محلل أميركي: مقامرة كييف في كورسك خطوة جريئة لكنها يائسة وسوف تفشل في نهاية المطاف

قال: على دول «الناتو» أن تقرر الخطوات المستقبلية التي هي على استعداد لاتخاذها للدفاع عن أوكرانيا

شاحنات عسكرية روسية متضررة بسبب قصف القوات الأوكرانية لمنطقة كورسك (أ.ب)
شاحنات عسكرية روسية متضررة بسبب قصف القوات الأوكرانية لمنطقة كورسك (أ.ب)
TT

محلل أميركي: مقامرة كييف في كورسك خطوة جريئة لكنها يائسة وسوف تفشل في نهاية المطاف

شاحنات عسكرية روسية متضررة بسبب قصف القوات الأوكرانية لمنطقة كورسك (أ.ب)
شاحنات عسكرية روسية متضررة بسبب قصف القوات الأوكرانية لمنطقة كورسك (أ.ب)

يرى جون بي ويلرتون أستاذ العلوم السياسية بكلية الحكم والسياسة العامة بجامعة أريزونا الأميركية أن المواقف اليائسة يمكن أن تؤدي إلى تصرفات يائسة، وتوغل أوكرانيا في منطقة كورسك أوبلاست الروسية في السادس من أغسطس (آب) الحالي كان خطوة جريئة، ومع ذلك خطوة يائسة، فاجأت روسيا والعالم.

جنود أوكرانيون يقودون مركبة عسكرية مدرعة بمنطقة سومي بالقرب من الحدود مع روسيا في 13 أغسطس 2024 (أ.ف.ب)

ونظراً لقيام أوكرانيا بدخول منطقة منخفضة السكان وليست ذات أي أهمية استراتيجية، فإنها أعدَّت قوة قتالية مدربة جيداً ومجهزة تماماً ربما بلغ قوامها 15 ألف جندي واجهت في البداية مقاومة ضئيلة من حرس الحدود الروس، لكن سرعان ما أرسلت روسيا قواتها، وخلال أسبوع توقفت المبادرة الأوكرانية، وسعت كييف جاهدة لتبرير خطوتها المفاجئة، حيث لم يكن في حوزتها سوى نحو 400 ميل مربع من الأراضي التي استولت عليها لإظهار نتيجة جهدها.

ويقول ويلرتون في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية إنه لو كانت القوات الأوكرانية نجحت في الاستيلاء على محطة الطاقة النووية في كورسك، كما توقع كثير من المراقبين أنه لا بد أن يكون ذلك أحد الأهداف المقصودة، ربما كان من المحتمل تبرير مخاطر التوغل. وعلى أي حال، لم تقترب القوات الأوكرانية كثيراً من المحطة، ووفقاً للأخبار الحالية، فإن القوات الأوكرانية تورطت في قتال عنيف.

ورغم أن ضباب الحرب يجعل من الصعب تقييم كيفية سير الأمور تتزايد الأدلة التي تفيد بأن أوكرانيا تتكبد خسائر فادحة في المعدات والذخيرة، والأهم من ذلك في الأفراد.

وأضاف ويلرتون، كما جاء في تحليل الوكالة الألمانية، أن القوات الروسية المكرسة للقتال في كورسك زاد عددها بدرجة كبيرة، وأنه ليس هناك أي دليل على أنه تم سحب هذه القوات من جبهات القتال الشرقية.

وفي المقابل، عزَّزت أوكرانيا بعض أفضل جنود الاحتياط المعنيين بعملية كورسك بقوات تم سحبها من الشرق.

وعموماً، يسفر القتال المكثَّف عن خسائر كبيرة في الأرواح بالنسبة لطرفَي معركة كورسك، بينما تقوم القوات الروسية في دونباس بتسريع تقدمها الطاحن. وتتجه مدن مهمة محصنة، مثل بوكروسك وتورياسك، نحو حافة السقوط في أيدي القوات الروسية. وتتجه روسيا نحو نجاح حاسم في إقليم دونباس، إذا لم تستطع القوات الأوكرانية الصمود في مقاومتها.

