إيران لا تزال صاحبة النفوذ الأكبر على الأرض السورية

التحديث السنوي وثق «انخفاضاً محدوداً» للوجود العسكري الأجنبي

جنود قافلة روسية ونظراؤهم الأمريكيون يتبادلون التحية عند تقاطع دورياتهم في حقل نفط قرب القحطانية بمحافظة الحسكة شمال شرقي سوريا 8 أكتوبر 2022 (أ.ف.ب)
جنود قافلة روسية ونظراؤهم الأمريكيون يتبادلون التحية عند تقاطع دورياتهم في حقل نفط قرب القحطانية بمحافظة الحسكة شمال شرقي سوريا 8 أكتوبر 2022 (أ.ف.ب)
TT

إيران لا تزال صاحبة النفوذ الأكبر على الأرض السورية

جنود قافلة روسية ونظراؤهم الأمريكيون يتبادلون التحية عند تقاطع دورياتهم في حقل نفط قرب القحطانية بمحافظة الحسكة شمال شرقي سوريا 8 أكتوبر 2022 (أ.ف.ب)
جنود قافلة روسية ونظراؤهم الأمريكيون يتبادلون التحية عند تقاطع دورياتهم في حقل نفط قرب القحطانية بمحافظة الحسكة شمال شرقي سوريا 8 أكتوبر 2022 (أ.ف.ب)

شهد التحديث السنوي لخريطة انتشار الوجود العسكري الأجنبي في سوريا، «انخفاضاً محدوداً» خلال الفترة بين منتصف عامَي 2023 و2024؛ بتراجع عدد القواعد والنقاط العسكرية الأجنبية من 830 إلى 801 موقع، حسب «مركز جسور للدراسات».

وبينما ينوّه التقرير إلى مساهمة الوجود العسكري الأجنبي في سوريا واتفاق وَقْف إطلاق النار بين تركيا وروسيا في 5 مارس (آذار) 2020، بفرض أطول فترة تهدئة وتجميد لحدود السيطرة وخطوط التماسّ بين القوى المحلية، يلفت إلى أن هذه العوامل أدت في الوقت ذاته إلى «وصول النزاع في سوريا إلى طريق مسدود»، فقد حالت دون قدرة أي طرف على الحسم الميداني رغم استمرار النشاط العسكري «الذي يعكس إصراراً على عدم التخلّي عن الحل العسكري»، وما قد ينجم عن ذلك من زيادة احتمال وقوع صدام مباشر بين القوات الأجنبية في سوريا.

يلفت التقرير أيضاً إلى تراجع المواقع العسكرية الإيرانية في سوريا من 570 إلى 529، مما يفسر أن «إيران لا تزال الدولة صاحبة الانتشار العسكري الأكبر، مقارنةً مع بقية القُوَى الأجنبية».

عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني في سوريا (أرشيفية - متداولة)

يتقاطع تقرير أخير للمرصد السوري لحقوق الإنسان، مع نتائج خريطة مركز «جسور»، إذ يفيد بأن إيران تتغلغل في عمق البلاد وتواصل عبر ميليشياتها الهيمنة المطلقة على معظم المناطق التي تشهد تحركات يومية للإيرانيين والميليشيات التابعة، عبر سعي متواصل لترسيخ وجودها بأساليب عدة، وخطة ممنهجة لتغيير ديمغرافية المناطق.

ولدى إيران 52 قاعدة عسكرية، إلى جانب 477 نقطة، متوزعة على 117 موقعاً في حلب، و109 بريف دمشق، و77 في دير الزور، و67 في حمص، و28 في حماة، و27 في إدلب، و20 في القنيطرة، و17 في اللاذقية، و16 في درعا، و14 في الرقة، و13 في السويداء، و9 في طرطوس، و8 في الحسكة، و7 في دمشق.

خريطة انتشار القوات الخارجية في سوريا منتصف 2023 - 2024 (مركز «جسور»)

اقتصر تحديث الخريطة على المواقع العسكريّة الثابتة والمستقرّة؛ ولم تشمل النقاط والحواجز ونقاط التفتيش المتحرّكة والمؤقتة التي يستخدمها بعض القوات خلال عملها العسكري، خصوصاً الميليشيات الإيرانيّة التي تعتمد على هذا الشكل من المواقع بشكل واسع.

ويميز الباحثون القائمون على تحديث الخريطة الحالية، بين صنفين من المواقع العسكرية هما: القواعد والنقاط.

القاعدة العسكرية تكون مجهَّزة بمُعَدّات وتجهيزات عسكرية وعملياتية، سواءً لمهامّ الدفاع أم الهجوم، كمهابط الطيران والأنظمة الصاروخية الأرضية والجوية، مع وجود وحدات على الأرض.

