شراكة السعودية و«الفورمولا إي»... تطلعات لصناعة المستقبل في النقل المستدام

رياضة السيارات الحديثة تتحول لورشة عمل لتجربة الابتكارات التقنية وتطبيقها

TT

شراكة السعودية و«الفورمولا إي»... تطلعات لصناعة المستقبل في النقل المستدام

جانب من سباقات «الفورمولا إي» (الشرق الأوسط)
جانب من سباقات «الفورمولا إي» (الشرق الأوسط)

قد لا يتخيل البعض أن الفوز في سباقات «الفورمولا إي» - النسخة الكهربائية من «الفورمولا» - قد يقتصر فقط على قوة المحرك والسرعة ومهارة السائق في التجاوزات فقط كما هي الحال في النسخة التقليدية، وإنما يتعداها إلى قدرة وإبداع المتسابق في كيفية إدارة عمر البطارية إلى نهاية السباق، وهذا ما يجعل النسخة الكهربائية أكثر تعقيداً من تلك التقليدية.

مع انطلاق سباقات «الفورمولا إي»، بادرت السعودية إلى رعاية الحدث بشكل مكثف عبر عدد من المبادرات؛ من الدخول في شراكات الترويج، واستضافات الجولات، إلى دعم الفرق المتسابقة، ليس لمجرد تحقيق عوائد تسويقية - وهو أمر مباح بالطبع - وإنما للدور الجديد الذي تلعبه الرياض في احتضان هذا النوع من الفعاليات، والمساهمة في صناعة المستقبل.

ورشة عمل أو مركز أبحاث

يشرح عدد من الخبراء أنّ «الفورمولا إي» هي ورشة عمل أو مركز أبحاث لتجربة واختبار التقنيات الجديدة في السيارات الكهربائية. وفي حال نجاح تلك التقنيات، يصار إلى إسقاط هذه التجربة على السيارات الكهربائية العادية. فجزء من الشغف في متابعة سباقات «الفورمولا إي» يكمن في متابعة كم تبقّى من قدرة البطارية مع نهاية جولات السباق...

وكان هناك عديد من الأمثلة، حيث تراجع أحد المتسابقين بالجولات النهائية في سباق لندن الأخير من المركز الرابع إلى الثالث عشر؛ بسبب نفاد الطاقة التخزينية في البطارية مما جعل المنافسين يتجاوزونه قبل نهاية السباق. وهذا ما يفسر كيف يمكن للسائق إدارة قدرات البطارية للبقاء على قيد الحياة حتى الانتهاء من الجولات.

جولات عديدة لسباقات «الفورمولا إي» (الشرق الأوسط)

3 ركائز

يقول جيف دودز الرئيس التنفيذي لـ«فورمولا إي»: «لم يكن لدينا مشجعون من اليوم الأول، والآن لدينا 400 مليون مشجع، ولم تكن سرعة السيارات قياسية، حيث كانت السرعة القصوى نحو 140 ميلاً في الساعة، والآن تتجاوز 200 ميل في الساعة، مع وجود 130 سباقاً في جميع أنحاء العالم».

وحول شراكة «صندوق الاستثمارات العامة» مع «الفورمولا إي»، قال دودز في تصريحات على هامش السباق الأخير في العاصمة البريطانية لندن: «حدث كثير خلال الأشهر الـ6 الأخيرة، تعادل سنوات مكثفة بالنسبة لـ(الفورمولا إي). وكلتا الجهتين، أي صندوق الاستثمارات العامة والفورمولا إي، منظمتان ذواتا أهداف متقاربة تتحدان معاً، كما أنهما منظمتان مبتكرتان تلتزمان بالاستدامة والتطور، وتجتمعان لتوليد كثير من الأفكار الرائعة، لذا نحن الآن في شراكة لمحاولة تعزيز التعلم عن الاستدامة وعن التغير الذي يمكننا إحداثه».