مبنى مشتعل في بلدة سودزا بعد توغل القوات الأوكرانية إلى منطقة كورسك في 7 أغسطس (رويترز)

ويرى ويلرتون أن أوكرانيا أقدمت على مقامرة عالية المخاطر، حيث كرَّست كثيراً من الموارد الغالية في عملية كورسك، وربما كان النجاح سيؤدي إلى تغيير واقع القتال طويل الأمد في الشرق، الذي يحقق ببطء مكاسب إقليمية لروسيا. وفي الوقت الحالي، ليست هناك أسلحة جديدة لدى أوكرانيا، ولا تصل إليها أي مساعدات خارجية. وليست هناك تغييرات في القيادة العسكرية، وليست هناك تغييرات في الأساليب العسكرية غيَّرت منطق القتال المكثف في الشرق، حيث ليس لدى أوكرانيا ببساطة القوات التي تضاهي القوة العسكرية الروسية المتنامية.

وأوضح ويلرتون أنه، حسب الأمور السائدة الآن، لا يبدو أن مبادرة كورسك الجريئة كانت فكرة جيدة، في ظل ما يبدو من أن المبادرة سوف تفشل في نهاية المطاف، حيث يعتقد كثيرون أن هجوم كورسك يقوض القضية الأوكرانية فقط في حقيقة الأمر، حيث يتم استنفاد الموارد الغالية المتمثلة بوجه خاص في الأفراد والمعدات في جبهة أخرى، بينما الوضع الأوكراني المحاصَر على الجبهات الشرقية متوتر بالفعل إلى أقصى حد.

وتتطلع أوكرانيا إلى تراجع طويل الأمد، حيث إن وضعها الذي يزداد سوءاً على أرض المعركة يصاحبه الوضع الاقتصادي للبلاد الذي يزداد سوءاً، ناهيك بضعف دعم الأصدقاء الغربيين.

جندي أوكراني داخل ناقلة جند مدرَّعة في منطقة سومي الأوكرانية على الحدود مع روسيا (أ.ب)

ويشير كثير من المراقبين إلى أن روسيا تتفوق على أوكرانيا بنسبة 10 إلى 1 بالنسبة للمدفعية، وحتى قائد قوات الطائرات المسيرة الأوكراني اعترف بأن روسيا تتفوق بنسبة 6 إلى 1 بالنسبة لهذه الطائرات، ونظراً لأن كثيراً من القتال يتم على مسافات بعيدة، تعتبر هذه المزايا العددية حاسمة.

واختتم ويلرتون تقريره بالقول إنه «ليس بوسع أوكرانيا القيام بهجوم متقدم فعال ضد روسيا. ففي وقت ما في القريب العاجل، سوف تستولي القوات الروسية على دونباس. وسوف يتعين على مجموعة دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) أن تقرر الخطوات التي هي على استعداد لاتخاذها للدفاع عن أوكرانيا. ولن يمكن الحيلولة دون تعرُّض أوكرانيا لهزيمة حتمية، إلا بمشاركة قوات (الناتو) مباشرة في الحرب. فهل سيتخذ (الناتو) مثل هذه الخطوة، وإلى أين قد تؤدي هذه الخطوة؟ هناك خيارات مهمة في الانتظار».

وقال ينس ستولتنبرغ الأمين العام للحلف لصحيفة «فيلت أم زونتاغ» الألمانية الأسبوعية في أول رد فعل له على زحف أوكرانيا على الأراضي الروسية إن أوكرانيا تخاطر بالتقدم إلى داخل الأراضي الروسية، لكن الأمر متروك لكييف بشأن كيفية إدارة حملتها العسكرية، مضيفاً أن توغلها مشروع، ويكفله حق كييف في الدفاع عن النفس. وقال إن «الرئيس (الأوكراني) فولوديمير زيلينسكي أوضح أن العملية تهدف إلى إنشاء منطقة عازلة لمنع المزيد من الهجمات الروسية عبر الحدود»، مضيفاً أن «حلف الناتو» لم يتم إبلاغه بخطط أوكرانيا مسبقاً، ولم يلعب دوراً فيها.

