موسكو تؤكد استعدادها لإجراء مفاوضات مع كييف «دون شروط مسبقة»

بوتين يعدّ نتائج محادثات إسطنبول في ربيع 2022 تشكل أساساً لها... وكييف تنفي التوصل لأي اتفاق

الرئيس الروسي يلقي كلمة خلال الجلسة العامة للمنتدى الاقتصادي الشرقي في فلاديفوستوك (رويترز)
الرئيس الروسي يلقي كلمة خلال الجلسة العامة للمنتدى الاقتصادي الشرقي في فلاديفوستوك (رويترز)
TT

موسكو تؤكد استعدادها لإجراء مفاوضات مع كييف «دون شروط مسبقة»

الرئيس الروسي يلقي كلمة خلال الجلسة العامة للمنتدى الاقتصادي الشرقي في فلاديفوستوك (رويترز)
الرئيس الروسي يلقي كلمة خلال الجلسة العامة للمنتدى الاقتصادي الشرقي في فلاديفوستوك (رويترز)

أبدى «الكرملين»، الخميس، استعداده لبدء محادثات سلام مع أوكرانيا دون شروط. ونقل عن المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، قوله إن روسيا لا ترى أي شروط مسبقة لإجراء محادثات سلام مع أوكرانيا في الوقت الحالي، مضيفاً أن السلطات الروسية لا تناقش إجراء تعبئة جديدة، وفق ما ذكرت وكالة «تاس» للأنباء.

وأكد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الخميس، ما جاء على لسان المتحدث باسم «الكرملين»، قائلاً إنه مستعدّ لإجراء مفاوضات مع كييف، على أساس المحادثات التي عُقدت في ربيع عام 2022 في إسطنبول، بينما كانت موسكو تستبعد أي نقاش، على خلفية الهجوم الأوكراني على منطقة كورسك الذي بدأ في أغسطس (آب) الماضي. ونفت كييف أنها توصلت إلى أي اتفاق مع موسكو في إسطنبول.

الرئيس فلاديمير بوتين خلال مشاركته في منتدى اقتصادي بشرق روسيا (رويترز)

وقال بوتين، خلال منتدى اقتصادي في فلاديفوستوك بروسيا: «هل نحن مستعدّون للتفاوض معهم؟ لم نرفض ذلك قط». وأضاف: «إذا ظهرت رغبة في التفاوض (لدى أوكرانيا)، فلن نرفض»، مؤكداً، في الوقت نفسه، أن هذه المحادثات يجب أن تستند إلى نتائج مفاوضات إسطنبول، غير أنّه اشترط أن يجري ذلك بناء على «الوثائق التي جرى الاتفاق عليها وتوقيعها بالأحرف الأولى في إسطنبول».

وقال الرئيس الروسي: «تمكنّا من التوصل إلى اتفاق، هذا هو الهدف، ويشهد على ذلك توقيع رئيس الوفد الأوكراني هذه الوثيقةَ، ما يعني أن الجانب الأوكراني كان راضياً بشكل عام عن الاتفاقات التي جرى التوصل إليها»، لكنه أضاف: «لم يدخل (الاتفاق) حيّز التنفيذ فقط؛ لأنه صدر أمر بعدم القيام بذلك؛ لأن النخب في الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية أرادت إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا». ولم تُنشر هذه النصوص التي أشار إليها بوتين.

وبدأت القوات الروسية هجوماً عسكرياً واسع النطاق على أوكرانيا، في 24 فبراير (شباط) 2022، لكن بعد أسابيع من المقاومة الأوكرانية، اضطرّ الجيش الروسي للانسحاب، في ربيع العام، من شمال أوكرانيا، قبل أن يواجه انتكاسات في الجنوب، وفي الجزء الشمالي من الجبهة الشرقية.

