«منطقة الفاو الأثرية» كنز الحضارات القديمة إلى واجهة العالم الثقافية

ثامن المواقع السعودية في قائمة التراث العالمي

عُثر في المكان على عدد من التماثيل البرونزية وشواهد قبور منحوتة بخط المسند الجنوبي (واس)
عُثر في المكان على عدد من التماثيل البرونزية وشواهد قبور منحوتة بخط المسند الجنوبي (واس)
TT

«منطقة الفاو الأثرية» كنز الحضارات القديمة إلى واجهة العالم الثقافية

عُثر في المكان على عدد من التماثيل البرونزية وشواهد قبور منحوتة بخط المسند الجنوبي (واس)
عُثر في المكان على عدد من التماثيل البرونزية وشواهد قبور منحوتة بخط المسند الجنوبي (واس)

الزمان القرن الثالث قبل الميلاد، المكان على حافة الربع الخالي، منطقة ناهضة بأسواقها التي يعلو منها دويّ المتسوقين وضجيج الحركة الذي يخترق سكون الصحراء التي تحيط بالمكان وتلفه بنعومة، مدينة حيوية تضجّ بالحياة وعامرة بالمساكن والحوانيت التي تعرض بضائع التجار والمسافرين بينها وبين الممالك المختلفة في الجزيرة العربية.

«فجوة في جبل»، هو الوصف التضاريسي لما تُسمى «الفاو» وهي المنطقة التاريخية التي تربعت على طريق التجارة القديمة، التي كانت تُعرف بطريق نجران-الجرفاء، وتربط جنوب شبه الجزيرة العربية بشمالها الشرقي، وفيها تلتقي قوافل التجار، للاستراحة والاتجار بالبضائع القادمة عبر القوافل من ممالك سبأ، ومعين، وقتبان، وحضرموت، وحمير إلى نجران، ومنها إلى قرية الفاو، ثم إلى الأفلاج، فاليمامة، ثم تتجه شرقاً إلى الخليج وشمالاً إلى وادي الرافدين وبلاد الشام.

كانت هذه المكانة الأثيرة للمنطقة، بطابعها التجاري وكونها نقطة التقاء مهمة وحيوية بين الممالك والحواضر المنتشرة في الجزيرة العربية، مؤهلاً لتطور الفاو من محطة مرور قوافل صغيرة إلى مركز تجاري وديني وحضري مهم في وسط الجزيرة العربية، وقد اتخذها ملوك كندة العربية عاصمة لملكهم لـ8 قرون، منذ القرن الرابع قبل الميلاد حتى القرن الرابع للميلاد، قبل أن يغادروها ويتخذوا من شمال الجزيرة العربية مركزاً لحكمهم. وقد تتبّع القدْرُ الميسورُ من الحفريات الأثرية التي اكتُشفت، مسيرةَ تطور المدينة، وطرفاً من سيرتها، حيث صمدت في وجه الهجمات والاعتداءات المختلفة من محيطها الذي يتذبذب بين الضعف والقوة، لا سيما في أواخر القرن الثاني الميلادي.

كانت مدينة حيوية تضجّ بالحياة وعامرة بالمساكن والحوانيت التي تعرض بضائع التجار والمسافرين منها وإليها (واس)

أقدم اكتشاف أثري عربي في السعودية

وهبت قرية الفاو، سرّها لعالم الآثار والمؤرخ السعودي عبد الرحمن الأنصاري، الذي توفي في مارس (آذار) 2023 بعد أن قضى أكثر من عقدين في البحث والتنقيب بهذه المنطقة، حيث قاد أستاذ الآثار في جامعة الملك سعود بالرياض، فريقاً من الباحثين لإجراء أعمال التنقيب في منطقة الفاو جنوب الجزيرة العربية، بين عامَي 1972 و1995.

