«الناشط السياسي».. ظاهرة تربك المصريين

وظيفة تغري بتحقيق الشهرة والثراء السريع

«الناشط السياسي».. ظاهرة تربك المصريين
TT

«الناشط السياسي».. ظاهرة تربك المصريين

«الناشط السياسي».. ظاهرة تربك المصريين

وجوه جاءت واختفت في الضباب ولم يعد يتذكرها أحد إلا بالكاد. كان «دومة»، الشاب المصري الذي يضع طاقية على رأسه، ناشطًا سياسيًا، واليوم هو في السجن. مثل عشرات آخرين طواهم المجهول، لم يأتِ اسمه على لسان أي مرشح من ألوف المرشحين لانتخابات البرلمان الجديد. وفي الجانب الآخر حملت فتيات مثل «إسراء»، ابنة القاهرة، لقب ناشطة لأكثر من سنتين، واحتلت شاشات التلفزيون، إلى أن نزل الستار وانطفأت الأضواء. ومع ذلك جاءت طائفة جديدة من هذه الشريحة التي تحمل صفة «ناشط سياسي» لتتسبب في إرباك المشهد، وإخافة المصريين من المستقبل. صراخ على شاشات التلفزيون وتهويل على واجهات الصحف.
جسم غريب خرج للمرة الأولى من قمقم الثورة واستمر يثير الفزع بعد ذلك فوق كباري القاهرة، في وقت كانت فيه البلاد تعاني من مشكلات سياسية واقتصادية وأمنية جراء الانتفاضة التي أطاحت بحكم الرئيس الأسبق حسني مبارك وما تلاها من تداعيات. جسم غريب لكنه أخذ يتآكل وينكمش رويدا رويدا. واليوم بعد أن جرى الانتهاء من انتخاب أول برلمان في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، تستطيع أن تجلس على ضفة النيل وتدفئ نفسك بشرب «خليط حُمُّص الشام» الحار من الأكواب الطويلة. وتتأمل ظاهرة «النشطاء». كيف بدأت وإلى أين يمكن أن تنتهي.

من فراغ الحياة الحزبية في مصر، وخلال أقل من أربع سنوات، طفا كثير من الأسماء على السطح. اليوم.. يسأل بائع «حُمُّص الشام» من تحت كشافات الكوبري عمن كانوا يحملون صفة «نشطاء سياسيين» في الأيام الأولى للثورة. أين اختفوا؟ يسأل عن شاب مثل وائل غنيم، الذي حقق في وقت وجيز شهرة دولية. لماذا لم يرشح نفسه في انتخابات البرلمان الحالية؟ يقلِّب البائع «الحُمُّص» ويقدمه للزبون، ويعود ليسأل مرة أخرى عن أسماء كانت تملأ الدنيا ضجيجًا عن فساد السلطة وغياب الحريات، لا إجابة. هكذا بكل بساطة. ثم ماذا عن النشطاء الجدد الذين أثاروا، لشهور، الذعر في العاصمة بسبب «القنابل البدائية»؟
كان يوجد في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك أكثر من عشرين حزبا سياسيا. كانت أحزابا هشة. وزاد عدد الأحزاب منذ «الثورة» حتى الآن إلى قرابة المائة حزب، لكنها لم تتمكن، على ما يبدو، من إقناع عامة الشعب بالانخراط فيها أو التفاعل معها. مرت من هنا جحافل الجماعات الدينية ومرت جماعات الاشتراكيين والناصريين واليمينيين، لكن حين تنظر لا تجد لها أثرا.
حتى بعد الإطاحة بحكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، ظلت غالبية الأحزاب بقادتها وكوادرها تقف كالمتفرج من بعيد. فشرارة الثورة الأولى خرجت من تحت أصابع الشبان المحترفين على مواقع التواصل الاجتماعي، وأحداث الثورة الثانية ولدت على أيدي شبان آخرين أقنعوا المصريين بـ«التمرد».
