ضياء العزاوي: أي مادة تصلح أن تكون مختبراً للمغامرة والاختلاف

القصائد التي شدّتني هي تلك التي فيها قدرة على إرباك المخيلة

ضياء العزاوي: أي مادة تصلح أن تكون مختبراً للمغامرة والاختلاف
TT

ضياء العزاوي: أي مادة تصلح أن تكون مختبراً للمغامرة والاختلاف

ضياء العزاوي: أي مادة تصلح أن تكون مختبراً للمغامرة والاختلاف

يتمتع الفنان التشكيلي العراقي ضياء العزاوي، بحضور بارز في المشهد التشكيلي، ليس العراقي فحسب بل العالمي، ونيله قبل أيام الدكتوراه الفخرية من جامعة كوفنتري في بريطانيا، دليل على هذا الحضور.

تخرج العزاوي في كلية الآداب –قسم الآثار- عام 1962، ثم نال شهادة دبلوم رسم من معهد الفنون الجميلة عام 1964. وهو من الأعضاء المؤسسين لجماعة الرؤية الجديدة وعضو جمعية التشكيليين العراقيين ونقابة الفنانين. وهو يعيش في منفاه الاختياري في بريطانيا منذ أكثر من ثلاثين عاماً.

بمناسبة صدور كتابه «صورة الشعر» التقيناه وكان معه هذا الحوار:

* كتابك «صورة الشعر» يلخص تجربة طويلة لك في مسيرتك الفنية في «رسم» الشعر، ما طبيعة القصائد التي تختارها وتشدك إلى «رسمها»؟

- جئت للشعر من الأسطورة بفعل تأثير الدراسة في قسم الآثار، إذ شكّلت الأسطورة أحد المراجع الأساسية في دراسة مجتمع بلد ما بين النهرين، وكانت ملحمة كلكامش من أساسيات تلك المراجع. ولعلّ طلب الناقد جبرا إبراهيم جبرا أن أرسم مختارات من هذا النص الذي ترجمه عالم الآثار طه باقر لنشره في مجلة «العاملون في النفط»، وكان جبرا رئيس تحريرها، هو الذي أغواني بالذهاب بعيداً حتى عن الجانب الأكاديمي. أيُّ مادة تصلح أن تكون مختبراً للمغامرة والاختلاف عن مشاغل جيلي من الفنانين. بعدها شكّلت نصوص التصوف، لا سيما نصوص الحلاج، ميداناً جديداً أخذني فيما بعد لنص الوائلي عن مقتل الحسين. عبر هذه الأعمال أصبح فن «التخطيط» أحد أهم انشغالاتي واستمر إلى الآن. لعلّ مجموعة المعلقات التي رسمتها في السنوات الأولى من استقراري في لندن شكّلت البداية الجدية للتعامل مع الشعر عبر اطلاعي على المخطوطات الإسلامية التي جعلتني مؤمناً بأهمية مرجعيتها وما يناسب ما أسعى إليه. القصائد التي شدّتني هي تلك التي فيها قدرة على إرباك المخيلة بعيداً عن التفسيرات اللفظية. شخصياً أميل لسماع الشعر لا قراءته، فالسماع ينتسب للموسيقى خصوصاً إذا كان الشاعر مجيداً في قراءته مثل درويش، وأدونيس وقلة آخرين مثلهما. عملية السماع تقودني إلى فعل القراءة، والتركيز على الكلمات، ومن ثم إلى المعنى المحرك للخيال.

* ما الذي دفعك إلى التعاطي مع المنجز الشعري لعدد من كبار الشعراء العرب، بتخطيطات منك... هل كان ذلك استلهاماً لقول الشاعر الروماني هوراس: «إن الشعر صورة ناطقة، والرسم شعر صامت، وهكذا نحن، نبحث في الشعر عن الصورة»؟

- الصورة شيء والمخيلة شيء آخر. للأولى محدودية ترتبط بالنص، والثانية تضاد نغميّ يقترب من الروح التي لا تفصح عن المكنون. بهذا يمكن أن تتحقق القدرة على إنجاز عمل لا يفسر، لكن ينحاز لنبض اللون المتداخل مع الخط ليكوّن عالماً موازياً للنص.

- جيل الستينات كان يهمه عدم القبول بالسائد فنياً، مما أدى إلى انطلاق جماعة الرؤية الجديدة التي بدورها أصدرت بياناً لم يكن مضمونه يخلو من السياسة، مع ارتباطه بالمتغيرات الفنية والثقافية.