وتمكّن الأنصاري وفريقه من إعادة اكتشاف منطقة الفاو الأثرية، وأشرف على أعمال التنقيب فيها طوال المدة التي تزيد على عقدين، بعد أن ارتفعت التوقعات بشأن ما يختزنه المكان من ثروة آثارية، تنبأت بها الزيارات الاستكشافية التي قام بها عديد من علماء الآثار الأجانب، وبعض العاملين في شركة «أرامكو السعودية»، منذ الأربعينات، قبل أن ينبري لها الأنصاري وفريقه، للبدء في عمل تاريخي رصين أسفر عن استكشاف ما يعدّ من أهم المواقع الأثرية في شبه الجزيرة العربية، ويمثّل تجسيداً متكاملاً للمدن العربية قبل الإسلام.

كانت المنطقة نقطة التقاء مهمة وحيوية بين الممالك والحواضر المنتشرة في الجزيرة العربية (واس)

ثلاث حضارات متعاقبة

واصلت السعودية جهود استكشاف الموقع الأثري، وأسفرت تلك الجهود عن مكتشفات أثرية تروي قصص 3 حضارات تعاقبت في منطقة الفاو، وكانت المنطقة السكنية التي تضمّ منازل وساحات وشوارع وسوقاً، وبقايا المواضع التي تُخزّن فيها الحبوب وأفران الخبز، والمنطقة المقدسة المكونة من معابد ومقابر، من أوائل ما اكتُشف في المكان، بالإضافة إلى النقوش التي تنتشر في عدد من الواجهات ضمن نطاق القرية، مثل تلك التي تظهر في شرق المدينة، حيث يستقر جبل كبير يزخر بكهوف ونقوش صخرية، وبقايا معبد بُني من الحجارة، وما تبقى من مائدة لتقديم القرابين، بجانب عديد من النقوش التعبدية المنتشرة في المكان.

كما عُثر في الموقع على عدد من التماثيل البرونزية والنماذج، وشواهد قبور منحوتة بخط المسند الجنوبي، وضريح الملك معاوية المبني على شكل هرم مدرج صغير، وأضرحة النبلاء وعلية القوم. وفي 27 يوليو (تموز) 2022 أعلنت هيئة التراث السعودية نجاح فريق علمي سعودي وخبراء دوليين في التوصل إلى كشف جديد عن منطقة لمزاولة شعائر العبادة لسكان منطقة الفاو في الواجهة الصخرية لأطراف جبال طويق المعروفة باسم «خشم قرية» إلى الشرق من موقع الفاو الأثري.

تتبّع القدْرُ الميسورُ من الحفريات الأثرية التي اكتُشفت مسيرةَ تطور المدينة وطرفاً من سيرتها (واس)

إلى واجهة العالم الثقافية

في أقل من عام من انضمام محمية «عروق بني معارض» إلى «قائمة اليونيسكو للتراث العالمي»، نجحت السعودية في تسجيل الواجهة الثقافية لمنطقة الفاو الأثرية في القائمة الدولية، لتصبح ثامن موقع سعودي ينضم إلى القائمة اعترافاً بقيمته الاستثنائية بوصفه جوهرةً حضاريةً وآثاريةً ثمينةً.

وتعكس هذه الوتيرة المتسارعة لتسجيل المواقع الأثرية، ما تتمتع به السعودية من حيوية في تحقيق خطوات مهمة في القطاع الثقافي، منذ أطلقت «رؤية 2030» عوامل العمل على أسس جديدة. وفتحت هذه الاكتشافات في إطار الرؤية، أبواب المملكة على العالم، ورحّبت بالزوار من شتى بقاع الأرض، بوصفها وجهةً سياحيةً عالميةً؛ للوقوف من كثب على ما أنجزته البلاد من مبادرات في مجالات الآثار، والثقافة، والتعليم والفنون؛ للحفاظ على تراث المملكة الغني وجمالها الطبيعي، انطلاقاً من موقعها الجغرافي المتميز في قلب العالمَين العربي والإسلامي.