* ناشطون «متخصّصون»
بغض النظر عمَّن حملوا صفة «نشطاء» وفشلوا في استكمال المسيرة، وخسروا استحقاق اللقب لأسباب مختلفة، مثل «غنيم» و«دومة» و«إسراء»، إلا أن العامل المشترك يبدو أنه يتلخص في أن معظم هؤلاء لم تكن لديه «سابقة أعمال سياسية يعتد بها». يقول المحامي الشاب الذي شارك في الثورتين، كريم راضي، وهو مدير «مبادرة محامين من أجل الديمقراطية»، إن هذا الوضع الغريب ينطبق أيضًا على من ورثوا صفة «الناشط السياسي» بعد «ثورة» 2013 وحتى اليوم. ويضيف: «الأمر اتخذا أبعادا جديدة بظهور تسميات أخرى مثل (الناشط الحقوقي) و(الناشط الإعلامي)، بينما لا تعرف ما هي وظيفته الأصلية».
بدأ لقب «الناشط السياسي» يتكوّن في أفق الحياة المصرية بشكل واضح بعد أن احتلت الجماهير الغاضبة ميدان التحرير لإجبار مبارك على الخروج من السلطة. وقتها وجد عشرات الشبان والفتيات أنفسهم أمام الكاميرات المسلطة عليهم.. تطلب منهم أن يتحدثوا وأن يفسروا ما يحدث وعن أهدافهم. ومن خلال هذا الحراك الشعبي والغياب الحزبي «ظهر كثير من الناس بشكل غير مفهوم»، كما تقول داليا زيادة، وهي شابة تشغل مديرة مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية. وتضيف: «كثيرٌ من هؤلاء لم يكن لهم أي سابقة أعمال أو تاريخ يستندون إليه. كان الإعلام يبحث عن طريقة لتوصيفهم ووجد أقرب شيء هو مصطلح (ناشط سياسي)».
ومع ذلك توجد ملاحظة تتعلق بالتحول الذي طرأ على «النشطاء السياسيين» خلال السنوات الأربع الأخيرة، كما يقول محمد عبد اللطيف، وهو شاب محامٍ وعضو في ائتلاف الشباب الاشتراكي الذي تكوَّن خلال «الثورة». ففي البداية كانت الظاهرة ترتبط بوجود هؤلاء «النشطاء» في الشوارع وسط المظاهرات والاحتجاجات، لدرجة أن كثيرا منهم دُعي لاجتماعات مع قيادات الدولة أثناء عملية البحث عن طريق جديد لفترة ما بعد مبارك ثم فترة ما بعد مرسي.
ويضيف عبد اللطيف: «الثورة أدت إلى أزمة اقتصادية، ومن هنا عزف الناس عن المظاهرات. أدى ذلك إلى اختفاء (النشطاء) الذين ارتبطت أسماؤهم بتقلبات الشارع وحرائق الميادين والصدامات مع قوات الأمن في ذلك الوقت، وحل محلهم جيل جديد يطمح إلى الشهرة ويحترف التنظير دون علم في وسائل الإعلام، إلى درجة إصابة الناس بالإحباط والذعر. لهذا أصبح الاستمرار في استخدام لقب (ناشط) مثيرا للسخرية».
في كواليس قناة تلفزيونية يملكها رجل أعمال موالٍ للحكومة جلس معدّ القناة يلقّن الضيف، وهو «ناشط» جديد، بما ينبغي أن يقوله في الحلقة. المطلوب اتهام عناصر جماعة الإخوان التي تصنفها الدولة كـ«منظمة إرهابية» بأنهم وراء غرق مدينة الإسكندرية في مياه الأمطار، لأنهم سدوا بالوعات صرف المياه بالإسمنت.
* انتشار.. ودولار
غالبية الضيوف في القنوات المصرية لا يتقاضون مكافأة عن المشاركة في الحلقة، لكن انتشاره إعلاميا يسهل استضافته بعد ذلك في قنوات عربية وأجنبية تدفع بالدولار واليورو، إضافة إلى الشهرة والنفوذ. وعقب الحلقة أجاب الضيف وهو يهم بركوب سيارة التلفزيون التي جاءت به عما إذا كان لديه أدلة على قيام الإخوان بسد مصارف ثاني أكبر المدن المصرية، قائلا بكل بساطة: «هؤلاء يفعلون أي شيء».
