لهذه الأسباب سترتفع جاذبية السعودية بعد خفض الفائدة

TT

لهذه الأسباب سترتفع جاذبية السعودية بعد خفض الفائدة

شهدت المملكة تنفيذ ما يزيد على 800 إصلاح اقتصادي خلال السنوات القليلة الماضية لتعزيز التنافسية العالمية (الشرق الأوسط)
شهدت المملكة تنفيذ ما يزيد على 800 إصلاح اقتصادي خلال السنوات القليلة الماضية لتعزيز التنافسية العالمية (الشرق الأوسط)

في الوقت الذي ينتظر أن يعلن فيه بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أول خفض لأسعار الفائدة منذ أكثر من أربع سنوات في اجتماعه للسياسة النقدية، اليوم الأربعاء، تترقب الأسواق توجهات البنك في مقدار الخفض، والذي سيكون ما بين 25 و50 نقطة أساس.

ومع توجه بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والبنوك المركزية العالمية نحو خفض أسعار الفائدة، فإن الأسواق الناشئة مرشحة للاستفادة من هذا التحول في السياسة النقدية.

تاريخياً، تخلق أسعار الفائدة المنخفضة في الاقتصادات المتقدمة بيئة مواتية للأسواق الناشئة، من خلال تشجيع تدفقات رأس المال، وتعزيز النمو الاقتصادي، وتحفيز الاستثمار في القطاعات الحيوية مثل البنية الأساسية والتصنيع والتكنولوجيا.

انخفاض تكاليف الإقراض

وتؤدي تخفيضات أسعار الفائدة عادة إلى انخفاض تكاليف الاقتراض، مما قد يخفف العبء المالي على حكومات الأسواق الناشئة والشركات، على حد سواء، والذي يوفر إمكانية الوصول إلى رأس المال بأسعار أقل تكلفة، مما يتيح مشاريع التوسع والحد من ضغوط سداد الديون.

إضافة إلى ذلك، غالباً ما تدفع أسعار الفائدة المنخفضة في الاقتصادات الكبرى مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي المستثمرين العالميين إلى البحث عن عوائد أعلى في الأسواق الأكثر جاذبية والأسرع نمواً، مما يزيد الطلب على أصول الأسواق الناشئة.

وتستفيد الاقتصادات الناشئة من تحسن استقرار العملة مع تعزيز تدفقات رأس المال لميزان مدفوعاتها، ويمكن أن يساعد هذا في استقرار معدلات التضخم، مما يجعل الواردات الأساسية مثل الغذاء والطاقة أكثر بأسعار معقولة، وبالتالي المساهمة في الاستقرار الاقتصادي العام. وبالإضافة إلى ذلك، فإن انخفاض أسعار الفائدة من شأنه أن يدعم الاستهلاك المحلي ويزيد الطلب على السلع والخدمات المحلية.

جاذبية السعودية

ومع ذلك التحول، تبرز السعودية كأكثر الدول جاذبية عالمياً في ظل ديناميكية اقتصادها، والتحولات التي تشهدها، خصوصاً أنها في وضع جيد للاستفادة من الفرص التي توفرها أسعار الفائدة المنخفضة، وبالتحديد مع توجهاتها في تعزيز النمو المستدام الطويل الأجل.

يقول كبير محللي السوق في «سنشري فاينانشال» أرون ليزلي جون: «تبدو الآفاق المستقبلية للاقتصاد السعودي إيجابية بشكل ملحوظ مقارنة بالاتجاهات العالمية، مدعومة بالنمو القوي في قطاعاتها غير النفطية والمبادرات الحكومية الاستراتيجية لتعزيز الاستثمار الأجنبي».

ويضيف في حديث إلى «الشرق الأوسط» أنه من المتوقع أن تستفيد المملكة، إلى جانب دول الخليج الأخرى التي ترتبط عملاتها بالدولار الأميركي، من تخفيضات أسعار الفائدة المقبلة. كما يتوقع أن تؤدي هذه التخفيضات إلى خفض تكاليف التمويل، وتعزيز السيولة، وتحفيز كل من الاستهلاك والاستثمار في المنطقة.