ستولتنبرغ الأمين العام الحالي للحلف الأطلسي (يسار) ومارك روته الأمين العام المقبل بمقر الحلف في بروكسل (أ.ف.ب)

وتابع: «كما هي الحال مع جميع العمليات العسكرية، فإن هذا الأمر محفوف بالمخاطر. ولكن القرار في كيفية الدفاع عن النفس يعود إلى أوكرانيا». وتمت مناقشة التوغُّل في اجتماع لمجلس حلف شمال الأطلسي وأوكرانيا يوم الأربعاء بناء على طلب كييف، وسط أكبر موجة من الهجمات الجوية التي تشنها موسكو على أوكرانيا. وتم إنشاء المجلس الذي يضم أعضاء التحالف العسكري الغربي وأوكرانيا، في العام الماضي، لتمكين التنسيق الوثيق بين التحالف وكييف. وصفت روسيا عملية كورسك بأنها «استفزاز كبير»، وقالت إنها سترد عليها.

وفي سياق متصل، غادر مرتزقة روس بوركينا فاسو التي كانوا قد تمركزوا فيها مؤخراً، وعادوا للدفاع عن كورسك، حسبما قال قائد مجموعتهم لوكالة الصحافة الفرنسية. وأكد قائد لواء «الدببة»، فيكتور يرمولاييف، في مقابلة، عبر تطبيق «تلغرام»، الجمعة، تقريراً أوردته صحيفة «لوموند» الفرنسية أفاد بأن بعضاً من عناصره عادوا للقتال في روسيا. وقال القائد الملقَّب «جيداي»: «رأينا أن الأوكرانيين اختاروا الحرب. الحرب مهنتنا (...) لا يوجد شرف للمقاتل الروسي أعظم من الدفاع عن الوطن الأم».

وقبل أيام، أشار لواء «الدببة» على تطبيق «تلغرام» إلى أنه «بسبب الأحداث الأخيرة، يعود اللواء إلى شبه جزيرة القرم»، التي ضمتها روسيا عام 2014.

ووفقاً لتقديرات مختلفة أكدها مصدر أمني غربي لوكالة الصحافة الفرنسية، فقد غادر بوركينا فاسو نحو مائة من أصل نحو 300 مرتزق، وهو رقم أكده أيضاً «جيداي». وهم مسؤولون خصوصاً عن ضمان أمن رجل بوركينا القوي، الكابتن إبراهيم تراوري.

وأوضح يرمولاييف: «سيبقى البعض، بالطبع. لدينا قواعد وممتلكات ومعدات وذخيرة. لن نعيد كل شيء إلى روسيا». وقد انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي صورة حديثة له حليق الرأس إلى جانب تراوري. وأوضح يرمولاييف قائلاً: «مررت لألقي التحية».


مقالات ذات صلة

موسكو تلوح بـ«تدابير مناسبة» لمواجهة نشر أسلحة نووية في فنلندا

أوروبا كيم جونغ أون يزور موقع بناء غواصة تعمل بالطاقة النووية قادرة على إطلاق صواريخ «بحر - جو» (رويترز) p-circle

موسكو تلوح بـ«تدابير مناسبة» لمواجهة نشر أسلحة نووية في فنلندا

موسكو تلوح بـ«تدابير مناسبة» لمواجهة نشر أسلحة نووية في فنلندا... النقاشات حولها تتزايد مع دخول حرب أوكرانيا عامها الخامس

رائد جبر (موسكو)
أوروبا مجندون جدد أوكرانيون يتدربون بالقرب من خط المواجهة في منطقة زابوريجيا بأوكرانيا 22 فبراير 2026 (رويترز) p-circle