وأضاف حول رؤية «الفورمولا إي»: «عندما تأسست هذه السلسلة، قامت على 3 ركائز أساسية؛ الأولى كانت تنظيم سباق سيارات بمستوى عالٍ، لذا أردنا أن نكون في الوقت المناسب سباق السيارات الأبرز في العالم، والثانية كانت تطوير تقنية المركبات الكهربائية، وهذا يعود بالمنفعة المباشرة على تصنيع السيارات، والركيزة الثالثة كانت منصة تعليمية للتثقيف حول الكربون والمناخ والاستدامة. لذلك بالنسبة لنا الأمر لا يعني أن نجمع بينها، فهي موجودة معاً منذ البداية، وبالنسبة لنا هذه المبادئ الثلاثة تسير جنباً إلى جنب».

وزاد جيف دودز: «أعتقد بأن السباق هو ما يجلب الحماس. فنحن عندما نصور ونقوم بالبث التلفزيوني يتلهف الناس لمشاهدة السباقات لأنها حماسية، وهو أمر في غاية التشويق، والأجواء ذات تنافسية عالية، ولكننا نجدها فرصة للدخول إلى محادثة أكثر عمقاً للحديث عن تطوير التقنية والاستدامة».

وقال: «إذا وصلنا إلى نهاية العام بإنجازنا لموسم سباقات عالمية المستوى، حماسية جداً، من دون أن نوجه رسالة حول الاستدامة أو التطوير أو التقنية فيسكون عاماً غير جيد لي، لذلك هذه الأمور الثلاثة لها القدر نفسه من الأهمية، وجمعيها متساوية في عملنا».

مشاركة الجهات السعودية تهدف لصناعة مستقبل التنقل المستدام (الشرق الأوسط)

مشاركة «صندوق الاستثمارات العامة»

وتظهر الشراكات السعودية بوضوح من خلال وجودها في سباقات «الفورمولا إي»، يتصدرها «صندوق الاستثمارات العامة» - الصندوق السيادي السعودي - الذي دخل في شراكة «E360» مع بطولات سباقات المحركات الكهربائية العالمية، وهي: «فورمولا إي» لسباقات السيارات الكهربائية السريعة، و«إكستريم إي» لسيارات الدفع الرباعي الكهربائية، و«إي 1» للزوارق الكهربائية السريعة، وذلك بهدف تعزيز نمو رياضات المحركات الكهربائية وتطوير دورها في إحداث تقدم بمستقبل التنقل المستدام. وبحسب الصندوق، تمتد الشراكة لسنوات، حيث تشكل منصة لمبادرات تُبرز قوة رياضة المحركات الكهربائية، وقدرتها على تعزيز الابتكار التكنولوجي، وإحداث نقلة نوعية في مستقبل التنقل المستدام، كما ستكون ركيزة للمساهمة بجهود الحد من انبعاثات الكربون.

وتأتي هذه الخطوة ضمن جهود الرعاية الأوسع لـ«صندوق الاستثمارات العامة»، وتتماشى مع استراتيجية الصندوق في اختيار مجالات الرعاية، التي تركز على الاستثمار في الأفراد والمبادرات، والشراكات التي تتبنى الركائز الـ4 الاستراتيجية للصندوق: الشمولية، والاستدامة، والشباب، والتكنولوجيا.

كما تأتي ضمن مساعي برنامج الرعايات الخاص بالصندوق، الذي يقدم كثيراً من الفرص عبر الاستثمار في الأفراد والمبادرات، والشراكات التي تحقق تأثيراً إيجابياً على الساحة العالمية. ويعمل «صندوق الاستثمارات العامة» على تحفيز التحول على مستوى العالم.

«الفورمولا إي» ورشة عمل لتجربة التقنيات على وسائل التنقل (الشرق الأوسط)