ودفع ذلك الرئيسَ الروسي إلى تعبئة مئات الآلاف من جنود الاحتياط، في خريف 2022، وإعلان ضمّ أربع مناطق أوكرانية؛ وهي لوغانسك ودونيتسك وخيرسون وزابوريجيا، دون السيطرة عليها بالكامل.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

وقال بوتين، الخميس، إنّ «التحرير» الكامل لدونباس، الذي يضم منطقتي لوغانسك ودونيتسك هو «أولويتنا»، مُبدياً تصميمه على القيام بذلك، رغم الأضرار الإنسانية والاقتصادية. وكان الرئيس الروسي قد وضع شرطاً مسبقاً قبل أي محادثات؛ وهو أن تنسحب كييف بالكامل من هذه المناطق، وهو مطلب غير مقبول لدى أوكرانيا وحلفائها الغربيين.

يأتي إعلان بوتين بعد أسبوعين من تأكيد «الكرملين» أن أي محادثات لإنهاء الصراع مستحيلة «في هذه المرحلة»؛ بسبب الهجوم الأوكراني على منطقة كورسك.

وقبل ذلك، أبدى الرئيس الروسي موقفاً آخر، في يونيو (حزيران) الماضي، عندما أكد أن الصراع لن ينتهي إلا إذا تخلّت أوكرانيا عن طموحها في الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، وتنازلت عن المناطق الأوكرانية الأربع التي سيطرت عليها قواتها، إضافة إلى شبه جزيرة القرم التي ضمّتها موسكو في عام 2014، ما يعني استسلاماً فعلياً لكييف.

ورغم أنه يبدو من الصعب التوفيق بين موقفيْ موسكو وكييف بصيغتيهما الحاليتين، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في وقت سابق، أنّه يريد وضع خطّة، بحلول نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل؛ موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، تكون بمثابة أساس لقمة سلام مستقبلية يُدعى إليها «الكرملين»، وتكون تمهيداً لنقاشات مستقبلية.

آلية عسكرية أوكرانية عند الحدود الروسية الأوكرانية (أ.ف.ب)

وبينما كان الجيش الروسي يُحرز تقدماً بطيئاً على الجبهة منذ نحو عام، شنّت القوات الأوكرانية، في السادس من أغسطس الماضي هجوماً واسع النطاق في منطقة كورسك الروسية، حيث أعلنت كييف السيطرة على مئات الكيلومترات المربّعة، فيما يشكل أكبر هجوم لجيش أجنبي على الأراضي الروسية منذ الحرب العالمية الثانية.

وبعد أيام، ظهر بوتين على التلفزيون الروسي، وبدا منزعجاً بشكل واضح جراء سهولة سيطرة القوات الأوكرانية على أراضٍ روسية، دون مقاومة تُذكَر.

وقال بوتين، كما نقلت عنه «وكالة الصحافة الفرنسية»، إنّ أحد أهداف هذا الهجوم يتمثل في إجبار روسيا على إعادة نشر قواتها من منطقة إلى أخرى، و«وقف هجومنا في المناطق الرئيسية». غير أنه أشار إلى «فشل» هذا الهدف، مضيفاً أن موسكو تُواصل هجومها في دونباس، خصوصاً باتجاه بوكروفسك التي تُعدّ تقاطع طرق وسكك حديدية مهمّاً للخدمات اللوجستية للقوات الأوكرانية بهذه المنطقة الواقعة في شرق البلاد.

وقال بوتين، الخميس: «هل نجح (التكتيك الأوكراني)؟ لا!». وأضاف: «على العكس... أَضعفَ العدو نفسه في مناطق رئيسية، في حين سرّع جيشنا عملياته الهجومية» على الجبهة الشرقية، مؤكداً أن أوكرانيا مُنيت بـ«خسائر كبيرة».

وأضاف بوتين أن التوغل الأوكراني بمنطقة كورسك لم ينجح في إبطاء التقدم الروسي بشرق أوكرانيا، بل أدى إلى إضعاف دفاعات كييف على الجبهة بشكل عزَّز موقف موسكو.

وأوضح بوتين أن كييف أضعفت دفاعاتها في مواقع أخرى، وأتاحت لموسكو تسريع الهجوم في منطقة دونباس بشرق أوكرانيا، مؤكداً من جديد أن الهدف الأول لموسكو هو السيطرة الكاملة على دونباس.

وقال بوتين، كما نقلت عنه «رويترز»: «كان هدف العدو هو إثارة قلقنا لننقل القوات من قطاع إلى آخر، ونُوقف هجومنا في مناطق رئيسية، وخصوصاً في دونباس... هل نجح في ذلك؟ لا».