حرب إيران تخلط أوراق بوتين وتُحرّك ملف أوكرانيا في اتجاهين متعاكسين

لا تبدو الحرب الجارية ضد إيران حدثاً بعيداً بالنسبة للكرملين عن معركة أوكرانيا، بل اختبار مباشر لما تبقّى من قدرة موسكو على التأثير خارج جبهتها الرئيسية.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية مدمرات صواريخ موجهة تابعة للبحرية الأميركية تطلق صواريخ على الأراضي الإيرانية الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

روسيا تزود إيران بمعلومات استخباراتية لاستهداف القوات الأميركية

أفادت صحيفة «واشنطن بوست» عن مسؤولين مطلعين على المعلومات الاستخباراتية بأن روسيا تزود إيران ببيانات استهداف تتعلق بمواقع القوات الأميركية في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية طائرة إيرانية مسيرة من طراز «شاهد» أطلقتها روسيا تحلق بالسماء قبل ثوانٍ من اصطدامها بالمباني في كييف (أ.ب)

أوكرانيا سترسل «قريباً» خبراء عسكريين في المسيّرات إلى الشرق الأوسط

ترسل أوكرانيا «قريباً» عسكريين إلى الشرق الأوسط؛ لمساعدة الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة على التصدي لهجمات إيران بالمسيّرات.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيغا (إ.ب.أ)

كييف تتهم المجر باحتجاز 7 موظفين في مصرف أوكراني في بودابست «رهائن».

اتهم وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيغا المجر الجمعة باحتجاز سبعة موظفين في مصرف أوكراني «كرهائن». وقال سبيغا على منصة «إكس: «اليوم في بودابست، احتجزت…

«الشرق الأوسط» (كييف)

إيطاليا ترسل سفينة حربية في مهمة للمساعدة في حماية قبرص

طائرة عسكرية بريطانية قرب قاعدة تعرضت لهجوم بطائرة مسيّرة في قبرص (رويترز)
طائرة عسكرية بريطانية قرب قاعدة تعرضت لهجوم بطائرة مسيّرة في قبرص (رويترز)
TT

إيطاليا ترسل سفينة حربية في مهمة للمساعدة في حماية قبرص

طائرة عسكرية بريطانية قرب قاعدة تعرضت لهجوم بطائرة مسيّرة في قبرص (رويترز)
طائرة عسكرية بريطانية قرب قاعدة تعرضت لهجوم بطائرة مسيّرة في قبرص (رويترز)

قال متحدث باسم البحرية الإيطالية، اليوم (الجمعة)، إن إحدى سفن البحرية تستعد للتوجه إلى قبرص، في إطار مهمة أوروبية مشتركة لحماية الجزيرة، بعد تعرّضها لقصف إيراني، هذا الأسبوع.

وسيجري نشر الفرقاطة «فيديريكو مارتينينجو» بمنطقة قبرص، في إطار مهمة منسقة تشارك فيها أيضاً فرنسا وإسبانيا وهولندا، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

واستهدفت طائرة مسيرة إيرانية الصنع قاعدة تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص، يوم الاثنين، عقب الهجوم الأميركي والإسرائيلي على طهران.

وذكرت البحرية الإيطالية أن طاقماً من نحو 160 فرداً سيكون على متن السفينة المتوقَّع أن تغادر إيطاليا بحلول غد السبت.