مقالات ذات صلة

معرض استثنائي يسرد تاريخ بدايات الحركة الفنية السعودية

يوميات الشرق عمل للفنانة صفية بن زقر إحدى رائدات الحداثة الفنية في السعودية خلال عرضه في احتفال نور الرياض (نور الرياض)

معرض استثنائي يسرد تاريخ بدايات الحركة الفنية السعودية

تحتضن الرياض معرضاً فريداً في موضوعه، يوثّق المراحل التأسيسية للفن الحديث في السعودية خلال الفترة الممتدة من ستينات إلى ثمانينات القرن العشرين.

عمر البدوي (الرياض)
عالم الاعمال جامعة الأمير سلطان و«رودر فين» تطلقان برنامجاً تدريبياً تنفيذياً

جامعة الأمير سلطان و«رودر فين» تطلقان برنامجاً تدريبياً تنفيذياً

أعلنت جامعة الأمير سلطان ووكالة «رودر فين» إطلاق برنامج التدريب التنفيذي لـ«رودر فين»، بعدما يقرب من 50 عاماً من النتائج المثبتة في أميركا الشمالية وخارجها…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص خبراء: سيادة الذكاء الاصطناعي باتت محوراً استراتيجياً يُعاد عبرها تعريفه بوصفه بنية تحتية وطنية وصناعية لا أدوات تقنية منفصلة (شاترستوك)

خاص من التجارب إلى المصانع... كيف يتحول الذكاء الاصطناعي بنيةً تحتية وطنية؟

ينتقل الذكاء الاصطناعي في الخليج من مرحلة التجارب إلى أنظمة تشغيلية سيادية، تُبنى بوصفها بنيةً تحتية صناعية وطنية قادرة على التوسع والحوكمة وتحقيق قيمة اقتصادية

نسيم رمضان (لندن)
يوميات الشرق يلتزم الملتقى بقيم الاستدامة والاستكشاف المادي والابتكار الفني (الرياض آرت)

فنانو «طويق للنحت» يشكّلون أعمالهم في قلب الرياض

يعكف 25 مشاركاً من نخبة الفنانين السعوديين والدوليين على إنتاج أعمال إبداعية عامة بأحجام فنية كبيرة ضمن ملتقى «طويق للنحت» في نسخته السابعة.

عمر البدوي (الرياض)
شمال افريقيا معتمرون مصريون يتأهبون لرحلة جوية لأداء المناسك (وزارة السياحة المصرية)

ملاحقة مصرية مستمرة لـ«شركات الحج الوهمية»

تلاحق الداخلية المصرية «شركات الحج والعمرة الوهمية» في حين أكدت وزارة السياحة على أهمية الالتزام الكامل بحصول حجاج السياحة على «شهادة الاستطاعة الصحية»

وليد عبد الرحمن (القاهرة )

مسرحية «القرنة البيضا» ليحيى جابر مغامرة تستحق المشاهدة

يحيى جابر وماريا الدويهي في مغامرة «القرنة البيضا» (ماريا الدويهي)
يحيى جابر وماريا الدويهي في مغامرة «القرنة البيضا» (ماريا الدويهي)
TT

مسرحية «القرنة البيضا» ليحيى جابر مغامرة تستحق المشاهدة

يحيى جابر وماريا الدويهي في مغامرة «القرنة البيضا» (ماريا الدويهي)
يحيى جابر وماريا الدويهي في مغامرة «القرنة البيضا» (ماريا الدويهي)

يحيى جابر ظاهرة مسرحية وحدها. رسم لنفسه أسلوباً وراح يطوره، وينحته، ويضيف إليه بذكاء وحنكة، وبتجاريب لا تخلو من جرأة وطرافة. في كل مرة تظنه بلغ الذروة، لكنه يبقى مواظباً، لا ييأس من البحث عن أبعد وأعمق. تلك موهبة بحد ذاتها، أن يؤمن المرء دائماً بأن الأفق مفتوح لأن الآخر نبع، وكنوزه متاحة حين تسعى إليها.