المصري أطلق على نفسه قديمًا وصف «الرجل القادر على دهان الهواء بالطلاء»، للتعبير على قدرته على فعل أي شيء يمكن أن تتخيله أو لا تتخيله. ومع ذلك لديه من الإدراك ما يمكن أن يميز به الغث من السمين، رغم فقر الحال إجمالا. ففي أقل من شهر تمكن الملايين من حشد أنفسهم للإطاحة بحكم جماعة الإخوان، وكان من بين من هتفوا بـ«سقوط حكم المرشد» في ميدان التحرير بائع «حُمُّص الشام»، وعدد من زبائنه الذين يترددون عليه فوق كوبري الجامعة الشهير الواصل بين محافظتي القاهرة والجيزة.
على جانبي الكوبري تتقاطع المئات من لافتات الدعاية الانتخابية التي تروّج لمرشحين للبرلمان الذي سيبدأ أعماله خلال أيام.. أسماء معروفة بانتمائها إلى الحزب الذي كان يرأسه مبارك، وأخرى من أحزاب المعارضة التقليدية وشخصيات مستقلة. لم يكن هناك اسم يذكر ممن يحمل لقب «ناشط سياسي». يراقب عمرو عمارة، قائد الشباب المنشقين عن جماعة الإخوان، مجريات العملية الانتخابية وهو يقول بكل وضوح إنه رفض أكثر من مرة أن تطلق عليه وسائل الإعلام لقب «ناشط سياسي.. هذا وصف أصبح ممقوتًا».
ويضيف عمارة أن مصطلح «ناشط سياسي» انتشر «كالنار في الهشيم خلال السنوات الأربع الأخيرة، لكنه ارتبط في كثير من الأحيان بالبحث عن الارتزاق والمكسب المادي. أنا ضد هذا المصطلح لأنه تحول إلى وظيفة لمن لا وظيفة له. ويقول كثير ممن يظهرون على شاشات التلفزيون تحت اسم (ناشط)». إن وسائل الإعلام هي التي أطلقت عليهم هذا الاسم. ويدرك عدد من هؤلاء، على ما يبدو، أن اللقب لم يعد يعني شيئا ذا قيمة. لهذا يسعى بعضهم، مثل عمارة، إما للانخراط في أحد الأحزاب السياسية، وإما لتأسيس حزب جديد، لكي يكون مقنعا للرأي العام.
* معنى فارغ
حتى المحلل السياسي محمد العزبي، يتكلم عن أنه لاحظ في الفترة الأخيرة إدراك الرأي العام للمعنى الذي أصبح فارغًا لكلمة «ناشط». هذا المصطلح ظهر في غفلة من الزمن وانتشر في الإعلام المرئي والمواقع الإخبارية، و.. «أرى أنه في طريقه إلى الزوال». هناك «ناشط» استعانت به إحدى القنوات للهجوم على دول صديقة، و«ناشط» آخر ظل في وقت سابق يضخم من قدرات الإرهاب على ضرب القاهرة حتى أصاب الناس بالذعر والخوف من الخروج إلى الشوارع.
يعود راضي للتذكير بأن «أكثر من تكلّموا باسم الثورة، في بدايتها، كانوا انتهازيين.. هذا تسبب في تشتيت القوى الثورية وإضعاف الحركة المطالبة بالديمقراطية وإرباك المشهد برمته سواء للسلطة أو للشارع السياسي نفسه». صفة «الناشط السياسي» ظهرت منذ القدم في كثير من دول العالم، لكنها أطلقت على شخصيات تمكّنت من إحداث تغيير في بلدانها. وارتبط الاسم أيضًا بقيادات في بلدان مختلفة استمرت لسنوات تسعى لتحقيق مكاسب سياسية من خلال الإضرابات والمظاهرات والمفاوضات. كانت الصفة تعبر عن تيار اجتماعي أو آيديولوجيا، وذلك من خلال حزب أو ائتلاف محدد المعالم، له خطاب واضح يعكس مطالبه وأهدافه.
* دور المراسلين الأجانب
هذا لم يحدث في «الثورة» المصرية. كان المراسلون يفدون إلى ميدان التحرير ويسألون عمّن هو الزعيم. وحيث إنه لم تكن هناك إجابة، استعان إعلاميون أجانب وهم يلهثون لكتابة قصص منطقية للقراء، بمصطلح «activist» أي «ناشط» على الشبان والفتيات المتحمّسين. ولهذا تقول داليا زيادة إن كلمة «ناشط» جاءت بهذه الطريقة من الإعلام في ذلك الوقت المبكر من «الثورة».