موسكو تلوح بـ«تدابير مناسبة» لمواجهة نشر أسلحة نووية في فنلندا

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته بداية الشهر الحالي إلى القاعدة البحرية في جزيرة إيل لونغ التي تؤوي الغواصات الحاملة للرؤوس النووية (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته بداية الشهر الحالي إلى القاعدة البحرية في جزيرة إيل لونغ التي تؤوي الغواصات الحاملة للرؤوس النووية (رويترز)
TT

موسكو تلوح بـ«تدابير مناسبة» لمواجهة نشر أسلحة نووية في فنلندا

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته بداية الشهر الحالي إلى القاعدة البحرية في جزيرة إيل لونغ التي تؤوي الغواصات الحاملة للرؤوس النووية (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته بداية الشهر الحالي إلى القاعدة البحرية في جزيرة إيل لونغ التي تؤوي الغواصات الحاملة للرؤوس النووية (رويترز)

حذر الكرملين الجمعة مما وصفه بـ«تهديد جدي» بعد إعلان فنلندا عزمها نشر أسلحة نووية لتعزيز «القدرات الدفاعية» للجمهورية الجارة لروسيا. ولوح الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف باتخاذ «تدابير مناسبة» للتعامل مع التهديد الجديد. فيما بدا أن النقاشات حول الردع النووي أخذت منحى تصاعدياً ملموساً في الفترة الأخيرة، مع دخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الخامس في ظل استعصاء سياسي كامل.

وعلى خلفية المواجهة المشتعلة في الشرق الأوسط، قال بيسكوف إن بلاده تعد «نشر الأسلحة النووية في فنلندا تهديداً أمنياً مباشراً». وأضاف: «إذا هددتنا فنلندا، فسنتخذ الإجراءات المناسبة».

طائرتا «رافال» فرنسيتان ترافقان طائرة «إيرباص» لتزويد الوقود قبل لحظات من هبوطها في القاعدة البحرية النووية في إيل لونغ شمال غربي فرنسا في 2 مارس (أ.ف.ب)

في اليوم السابق، أعلن وزير الدفاع الفنلندي، أنتي هاكانين، أن الحكومة تقترح السماح باستيراد ونشر الأسلحة النووية في إطار تعزيز القدرات الدفاعية في الجمهورية التي حافظت على حياد سياسي وعسكري لعقود، قبل أن تنضم بعد اندلاع الحرب الأوكرانية إلى حلف شمال الأطلسي. وتقول الحكومة الفنلندية إن هذه الخطط «دفاعية» فقط، و«في جميع الحالات الأخرى، سيُحظر توريد وتخزين أسلحة الدمار الشامل».

لكن بيسكوف نبه إلى أن هذه الخطط تشكل تهديداً جدياً، وقال إن «نية هلسنكي تُؤدي أيضاً إلى تفاقم التوترات في أوروبا بشكل كبير». وأضاف: «يزيد هذا التصريح من هشاشة وضع فنلندا، وهي هشاشة ناجمة عن تصرفات السلطات المحلية».

A U.S. experimental nuclear detonation in the Nevada desert (A.P.)

وقد كثفت الدول الأوروبية مؤخراً من لهجتها في هذا الشأن. وعلى سبيل المثال، أعلن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، قبل أيام، أن بلاده تدخل مرحلة «الردع النووي المتقدم». وفي إطار العقيدة الجديدة، ستزيد باريس عدد رؤوسها الحربية، وسيتمكن الحلفاء من المشاركة في مناورات الردع المشتركة. ويُقال إن هذه المناورات تشمل بريطانيا وألمانيا وبولندا وهولندا وبلجيكا واليونان والسويد والدنمارك.

وفي حين أن التصريح الفرنسي ارتبط بالحرب الجارية في إيران، فإن التلويح الفنلندي جاء على خلفية تزايد المخاوف في أوروبا الشرقية بسبب الحرب الأوكرانية المستمرة التي دخلت عامها الخامس أخيراً.

وانتقدت أحزاب المعارضة في فنلندا قرار الحكومة تعديل التشريعات التي تسمح باستيراد وتخزين الأسلحة النووية على الأراضي الفنلندية. ونقل عن رئيس «الحزب الاشتراكي الديمقراطي»، أنتي ليندمان، قوله، بحسب ما نقلته عنه «هيئة الإذاعة الفنلندية»: «لا يمكن لــ(الحزب الاشتراكي الديمقراطي) أن يدعم هذا التوجه».