تهدف المملكة إلى تحقيق تدفق سنوي للاستثمار الأجنبي المباشر يتجاوز 100 مليار دولار (الشرق الأوسط)

وتابع جون: «يمكن أن تؤدي هذه الظروف المواتية إلى تسريع النمو الاقتصادي، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الأسهم وزيادة جاذبية السعودية بوصفها مركزاً رئيسياً للاستثمار»، مشيراً إلى أنه رغم تسجيلها أكثر من 19 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر، العام الماضي، وتجاوزها المتوسط السنوي البالغ 17 مليار دولار في الفترة من 2017 إلى 2022، فإن هذا الرقم جاء دون هدف الحكومة البالغ 22 مليار دولار.

وقال: «بالنظر إلى عام 2030، تهدف المملكة إلى تحقيق تدفق سنوي للاستثمار الأجنبي المباشر يتجاوز 100 مليار دولار، وهو هدف يبدو قابلاً للتحقيق في ظل التيسير الحالي للسياسة النقدية».

ورجح أن يستفيد القطاع المصرفي السعودي من انخفاض أسعار الفائدة في أواخر عام 2024، و«هو أمر حاسم لدعم الإقراض في الاقتصاد وتعزيز أهداف الحكومة في التنوع، في الوقت الذي تخطط فيه المملكة لمشاريع طموحة بقيمة 640 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة، والتي سيتم تمويلها جزئياً من خلال إصدار الديون».

العوامل المساعدة

وحول العوامل التي تساعد السعودية ودول الخليج بشكل عام للاستفادة من تأثير خفض الفائدة، يقول كبير محللي السوق في «سنشري فاينانشال»: «تعد السعودية ودول الخليج الأخرى في وضع جيد للاستفادة من ارتباط عملاتها بالدولار الأميركي. ووفقاً لصندوق النقد الدولي، من المتوقع أن ينخفض التضخم العالمي بشكل كبير بسبب السياسات النقدية الصارمة في معظم البلدان، حيث من المتوقع أن يعود التضخم في دول الخليج إلى مستوياته التي كانت قبل الوباء، والتي تبلغ نحو 2.3 في المائة في عام 2024، متراجعة من 2.6 في المائة العام الماضي».

وأضاف: «في الوقت الذي تواجه فيه الاقتصادات الكبرى احتمالات نمو منخفضة بسبب ارتفاع أسعار الفائدة المستمر، من المتوقع أن تشهد منطقة الخليج نمواً، ومن المرجح أن تؤدي تخفيضات أسعار الفائدة المتوقعة إلى زيادة نشاط الاقتراض، وهو أمر حيوي للنهوض بأهداف التنوع في المنطقة، ومن المتوقع أن يكون القطاع غير النفطي محركاً رئيسياً للنمو، بنسبة نمو متوقعة تبلغ 4 في المائة في عام 2024، مدعوماً بالأداء القوي في قطاعي التجزئة والخدمات».

وتطرق جون إلى أن النمو المتوقع يعزز سياسات التيسير النقدي التي ستحسن ظروف السيولة، وتعزز كلاً من الاستثمار الخاص والحكومي.

وتشير بيانات مؤشر مديري المشتريات للسعودية والإمارات إلى استمرار التوسع، متجاوزة المتوسط العالمي، وتعكس مرونة اقتصادات هاتين الدولتين بعد الوباء، حيث أكد كبير محللي السوق في «سنشري فاينانشال» أنه من المتوقع أن تؤدي هذه العوامل، إلى جانب المبادرات الحكومية المستمرة، إلى دفع النمو الاقتصادي في منطقة الخليج، حتى في ظل الأداء البطيء لشركاء التجارة الرئيسيين.