* ما الأمور التي جمعت أعضاء الرؤية الجديدة، التي لم يوّحدها أسلوب واحد؛ هل الرغبة في التجديد، أم هي المغايرة؟

- الرغبة في التجديد والاختلاف عمّا هو شائع، ولعلّ تنوع المادة والأسلوب كان سبباً في إغناء التجربة، إذ كان أغلبنا يجمع بين الطباعة والرسم مما وفَّر ظروف عمل سعينا فيها إعطاء كل وسيلة حقها. كنا كحال الجماعات الأخرى مجموعة من الأصدقاء بأعمار متقاربة ودراسة فنية متنوعة ومختلفة، لم ندَّعِ وحدة الأسلوب بقدر ما كان بحثاً مشتركاً قد يقود إلى وحدة ما في الأسلوب بفعل التجربة. ذلك ما أكدناه في مقدمة دليل المعرض عام 1974: «إننا نجد أنفسنا ملزمين بأن يعبِّر كلٌّ منّا عن حقيقته دونما أن تكون هناك معادلات وأرقام محددة تحددنا. إن وجود اللوحة يتحقق بذاتها، وعبر المسافة التشكيلية التي كوَّنها الفنان لنفسه».

* رغم أن «التجريد» كان السمة الأساسية في أعمالك، لكنك انشغلت بالملاحم الاجتماعية والدينية العراقية، وإن كانت بتقنيات أوروبية؟ ما السبب في هذا التحول؟ هل لتأكيد استعاراتك الفنية من التاريخ الوطني والشعبي بالدمج بين التشخيصية والتجريد؟

- اللوحة في الأساس مُنجز غربي له علاقة بالأيقونة الدينية وهي تقنية يستخدمها الفنان الصيني والهندي والياباني إلى جانب الأميركي والفرنسي. الاختلاف هو في القدرة على إخضاع التقنية لتصورات فيها جانب من الفرادة. الفنان الصيني المعاصر مع كل موروثه الفني الهائل وشديد الاختلاف استخدم ما سمّيتها «التقنية الغربية». اختلافه في الموضوعات التي طرحها وعلاقتها المباشرة بهموم مجتمعه وفي إغناء التقنية الغربية بالحرفة التي يجيدها الفن الشعبي الصيني. شخصياً كنت، مثل عديد من رسامي جيلي، مهموماً بالهوية الوطنية التي بدأت مع جماعة بغداد التي دعت إلى فن عراقي، إلا أننا وبالتفاعل مع المستجدات عملنا نحو فن عربي مع التزام أخلاقي بما فرضته الظروف السياسية من مواقف وطنية خصوصاً الموضوع الفلسطيني. وقد تحقق ذلك بإقامة المعارض الشخصية في بلدان عربية خصوصاً بيروت (كاليري وان) والكويت (كاليري سلطان).

* هل ما زال النتاج الإبداعي للفنان العزاوي محملاً بطبيعة جدلية قائمة على البحث عن فن وطني حامل هويته في الوقت الذي يُفترض انتماؤه إلى المعاصرة، أم ثمة دافع أو رؤية مختلفة باتت تؤطر هذا النتاج؟

- بعد كل هذه السنوات في لندن لم تعد المحلية عامل تفاعل مع ثقافة الآخر. كان عليَّ العمل الجدي في تحقيق القدرة على الاختلاف عبر موضوعات لها مرجعية وطنية ذات بعد تاريخي في الحضارات القديمة، قادرة على التفاعل مع المستجدات الفنية، وفي الوقت نفسه توسيع حدود عملي بالذهاب للنحت بوصفه عملاً منفرداً أو فعل إضافةٍ إلى اللوحة، وما ولَّده ذلك من إغناء للمساحة التي أتعامل معها. في السنوات الأخيرة شكَّلت تجربة الحياكة (digital weaving) نافذة جديدة لتحقيق أعمال بفعل مداخلة فن التخطيط مع هذه التقنية الحديثة.