زيادة ولدت مع بداية حكم مبارك في مطلع ثمانينات القرن الماضي. وهي من جيل مصري يطمح إلى صنع مستقبل أفضل لبلاده. واختارتها مجلة «نيوزويك» الأميركية ضمن أكثر 150 سيدة مؤثرة على مستوى العالم. وتقول إنه مع ثورة يناير (كانون الثاني) «ظهر كثير من الناس بشكل غير مفهوم. لم يكن لهم أي سابقة أعمال أو تاريخ يستندون إليه. كان الإعلام يبحث عن طريقة لتوصيفهم ووجد أقرب شيء هو لقب (ناشط). هذه التسمية ظهرت في الإعلام الغربي أولا، وبعد ذلك جرى ترجمتها إلى اللغة العربية. وبدأ استخدامها كصفة منذ ذلك الوقت حتى الآن».
وتضيف قائلة إن مصطلح «الناشط السياسي» غير عملي، فالسياسي يفترض أن ينتمي إلى حزب وأن يمارس العمل السياسي، إلى جانب مهنته الأساسية، أما «الناشط السياسي» أو «الناشط الحقوقي» أو «الناشط الإعلامي»، فهي صفات استخدمها الإعلام «حتى يعطي توصيفا لمن ليس لهم توصيف محدد للظهور للمشاهدين والقراء».
وبالإضافة إلى وائل غنيم، ارتبطت أسماء كثير من الشبان والفتيات في خضم «الثورة» الأولى ثم الثانية بوصف «ناشط» أو «ناشطة». ومن الأسماء التي كانت مشهورة حينذاك، واختفى معظمها في الوقت الراهن، نوارة نجم، وعلاء عبد الفتاح، وأحمد دومة، وإسراء عبد الفتاح، وأسماء محفوظ، وغيرهم. غالبية هؤلاء من مواليد أواخر عهد السادات وبدايات عهد مبارك. ومع اختلاف المناخ السياسي، والمزاج الشعبي، خصوصا عقب الإطاحة بحكم مرسي والتفاف قطاع كبير من المصريين حول السيسي، يحاول كثير من المتعطشين للشهرة تكرار التجربة رغم تغير الظروف.
يقول عمارة: «كلمة (ناشط) أصبحت سبّوبة (أي مصدر للارتزاق).. أنا ضد هذا المصطلح بعد أن انتشر في كل مكان وأصبح عمل من لا عمل له». ويشير إلى أن بعض وسائل الإعلام المحلية أيضًا تتحمل جانبا من المشكلة، لأن بعض محطات التلفزيون التي تريد أن تنال من جهة ما تأتي بأي شخص لديه القدرة على توجيه الشتائم وتطلق عليه ناشط سياسي، بل تنقل عنه كلاما وتعبيرات، وأنه قال كذا وأكد على كذا.
وإلى جانب نشاطه الساعي لتكوين حزب سياسي، يعمل عمارة في القطاع الخاص. ويقول: «أنا أسأل هذا النوع من الناشطين السياسيين: ما مصدر رزقك؟ أنا أعمل في التسويق العقاري، وأنت ما عملك الخاص؟ المشكلة أن هناك من يستغل انتشاره في الإعلام كناشط سياسي ويبدأ في التعامل مع المجمع على أنه أصبح شخصية عامة وله نفوذ يقوم باستغلاله لتحقيق مكاسب خاصة. منشق عن أحد الأحزاب يتحول إلى ناشط سياسي.. منشق عن إحدى الجماعات الدينية يتحول إلى ناشط سياسي. بعض الدول تستضيف مثل هؤلاء في أفخم الفنادق وتقدم لهم بدلات سفر وألوف الدولارات لحضور ندوة أو مؤتمر تحت صفة ناشط سياسي أو ناشط حقوقي.
أمضى كريم راضي شهورًا في ميدان التحرير مع شباب الثورة. وظهر على قنوات التلفزيون عدة مرات، ويقول إنه كان يبادر ويطلب من القناة التي تستضيفه تحاشي تقديمه كناشط سياسي أو حقوقي، لأنه لم يكن يستسيغ هذه التسمية، إلى أن اكتشف أخيرًا أنها أصبحت، بالفعل، ترتبط بأشخاص يغيّرون مواقفهم حسب المصالح الشخصية.