الاستراتيجية الوطنية للاستثمار

وكانت السعودية أعلنت في أغسطس (آب) الماضي، عن نظام الاستثمار الذي يُعدّ إحدى ركائز الاستراتيجية الوطنية للاستثمار، وذلك في إطار «رؤية 2030»، والدور المحوري للاستثمار في تحقيق مستهدفات التنمية الشاملة، وتنويع موارد الاقتصاد الوطني.

وقال وزير الاستثمار المهندس خالد الفالح في حينه إن صدور نظام الاستثمار جاء امتداداً للعديد من الإجراءات التطويرية التي اتخذتها المملكة، ويؤكّد التزامها بتوفير بيئة جاذبةٍ وداعمةٍ وآمنة للمستثمرين المحليين والأجانب.

وأضاف أن توجُّه المملكة إلى تعزيز جاذبية وتنافسية البيئة الاستثمارية، خاصةً في الجوانب التنظيمية والتشريعية، ينطلق من مضامين المبادئ الاقتصادية التي كفلها النظام الأساسي للحكم، ويراعي المستقر من مبادئ وسياسات الاستثمار، التي تتضمن أفضل الممارسات العالمية في هذا الشأن؛ وقد استدعى هذا مراجعة نظام الاستثمار الأجنبي، الذي صدر قبل نحو 25 عاماً، لصياغة نظامٍ متكامل للاستثمار، يُعنى بالمستثمرين السعوديين والأجانب على حد سواء.

وخلال السنوات القليلة الماضية، شهدت المملكة تنفيذ ما يزيد على 800 إصلاح اقتصادي لتعزيز التنافسية العالمية، وأسهمت الإصلاحات في زيادة إجمالي تكوين رأس المال الثابت، بنسبة 74 في المائة، عما كان عليه عام 2017، ليصل إلى ما يقرب من 300 مليار دولار في عام 2023.

ووفقاً للإحصاءات الأخيرة، ارتفع رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 61 في المائة، بين عامي 2017 و2023، ليصل إلى نحو 215 مليار دولار، وارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 158 في المائة في عام 2023 مقارنة بعام 2017، لتصل إلى 19.3 مليار دولار.


مقالات ذات صلة

«المركزي الأوروبي»... تثبيت مرتقب ورسائل حاسمة لسبتمبر

الاقتصاد مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (البنك)

«المركزي الأوروبي»... تثبيت مرتقب ورسائل حاسمة لسبتمبر

تتجه الأنظار إلى اجتماع البنك المركزي الأوروبي في 23 يوليو، بينما يواجه صنّاع السياسة النقدية معادلة معقدة تجمع بين تباطؤ التضخم وعودة الضغوط التضخمية.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
الاقتصاد وارش يدلي بشهادته أمام لجنة الشؤون المصرفية والإسكان والشؤون الحضرية في مجلس الشيوخ (أ.ب)

انقسام داخل «الفيدرالي»... التضخم يعيد سيناريو رفع الفائدة إلى الواجهة

تزداد مؤشرات الانقسام داخل الاحتياطي الفيدرالي بشأن الخطوة التالية للسياسة النقدية، مع عودة مخاطر التضخم إلى الواجهة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شخص يعدّ الدولارات في لاباز، بوليفيا (إ.ب.أ)

الدولار قرب أدنى مستوى في شهر مع انحسار رهانات رفع الفائدة الأميركية

حام الدولار الأميركي قرب أدنى مستوياته في نحو شهر، يوم الخميس، بعدما عززت بيانات تضخم ضعيفة التوقعات بأن الاحتياطي الفيدرالي قد يتريث في رفع أسعار الفائدة، في…

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
الاقتصاد يعبر المشاة أمام مقر بنك كوريا في سيول (أ.ف.ب)

البنك المركزي الكوري الجنوبي يرفع الفائدة لأول مرة منذ 2023 لكبح التضخم والديون

رفع بنك كوريا المركزي، يوم الخميس، سعر الفائدة الرئيسي للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثة أعوام، في خطوة تستهدف تشديد السياسة النقدية للحد من التضخم.

