذكية بدأت تلفت الانتباه داخل المؤسسات الصحية البريطانية؛ خصوصاً في مجالات تطوير البنية الصحية الإلكترونية، وربط البيانات الطبية، ودمج الأنظمة الذكية داخل الخدمات العلاجية.

كما شدد على أهمية بناء شراكات دولية في مجالات تدريب الكوادر الصحية ورفع مستوى «الوعي الخوارزمي الطبي»، بحيث لا يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي على الجانب التقني فقط؛ بل يمتد إلى الفهم الأخلاقي، والمسؤولية السريرية، ومعرفة الحدود التي يجب أن تتوقف عندها الآلة ويبقى القرار فيها للإنسان.

وفي ظل هذا التحول المتسارع، بدا واضحاً داخل المؤتمر أن مستقبل الطب لن يكون صراعاً بين الطبيب والآلة؛ بل ستكون بينهما علاقة أكثر تعقيداً، يصبح فيها الطبيب مطالباً بأن يفهم التكنولوجيا، من دون أن يفقد إنسانيته أمامها.

القلق الصامت داخل المهنة

لكن خلف هذا الحماس التقني الكبير، برز داخل المؤتمر نوع من القلق المهني الصامت، وكأن كثيراً من أطباء الأسنان يدركون أن المهنة تدخل مرحلة جديدة أسرع من قدرة المؤسسات التعليمية على مواكبتها.

فكلما ازدادت دقة الأنظمة الذكية، ارتفع احتمال أن يتحول الطبيب تدريجياً من صانع قرار سريري إلى مراقب يعتمد نفسياً على توصيات الخوارزمية؛ خصوصاً مع قدرة هذه الأنظمة على تحليل الصور والبيانات بسرعة ودقة مذهلتين.

ولهذا خُصصت جلسات علمية عدة لمناقشة ما بات يُعرف عالمياً باسم «الوعي الخوارزمي السريري»، أي قدرة الطبيب على فهم طريقة عمل الأنظمة الذكية، ومعرفة اللحظة التي يجب أن يثق فيها بالخوارزمية، واللحظة التي ينبغي أن يعترض فيها عليها.

وكانت إحدى القضايا اللافتة داخل النقاشات العلمية، أن أعداداً كبيرة من أطباء الأسنان الحاليين لم يتلقوا أصلاً أي تعليم منهجي حول الذكاء الاصطناعي خلال دراستهم الجامعية؛ لأن معظمهم تخرّج قبل دخول هذه التقنيات إلى الممارسة اليومية.

ولهذا بدأ يظهر قلق متزايد من اتساع الفجوة بين سرعة تطور الأنظمة الذكية، وبين مستوى فهم بعض الممارسين لطبيعة عملها وحدودها ومخاطرها المحتملة.

المشكلة لم تعد في استخدام الذكاء الاصطناعي فقط؛ بل في استخدامه من دون وعي كافٍ بطريقة تفكير النماذج التحليلية، أو فهم كيفية وصولها إلى التوصيات والنتائج التي تعرضها على الطبيب.

وهنا تكمن المفارقة الأعمق: فالخطر الحقيقي قد لا يكون في ذكاء الآلة؛ بل في الطاعة البشرية المفرطة لها.

إن الخوارزمية تستطيع تحليل ملايين الصور والبيانات بسرعة مذهلة، ولكنها لا تشعر بالخوف الذي يحمله المريض، ولا تفهم القلق الإنساني المختبئ خلف الصمت، ولا تدرك الظروف النفسية والاجتماعية التي قد تغيّر القرار الطبي بالكامل.

ولهذا بدا واضحاً داخل المؤتمر أن مستقبل طب الأسنان لن يعتمد فقط على تطوير أنظمة أكثر ذكاءً؛ بل على إعداد طبيب أكثر وعياً بحدود الذكاء الاصطناعي، وأكثر قدرة على الحفاظ على استقلالية الحكم السريري في عصر الخوارزميات.