* انعكست صورة المدينة بوصفها موضوعة فنية شديدة الحضور في تجربة الفنان العزاوي، التي اعتمدت، في بُعدها الجمالي، على صورة «بغداد» بصفتها متخيلاً سردياً وصورياً عنها. لقد استلهمت مثل هذه العلاقة، خصوصاً في دفاتر الرسم ولوحاتك الفنية، ما الذي تبقى من هذه المدينة داخلك بعد أن غادرتها منذ خمسة عقود تقريباً؟

- ما زالت مدينة بغداد محرِّضة على الخيال، ليست بوصفها جغرافيا بل بصفتها روحاً تستبطن كل مفردات الحياة. تغيرت المدينة كثيراً كما عكسه عديد من الفيديوهات التي رأيتها، وذهبت أحياؤها القديمة للنسيان والإهمال، وتشكلت خريطة جديدة لما يطلق عليها المكونات، وهو ما رصدته جامعة كولومبيا في نيويورك. ألهمني هذا الرصد بعملين كبيرين تحت عنوان «خريطة بغداد قبل عام 2003 وما بعده». ما قاله الصديق الراحل الشاعر يوسف الصائغ: «أنا لا أنظر من ثقب الباب إلى وطني لكني أنظر من قلب مثقوب» نصٌّ يُلاحقني ويكاد يكون مسطرتي التي لا تحيد أرقامها عن مخيلتي.

* أنت متابع حصيف لما ينتجه الفنان العراقي، سواء في داخل العراق أو خارجه، هل تعتقد أن طبيعة هذا النتاج قد تضررت مرة بسبب الحصار في تسعينات القرن المنصرم، ومرة ثانية بتداعيات الاحتلال الأميركي للبلد...؟ أقول كيف لهذه التجربة أن تستعيد عافيتها مجدداً، ما الذي يحتاج إليه الفن العراقي؟

- ما حصل للفنان العراقي من أضرار لم يحصل في أي تجربة أخرى. أدى خروج الفنانين المبدعين بفعل الضائقة التي خلقها حصار مجرم إلى تدهور التجربة وذهب عديد من الفنانين في الداخل إلى غواية الشهادة الجامعية وتخلى عن البحث الفني الفعال، إما بفعل الضغط الاقتصادي وإما انحيازاً إلى المباهاة الاجتماعية. لم تعد وزارة الثقافة منشغلة جدياً بتلافي الأضرار التي حدثت في المجموعات الفنية التي تكونت عبر السنوات في متحف الفن الحديث ولا بتطوير رؤيتها عبر أشخاص أكفَاء وخلق فرص لتفاعل الفنانين المحليين مع الخارج عربياً أو عراقياً.

هناك جيل توَّاق للمعرفة لكنَّ وسائط التواصل الاجتماعي وما فيها من نافذة انفتاح مذهلة قد لا تقود إلى الإيجابية، دائماً إزاء هذا الكم من فناني «فيسبوك» المتنوعين بانشغالاتهم المتواضعة والحرص الدائم على نشر صورهم دونما سبب بين الحين والآخر. لقد حقق بعض الأسماء مكانةً في الفن العالمي رغم الازدحامات، إلا أنهم بعيدون عن التأثير بحكم عوامل عديدة قد يكون منها عدم وجود فعاليات ومعارض جادة تحرِّضهم على الحضور والمساهمة كما نجده في بعض الدول العربية كالشارقة ودبي، ومؤخراً في الرياض وجدة.

* أصدرتَ مجلة «ماكو» قبل 5 أعوام وهي تُعنى بالتشكيل العراقي، ما الذي تختلف فيه عن باقي مجلات التشكيل الأخرى؟ ولماذا هذه المجلة؟

- مجلة «ماكو» معنية بشكل أساسي بتوثيق الفن العراقي وستبقى كذلك، لا يهمها الراهن الفني، فله رجاله وأدواته، وهي جهد تعاوني بين عديد من الأصدقاء، تحرص على توثيق التجارب الأساسية التي كوَّنت التاريخ الفني بعيداً عن سياسة التخاصم العربية.

ضمن معرفتي عربياً لا توجد مجلة تشبهها بصيغة تقديم الفنان بتنوع اهتماماته وعرض كل انشغالاته في مجالات إبداعية مختلفة. كما عملت على توفير تجارب جرى نسيانها أو لم تُتَح الفرصة لانتشارها. في العدد الثاني مثلاً من المجلة نُشرت مجلة مكتوبة بخط اليد أصدرتها الفنانة نزيهة سليم مع بعض أصدقائها يعود تاريخها إلى منتصف الأربعينات، وفي عدد آخر نُشرت رسالة من الفنان جميل حمودي في الأربعينات موجَّهة إلى جمعية الفنانين يطرح فيها رؤية متقدمة للفن العراقي. هذا النوع من الكنوز هو الذي يكتب التاريخ الفعلي وليس ما يُنشر في الصحف من عجالات نقدية.



التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.


رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي
TT

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

يصحبنا الكاتب الأردني هاشم غرايبة في روايته «البحّار... حي ولا أخاف»، في رحلة لاستكشاف الذاكرة الإنسانية، وما تختزنه من تفاصيل صغيرة تبدو عابرة، لكنها تظل حاضرة في الوجدان، عاكساً في أحداثها سيرة الإنسان عبر تحولات المجتمع، والانتقال بين الطفولة والفقر والشيخوخة، وخوض التجارب الشخصية والعامة التي تطرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالإنسان والحياة والمصير.

تحمل الرواية التي صدرت طبعتها الثانية عن «الآن ناشرون وموزعون» (2026) في ثناياها عالماً روائياً قائماً على الاعتراف واستعادة الذاكرة، من خلال شخصية «سليم الناجي»، الذي تظهر مسيرته الحياتية بوصفها تجربة إنسانية بسيطة، بعيدة عن صورة الأبطال التقليديين.

تبدأ الرواية التي جاءت فيما يقارب 130 صفحة، من الفصل الأول «على الرصيف»، حيث يجد الراوي نفسه في المدينة، بعد انتهاء التحقيق معه، لتبدأ رحلة استعادة الماضي والبحث في تفاصيل حياة امتدت عبر عقود. ومنذ الصفحات الأولى، تتشكل علاقة وتتوطد تدريجياً بين الذاكرة والكتابة؛ إذ يقرر الراوي أنْ يكتب كل ما يعرفه، وكل ما عاشه وقرأه وسمعه، لتصبح الأوراق وسيلة لاستعادة ما غاب من حياته.

ويستعيد الكاتب مجموعة من الصور والروائح والأصوات التي بقيت عالقة في الذاكرة، من صلاة الأم في غبشة الفجر، إلى مذاق «الكردوش» (خبز الشعير) الساخن، وهطول الشهب في ليالي الحصاد، ومذاق العسل مع السمسم، ورائحة فتّة الشاي بالخبز، والمرور بميناء هامبورغ في ألمانيا، ورذاذ المياه عند شلالات نياغارا، وقمر سبتمبر (أيلول) على درب مهرّبي البضائع على الحدود.

وتنتقل الرواية بين هذه التفاصيل الحميمة وبين أسئلة أكثر قسوة، تتعلق بالفقر والمرض والحروب والتحولات السياسية والاجتماعية. ويظهر ذلك بوضوح في الفصل الثاني المسمى «زمن الخسارات»، الذي يستعيد فيه الراوي طفولة قاسية، منذ وُلد «بين حربين عالميتين»، في زمنٍ لم يكن تسجيل المواليد فيه أمراً شائعاً، في حين كان الفقر والجوع والأمراض ومخاطر الحياة اليومية تحاصر الناس.

ويروي البطل جانباً من تلك الطفولة، فيقول إن من ينجو من الإسهال والحصبة والجدري قد يموت بعضّة أفعى أو رفسة بغل أو انهيار سقف، قبل أن يذكر حادثة الشقيق الرضيع الذي خطفته «الشُّوحة» (طائر الحدأة الجارح) عن البيدر، في حين كانت الأم منشغلة بفك حِمْل القش عن الناقة.

كما يتناول النص علاقة الأجيال الجديدة بالمجتمع والوطن، عادَّاً أن جيلاً كاملاً نشأ وسط غياب المشاريع الكبرى التي تستثمر طاقات الشباب، وأن هناك ضعفَ اهتمام بالثقافة والفنون والبحث العلمي، وهو ما يربطه الراوي بالتحولات التي دفعت حفيده «أحمد» إلى مسار مختلف تماماً.

وهكذا تجمع «البحّار... حي ولا أخاف» بين السيرة والذاكرة والرواية، وتستعيد عبر تفاصيل الحياة اليومية عالماً تتجاور فيه الطفولة مع الشيخوخة، والفقر مع السفر، والخسارة مع الأمل، لتقدم في النهاية تأملاً في قدرة الإنسان على الاستمرار رغم ما يحيط به من خسارات وتحولات.

من إصدارات الروائي الأردني: «هموم صغيرة»، و«قلب المدينة»، و«عدوى الكلام»، و«حبة قمح»، «بيت الأسرار»، «المقامة الرملية»، «الشهبندر»، وغيرها.