الاقتصاد وارش يدلي بشهادته خلال جلسة استماع أمام «اللجنة المصرفية» بمجلس الشيوخ (أ.ف.ب)

وارش يشدد على استقلالية «الفيدرالي» في مواجهة أي ضغوط من ترمب

شدد رئيس «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي، كيفين وارش، على استقلالية «البنك المركزي» التامة في مواجهة أي ضغوط سياسية مرتقبة من الرئيس دونالد ترمب...

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

بكين ولندن على أعتاب نزاع استثماري بسبب «بريتيش ستيل»

مصنع «سكانثورب» التابع لشركة «بريتيش ستيل» في شمال لينكولنشاير، شمال شرق إنجلترا (أ.ف.ب)
مصنع «سكانثورب» التابع لشركة «بريتيش ستيل» في شمال لينكولنشاير، شمال شرق إنجلترا (أ.ف.ب)
TT

بكين ولندن على أعتاب نزاع استثماري بسبب «بريتيش ستيل»

مصنع «سكانثورب» التابع لشركة «بريتيش ستيل» في شمال لينكولنشاير، شمال شرق إنجلترا (أ.ف.ب)
مصنع «سكانثورب» التابع لشركة «بريتيش ستيل» في شمال لينكولنشاير، شمال شرق إنجلترا (أ.ف.ب)

دخلت العلاقات الاستثمارية بين بكين ولندن نفقاً من التوتر، عقب مطالبة مجموعة «جينغيه» (Jingye Group) الصينية – المالك السابق لشركة «بريتيش ستيل» – الحكومة البريطانية بدفع تعويضات مالية كاملة عن خسائرها الاستثمارية، في أعقاب قرار لندن تأميم الشركة وفرض السيطرة التشغيلية عليها.

وجاء التحرك البريطاني بعد إعلان المجموعة الصينية، التي اشترت «بريتيش ستيل»، عام 2020، وأنقذتها من الأزمة، أنها تدرس إغلاق الأفران العالية في مصنع «سكانثورب» (Scunthorpe) شمال إنجلترا؛ وهي المنشأة التاريخية الممتدة لأكثر من 130 عاماً، التي تعد الشريان الأخير لإنتاج «الصلب البكر» من المواد الخام في المملكة المتحدة، وتوظف حالياً نحو 2700 عامل.

اتهامات بخرق القواعد الدولية

في بيان حاد وصارم، عبر منصة «وي شات»، شنَّت المجموعة الصينية هجوماً على الحكومة البريطانية، معتبرة أن خطوة التأميم «تشوه مصداقية الحكومة البريطانية، وترعب المستثمرين الدوليين، وتلحق خسائر كبيرة بعمليات الشركة وأموال دافعي الضرائب البريطانيين»، مطالبةً لندن بالتوقف الفوري عن «دهس قواعد الاستثمار الدولية».

وأكدت «جينغيه» أنها بدأت بالفعل إجراءات التفاوض بموجب اتفاقيات الاستثمار الثنائية ذات الصلة، مع الاحتفاظ بكامل حقوقها القانونية، بما في ذلك اللجوء إلى التحكيم الدولي، والتمثيل القانوني لدافعي الضرائب لمقاضاة الحكومة وإدارة «بريتيش ستيل».

وانتقدت الشركة عرض لندن تقديم تعويضات تقترب من الصفر، وتجاهل استثماراتها المستمرة، في حين أعلنت الحكومة البريطانية من جانبها أن تقييماً مستقلاً سيُجرى لتحديد ما إذا كان سيتم دفع أي تعويضات للمجموعة الصينية.