وتسهم الشراكة في تعزيز الفرص التعليمية في مجال هندسة رياضات المحركات الكهربائية، وتعزيز جودة الحياة، وتعزيز التحول في الرياضة محلياً وعالمياً، التي ستُمكّن شراكة الصندوق لجميع بطولات سباقات المحركات الكهربائية الـ3 من تقديم مبادرات رائدة بينها، فعاليات «بي إي إف إلكتريك 360» للقيادات، التي تجمع بين كبار الخبراء والقيادات في قطاعات مختلفة لتسريع التحول في مجال التنقل المستدام. بالإضافة إلى مبادرات تعليمية في مجال العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في السعودية، بالتزامن مع كل سباق من سباقات البطولات الـ3، وبرامج التدريب المهني مع شركاء الصناعة والتقنية في كل بطولة، والمبادرات تُبرز قوة رياضة المحركات الكهربائية، وقدرتها على تعزيز الابتكار التكنولوجي وإحداث نقلة نوعية في مستقبل التنقل المستدام، كما ستكون ركيزة للمساهمة بجهود الحد من انبعاثات الكربون.

ووفقاً للمعلومات، تؤكد مشاركة «صندوق الاستثمارات العامة» في قطاعات الرياضات الكهربائية التزام الصندوق بقيادة الابتكار التكنولوجي الجديد في المجال البيئي، وتعزيز مستقبل أنظمة النقل والتنقل المعتمدة على الكهرباء، وهي ضمن سياق الالتزام بالاستدامة.

دعم الابتكار

وبحسب معلومات حصلت عليها «الشرق الأوسط»، فإن مفهوم دعم الابتكار في مجال الاستدامة ومستقبل التنقل يمثل إحدى الركائز الرئيسة لاستراتيجية «صندوق الاستثمارات العامة»، حيث يحرص على تعزيز شراكات الاستراتيجية مع شركاء محليين ودوليين، كما يستثمر في التعاون المبتكر انطلاقاً من شعاره «نستثمر للأفضل».

ومن ضمن استراتيجيته لدفع التحول الاقتصادي وتحقيق مستهدفات «رؤية 2030»، يعمل الصندوق على تطوير مستقبل التنقل المستدام في السعودية، بما في ذلك الاستثمار في قطاع السيارات الكهربائية، والاستثمار في التعدين بوصفه قطاعاً استراتيجياً ومصدراً للمواد الأولية اللازمة لصناعة البطاريات.

تقول هوازن نصيف، المديرة المكلفة الاستدامة في «صندوق الاستثمارات العامة»: «يعد الصندوق أحد المستثمرين الأكثر تأثيراً في القطاع الرياضي؛ لأننا نؤمن بقدرة الرياضة على إحداث التغيير الإيجابي في المجتمعات. فمن خلال الترويج للرياضات المستدامة مثل (الفورمولا إي) و( إي 1) و(إكستريم إي)، يمكننا تعزيز الممارسات المسؤولة، والعمل للحد من تغير المناخ، ودعم الانتقال إلى الطاقة النظيفة والمتجددة».

في المقابل، تؤكد «الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك)» أنها عملت بشكل وثيق مع «الفورمولا إي» لدمج حلولها المستدامة في منظومة أعمال السباق العالمي، حيث أسهم الجمع بين ثقافة الابتكار المستمر في تقديم حلول جديدة للسيارات الكهربائية تعزز تحويل الحياد الكربوني إلى واقع ملموس.

القطاعات ذات الأولوية

يُعدّ قطاع المركبات والتنقّل من ضمن القطاعات المحلية الاستراتيجية ذات الأولوية الـ13 التي يركّز عليها «صندوق الاستثمارات العامة» في استثماراته. ولهذا، أطلق الصندوق أول علامة تجارية وطنية للسيارات الكهربائية في السعودية «سير»، كما دعم تأسيس الأكاديمية الوطنية للمركبات والسيارات في المملكة؛ وذلك في إطار استثماراته على كامل مستوى المنظومة بهدف بناء قطاع محلي متكامل وجاهز للمستقبل.

ويوفّر قطاع المركبات والتنقل فرصاً متنوعة، وعديداً من الوظائف التي تتطلّب مهارات عالية، كما يُسهم في رفع الناتج المحلّي الإجمالي غير النفطي، وتمكين القطاع الخاص، وتعزيز مجالات البحث والتطوير، وسد الثغرات في القدرات على المستوى الإقليمي.