وقال قائد الجيش الأوكراني، أولكسندر سيرسكي، إن أحد أهداف عملية كورسك كان تحويل القوات الروسية من مناطق أخرى، وخصوصاً في شرق أوكرانيا بالقرب من مدينتيْ بوكروفسك وكوراخوف. وأشار بوتين إلى أنه «من خلال نقل وحدات كبيرة وجيّدة التدريب لمواجهتنا في هذه المناطق الحدودية، أضعف العدو نفسه في مناطق رئيسية، وسرّعت قواتنا العمليات الهجومية».

وذكر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن كييف تعتزم الاحتفاظ بأراضٍ في كورسك، وأن العملية نقلت الحرب عند الجانب الروسي. وأضاف بوتين: «لا إجراءات تُتخذ لاحتواء هجومنا». وقال إن تقدم روسيا نحو مدينة بوكروفسك المهمة لوجيستياً بشرق أوكرانيا نجح.

وتناول الرئيس الروسي، في كلمته بالمنتدى الاقتصادي، في تعليق ساخر، على ما يبدو، إن روسيا ترغب في فوز كامالا هاريس في الانتخابات الرئاسية الأميركية، مشيراً إلى ما وصفه بضحكتها «المُعدية» على أنها سبب لتفضيل هاريس على مُنافسها دونالد ترمب.

قوات أوكرانية (أ.ف.ب)

جاءت تعليقات بوتين بعد يوم من اتخاذ السلطات الأميركية سلسلة إجراءات، الأربعاء، مِن بينها فرض عقوبات، والقيام بملاحقات قضائية ضد مسؤولين في وسيلة الإعلام الروسية «آر تي»، مشيرة إلى أن هذه الخطوة تأتي رداً على محاولات تدخُّل من قِبل روسيا في انتخابات عام 2024.

وقالت الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، لوكالة أنباء «ريا نوفوستي» الرسمية: «إنها عملية واضحة، حملة إعلامية... جرى التحضير لها منذ فترة طويلة، وهي ضرورية قبل المرحلة الأخيرة من الدورة الانتخابية».

وقال بوتين، هذا العام، قبل انسحاب الرئيس الأميركي جو بايدن من السباق الانتخابي، أيضاً بسخرية واضحة، إنه يُفضله على ترمب؛ لأن بايدن سياسيّ من «الطراز القديم» أكثر قابلية لتوقع خطواته.

ورداً على سؤال حول رأيه في الانتخابات، الآن، ذكر بوتين أن الانتخابات خيار الشعب الأميركي، لكنه أضاف بعد ذلك أنه بما أن بايدن أوصى أنصاره بدعم هاريس، «فسوف نفعل الشيء نفسه، سندعمها». وقال بوتين: «إنها تضحك بطريقة معبّرة ومُعدية توحي بأن كل شيء على ما يُرام بالنسبة لها»، مضيفاً أن هذا ربما يعني أنها ستمتنع عن فرض مزيد من العقوبات على روسيا. وتعتقد وكالات المخابرات الأميركية أن موسكو ترغب في فوز ترمب لأنه أقل التزاماً بدعم أوكرانيا في الحرب ضد روسيا. لكن بوتين قال إن ترمب عندما كان رئيساً فرض عقوبات على روسيا أكثر من أي رئيس قبله في البيت الأبيض.


مقالات ذات صلة

«لولا تدخلي لاستحال إجلاؤهم»... ميلانيا ترمب تعلن هدنة في مدينة أوكرانية

الولايات المتحدة​ السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترمب (أ.ب)

«لولا تدخلي لاستحال إجلاؤهم»... ميلانيا ترمب تعلن هدنة في مدينة أوكرانية

أعلنت السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترمب أنها نجحت في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في مدينة أوكرانية خاضعة للسيطرة الروسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بوتين... المستفيد الأكبر (أ.ف.ب)

جولات ويتكوف... و«سيناريوهات» الحوار

قد يكون المشهد الحالي للأزمة الأوكرانية، بالإضافة إلى المواقف الأوروبية المتشددة حيال مسألة الضغط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بين أسباب مراجعة

أوروبا عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب) p-circle

أوكرانيا وروسيا تعلنان التزام «هدنة ميلانيا ترمب» في أوليشكي

أعلن الجيشان الأوكراني والروسي، الجمعة، الالتزام بهدنة في مدينة أوليشكي الواقعة في منطقة خيرسون، ابتداءً من الثلاثاء، بهدف ضمان تنفيذ عملية إنسانية فيها.