ووفقاً لأنتي ليندمان، إذا طُبقت هذه التغييرات، فستصبح فنلندا الدولة الاسكندنافية الوحيدة التي لا تفرض قيوداً واضحة على الأسلحة النووية.

كما انتقد «حزب الخضر» المعارض وتحالف اليسار خطط الحكومة. وعلى وجه الخصوص، صرحت زعيمة حزب اليسار، مينجا كوسكيلا، بأن رفع القيود المفروضة على الأسلحة النووية سيمثل تغييراً جذرياً في السياسة الخارجية والأمنية لفنلندا.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

وقالت كوسكيلا، وفقاً لبيان صحافي صادر عن الحزب: «إن رفع القيود لن يُحسّن أمن أي جهة. كما أن هناك خطراً من إضعاف مسار نزع السلاح النووي عالمياً». وأعرب أوراس تينكينن، زعيم الكتلة البرلمانية لـ«حزب الخضر»، عن صدمته من اتخاذ الحكومة قراراً بشأن هذه القضية الهامة من دون طرح الموضوع للنقاش داخلياً مع المعارضة. ونقل عن تينكينن قوله: «الأسلحة النووية ليست ألعاباً، ويجب اتخاذ مثل هذه القرارات الجوهرية بعد دراسة متأنية».

وأقرّ القادة الفنلنديون بأن موسكو ستقوم بخطوات مضادة، لمواجهة الوضع الجديد بعد رفع الحظر المزمع على نشر الأسلحة النووية في البلاد، حسبما صرّح وزير الدفاع الفنلندي أنتي هاكانين. وقال الوزير: «نحن على أتمّ الاستعداد لذلك». مجدداً التأكيد بأن «تغيير القانون يُقلّل من خطر استهداف فنلندا بنشاط عسكري من جانب موسكو».

وكان موضوع نشر السلاح النووي اتخذ أبعاداً جديدة أكثر تعقيداً الأسبوع الماضي، عندما أعلنت موسكو امتلاكها معطيات تؤكد توجه بريطانيا وفرنسا لتزويد أوكرانيا بقدرات نووية لمساعدتها على مواجهة التقدم الروسي المتواصل على الأرض وتعزيز أوراقها التفاوضية مع موسكو.

غواصة نووية أميركية من طراز «أوهايو» لدى توقفها في أحد مرافئ أستراليا 30 يوليو 2025 (إ.ب.أ)

وحمل تقرير أصدره جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي اتهامات مباشرة لباريس ولندن بالعمل على نقل أسلحة نووية إلى أوكرانيا. ووصف الناطق باسم الكرملين هذه المعطيات بأنها «بالغة الخطورة» وأكد أنه «سيتم أخذها في الاعتبار خلال جولات التفاوض». ووصف بيسكوف خطط لندن وباريس بأنها «انتهاك صارخ لجميع قواعد ومبادئ القانون الدولي».

وكان الجهاز الأمني الروسي قد أفاد في تقريره بأن «فرنسا وبريطانيا تدركان أن النصر على روسيا على يد القوات الأوكرانية أمر لا يمكن تحقيقه، ولهذا تستعدان لتزويد أوكرانيا بقنبلة نووية».

وأكد المكتب الإعلامي للجهاز في بيان أن «بريطانيا وفرنسا، وفقاً لمعلومات وردت إلينا، تدركان أن التطورات الحالية في أوكرانيا لا تتيح لهما أي فرصة لتحقيق النصر على روسيا على يد القوات الأوكرانية. ومع ذلك، فإن النخب البريطانية والفرنسية غير مستعدة للقبول بالهزيمة. وهناك قناعة بأن أوكرانيا بحاجة إلى امتلاك «أسلحة خارقة». وستتمكن كييف من الحصول على شروط أفضل لإنهاء القتال في حال امتلكت قنبلة نووية، أو على الأقل ما تسمى «القنبلة القذرة». وزاد البيان أن «برلين رفضت بحكمة المشاركة في هذه المغامرة الخطيرة».

الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ 8 أبريل 2010 (أ.ب)

ووفقاً لمعلومات جهاز المخابرات الخارجية الروسية، تعمل لندن وباريس حالياً بنشاط على تزويد كييف بمثل هذه الأسلحة والمعدات. ويدور الحديث حول النقل السري للمكونات والمعدات والتقنيات الأوروبية في هذا المجال إلى أوكرانيا. ويجري النظر في استخدام الرأس الحربي الفرنسي (TN75) صغير الحجم، المستخدم في الصواريخ الباليستية M51.1 التي تطلق من الغواصات، كخيار مطروح.

وفي إشارة إلى مستوى جدية موسكو في التعاطي مع المعلومات التي وردت في التقرير، لم يقتصر التحرك الروسي على إعلان طرح هذا الملف خلال جولات التفاوض، بل بدا أن موسكو تسعى إلى تحريك نشاط سياسي ودبلوماسي وحقوقي على المستوى البرلماني وضمن أطر مراقبة التسلح والحد من انتشار السلاح النووي.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال أحد الاجتماعات اليومية في الكرملين الثلاثاء (أ.ف.ب)

وحذر «مجلس الاتحاد» (الشيوخ) الروسي من أن «تنفيذ خطط لندن وباريس سيُعد هجوماً مشتركاً على موسكو». ودعا إلى «إجراء تحقيقات على المستوى البرلماني، ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومؤتمر الامتثال لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية». ورأى المجلس أن «التواطؤ غير المسؤول بين حكومتي البلدين، متجاوزاً المؤسسات الديمقراطية، قد يُفضي إلى كارثة».

وعلى الصعيد البرلماني، وجَّه «مجلس الاتحاد» نداءً مباشراً إلى نظرائه في مجلسي العموم واللوردات البريطانيين، وفي الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ الفرنسيين، داعياً إياهم إلى «الإسراع بفتح تحقيقات برلمانية» في هذا الملف.

بدوره، هدد نائب سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي دميتري ميدفيديف، بتبعات ميدانية مباشرة، ولوَّح باستخدام أسلحة نووية لمهاجمة أهداف داخل أوكرانيا وعواصم أوروبية.

وقال في بيان نشره على منصة «تلغرام» إن «معلومات جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية حول نية فرنسا والمملكة المتحدة نقل التكنولوجيا النووية إلى نظام كييف النازي تُغير الوضع جذرياً.

ولا يتعلق الأمر هنا بتدمير معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية أو أي قانون دولي آخر، بل هو نقل مباشر للأسلحة النووية إلى دولة في حالة حرب». وأكد السياسي الروسي الذي يعد من معسكر الصقور الذين طالبوا مراراً بحسم عسكري صارم للحرب، بما في ذلك عبر استخدام أسلحة غير تقليدية، أنه «لا ينبغي أن يكون هناك مجال للشك في أنه في مثل هذا السيناريو، ستُجبر روسيا على استخدام أي سلاح، بما في ذلك الأسلحة النووية غير الاستراتيجية، ضد أهداف في أوكرانيا تُشكل تهديداً لبلادنا. وإذا لزم الأمر، ضد الدول الموردة التي تتواطأ في نزاع نووي مع روسيا. هذا هو الرد المتكافئ الذي يحق للاتحاد الروسي القيام به».

من جانب آخر ذكرت مفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون التوسع مارتا كوس أن العالم غير المستقر يتطلب قواعد جديدة لتسريع مساعي أوكرانيا للانضمام إلى التكتل. وأضافت كوس لوكالة «بلومبرغ» للأنباء الجمعة أن «المنهجية التي نستخدمها لا تتناسب مع الأوقات الصعبة التي نعيشها».