«تسارع»

أسس «صندوق الاستثمارات العامة» شركة «تسارع» للاستثمار في قطاع السيارات والتنقل، بوصفها شركةً استثماريةً تهدف إلى تسريع عجلة نمو قطاع السيارات والتنقل في المملكة، وقيادة استثمارات استراتيجية وشراكات مع شركات القطاع الخاص المحلية والدولية، لتمكين النمو المستدام وإتاحة الفرص عبر مجالات التنقل محلياً؛ دعماً لجهود المملكة لتصبح رائدة عالمياً في هذا القطاع الحيوي. وتدعم «تسارع» توجه الصندوق للوصول إلى الحياد الصفري بحلول عام 2050.

كما أطلق الصندوق شركة «البنية التحتية للسيارات الكهربائية» بالشراكة مع الشركة السعودية لتطوير بنية تحتية عالية الجودة لدعم خدمات الشحن السريع للسيارات الكهربائية في البلاد، وتسريع الانتقال إلى المركبات الكهربائية، وتعمل الشركة على توفير أكثر من 5 آلاف شاحن سريع بحلول 2030.

الشراكات السعودية

وتدخل السعودية في عدد من الشراكات، حيث يرعى السباق كل من «صندوق الاستثمارات العامة» و«مجموعة الخطوط السعودية»، وشركة «سابك»، بالإضافة إلى مشاركة «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG») مع فريق «دي إس أوتوموبيل»، ومشاركة «نيوم» الاستراتيجية مع شركة «ماكلارين ريسينغ».


مقالات ذات صلة

نوريس متفائل بسرعة مكلارين رغم احتكار مرسيدس الصف الأول في مونتريال

رياضة عالمية لاندو نوريس (إ.ب.أ)

نوريس متفائل بسرعة مكلارين رغم احتكار مرسيدس الصف الأول في مونتريال

قال لاندو نوريس، حامل اللقب، إن فريق مكلارين يمكنه الحصول على دفعة كبيرة من احتلاله المركز الثالث بالتجارب التأهيلية لسباق «جائزة كندا الكبرى» ضمن بطولة العالم.

«الشرق الأوسط» (مونتريال)
رياضة عالمية نادي السيارات الألماني (د.ب.أ)

نادي السيارات الألماني يرفع رسوم العضوية لأول مرة منذ 6 سنوات

قرر نادي السيارات الألماني رفع رسوم العضوية السنوية لأول مرة منذ 6 سنوات، وذلك عقب موافقة المندوبين خلال الجمعية العمومية التي عقدت في مدينة شباير الألمانية.

«الشرق الأوسط» (برلين)
رياضة عالمية لويس هاميلتون سائق «فيراري» (أ.ب)

هاميلتون بكى فرحاً بعد تتويج آرسنال

اعترف لويس هاميلتون بأنه بكى فرحاً بعد فوز آرسنال بالدوري الإنجليزي الممتاز، وذلك عندما تحول الحديث إلى كرة القدم، الخميس، قبل انطلاق سباق جائزة كندا الكبرى.

«الشرق الأوسط» (مونتريال )
رياضة عالمية حادث مروع لماركيز أدى لكسرين خلال جائزة كاتالونيا الكبرى نهاية الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)

موتو جي بي: أليكس ماركيز يغيب عن جائزتي إيطاليا والمجر على الأقل

يغيب الدرّاج الإسباني أليكس ماركيز عن سباقين على الأقل في بطولة العالم للدراجات النارية (موتو جي بي)، بعد تعرضه لكسرين في حادث مروّع.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
رياضة عالمية كيمي أنتونيلي (أ.ف.ب)

«جائزة كندا الكبرى»: أنتونيلي لمواصلة سلسلة انتصاراته بفوز رابع توالياً

يسعى سائق مرسيدس الإيطالي، كيمي أنتونيلي، لمواصلة سلسلة انتصاراته بفوز رابع توالياً، عندما يخوض جائزة كندا الكبرى، بهدف تعزيز فرصه في إحراز لقب بطولة العالم.