«الشرق الأوسط» (كييف)
شؤون إقليمية جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)

تحرك إقليمي ودولي لاحتواء أزمات المنطقة

بحث 8 وزراء خارجية من الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا خلال اجتماع في إسطنبول، الجمعة، محادثات غير مسبوقة حول حرية الملاحة في مضيق هرمز، وملفات إقليمية ودولية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
TT

فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)

لم تعد الأزمة الفرنسية موجة احتجاجات اجتماعية عابرة، أو تعثّراً اقتصادياً يمكن احتواؤه بإجراءات عاجلة؛ فالتطورات المتلاحقة تكشف أزمة متعددة الأوجه، يتقاطع فيها ضعف المالية العامة مع تصاعد الغضب الشعبي، وشلل المؤسسات السياسية، وتراجع الثقة بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. وبينما تستعد فرنسا لاستحقاق رئاسي حاسم في ربيع 2027، تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه العوامل المتراكمة إلى تهديد خطير لاستقرار الجمهورية الخامسة، ولمكانة البلاد داخل الاتحاد الأوروبي وفي العالم.

زائرون ينتظرون خارج متحف اللوفر في باريس الذي أغلقه محتجون (إ.ب.أ)

في شوارع مدن وبلدات عديدة، تتعدد مظاهر الاحتقان؛ فقد شهدت البلاد احتجاجات صاخبة على تدهور أوضاع المدارس الحكومية ونقص المدرّسين، وانضم موظفون وعاملون في القطاع العام إلى التحركات اعتراضاً على تجميد الأجور. وقبل ذلك، أغلق صيادون موانئ ومحطات للوقود احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل. ولم تتوقف التطورات عند المظاهرات؛ إذ شهدت مدن فرنسية أعمال شغب ونهب وتخريب، أسفرت عن أضرار مادية كبيرة ومئات الإصابات والتوقيفات، في مشهد يعكس اتساع الهوة بين قطاعات من المجتمع ومؤسسات الدولة.

واكتملت الصورة بعودة «السترات الصفر» إلى الساحة، بعد «استراحة» استمرت سنوات، علماً بأن أحداً لا يعلم أين كان هؤلاء الذين عرقلوا الولاية الأولى لإيمانويل ماكرون، ومن هم قادتهم... والمهم أن «تحالف الشارع» في وجه السلطة صار مكتمل الأركان وعلى أتمّ الاستعداد لمواصلة «المعركة».

محتجون مقنعون قرب دراجات تحترق في ساحة الجمهورية بباريس (رويترز)

ووسط فسيفساء المطالب، تجمع التحركات أزمة أعمق تتعلق بتراجع القدرة الشرائية، وتآكل الثقة بالخدمات العامة، والشعور بأن النموذج الاجتماعي الفرنسي لم يعد قادراً على توفير الوعود التي ارتبطت به لعقود؛ فالدولة التي اعتاد مواطنوها الاستفادة من شبكة واسعة من الحماية الاجتماعية، تواجه اليوم سؤالاً صعباً: كيف يمكن الحفاظ على هذه المكتسبات في ظل ارتفاع تكلفة تمويلها وتزايد أعباء الدين؟

* الدَّين يضيّق هامش المناورة

لا شك في أن المالية العامة تحتل موقعاً مركزياً في الأزمة؛ فقد اقترب الدين العام الفرنسي (4 تريليونات دولار) من 119 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي (3.55 تريليونات دولار)، فيما يتباطأ الاقتصاد إلى مستويات نمو تدور حول 0.4 إلى 0.5 في المائة لعام 2026. وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن يتجاوز العجز العام 5 في المائة من الناتج المحلي، الأمر الذي يعقّد مهمة الحكومة في إعادة التوازن إلى الحسابات العامة.