* من هو الناشط السياسي الحقيقي؟
راضي الذي يعمل ضمن فريق «الشبكة العربية لحقوق الإنسان»، يرى أنه «أصبح من الصعب معرفة الناشط السياسي الحقيقي من الناشط السياسي غير الحقيقي.. الأمر يحتاج إلى فترة من الزمن حتى تعرف أن هذا الناشط مدّعٍ. هو يرفع شعارات، ومع أول فرصة له لتحقيق مصالحه الشخصية، يبدأ في الظهور على حقيقته. ويضيف أنه يمكن أن تمر سنة كاملة قبل أن ينكشف للرأي العام مثل هؤلاء المنظرين المزيفين.. «مثلا هناك كثيرون ركبوا الثورة منذ بدايتها، وتحدثوا باسمها، وبعد ذلك أصبحوا أول من يهاجمها. لماذا؟ لأن مصالحهم انقضت. كانوا أول من دعا للتظاهر ثم بدأوا بعد ذلك يهاجمون من يدعو إلى التظاهر. كان من الصعب أن تحدد الموقف من هؤلاء في وقت ظهورهم».
وفي المقابل، كما يقول راضي أيضا، هناك شخصيات محترمة تظهر في الإعلام سواء من الشباب أو غير الشباب.. هؤلاء لهم مبادئ يدافعون عنها ولا تتغير مع مرور الوقت، وهذا يمكن أن تطلق عليه السياسي الحقيقي، وهؤلاء قادمون من خلفيات حزبية أو من خلال أنشطة حقيقية على الأرض. هذا لا ينفي أيضًا أن بعض الناشطين المزيفين يمكن أن يكونوا قادمين من حزب سياسي، لكنه يفتقر إلى المبادئ والآيديولوجيا التي يزعم الانتماء إليها.
ويضيف أن الأمر نفسه ينطبق على «الناشط الحقوقي»، لأن «هناك من يوظف نشاطه الحقوقي باختلاف السلطة الحاكمة أو تغير الظروف.. يبدأ في تجزئة المبادئ.. مثلا يدافع عن فئات معينة وفئات يتجاهلها.. يزيد درجة الحرارة في خطاب ينتقد فيه السلطات حين تنتهج نهجا معينا ضد تيار سياسي بعينه، ويخفض من درجة الانتقاد إذا كانت السلطة تستهدف تيار سياسي آخر أو جهة أخرى. هذا أمر لا يمت إلى النشاط الحقوقي بصلة».
القضية بطبيعة الحال لها علاقة بالشهرة والثراء السريع. هذا أغرى البعض ممن ليست لهم صفة أو مركز، لتقديم أنفسهم على أنهم «نشطاء». «ما المانع إذا كانت السيولة الإعلامية على هذه الشاكلة من السهولة؟» كما يقول راضي، ويضيف أن كثيرا من هؤلاء النشطاء المزعومين تمكنوا من الحصول على أموال من الخارج وتمويل من منظمات دولية، وظهرت عليهم النعمة من خلال عملهم الهش، و.. «هناك حالات فجة. مثلا أحدهم كان لا يملك طعام يومه، واليوم أصبح يمتلك السيارات الفارهة».
ويتابع قائلا إن مثل هذه الأوضاع بدأت بالفعل بعد ثورة يناير، واستمرت إلى الآن، رغم أن الناس بدأوا ينفرون من مثل هؤلاء الأشخاص ومن وسائل الإعلام التي تروج لهم. «منذ الثورة انفتح المجال العام، وبدأت وجوه كثيرة تظهر، وحققت كثيرا من هذه الشخصيات الثراء بشكل غير مفهوم وغير معروف مصدره».
تسببت «طائفة النشطاء» بما تروجه من نظريات غريبة وغير واقعية، بإصابة المواطنين بالحيرة بشأن المستقبل، وتسببوا في الخلط بين الغث والسمين، وبين الصدق والكذب. كما يقول كريم راضي، مشيرا إلى أن هذه الظاهرة «جعلت قوى الثورة تتشتت. أدت إلى إرباك المشهد سواء أمام السلطة أو أمام الشارع. كما تسبب في إضعاف الحركة المطالبة بالديمقراطية».