ولم يتوقف صدى الأزمة عند الجانب التجاري؛ إذ دخلت وزارة الخارجية الصينية على خط المواجهة، محذرةً من أن طريقة معالجة بريطانيا لهذا الملف ستؤثر بشكل مباشر على رؤية المستثمرين الصينيين للمناخ الاستثماري في المملكة المتحدة ومصداقية حكومتها، داعية إياها إلى احترام مبادئ السوق وروح العقود للوصول إلى تسوية مقبولة للطرفين، مؤكدة دعم بكين لشركاتها في حماية حقوقها المشروعة عبر الوسائل القانونية.


«المركزي الأوروبي»... تثبيت مرتقب ورسائل حاسمة لسبتمبر

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (البنك)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (البنك)
TT

«المركزي الأوروبي»... تثبيت مرتقب ورسائل حاسمة لسبتمبر

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (البنك)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (البنك)

تتجه أنظار الأسواق العالمية إلى اجتماع البنك المركزي الأوروبي المقرر في 23 يوليو (تموز)، في وقت يواجه فيه صنّاع السياسة النقدية معادلة معقدة تجمع بين تباطؤ التضخم من جهة، وتجدد الضغوط على أسعار الطاقة بفعل التوترات الجيوسياسية من جهة أخرى. ورغم أن المستثمرين يكادون يجمعون على إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير، فإن أهمية الاجتماع تكمن في الرسائل التي ستبعث بها رئيسة البنك كريستين لاغارد بشأن المسار المستقبلي للسياسة النقدية، واحتمالات رفع جديد للفائدة في سبتمبر (أيلول)، إلى جانب تطورات مشروع اليورو الرقمي.

ويأتي الاجتماع بعد شهر واحد من قرار البنك رفع سعر الفائدة على الودائع بواقع ربع نقطة مئوية إلى 2.25 في المائة، في أول زيادة منذ استئناف دورة التشديد النقدي هذا العام، بهدف احتواء الضغوط التضخمية التي غذتها الحرب الإيرانية وارتفاع أسعار الطاقة. إلا أن البيانات الاقتصادية الصادرة منذ ذلك الحين منحت البنك مساحة أكبر للتريث، بعدما تباطأ التضخم في منطقة اليورو خلال يونيو (حزيران) إلى 2.8 في المائة، بينما تراجع التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الطاقة والغذاء، إلى 2.4 في المائة، في إشارة إلى استمرار انحسار الضغوط السعرية الأساسية.

اجتماع البنك المركزي لبحث قرار الفائدة برئاسة لاغارد في يونيو الماضي (البنك)

الأنظار تتجه إلى سبتمبر

تشير أسواق المبادلات إلى أن احتمال رفع أسعار الفائدة خلال اجتماع يوليو ضعيف للغاية، بينما يواصل المستثمرون تسعير زيادة جديدة بمقدار ربع نقطة مئوية في سبتمبر، مع منح هذا السيناريو احتمالاً يقارب 85 في المائة.

ويرى اقتصاديون أن البنك المركزي الأوروبي يفضل الانتظار حتى سبتمبر، حين تتوفر توقعات اقتصادية جديدة وبيانات إضافية عن التضخم والنمو، مما يمنحه رؤية أوضح قبل اتخاذ أي قرار جديد. كما أن أسعار النفط، رغم ارتفاعها بنحو 16 في المائة منذ تجدد التوترات في الشرق الأوسط، لا تزال دون المستويات التي بلغتها خلال مارس (آذار) وأبريل (نيسان)، وهو ما يقلل الضغوط لاتخاذ خطوة عاجلة هذا الشهر.

وقال مايكل فيلد، كبير استراتيجيي الأسواق الأوروبية في «مورنينغستار»، إن أكثر من 90 في المائة من الاقتصاديين يتوقعون تثبيت أسعار الفائدة، معتبراً أن البنك «ليس مضطراً للاستعجال في رفع جديد، في ظل استمرار الغموض بشأن مسار الحرب وأسعار النفط والتضخم خلال الأشهر المقبلة».