وهذا الآخر، كان هذه المرة ماريا الدويهي، الممثلة التي لا يعرفها كثر. معها وهي الآتية من قضاء زغرتا (شمال لبنان)، بنى يحيى جابر عالمها الذي تعرف تفاصيله جيداً، وحولاه معاً إلى مائة دقيقة من المتعة والاكتشاف حتى لمن يعرف هذه المنطقة أو حتى يعيشها.

بأدوات متواضعة تقمصت ماريا عشرات الشخصيات (خاص الشرق الأوسط)

من «القرنة البيضا» المتخيلة التي هي أعلى من «القرنة السودا»، القمة الأكثر ارتفاعاً في لبنان، تتدحرج بنا الحكواتية الماهرة ماريا الدويهي التي تقف وحدها على المسرح، لتتقمص عشرات الشخصيات، وتروي مثلها من الحكايات، وتنتقل بخفة من حالة إلى أخرى، بأدوات محدودة، من منديل إلى قبعة، ومن دفٍّ إلى إطار صورة، ومن مدقّة إلى كرسي، وهذه وحدها تكفيها، كي تفعل أعاجيبها التمثيلية. فالجسد عند ماريا، وهي تقف على مسرح عارٍ إلا من موهبتها، هو الأداة الأوفى، حين يتكور، ينحني، يقف شاهقاً، يرقص، يتلوى. الجسد هنا هو عدّة الشغل الأولى، مع وجه طيّع التعابير، قادر على أن ينقلك من مأتم إلى عرس، ومن قمة جبل إلى سفحه، في رمشة عين.

مبضع يحيى جابر، انصبّ هذه المرة، على دائرة اجتماعية جديدة في الشمال اللبناني، مكمّلاً بذلك مشروعه الأنثروبولوجي الساخر الذي بدأه من بيروت، قارئاً التعقيدات الاجتماعية وعلاقتها بالدين والسياسة والموروثات. عن العاصمة قدّم مسرحيات عدة، بينها «بيروت طريق الجديدة» مع زياد عيتاني، و«هيكلو» عن بعلبك مع عباس جعفر، وعن الضاحية الجنوبية «شو ها» مع حسين قاووق، و«مجدرة حمرا» و«شو منلبس» تمثيل القديرة أنجو ريحان عن الجنوب، و«من كفرشيما للمدفون» جبل لبنان مع ناتالي نعوم، ليصل إلى الشمال.

من داخل الإطار أو خارجه برعت ماريا الدويهي في كل الشخصيات (خاص الشرق الأوسط)

مع ماريا الدويهي تتناسل الحكايات واحدتها من الأخرى، لتنسج في النهاية قصة منطقة نادراً ما نراها ونسمع لهجتها على المسرح. «القرنة البيضا» التي بدأت عروضها على خشبة «مسرح مونو» ولا بد أنها ستجول كثيراً، وتحصد تصفيقاً طويلاً، تلقي الضوء على المجتمع الزغرتاوي في خمسينات القرن الماضي، وهو المعروف بخصوصياته من الثأر إلى اللجوء إلى القديسين، والعلاقة الوثيقة بين الناس ورجال الدين، أما فخر زغرتا فهو طبق «الكبة» الذي له طقوسه وفنونه، وقصة ولادته، ويخصص له جابر مقطعاً مشهوداً في مسرحيته الجديدة، لم يسبقه إلى ظرفه أحد.

تبدأ القصة من القمة الجبلية الشاهقة، نزولاً إلى إهدن، مصيف أهالي زغرتا، وبلدتهم الثانية. الحكايا تتكامل واحدتها مع الأخرى. ولا بأس أن ترانا نتنقل بين هذه المناطق الجبلية فنلتقي نساءها، ونعرف حكاياهن من «ميول» إلى «فايزة» إلى «لبيبة» و«طريزا» و«يوسفية»، «ليّا»، لكل منهن مأساتها، لكنهن قد يصبحن قصة واحدة، متشابكة الآلام والجذور، في منطقة تبقى فيها المرأة الحلقة الأضعف، والذكورية قاعدة تنقاد لها النساء قبل الرجال.