غروسي خلال مؤتمر صحافي في فيينا الاثنين (أ.ف.ب)

وأصبحت الجهود المبذولة لمراجعة عملية العضوية في الاتحاد الأوروبي التي تستغرق سنوات قضية بارزة في الأسابيع الأخيرة، بعد أن قالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، وهي أعلى مسؤول تنفيذي في التكتل، لأوكرانيا إنها لا تستطيع الالتزام بانضمام كييف إلى الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2027. وبدلاً من ذلك، تستعد المفوضية لسيناريوهات لمنح أوكرانيا حقوق العضوية بشكل تدريجي، لكن هناك معارضة شديدة من قبل المجر التي تربطها علاقات وثيقة بموسكو.

واتهم وزير الخارجية الأوكراني أندري سبيغا المجر الجمعة باحتجاز سبعة موظفين في مصرف أوكراني «رهائن». وقال سبيغا على منصة «إكس»: «اليوم في بودابست، احتجزت السلطات المجرية سبعة مواطنين أوكرانيين رهائن». وأضاف: «هؤلاء الأوكرانيون السبعة هم موظفون في بنك (أوشادبانك) التابع للدولة، وكانوا في سيارتين مصرفيتين تعبران بين النمسا وأوكرانيا وتحملان النقود كجزء من الخدمات المنتظمة بين البنوك الحكومية». وتابع سبيغا: «نحن نتحدث عن قيام المجر باحتجاز رهائن وسرقة أموال. هذا إرهاب دولة وابتزاز».

وأوضح بنك «أوشادبانك» أن موظفي المصرف كانوا ينقلون 40 مليون دولار وتسعة كيلوغرامات من الذهب بين بنكَي «رايفايزن» النمساوي و«أوشادبانك» الأوكراني في مركبتين الخميس. وأضاف المصرف في بيان الجمعة: «بحسب بيانات إشارة نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، فإن مركبتَي (أوشادبانك) المحتجزتَين بشكل غير قانوني موجودتان حالياً في وسط بودابست، قرب إحدى وكالات إنفاذ القانون في المجر».


لحماية الرعايا والحلفاء... وصول حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» إلى البحر المتوسط

حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» وهي تعبر مضيق جبل طارق قبالة سواحل طريفة جنوب إسبانيا (أ.ف.ب)
حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» وهي تعبر مضيق جبل طارق قبالة سواحل طريفة جنوب إسبانيا (أ.ف.ب)
TT

لحماية الرعايا والحلفاء... وصول حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» إلى البحر المتوسط

حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» وهي تعبر مضيق جبل طارق قبالة سواحل طريفة جنوب إسبانيا (أ.ف.ب)
حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» وهي تعبر مضيق جبل طارق قبالة سواحل طريفة جنوب إسبانيا (أ.ف.ب)

وصلت حاملة الطائرات «شارل ديغول»، التي أرسلتها فرنسا إلى الشرق الأوسط لحماية رعاياها وحلفائها من ضربات إيرانية، بعد ظهر الجمعة، إلى البحر الأبيض المتوسط بعد عبور مضيق جبل طارق، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت الحاملة في شمال أوروبا، في إطار مهمّة لحلف شمال الأطلسي (ناتو) عندما أمر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإرسالها إلى الشرق الأوسط.

والثلاثاء، قال ماكرون -الذي يعتبر أن الهجوم «الأميركي - الإسرائيلي» ينفّذ «خارج إطار القانون الدولي»- إن فرنسا في موقف «دفاعي بحت».

وأعلن عن إرسال تجهيزات عسكرية كبيرة، من بينها حاملة الطائرات «شارل ديغول»، إلى شرق المتوسط، إذ ينبغي لفرنسا «اتّخاذ تدابير لأمنها وأمن رعاياها وقواعدها، فضلاً عن أمن حلفائها في المنطقة».

وتربط فرنسا اتفاقات دفاع بقطر والكويت والإمارات.