الطاقة... مصدر القلق الأكبر

ورغم تراجع الضغوط التضخمية خلال الأشهر الماضية، فإن عودة التوترات الجيوسياسية أعادت ملف الطاقة إلى صدارة اهتمامات صناع القرار. فارتفاع أسعار النفط والغاز قد ينعكس سريعاً على معدلات التضخم الرئيسية، إلا أن البنك المركزي الأوروبي يركز بصورة أكبر على ما يعرف بـ«الآثار الثانوية»، أي انتقال ارتفاع تكاليف الطاقة إلى الأجور وأسعار الخدمات.

ويرى محللون أن هذه المؤشرات لم تظهر بعد بصورة تدعو إلى القلق، وهو ما يفسر ميل البنك إلى التريث. وقالت أولريكه كاستنس، كبيرة الاقتصاديين في «دي دبليو إس»، إن اجتماع سبتمبر سيكون أكثر أهمية، لأنه سيستند إلى توقعات اقتصادية جديدة وبيانات إضافية عن التضخم خلال شهري يوليو وأغسطس.

وفي المقابل، يرى محللو بنك «آي إن جي» أن عودة أسعار النفط إلى الارتفاع أعادت الاقتصاد الأوروبي إلى السيناريو الذي استند إليه البنك المركزي في توقعاته الصادرة خلال يونيو، الأمر الذي يبقي احتمال رفع الفائدة قائماً إذا استمرت الضغوط على أسعار الطاقة.

لاغارد في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في يونيو الماضي (البنك المركزي)

السيولة تحت المجهر

ولا يقتصر اهتمام المستثمرين على قرار الفائدة، إذ يدرس البنك المركزي الأوروبي أيضاً تعديل متطلبات الاحتياطي الإلزامي على البنوك، في خطوة تستهدف تقليص فائض السيولة في النظام المالي وخفض الفوائد التي يدفعها البنك على الاحتياطيات الفائضة.

وتشير تقديرات إلى أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى سحب ما بين 160 و170 مليار يورو من السيولة، وهو رقم يظل محدوداً، مقارنة بما تسحبه بالفعل سياسة التشديد الكمي، التي تقلص السيولة بنحو 500 مليار يورو سنوياً. لذلك، لا يتوقع محللون أن يكون لهذا الإجراء تأثير كبير في أسواق التمويل قصيرة الأجل، لكنه يمثل جزءاً من جهود البنك لتطبيع السياسة النقدية تدريجياً.

اليورو الرقمي يقترب من محطة الحسم

ومن الملفات التي تحظى باهتمام متزايد أيضاً مشروع اليورو الرقمي، الذي اكتسب زخماً سياسياً بعد حصوله على دعم البرلمان الأوروبي، في وقت تسعى فيه أوروبا إلى تعزيز استقلالها في أنظمة المدفوعات وتقليل الاعتماد على الشبكات الأجنبية.

ويستهدف البنك المركزي الأوروبي استكمال الإطار التشريعي للمشروع قبل نهاية العام، على أن يبدأ البرنامج التجريبي خلال العام المقبل، تمهيداً للإطلاق الرسمي في عام 2029. ويرى اقتصاديون أن اليورو الرقمي يمثل خطوة استراتيجية لتعزيز السيادة المالية الأوروبية، رغم أن اقتصاره في مرحلته الأولى على مدفوعات التجزئة قد يحد من تأثيره في تقليص الاعتماد على أنظمة الدفع العالمية.

رسائل لاغارد قد تحرك الأسواق

ورغم أن قرار تثبيت الفائدة يبدو شبه محسوم، فإن الأنظار ستتركز على المؤتمر الصحافي لرئيسة البنك كريستين لاغارد، إذ سيبحث المستثمرون في تصريحاتها عن أي مؤشرات بشأن اجتماع سبتمبر ومسار السياسة النقدية خلال ما تبقى من العام.