فاق أداء ماريا الدويهي التوقعات. من رآها في مسرحيتها السابقة «آخر بروفا» مع المخرج شادي الهبر، يدرك كم أن هذه الممثلة قادرة على صقل موهبتها بسرعة فائقة، وكيف أنها مسكونة برغبة متفجرة في الذهاب بعيداً في تقمص أدوارها. لقد تركت الجمهور مذهولاً، وهي تروي، وتغني وترقص، تبكي، تقفز، تجلس على حافة الخشبة، ثم تنزل إلى صالة العرض. لا يهم إن كان ما ترويه حقائق تاريخية أو شبيهة بها، أم تخيلية بالكامل. وإن كان موضوع المسرحية مجموعة حكايات محبوكة أو متفرقات متناثرة. فالمسرحة المتمرسة والشحذ المتواصل لذهن المتفرج، والمشهديات الحيوية المتلاحقة، وخفة الظل مع الحزن الغامر وهما يتواليان؛ كلها عناصر جعلت شروط الفرجة تتحقق في أعلى قممها.

يحيى جابر وماريا الدويهي في مغامرة «القرنة البيضا» (ماريا الدويهي)

أكثر من مفاجأة في «القرنة البيضا» لمن يعرف مسار يحيي جابر المسرحي في الكتابة والإخراج، لا سيما مع المونودراما النسائية في السنوات الأخيرة. المفاجأة الأولى هي ماريا الدويهي نفسها، التي لم يسبق لها أن قدمت عملاً يحتاج هذا القدر الكبير من الجهد والتحدي المتواصلين، فإذا بها تتفوق على نفسها، في مغامرة من المفترض أن يكتب لها بعدها تجارب تليق بإمكاناتها. أما المفاجأة الثانية، فهي تخلي يحيى جابر عن نهجه الأرشيفي الأنثروبولوجي الصرف الممزوج بالسخرية كما عرفناه سابقاً، ليدخل في الخلط الهزلي بين المعلومة التاريخية وإضفاء البعد الخيالي أو التفاسير الشعبية عليها. وهو ما أثار موجات طويلة من الضحك، وتلك شجاعة فنية، كان للأداء التمثيلي المحكم الدور الأكبر في إنجاحها.

فمما ترويه حكواتيتنا أن لجبران خليل جبران ابنة اسمها كاميليا، وبالطبع هذا كله من نسج الخيال، جاءت يوم توفي والدها مع الجثمان من نيويورك إلى لبنان، وبدأت بالبحث عن مخطوطة سرية لأبيها عرفت أنه خبأها في الجبل. وهي في غمار البحث، تسمع راعياً يعزف على الناي، فتغني معه «أعطني الناي وغني» القصيدة الشهيرة لجبران، وتتزوجه وتنجب منه أربعة أبناء.

وكما تروي المسرحية، فإن جبران الذي لم يتزوج أصلاً له أربعة أحفاد. طريف هذا الخروج من الواقع إلى الاحتمالات، مثل أصل تسمية «الكبة» بهذا الاسم، وما وراءها من قصة تعود إلى العهد العثماني، واختباء النساء في الكهوف فيما ذهب الرجال إلى القتال، وبحكم صعوبة إشعال النار، اكتشفت «الكبة النيئة» أولاً.

يكتب ليحيى جابر في هذا العمل النقدي الجميل الذي لم يخل من مغامرة، أنه استفاد حتى الثمالة من قدرات ممثلته التي اشتغل معها تحضيراً ما يقارب السنة. إضافة إلى الرقص واستعارة أغنيات تناسب العمل، أطلق لحنجرة ماريا الأوبرالية المدربة العنان. فوجدناها، في هذه الخلطة الذكية تستفيد من كل ما لديها من إمكانات لتسجل حضوراً طاغياً، خلّاباً، لا ينسى، بفضل نصّ بقدر ما فيه من بساطة وشعبية ينطوي على عمق ووعي حاذقين.