بين عصرين مختلفين

ومن أكثر المشاهد رمزية داخل المعرض، ذلك التناقض الواضح بين الأدوات السنية التقليدية المعروضة في بعض الأجنحة، والشاشات العملاقة التي تعرض تحليلات فورية تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

ففي الوقت الذي ما زالت فيه كثير من أدوات طب الأسنان التقليدية تمثل جوهر العمل السريري اليومي، كانت الأنظمة الذكية في الجهة المقابلة قادرة على قراءة الصور الشعاعية، وتحليل البيانات الطبية، واقتراح خطط علاجية خلال ثوانٍ معدودة. وكان واضحاً أن طب الأسنان لا يمر فقط بمرحلة تحديث تقني؛ بل بمرحلة تغيّرت فيها طريقة ممارسة المهنة نفسها.

وعلى مدى عقود طويلة، كانت الخبرة السريرية تُبنى تدريجياً داخل عقل الطبيب عبر الدراسة والممارسة والتجربة المباشرة مع المرضى. أما اليوم، فأصبحت الأنظمة الذكية قادرة على الوصول بسرعة هائلة إلى أنماط وتحليلات تستند إلى ملايين الصور والبيانات الطبية المتراكمة حول العالم.

لكن هذا التطور يطرح في المقابل أسئلة مهنية وأخلاقية متزايدة حول طبيعة دور الطبيب في المستقبل، وحدود الاعتماد على الأنظمة الذكية داخل العيادة.

ولهذا، لم يعد السؤال الحقيقي داخل مؤتمرات طب الأسنان العالمية، هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيدخل العيادة؛ لأن ذلك يحدث بالفعل بصورة متسارعة؛ بل كيف يمكن للطبيب أن يحافظ على استقلالية قراره السريري وإنسانيته المهنية، في عصر أصبحت فيه الخوارزميات جزءاً أساسياً من الممارسة الطبية اليومية.

وفي برمنغهام، بدا واضحاً أن معركة المستقبل لن تكون بين الطبيب والآلة؛ بل بين الطبيب الذي يفهم الخوارزمية، والطبيب الذي يطيعها دون وعي.


حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» في بحر العرب

حاملة الطائرات «شارل ديغول» (أ.ف.ب)
حاملة الطائرات «شارل ديغول» (أ.ف.ب)
TT

حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» في بحر العرب

حاملة الطائرات «شارل ديغول» (أ.ف.ب)
حاملة الطائرات «شارل ديغول» (أ.ف.ب)

أعلنت وزيرة الجيوش الفرنسية أليس روفو وصول حاملة الطائرات «شارل ديغول» والسفن المواكبة لها إلى الموقع الذي ستتمركز فيه في بحر العرب، استعداداً لإمكانية إطلاق مهمة «محايدة» تهدف لإعادة حركة الملاحة في مضيق هرمز.

وقالت الوزيرة في مقابلة مع قناة «بي إف إم تي في»، الخميس، إن الحاملة «عبرت قناة السويس، وتقدمت نحو بحر العرب، وهي حالياً في موقعها، لكنها ليست في مضيق هرمز».

وأضافت: «منذ البداية، كان موقف فرنسا هو عرض إمكانية إعادة حرية الملاحة في المضيق، ولكن بطريقة غير هجومية، بل دفاعية بحتة، وتحترم القانون الدولي».

وكانت حاملة الطائرات قد عبرت قناة السويس في السادس من مايو (أيار) وتوقفت لعدة أيام في جيبوتي حيث تقيم فرنسا قاعدة بحرية.

وقالت الوزيرة إن وجود حاملة الطائرات الفرنسية في منطقة الخليج «يمنحنا إمكانية تقييم الوضع والتأثير في المعادلة الدبلوماسية الإقليمية والعالمية».

وأعلنت بريطانيا وفرنسا الشهر الماضي بلورة خطة عسكرية لتأمين مضيق هرمز، من شأنها أن تتيح استئناف حركة الملاحة التجارية فيه.

وأفادت تقارير بموافقة نحو 40 دولة على المشاركة في مهمة متعددة الجنسيات بقيادة الدولتين لحماية الملاحة في هذا الممر المائي الرئيسي، حالما توافق إيران والولايات المتحدة على رفع الحصار عنه، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويُعيق إغلاق المضيق الاستراتيجي تصدير المحروقات من الخليج، ويرفع أسعارها، ما يؤثر على الاقتصاد العالمي.