وتزداد المشكلة خطورة مع ارتفاع أسعار الفائدة؛ إذ تصبح خدمة الدين أكثر تكلفة، وتُضطر الدولة إلى تخصيص موارد متزايدة لسداد التزاماتها بدلاً من توجيهها إلى الاستثمار والخدمات. وتشير التقديرات الواردة إلى أن فرنسا ستحتاج إلى إصدار ما قيمته 340 مليار يورو من السندات متوسطة وطويلة الأجل خلال العام المقبل، في وقت يتراجع فيه إقبال المستثمرين على شرائها في ظل المخاطر المالية والسياسية.

مبنى بلدية مدينة ليموج الذي أحرق جزءاً منه مشاغبون (أ.ف.ب)

لكن ذلك لا يعني أن فرنسا تتجه حتماً إلى أزمة شبيهة بما شهدته اليونان (2009 - 2010)، أو إلى انهيار مفاجئ في ثقة الأسواق؛ فحجم الاقتصاد الفرنسي ومكانته داخل الاتحاد الأوروبي يمنحان باريس ثقلاً مختلفاً. لكن هذا الثقل نفسه يجعل الأزمة أكثر أهمية: فأي تدهور حاد في قدرة باريس على إدارة دينها الثقيل، قد ينعكس على الاستقرار المالي الأوروبي برمته.

* أربعون عاماً من التأجيل

الواقع أنه لا يمكن تفسير الوضع الراهن بقرار حكومي واحد، أو تحميل رئيس معيّن المسؤولية الكاملة عنه؛ فقد تراكمت الاختلالات المالية على مدى عقود، وتعاقبت حكومات من اليمين واليسار من دون أن تنجح في وقف الزيادة الهيكلية للدين. ويعود أحد التحولات المهمة إلى عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران في ثمانينات القرن الماضي، حين توسعت السياسات الاجتماعية والإنفاق العام، وأدّت إصلاحات مثل خفض سن التقاعد إلى الستين وتقليص ساعات العمل وتعزيز دور الدولة في الاقتصاد، إلى زيادة الأعباء على المالية العامة.

غير أن اختزال الأزمة فيما حصل في تلك المرحلة سيكون تبسيطاً مضللاً؛ فالحكومات اللاحقة، من عهد جاك شيراك إلى نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند وإيمانويل ماكرون، لم تتمكن بدورها من عكس مسار الدين، ويُعزى ذلك في المقام الاول إلى التخوف من رد فعل الجمهور على سلبه قسطاً من الرفاه. كما أسهمت الأزمة المالية العالمية عام 2008، وجائحة «كوفيد-19»، وموجة التضخم التي أعقبتها، في زيادة الضغوط على الموازنات العامة.

الرئيس المأزوم إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

والحقيقة أن النموذج الاجتماعي الفرنسي «الفضفاض» أصبح موضوع مواجهة سياسية متكررة؛ فكل محاولة لإصلاح التقاعد أو التأمين ضد البطالة أو الإنفاق العام، تصطدم بمقاومة شعبية عنيدة، فيما يؤدي تأجيل الإصلاحات إلى تضييق الخيارات المتاحة مستقبلاً. وهكذا تجد الدولة نفسها بين حاجتها إلى ضبط الإنفاق وخشيتها من تفجير احتجاجات جديدة.

* شلل سياسي وصعود اليمين المتطرف

لم يكن مفاجئاً في خضمّ الورطة الاقتصادية أن تتلبد الغيوم السوداء في سماء السياسة. ومنذ حل الجمعية الوطنية عام 2024، لم يتمكن المشهد البرلماني من إنتاج أكثرية مستقرة، وتوزعت القوى بين 3 كتل كبيرة متعارضة يصعب عليها التوصل إلى تسويات دائمة. وأصبح تمرير مشروع الموازنة اختباراً متكرراً لقدرة الحكومة على الصمود، فيما تتراجع ثقة المواطنين بفاعلية المؤسسات.