«الشرق الأوسط» (مونتيريال)

تذبذبات الدولار... هل تنعش «السوق السوداء» للعملة في مصر؟

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
TT

تذبذبات الدولار... هل تنعش «السوق السوداء» للعملة في مصر؟

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)

وسط تذبذب سعر الدولار الأميركي، تواصل السلطات المصرية ملاحقة من يتاجرون في النقد الأجنبي خارج السوق الرسمية. فعلى مدار 3 أيام، تمكنت وزارة الداخلية من ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة، بقيمة مالية تجاوزت 20 مليون جنيه (377.3 ألف دولار).

وقد أثارت الملاحقات الأمنية التي تعلن عنها «الداخلية» يومياً، تساؤلات حول «انتعاش السوق السوداء مجدداً في البلاد». وبينما رهن بعض الخبراء عودة «السوق السوداء» بعدم «توفُّر العملة في البنوك»، رأى مراقبون أنَّ «استمرار الملاحقات يشي بوجود (السوق السوداء) للعملة، وأن هناك من يتاجرون خارج السوق الرسمية».

وشهدت مصر أزمة سابقة في توفر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار وسعره في «السوق السوداء». وأثَّرت الأزمة حينها على توفر السلع والخدمات، ما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«اتباع سعر صرف مرن للجنيه» ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 53 جنيهاً.

وأكدت «الداخلية» في إفادة، مساء السبت، أنها «تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع في النقد الأجنبي والمضاربة في أسعار العملات خارج السوق المصرفية، لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي».

يأتي هذا في وقت انخفضت فيه العملة الأميركية، يوم الأحد، بعد موجة ارتفاعات سجلتها على مدار الأيام الماضية؛ حيث سجلت في معظم البنوك أدنى مستوى وهو 53 جنيهاً.

واستمر تذبذب سعر الدولار في البلاد، فبعدما صعد بعد الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً إلى أكثر من 55 جنيهاً، شهد تراجعاً، ثم عاد إلى الارتفاع الطفيف، ثم انخفض مجدداً في تداول الأحد.

مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على فيسبوك)

ووجَّه الرئيس عبد الفتاح السيسي، الحكومة، الشهر الماضي، بـ«ضرورة مواصلة العمل على تدبير الاحتياجات الدولارية لتوفير مستلزمات الإنتاج، وتعزيز مخزون استراتيجي من السلع المختلفة».

وفي هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي، مصطفى بدرة، أن «ما يحدث الآن هو أن البعض يكتنز الدولار، ولكن أن تكون هناك متاجرة خارج نطاق السوق المصرفية، فهي ليست العامل الكبير لتغيير سعر الصرف». ودلَّل على أن «السلطات تضبط المتلاعب بالعملة ثم تحوِّله بعد إجراءات قانونية للنيابة، ثم إلى المحكمة التي تتخذ قراراً بإدانته أو الإفراج عنه؛ وهذا لا يحرك السوق اليوم».

ويضيف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «ما يحرك السوق اليوم هو زيادة المعروض في العملة الأجنبية، ما يؤثر في سعر الصرف الأجنبي».

آلية أخرى تحدَّث عنها بدرة، وهي «عندما يكون هناك تحسُّن في آليات جذب العملة الأجنبية إلى البلاد وتحسُّن في قيمة الجنيه، تبدأ العملات الأجنبية -بما فيها الدولار- في الانخفاض». ويشير إلى أنه «في حال عدم توفر العملة في البنوك تظهر السوق السوداء، ولكن ما دامت العملة متوفرة لأي مستثمر بالسعر الرسمي المعلن، فلماذا يلجأ للسوق السوداء؟».

وينص القانون المصري على معاقبة من يمارس «الاتجار في العملة» بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات، ولا تزيد على 10 سنوات، وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تتجاوز 5 ملايين جنيه، بينما تصل عقوبة شركات الصرافة المخالفة إلى إلغاء الترخيص وشطب القيد من السجل.