العزبي الذي يظهر بين حين وآخر على قنوات التلفزيون المصري وفي بعض وسائل الإعلام ينفي بشدة أن يكون ممن يحملون صفة «ناشط». ويقول: «أنا لا أعتبر نفسي ناشطًا، بل أنا مواطن مصري وباحث سياسي أبحث في ما وراء الأخبار والأحداث». ويضيف: «لم يكن لي في يوم من الأيام علاقة بهذا النوع من الذين يطلقون على أنفسهم لقب (ناشط)، لأنني منذ اللحظة الأولى أدركت تماما أن هذا الاسم هو مهنة من لا مهنة له»، مشيرًا إلى أن هناك «كثيرا من نماذج الناشطين ممن نبذهم المجتمع أو دخلوا السجون بسبب تورطهم في أعمال عنف وإرهاب أو الحصول على تمويل من الخارج للإضرار بالدولة».
ويعد العزبي من الشبان الذين انخرطوا في الزخم السياسي الكبير الذي تفجر بعد الثورة، إذ إنه كان متحدثا لبعض الوقت باسم «جبهة ثوار وحكماء». ويقول إنه «يوجد كثير ممن أطلقوا على أنفسهم نشطاء، استفادوا من التمويلات المالية ومن تحقيق مراكز وشهرة إعلامية، لكنهم لم يحققوا أي شيء له مردود يشعر به المجتمع».
* مطالب ومصالح شخصية
ويرى أن سبب استمرار ظاهرة «الناشط السياسي» ما زالت كما هي.. «أقصد بذلك حالة الانفلات الأخلاقي التي سادت مصر منذ أحداث الثورة الأولى وحتى الآن، فكل من له مطلب يخرج على الإعلام بصفة ناشط ليتحدث ويملأ الدنيا عويلاً، حتى يستطيع تنفيذ مطالبه الشخصية. هذه وظيفة لجلب الرزق».
ومثل المحامي عبد اللطيف، الذي يداوم على السهر على كوبري الجامعة الذي تفضله عائلات وسط القاهرة، يعتقد العزبي أن الرأي العام بدأ يدرك خطورة اسم «الناشط»، وبدأ يلفظ هذه الصفة التي لا أساس لها. ومن جانبه يضيف عبد اللطيف: «غضب الناس ممن يطلق عليهم الإعلام (النشطاء) ازداد بعد أن استضافت قنوات التلفزيون كثيرا منهم، إذ إنهم قاموا بتضخيم الأخبار عن التفجيرات التي قامت بها بقايا الجماعات المتطرفة. حين كان يقع انفجار صغير في مكب للنفايات مثلا كانوا يصورون الأمر كأن القاهرة تحترق. هذا أصاب الناس بالذعر».
وفي بلد يعاني من الفقر والأمية الثقافية، فإن الأمر يبدو أنه لا يتعلق فقط بطائفة «النشطاء»، ولكن المشكلة تخص وسائل الإعلام وإثارتها مواضيع تخرج أحيانا عن حدود المنطق، لا سيما في القطاع الخاص. فقد فوجئ المشاهدون بـ«ناشط» يؤيد مزاعم أحد المذيعين بشأن مسؤولية أميركا عن إحداث الزلازل وإطلاق البراكين وتوجيه أماكن نزول الأمطار وجريان السيول في الأماكن التي تريدها. ويقول مسؤول في الحكومة المصرية إن البرلمان الجديد سيقرّ إنشاء مجلس أعلى للإعلام لترتيب البيت في هذا القطاع المؤثر على الرأي العام.
في مثل هذا الوقت من شتاء العام الماضي كان هناك نوع من الناشطين يظهرون على الشاشات ويهوّلون من حجم الحوادث الإرهابية والقنابل البدائية التي كانت آثارها ما زالت مستمرة منذ الإطاحة بحكم مرسي. حينذاك لم يكن في مقدور كثير من المصريين التمشي في الليل على ضفاف النيل. كان كوبري الجامعة، مثل بعض الكباري الأخرى، مهجورا على طوله البالغ نحو 500 متر.
اليوم تغيرت الحال وأصبح يمكن الجلوس والسهر على المقاعد البلاستيكية وتناول المشروبات الساخنة. وبينما أضواء السيارات تمرق بين جانبي النهر، وبعيدا عن تنظير «نشطاء» التلفزيون، يواصل الزبائن الاستماع لتعليقات بائع «حُمص الشام» عن الأمل في مستقبل أفضل، بينما النسيم البارد ينساب منعشا من الضفة الأخرى.



مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.