وليس مفاجئاً أيضاً أن يستفيد اليمين المتطرف، بقيادة مارين لوبن وحزب «التجمع الوطني»، من هذا المناخ؛ فخطابه يربط بين تدهور الأوضاع الاقتصادية وفقدان السيطرة على الأمن وأعباء الهجرة، ويقدم نفسه بديلاً قادراً على إعادة الانتظام إلى النظام. وفي المقابل، تستقطب حركة «فرنسا الأبية» اليسارية الراديكالية، بقيادة جان لوك ميلانشون، جزءاً من الغاضبين من السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وبين الطرفين، يتراجع الوسط السياسي الذي شكّل القاعدة السياسية والشعبية لماكرون، فيما تتزايد المخاوف من أن يؤدي تشتت الأصوات المعتدلة إلى تعزيز فرص المتنافسين الأكثر تطرفاً.

ويجب التنبّه إلى أن استمرار المواجهة بين القوى السياسية قد يعطل الإصلاحات الضرورية، ويطيل حالة عدم اليقين التي تؤثر في الاستثمار والاستهلاك وثقة الأسواق. كما أن ربط الاضطرابات حصراً بالهجرة، والاكتفاء بتشديد الإجراءات الأمنية، لا يعالجان حتماً الأسباب الاقتصادية والاجتماعية الجوهرية التي تؤجج نار الاحتقان.

محتجون بمواجهة الشرطة في باريس (أ.ب)

* الامتحان الانتخابي الصعب

تواجه فرنسا اليوم معادلة شديدة التعقيد: استعادة النظام من دون تجاهل أسباب الغضب، وضبط الدين من دون تقويض الخدمات العامة، وإعادة بناء الثقة السياسية قبل أن تتحول الانتخابات المقبلة إلى مواجهة «انتحارية» بين قوى متعارضة جذرياً.

فمن سينجح في اجتراح خطة واضحة توزع أعباء الإصلاح بصورة عادلة، وتحدد أولويات الإنفاق، وتحمي الفئات الأكثر هشاشة، بالتوازي مع استعادة القدرة على اتخاذ القرار داخل المؤسسات السياسية، لا سيما البرلمان؟

لقد وعد ماكرون، عند وصوله إلى السلطة عام 2017، بتقديم صورة متفائلة عن فرنسا قادرة على التجدد واستعادة موقعها الدولي. لكن تراجع شعبيته واتساع الإحساس بالتراجع يكشفان عمق الهوّة بين هذا الوعد والواقع. ومع ذلك جددت غالبية الفرنسيين الثقة به وأعادت انتخابه عام 2022.

ومع اقتراب انتخابات 2027، لن يكون التحدي محصوراً في تحديد هوية الرئيس المقبل؛ بل في تقرير ما إذا كانت فرنسا قادرة على إصلاح ماليتها العامة وتجديد عقدها الاجتماعي، أم إنها ستترك الأزمات المتراكمة تعيد تحديد هويتها السياسية.

جلسة للجمعية الوطنية الفرنسية (مجلس النواب) تحدث فيها رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو عن الاحتجاجات (إ.ب.أ)

ولنتذكّر أن فرنسا ليست مجرد اقتصاد كبير يواجه مشكلة ديون؛ بل إحدى ركائز المشروع الأوروبي. وأي إخفاق في احتواء أزمتها ستكون له تداعيات تتجاوز حدودها. أما نجاحها فلن يتحقق إلا بكسر حلقة التأجيل والانقسام، قبل أن يصبح ثمن الإصلاح أعلى من قدرة المجتمع والدولة على تحمّله.

فرنسا الأنوار والفكر والتقدّم تشعر بأنها ترهّلت، ويُدرك الفرنسيون أن نظامهم السياسي والاجتماعي لم يعد قابلاً للتطور ومواكبة الحياة العصرية... والأدهى أن الاقتصاد لم يعد قادراً على توليد ثروة كافية لاستعادة ما كان، خصوصاً أن «الوجود» في بلاد الغير انتهى أو يكاد...

الزمن يتغيّر!


فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)

استنفرت السلطات الفرنسية قواها الأمنية، واستعانت بالجيش، واتخذت سلسلة إجراءات قضائية وأمنية لمحاولة تجنب تكرار «السبت الأسود» اليوم، بالتزامن مع دعوات جديدة إلى التظاهر في باريس ومرسيليا وليون وغيرها من المدن الكبرى والصغرى.