مصري يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)

كما يرى بدرة أن «آلية تذبذب الدولار هي الباعث الأساسي أو الرافد الأساسي للسوق السوداء». ويشير إلى «عدم ظهور أزمة لتدبير العملة بالنسبة للحجاج المصريين هذا الموسم، على عكس شكاوى البعض خلال سنوات ماضية من عدم توفر العملة، وهذا يدل أن الدولة دبَّرت احتياجات المسافرين من العملات الأجنبية لموسم الحج، رغم ما يحدث منذ الحرب الإيرانية من خروج للأموال الساخنة».

وتؤكد الحكومة بشكل متكرر «حرصها على توفير الاعتمادات المالية اللازمة للحفاظ على استقرار الخدمات الأساسية والسلع الاستراتيجية للمواطنين».

من جهته، قال الخبير الاقتصادي رشاد عبده، إن «المحدد الرئيسي لتحديد سعر الصرف، هو قوى العرض والطلب». ويرى أن «قوى العرض والطلب ليست ثابتة بسبب المتغيرات الإقليمية التي تسببت في رفع سعر الدولار، منذ بدء الحرب الإيرانية. ولكن مع الإعلان عن اتفاق، مساء السبت، تذبذب سعر الدولار نحو الانخفاض». ويشير إلى أن «هناك عوامل كثيرة تتحكم في سعر الدولار».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «البعض يرى في شراء الدولار الآن فائدة؛ خصوصاً مع تصاعد حديث عن ارتفاع سعره خلال الأشهر المقبلة في البلاد، ومن هنا تنشط وزارة الداخلية في ضبط كثير من القضايا».

مقر البنك المركزي المصري (صفحة البنك على فيسبوك)

لكن عبده يرهن «عودة السوق السوداء بعدم توفر الدولار في البنوك بالنسبة للمستثمرين، ولكن ما دام متوفراً -كما هو حالياً- فلا توجد سوق سوداء». ويقول إن «الفاصل في انتعاش السوق السوداء من جديد هو مدى قدرة البنوك على تلبية احتياجات المستوردين والمستثمرين، والإفراج عن البضائع في الجمارك».

وأكد وزير المالية أحمد كجوك، في أبريل (نيسان) الماضي، أن «الموازنة العامة للدولة للعام المالي المقبل اعتمدت 47 جنيهاً كمتوسط لسعر الصرف، بناء على سعر الصرف السائد في تاريخ إعداد الموازنة».

وحسب المراقبين: «يعدُّ سعر الدولار بالموازنة سعراً استرشادياً لتحديد حجم الموازنة، وبالتالي يمكن أن ينخفض أو يزيد عليه وفق مرونة سعر الصرف وتدفقات موارد العملة».


تركيا والصين واليابان تقود تسييل ديون واشنطن

أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

تركيا والصين واليابان تقود تسييل ديون واشنطن

أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تواجه البنية التحتية للنظام المالي العالمي المبني على هيمنة الورقة الخضراء اختباراً غير مسبوق؛ حيث تكشف البيانات المالية الصادرة عن الأسواق عن موجة «تسييل جماعي» متزامنة لسندات الخزانة الأميركية تقودها كبرى الاقتصادات العالمية والناشئة، مما يثير مخاوف جدية حول بدء تفكك القواعد التقليدية التي استندت إليها المديونية السيادية الأميركية لعقود.

وفي تطور دراماتيكي لافت، أقدمت تركيا على بيع نحو 89 في المائة من إجمالي حيازاتها من السندات الأميركية في غضون شهر واحد فقط؛ حيث هوت أرقام حيازتها من 15.7 مليار دولار في فبراير (شباط) الماضي إلى 1.8 مليار دولار فقط في مارس (آذار)، في خطوة تؤكد تخلي أنقرة شبه الكامل عن الديون الأميركية كأداة احتياطية.