ويجمع معظم المحللين على أن لاغارد ستتجنب تقديم توجيهات مسبقة، مفضلة الإبقاء على أكبر قدر من المرونة في مواجهة التطورات الجيوسياسية وتقلبات أسعار الطاقة. لكن لهجة البنك ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان رفع سبتمبر سيشكل المحطة الأخيرة في دورة التشديد الحالية، أم أن استمرار الضغوط التضخمية قد يدفع البنك إلى اتخاذ خطوات إضافية قبل نهاية العام.


اجتماع مرتقب لقيادة الصين... والرهان على اقتصاد جديد

يقف أحد أفراد الشرطة شبه العسكرية الصينية حارساً على ضفاف نهر البوند في شنغهاي (أ.ف.ب)
يقف أحد أفراد الشرطة شبه العسكرية الصينية حارساً على ضفاف نهر البوند في شنغهاي (أ.ف.ب)
TT

اجتماع مرتقب لقيادة الصين... والرهان على اقتصاد جديد

يقف أحد أفراد الشرطة شبه العسكرية الصينية حارساً على ضفاف نهر البوند في شنغهاي (أ.ف.ب)
يقف أحد أفراد الشرطة شبه العسكرية الصينية حارساً على ضفاف نهر البوند في شنغهاي (أ.ف.ب)

تواجه العاصمة الصينية بكين اختباراً دقيقاً لإعادة ضبط نموذجها الاقتصادي، حيث يترقب المحللون الاجتماع المقبل للمكتب السياسي للحزب الشيوعي قبل نهاية هذا الشهر لإقرار حزم تدخّل تدعم النمو. ورغم التباطؤ الحاد في نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الثاني من عام 2026 ليصل إلى 4.3 في المائة (أدنى من النطاق المستهدف للعام بأكمله بين 4.5 في المائة إلى 5 في المائة)، فإن المؤشرات تؤكد أن القيادة الصينية لا تتجه نحو إقرار تحفيز مالي ضخم ومباشر لدعم جيوب المستهلكين أو رفع معدلات الاستهلاك التقليدي. بدلاً من ذلك، تراهن بكين على استراتيجية بديلة قائمة على تسريع وتيرة المشروعات القومية الكبرى الممولة مركزياً، لتعويض التراجع الحاد في استثمارات الحكومات المحلية وتجنب الديون غير المنتجة.

تُجمع المؤشرات الربعية والشهرية على أن الصين تعيش حالة نمو غير متوازنة تأخذ شكل حرف (K)؛ حيث يعاني الطلب المحلي من ضعف حاد نتيجة تراجع ثقة الأسر وتعمق أزمة القطاع العقاري التي أدت إلى انهيار الاستثمارات فيه بنسبة 18 في المائة خلال النصف الأول من العام، في حين لم تسجل مبيعات التجزئة سوى نمو هزيل بنسبة 1 في المائة في يونيو (حزيران)، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز».

وفي المقابل، يشهد قطاع التصدير أداءً استثنائياً؛ إذ قفزت الصادرات الصينية بنسبة 27 في المائة على أساس سنوي في يونيو، مدفوعة بالطفرة العالمية في قطاع الذكاء الاصطناعي وزيادة الطلب على الرقائق الإلكترونية ومعدات التكنولوجيا المتطورة.

هذا الانقسام الهيكلي دفع الخبراء إلى اعتبار التوجه الصيني الجديد بمثابة «معايرة» لنموذج النمو القديم القائم على الاستثمار؛ حيث تضع بكين ثقلها بالكامل خلف قطاعات التكنولوجيا الفائقة لرفع مستويات الإنتاجية وخلق وظائف نوعية. وتشمل خطة العام الحالي ضخ نحو 7 تريليونات يوان (ما يعادل تريليون دولار) في مشروعات قومية تغطي شبكات المياه، واللوجستيات، وخطوط الأنابيب تحت الأرض، وشبكات الطاقة، والاتصالات، ومراكز قدرات الحوسبة، وسط توقعات بأن يصل إجمالي هذه الاستثمارات إلى 26.9 تريليون يوان على مدى السنوات الخمس المقبلة.