وأعلن وزير الداخلية لوران نونيز، أمس، عن خطة أمنية تقضي بنشر ما لا يقل عن 70 ألف رجل من الشرطة والدرك، بمؤازرة فرق وحدات النخبة التي لا تتدخل عادة للحفاظ على الأمن في الشوارع، ولا التصدي للمتظاهرين. كما ستتم الاستعانة بوحدات من الجيش التي سبق أن نُشرت في فترة الهجمات الإرهابية التي عرفتها فرنسا في عامي 2015 و2016.

وبعد ساعات من إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون منع «المظاهرات في الأيام المقبلة»، سمحت مديرية الشرطة في باريس بمسيرة واحدة لنقابة «كونفدرالية العمل» القريبة من الحزب الشيوعي.

بينما منعت ترخيص مظاهرة طلبتها مجموعات من «السترات الصفراء» والطلاب. كما طال المنع مدينتي مرسيليا وليون والعديد من المدن الأخرى.


أوكرانيا وروسيا تعلنان التزام «هدنة ميلانيا ترمب» في أوليشكي

عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب)
عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب)
TT

أوكرانيا وروسيا تعلنان التزام «هدنة ميلانيا ترمب» في أوليشكي

عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب)
عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب)

أعلن الجيش الأوكراني، الجمعة، أنه سيلتزم ابتداءً من الثلاثاء، هدنة في مدينة أوليشكي الواقعة في منطقة خيرسون والخاضعة للاحتلال الروسي، بهدف ضمان تنفيذ عملية إنسانية فيها.

يأتي ذلك بعدما أعلن رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الروسي أن قواته ستلتزم هدنة محلية في أوكرانيا ابتداءً من الثلاثاء، للسماح بتنفيذ عمليات إنسانية في مدينة أوليشكي.

وكانت السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترمب صرحت في إعلان مفاجئ، الجمعة، بأنها نجحت في تأمين وقف محلي لإطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا في مدينة أوليشكي المنكوبة، حيث لا يزال السكان عالقين ويعانون من نقص في الغذاء.

وقالت هيئة الأركان العامة الأوكرانية، في بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»: «بهدف تنفيذ عملية إنسانية في مدينة أوليشكي الواقعة في منطقة خيرسون والخاضعة لاحتلال مؤقت، ترسي أوكرانيا وقفاً لإطلاق النار في منطقة محددة، ابتداء من الساعة الثالثة فجر يوم 27 أكتوبر (تشرين الأول) بتوقيت كييف».

وفي منشور على المنصة الروسية «ماكس»، أكد الجنرال فاليري غيراسيموف رئيس هيئة الأركان العامة أن قواته ستلتزم هذه الهدنة «ابتداءً من الساعة 04:00 (01:00 بتوقيت غرينتش) في 27 أكتوبر 2026»، في إطار «العملية الإنسانية الجارية في محيط» مدينة أوليشكي.

وأشار إلى أن الهدنة ستُطبّق «في محور خيرسون»، من دون التطرق إلى تفاصيل إضافية عن نطاقها الجغرافي أو مدتها.

وأوضح أن قواته ستجري «استطلاعاً تقنياً» على الأرض لضمان إيصال المساعدات الإنسانية وسلامة المدنيين في هذه المنطقة الشديدة الخطورة على الجبهة.

ويواجه سكان أوليشكي نقصاً متزايداً في المواد الغذائية والأدوية. وتقر كل من أوكرانيا وروسيا بوجود أزمة إنسانية في المنطقة، لكنهما تتبادلان الاتهامات حول المسؤولية عن هذا الوضع، بحيث يتهم كل طرف الآخر بعرقلة إيصال الإمدادات الغذائية وتنفيذ عمليات الإجلاء.

وسيطرت القوات الروسية على مدينة أوليشكي الواقعة في منطقة خيرسون بجنوب أوكرانيا، عام 2022 في مستهل الغزو. وتعرضت المدينة لأضرار جسيمة من جراء تدمير سد كاكوفكا عام 2023، ما تسبب في فيضانات مدمرة على طول نهر دنيبر. وتتبادل موسكو وكييف الاتهامات بالمسؤولية عما حصل. وانخفض عدد سكان المدينة من نحو 24 ألف نسمة إلى نحو ألفي نسمة حالياً.