هروب لكبار الدائنين

لم تكن الخطوة التركية معزولة عن مشهد أوسع يقوده كبار حاملي الديون الأميركية تاريخياً، وتحديداً اليابان والصين؛ تحت وطأة ضغوط العرض والوقود والتبعات الاقتصادية للحرب المستمرة في الشرق الأوسط ومضيق هرمز. وتظهر البيانات الصادمة الأبعاد التالية:

  • الصين: خفّضت بكين حيازاتها بمقدار 42 مليار دولار في شهر مارس وحده، لتهبط بمحفظتها إلى 652.3 مليار دولار، وهو المستوى الأدنى لها منذ عام 2008، مواصلةً خطتها الاستراتيجية لتقليل الاعتماد العضوي على الدولار وتدويل اليوان.
  • اليابان: الدائن الأكبر لواشنطن، لم تكن بمعزل عن هذه «الحمى»؛ إذ تخلصت طوكيو من نحو 47 مليار دولار من السندات خلال ذات الفترة، في خطوة وُصفت بأنها أضخم عملية تسييل يابانية تشهدها الأسواق منذ نحو ثلاثة عقود، وذلك بهدف توفير السيولة النقدية والدفاع عن عملتها المحلية (الين) أمام تداعيات أسعار الطاقة الوافدة.

كماشة النفط والدفاع عن العملات

ويرى محللو أسواق المال أن هذا الانسحاب الجماعي - الذي تسبب في تراجع إجمالي الديون الأميركية المملوكة لأطراف أجنبية بنحو 240 مليار دولار في شهر واحد - ليس مجرد مناورة سياسية، بل هو نتاج ضغوط اقتصادية حادة؛ إذ إن القفزة القياسية لأسعار النفط العالمية التي بلغت نحو 80 في المائة منذ فبراير (شباط) الماضي، أجبرت البنوك المركزية حول العالم على تسييل أصولها المقومة بالدولار (وفي مقدمتها السندات) لتمويل فاتورة استيراد الطاقة الباهظة ودعم استقرار عملاتها الوطنية.

ويتفق المراقبون في نيويورك على أن هذا التراجع الحاد في قاعدة المشترين الدوليين يمثل المعضلة الأكبر لإدارة ترمب ومجلس الاحتياطي الفيدرالي على حد سواء؛ حيث يتزامن هذا «الهجران الجماعي» للسندات مع تنامي الاحتياجات التمويلية الضخمة لواشنطن لتغطية عجز الموازنة، مما يضع نظام الدولار أمام حقيقة رقمية قاسية، مفادها أنه «عندما تشتد الضغوط الهيكلية، لم يعد الاحتفاظ بالديون الأميركية خياراً آمناً»، وهو ما سيدفع تكاليف الاقتراض الأميركية نحو مستويات حرجة قد تعيد صياغة النظام النقدي العالمي بالكامل.


رياح السندات تباغت واشنطن... وحمى العوائد تختبر كفاءة «أجندة ترمب»

لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
TT

رياح السندات تباغت واشنطن... وحمى العوائد تختبر كفاءة «أجندة ترمب»

لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)

تواجه الإدارة الأميركية، برئاسة الرئيس دونالد ترمب، اختباراً معقداً وغير متوقع في إدارة دفة السياسة الاقتصادية؛ حيث لم تعد الضغوط نابعة من كواليس غرف القرار السياسي فحسب، بل من قوة سوقية هائلة ومستقلة إلى حد كبير؛ تتمثل في «سوق السندات الأميركية» التي بدأت تفرض شروطها، وتختبر مدى تحمل واشنطن لارتفاع تكاليف الاقتراض السيادي.

وبينما يتحدث البيت الأبيض عن إحراز تقدم ملموس نحو صياغة اتفاق سلام لإنهاء الحرب المستمرة منذ 3 أشهر مع إيران، ركّز مستثمرو سندات الخزانة على التداعيات التضخمية طويلة الأجل والشكوك المحيطة بفرص التهدئة المستدامة؛ وهو ما دفع عوائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات إلى تجاوز عتبة 4.5 في المائة بشكل حاد، لتلامس مستوى 4.69 في المائة مؤخراً، وهو الأعلى لها منذ يناير (كانون الثاني) 2025.

كماشة الفائدة وتكلفة المعيشة

وينعكس هذا الصعود المتسارع في عوائد السندات مباشرة على تكاليف الاقتراض في مختلف مفاصل الاقتصاد الأميركي، بدءاً من القروض العقارية، مروراً ببطاقات الائتمان، وصولاً إلى قروض الشركات؛ ما يُهدد الاستقرار المالي الإجمالي.