روبوتات شبيهة بالبشر يتم التحكم بها عن بعد من قبل شركة «يونيتري روبوتيكس» تشارك في معركة خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شنغهاي (أ.ف.ب)

جراحة مالية صارمة

يكشف تحليل ميداني أن المسبب الرئيسي خلف التبريد الحالي للاقتصاد الصيني يعود إلى الحملة الصارمة التي تقودها بكين لتطهير ديون الحكومات المحلية وتدقيق نفقاتها الرأسمالية؛ وقد أسفرت هذه الرقابة المشددة عن تراجع حصة إنفاق الحكومات المحلية إلى 35 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بنحو 41 في المائة قبل سنوات قليلة، مع هبوط حاد في النفقات الرأسمالية لصالح تغطية الأجور والتكاليف التشغيلية الحتمية. ويرى المسؤولون المركزيون أن هذا التقييد ضروري للغاية لوقف بناء مشروعات بنية تحتية غير مجدية، والحد من فائض القدرة الصناعية، وحروب الأسعار الانكماشية بين المصنعين؛ غير أنه تسبب في المقابل بـ«انكماش» الاستثمار في الأصول الثابتة بنسبة 5.7 في المائة خلال النصف الأول من عام 2026، شمل تراجع استثمارات البنية التحتية بنسبة 2.4 في المائة، وانخفاض التصنيع بنسبة 1.2 في المائة، إلى جانب الانهيار المستمر في استثمارات القطاع العقاري بنسبة 18 في المائة.

مخاوف من سوء تخصيص الموارد

رغم التفاؤل الرسمي بقدرة الاستثمار في مراكز الحوسبة والذكاء الاصطناعي على تحقيق عوائد اقتصادية قوية، فإن الاستراتيجية المركزية الجديدة لا تخلو من الانقسامات الحادة خلف الكواليس؛ إذ يُحذر بعض مستشاري السياسات الحكوميين (الذين فضلوا عدم كشف هوياتهم) من أن مد شبكات مياه عملاقة ونقاط بنية تحتية تقليدية إلى مناطق تعاني أصلاً من انكماش سكاني وديموغرافي يمثل سوء تخصيص للموارد، وقد يدخل البلاد في دورة جديدة من الاقتراض لرفع ديون قديمة دون جدوى اقتصادية حقيقية. ويتبنى هذا التيار رأياً معارضاً يرى أن الأموال يجب أن تُنفق مباشرة على دعم الأفراد والضمان الاجتماعي وتنمية الدخل لإنقاذ الاستهلاك، بدلاً من صبّها مجدداً في أصول ثابتة غير كفؤة، مؤكدين أن أرقام النمو الحالية قد تمنح القيادة شعوراً زائفاً بالراحة، وفق «رويترز».

الناس يزورون جناح شركة «علي بابا» خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شنغهاي (أ.ف.ب)

أدوات المناورة المالية

يمتلك المركز المالي للحكومة الصينية مساحة كافية لقيادة القاطرة الاقتصادية دون إجهاد، نظراً لأن مديونية الحكومة المركزية نفسها منخفضة للغاية (أقل من 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي) فضلاً عن امتلاكها أصولاً تجارية ضخمة يمكن تسييلها؛ وحيث إن الحكومات المحلية لم تصدر سوى 47 في المائة فقط من حصتها المتاحة للسندات الخاصة في النصف الأول، فإن صُنّاع القرار يتوفر لديهم مصدات مالية جيدة لتسريع الإصدارات في الربع الثالث وتوجيهها للمشروعات المعتمدة مسبقاً، مع إمكانية السماح بترحيل «معتدل» للحصص المخصصة للربع الرابع للاستفادة منها مبكراً، أو اللجوء لإصدار السندات السيادية الخاصة في حال التعرض لصدمات تجارية أو جيوسياسية قاسية.