«مهرجان بيروت الدولي للغيتار» ينطلق ويُعلن جائزته

خوسيه ماريا غياردو ديل راي وهبة القواس وسفير إسبانيا خيسوس سانتوس أغوادو (الشرق الأوسط)
خوسيه ماريا غياردو ديل راي وهبة القواس وسفير إسبانيا خيسوس سانتوس أغوادو (الشرق الأوسط)
TT

«مهرجان بيروت الدولي للغيتار» ينطلق ويُعلن جائزته

خوسيه ماريا غياردو ديل راي وهبة القواس وسفير إسبانيا خيسوس سانتوس أغوادو (الشرق الأوسط)
خوسيه ماريا غياردو ديل راي وهبة القواس وسفير إسبانيا خيسوس سانتوس أغوادو (الشرق الأوسط)

من سفارة مملكة إسبانيا في لبنان، وتحديداً قصر شهاب – الحدت (بعبدا)، أُعلن، الثلاثاء، عن مبادرة ثقافية دولية كبرى تنطلق من بيروت إلى العالم، وتُعزّز دور لبنان مركزاً إبداعياً.

وبدعوة من رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى في لبنان، الدكتورة هبة القواس، بالشراكة مع عازف الغيتار العالمي والمؤلف الموسيقي والأكاديمي، خوسيه ماريا غياردو ديل راي، وسفير مملكة إسبانيا في لبنان خيسوس سانتوس أغوادو، أُطلقت جائزة ومهرجان بيروت الدولي للغيتار 2026، بمبادرة من «مؤسسة ألكري الدولية لفنون الغيتار».

وعبَّرت القواس عن إيمانها بأن هذا المهرجان، مع جائزته، سيتمكنان من إعادة وضع لبنان على خريطة الموسيقى الكلاسيكية الدولية. وكان ثمة حديث خلال المؤتمر عن الرؤية الفنّية والرسالة العالمية للجائزة والمهرجان، وكذلك عن التحالف الاستراتيجي بين الكونسرفتوار والأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية.

وهي المرة الأولى في المنطقة العربية التي تُطلق فيها مسابقة دولية للغيتار بهذا المستوى الرفيع، يُشارك فيها موسيقيون محترفون على مستوى عالٍ، ضمن مباراة تجمعهم على مدار أشهر، قبل أن تُعلن النتيجة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

ويجري التواصل مع موسيقيين معروفين في مجالاتهم، وقادة وأوركسترا عالميين، ليكونوا جزءاً من لجان التحكيم. وسيُعلن تدريجياً عن الجهات الدولية التي يجري التنسيق معها حالياً، والتي ستدعم هذه المسابقة.

وترى القواس أنّ رفع مستوى المنافسة ونخبوية أعضاء لجنة التحكيم، سيمنحان هذا المهرجان وجائزته سمعةً وصدقيةً كبيرتَيْن. وسيرتبط اسم الجائزة ببيروت عاصمةً للفنّ. وعلى غرار جائزة تشايكوفسكي في البيانو، أو جائزة إليزابيث في بروكسيل، فإن مَن ينال جائزة بيروت ستكون له الصدقية التي تجعله محطّ طلب كبريات المؤسسات الموسيقية.

رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى في لبنان هبة القواس (الشرق الأوسط)

وعدا الجائزة المالية، فإنّ الرابحين الثلاثة الأوائل ستكون لهم عقود تضمن جولات في المدن الكبرى، تُعزّز مكانتهم الموسيقية في العالم، وتفتح لهم آفاقاً واسعة. ولا شروط للمشاركة في المسابقة، فهي مفتوحة أمام كل الجنسيات، وتبقى الكفاءة والمهارة الموسيقيتان المُحددَين الرئيسَيْن. أما عُمر المرشحين فيتراوح بين 18 و30 عاماً، على أمل أن يشارك، إضافة إلى اللبنانيين، موسيقيون عرب وأجانب. ويجري التواصل مع عدد من خرّيجي المعهد الوطني الموسيقي اللبناني الذين سافروا إلى خارج البلاد لإكمال دراستهم، وتشجيعهم على خوض غمار المسابقة والوصول إلى الجائزة.