وفي هذا السياق، يرى غريغ فارانيلو، رئيس استراتيجية الأسعار الأميركية في مؤسسة «أميري فيت سيكيوريتيز»، أن السوق بدأت تفرض نوعاً من «الألم الاقتصادي»، مشيراً إلى أن المستويات الراهنة ستلقي بظلالها حتماً على قطاع الإسكان والتمويل العقاري، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ويتزامن هذا التوتر المالي مع مخاوف عميقة تعصف بموظفي البيت الأبيض تتعلق بالقفزة المستمرة في أسعار وقود السيارات (البنزين)، والتي باتت تُشكل المصدر الأكبر للقلق الإداري حالياً. ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه مسؤولو مجلس الاحتياطي الفيدرالي مناقشة خيارات رفع أسعار الفائدة بوصفها أداة وحيدة لكبح جماح التضخم، بدلاً من خفضها كما يُطالب ترمب بانتظام؛ ما يضع السياسة النقدية والمالية في مسار متقاطع ومربك للأسواق.

رهانات الخريف وخيارات المناورة المحدودة

وتكتسب هذه الضغوط الاقتصادية بُعداً سياسياً بالغ الحساسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، والتي ستُحدد مصير السيطرة الجمهورية الهشة على مجلسي النواب والشيوخ؛ إذ يُثير إنفاق إدارة ترمب الطموح مخاوف بعض المشرعين من تفاقم العجز المالي.

وفي هذا الصدد، يؤكد خبراء أن معيار «القدرة على تحمل التكاليف» بات الكلمة الأكثر تردداً في أروقة واشنطن؛ نظراً لأن مستويات الفائدة الحالية قد تؤدي إلى تبريد الطلب على الإسكان، والضغط على إنفاق المستهلكين، وفي أسوأ السيناريوهات، دفع الاقتصاد نحو الركود.

وفي المقابل، تسعى الإدارة الأميركية إلى تهدئة روع المستثمرين عبر رسائل تطمينية؛ إذ صرح وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، بأن الارتفاع الحالي في العوائد، خصوصاً في الآجال الطويلة للمنحنى، مدفوع أساساً بصدمة الطاقة الناتجة عن حرب إيران، مؤكداً أنها «ضغوط مؤقتة» ستزول بزوال مسبباتها الجيوسياسية.

وفي السياق ذاته، أكد المتحدث باسم البيت الأبيض، كوش ديساي، أن التركيز يظل منصباً على الأجندة طويلة الأجل لترمب، والتي تستهدف تسريع النمو، وخفض البيروقراطية، ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي لاستعادة الحيوية المالية.

قوة السوق ومقصلة الـ5 %

تاريخياً، لطالما شكّلت سوق السندات قوة سياسية قادرة على صياغة السياسات في واشنطن التي تحتاج دوماً للحفاظ على ثقة المستثمرين لتمويل ديونها المتنامية؛ وهي المفارقة التي لخّصها المستشار السياسي الأسبق جيمس كارفيل في تسعينات القرن الماضي، بقوله إنه يرغب في أن يعود للحياة على هيئة «سوق السندات» لقدرتها العالية على إخافة الجميع وترهيبهم.

ويرى الخبراء والمحللون أن خيارات واشنطن للتدخل وكبح جماح العوائد تظل محدودة للغاية، حتى لو قفزت الأسعار إلى «مستوى الألم الحرج» المقدر بنحو 5 في المائة؛ فالارتفاع الحالي مدفوع بقوة النمو الاقتصادي وعناد التضخم المرتبط بالوقود، وليس بمخاوف ائتمانية تتعلق بالقدرة على السداد. وبالتالي، فإن أي تدخل حكومي عنيف أو مصطنع قد يقوّض مصداقية الدولة في معركتها ضد التضخم، ويأتي بنتائج عكسية تؤدي إلى تفاقم الضغوط الصعودية للعوائد، ما يبقي الاقتصاد الأميركي معلقاً بين مرونة قطاع الشركات وقواعد اللعبة الصارمة لأسواق المال.