ويمرّ المتسابقون بثلاث مراحل: الأولى هي التنافُس في عزف مقطوعات إلزامية؛ إذ يتساوى الجميع في الصعوبات التقنية المطلوب اجتيازها، إلى جانب مقطوعات اختيارية. وستُجرى هذه المرحلة عن بُعد. أما المرحلتان التاليتان، فينتقل من أجلهما المتنافسون الموسيقيون إلى بيروت للعزف أمام لجان تحكيم يجري اختيارها بعناية، مما يُعزّز روح المنافسة ويمنحها زخماً إضافياً.

وتتمنّى القواس الوصول إلى المرحلة النهائية وإعلان النتائج والفائزين بالجائزة في مبنى الكونسرفتوار الجديد، بإمكاناته التقنية والفنّية الكبيرة؛ إذ تتوافر للمشاركين أفضل الظروف اللوجيستية.

لكن لماذا الغيتار وليس أي آلة أخرى؟ «هي مجرّد بداية»، تقول القواس، «أردنا أن نستفيد من وجود عازف الغيتار العالمي خوسيه ماريا غياردو ديل راي في لبنان، خصوصاً أننا سلّمناه قسم الغيتار في الكونسرفتوار، وهو يتردَّد حالياً على بيروت باستمرار». وتُضيف: «كان الخيار أن تنطلق هذه المسابقة من البرتغال أو مدريد، لكننا، بالتفاهم مع ديل راي، تمكّنا من جعل المركز في بيروت؛ حيث سنعدّ أماكن تليق باحتضان المؤسسات المشاركة معنا».

وتواكب هذه التظاهرة وسائل إعلام عالمية، لا سيما تلك المعنية بالثقافة والأنشطة الموسيقية، لتغطية مشاركة فنانين مشاهير في هذه المسابقة.

وفي مرحلة مقبلة، ستُطلَق مهرجانات وجوائز مماثلة لآلات أخرى، مثل البيانو، وكذلك للآلات الشرقية التي تهمّ المنطقة، فنتشارك أنماطاً موسيقية متشابهة مع بلدان مثل اليونان وتركيا وغيرها. «وسنكون سعداء حين نرى المتوَّجين بجائزة بيروت يُطلب منهم العزف في إسبانيا وبلجيكا وألمانيا وبلدان أخرى».

كما ستُخصّص مسابقة إضافية للبنانيين إلى جانب هذه المسابقة، لإفساح المجال أمام أكبر عدد من الموهوبين لشحذ قدراتهم وتشجيعهم على تطوير مستوياتهم، وفتح آفاق جديدة لهم حين يصبحون على تماس مع مواهب كبيرة.


علاج شائع يُعيد البصر لمرضى «انخفاض ضغط العين»

هاري بتروشكين استشاري طب العيون في مستشفى «مورفيلدز» مع واحدة من المرضى (مستشفى مورفيلدز)
هاري بتروشكين استشاري طب العيون في مستشفى «مورفيلدز» مع واحدة من المرضى (مستشفى مورفيلدز)
TT

علاج شائع يُعيد البصر لمرضى «انخفاض ضغط العين»

هاري بتروشكين استشاري طب العيون في مستشفى «مورفيلدز» مع واحدة من المرضى (مستشفى مورفيلدز)
هاري بتروشكين استشاري طب العيون في مستشفى «مورفيلدز» مع واحدة من المرضى (مستشفى مورفيلدز)

أظهرت دراسة حديثة فاعلية حقنة عين شائعة الاستخدام في علاج حالة مرضية نادرة من حالات «انخفاض ضغط العين»، كانت تُعتبر في السابق غير قابلة للعلاج، وذلك في مشروع أجراه باحثون من جامعة لندن ومستشفى «مورفيلدز» للعيون في بريطانيا.

وتشير البيانات المنشورة في «المجلة البريطانية لطب العيون» إلى إمكانية استخدام حُقَن العين التي تحتوي على «هيدروكسي بروبيل ميثيل سليلوز» (HPMC)، وهو جِل منخفض التكلفة يُستخدم في معظم جراحات العيون، لزيادة حجم العين المصابة بانخفاض ضغط العين، مما يؤدي إلى زيادة حجمها ورفع مستوى الضغط فيها.

ومن اللافت للنظر أنه بالإضافة إلى استعادة بنية العين الطبيعية، استعاد المرضى بصرهم أيضاً. ووفق نتائج الدراسة شهد 7 من المرضى الثمانية الذين تلقوا العلاج تحسناً في الرؤية، ومستوى ضغط العين، وطول القرنية، بعد دورة علاجية استمرت 12 شهراً.

وقال الدكتور هاري بتروشكين، استشاري طب العيون في مستشفى «مورفيلدز» والمؤلف الرئيسي للدراسة: «نحن سعداء للغاية بنجاح هذا العلاج البسيط في علاج المرضى الذين يعانون من هذه الحالة النادرة». وأضاف: «هذه بداية لفهم أعمق لتوازن السوائل داخل العين، مما سيؤدي إلى تحسين الرعاية المقدمة لمرضانا».

ويسبب انخفاض ضغط العين غير الطبيعي تُغيراً في شكلها وبنيتها الداخلية. ومع مرور الوقت، قد يؤدي ذلك إلى فقدان تدريجي ودائم للبصر، وغالباً ما يستغرق الأمر سنوات عدة قبل أن يُسبب العمى. وقد يتطور انخفاض ضغط العين نتيجة حالات مرضية كامنة في العين، تُلحق الضرر بالجزء المسؤول عن إنتاج السائل الذي يحافظ على ضغط العين الطبيعي.

وحتى الآن، كان العلاج القياسي للعيون التي تفقد البصر بسبب انخفاض ضغط العين هو حقنها بزيت السيليكون. ورغم فوائده الطبية الكثيرة، فإنه ليس مثالياً؛ إذ قد يكون ساماً على المدى الطويل.

تروي نيكي (إحدى مريضات انخفاض ضغط العين) حكايتها مع المرض؛ حيث تقول: «كان فقدان البصر أمراً مُرعباً، ولكنه دفعني للبحث عن الخيارات المتاحة للعلاج».

بدأت مشكلات بصر نيكي بعد ولادة ابنها بفترة وجيزة، جَرَّبت علاجات متعددة، بما في ذلك استخدام الستيرويدات وزيت السيليكون. وبينما وفَّر بعضها راحة مؤقتة أدَّى البعض الآخر إلى انخفاض مفاجئ في ضغط العين، أو حتى فقدان البصر تماماً. وكانت نقطة التحول بالنسبة لها عندما بدأ أطباؤها الاستشاريون بمستشفى «مورفيلدز» في استكشاف بديل لزيت السيليكون. وبتشجيع منها، جربوا حقنة من الجِل الشفاف المصمم لدعم الضغط واستعادة وظيفة العين.

تقول نيكي: «بدأنا العلاج، ومع تحسن الضغط بدأ بصري في العودة. كان الأمر مذهلاً». وأضافت: «عاد بصري تدريجياً. أشعر بأن التقدم الذي أحرزته استثنائي؛ خصوصاً مع معرفتي بأن مرضى قبلي واجهوا فقداناً دائماً للبصر». وهو ما علَّق عليه البروفسور غاس غازارد من معهد طب العيون بجامعة لندن، ومستشفى «مورفيلدز» للعيون، والمؤلف المشارك في الدراسة، قائلاً: «هذا علاج ثوري يُعيد الأمل للمرضى الذين لم تكن لديهم خيارات أخرى، والذين يعانون من حالة كانت تُسبب العمى والتشوُّه بشكلٍ لا يُمكن علاجه. لقد تجاوزت هذه الدراسة توقعاتي بشأن إمكانية استعادة البصر».