جنديان تركيان في دورية بمنطقة الجدار الحدودي بين تركيا وسوريا (وزارة الدفاع التركية)

من الملحوظات اللافتة أيضاً أن الخريطة «ترصد فقط النقاط التي تمتلك فيها القُوَى الأجنبية كامل الصلاحية والقيادة والتمويل»، وبذلك فإنّها لا ترصد انتشار الخبراء أو الفنيين أو العسكريين، قادة أو مستشارين أو عناصر ضِمن مواقع أو منشآت أو حواجز القوات المحلية المختلفة أو ضِمن مؤسسات الحكم والإدارة المدنية.

في رد على سؤال لـ«الشرق الأوسط» عن تأثير القصف الأميركي (شرق سوريا) والإسرائيلي في الداخل السوري في قيادات ومواقع «الحرس الثوري»، أو حرب غزة، وفي تراجع الوجود العسكري الإيراني على محدوديته؟ يقول عبد الوهاب عاصي، باحث رئيسي في مركز «جسور للدراسات»، إن «تراجع المواقع الإيرانية جزء من عملية إعادة انتشار قامت بها ميليشياتها تحت ضغط روسي، حيث تركّز الانسحاب في المنطقة الجنوبية، أي إنه مرتبط بتداعيات الحرب على غزة».

ويتوقع الباحث في حال استمرار التصعيد الإسرائيلي ضد الميليشيات الإيرانية في سوريا «حصول مزيد من الانسحاب، أو إعادة الانتشار للمواقع الإيرانية من الجنوب السوري»، لا سيما أنّ الضربات الإسرائيلية «زادت وتيرتها بشكل كبير بعد حرب غزة مقارنةً مع السنوات السابقة».

منطقة البوكمال نقطة استراتيجية للمسلّحين الموالين لإيران شرق سوريا (أ.ف.ب)

غير أن انسحاب الميليشيات الإيرانية وعمليات إعادة التموضع المذكورة، حسب التقرير الجديد لـ«جسور»، لم يؤثرا في الأهداف والقيمة الاستراتيجية للانتشار العسكري في سوريا، الذي لا يزال يحافظ على الطريق الدولي الذي يقطع سوريا عرضاً، من معبر البوكمال في محافظة دير الزور مروراً بالبادية السورية ومنها إلى محافظات حمص ودمشق، وصولاً إلى الحدود اللبنانية.

هذا إضافة إلى انتشار ثابت في خطوط التماسّ مع مناطق سيطرة المعارضة المسلحة، وفي الجنوب السوري وخطوط تهريب المخدرات المتعددة ضِمن الجغرافيا السورية.

تمركز قرب الحاضرتين

يُظهر تحديث الخريطة أن حلب حصدت النسبة الأكبر، تليها دمشق (من خلال ريفها الملاصق). فهل من تفسير لتركز القوى العسكرية الأجنبية في الحاضرتين الأهم في سوريا؟

قوات تركية في الشمال السوري خلال ديسمبر الماضي (موقع «تي 24» التركي)

يقول الباحث عبد الوهاب عاصي إن التركيز في هاتين المنطقتين مرتبط بجوانب عديدة، فمثلاً، تعد حلب بالنسبة لإيران «منطقة في العمق، بعيدة عن الضربات الإسرائيلية والأميركية، وتستخدمها لتخزين الأسلحة. من جهة أخرى، هي منطقة استراتيجية لحماية النظام السوري من هجمات المعارضة المسلّحة التي تتجمع شمال وغرب حلب».

أما بالنسبة لروسيا وتركيا، فهما تسعيان لحماية اتفاق خفض التصعيد (في الشمال السوري)، الذي جرى توقيعه بعد استعادة النظام سلطته على حلب في ديسمبر (كانون الأول) 2016.

عن دمشق، يقول عاصي، إنها العاصمة السياسية وطريق الإمداد الرئيسي بالنسبة لإيران، «ولكونها تسعى لإقامة ضاحية جنوبية جديدة في العاصمة»، (على نموذج الضاحية التي يسيطر عليها «حزب الله» في بيروت).

مجاورة الأميركيين

وبينما يتوقع المهتم أن تظهر دير الزور شرق سوريا صاحبة العدد الأكبر لقواعد والنقاط العسكرية الإيرانية في سوريا، إلا أنها جاءت في المرتبة الثالثة بعد حلب ودمشق، لحدودها المشتركة مع العراق حيث امتداد نفوذ إيران.

خريطة المواقع العسكرية الإيرانية في سوريا منتصف 2023 - 2024 (مركز «جسور»)

يعلق الباحث في مركز «جسور» بقوله إن دير الزور «فعلياً» أهم منطقة بالنسبة لإيران بعد ريف دمشق وحلب؛ فعدد المواقع الإيرانية فيها أكثر من مجموع مواقعها في دمشق والحسكة وطرطوس والسويداء والرقة ودرعا. وتنبع أهمية هذه المحافظة، من كونها أول نقطة على مشروع إيران الاستراتيجي الذي يبحث عن فتح «طريق طهران - بغداد - دمشق - بيروت». كذلك لكونها مطلّة على القواعد الأميركية في سوريا؛ حيث تمنحها القدرة على الضغط على الولايات المتحدة والدخول معها في مفاوضات بشأن المشروع الإيراني في المنطقة.

مقاتلون من «قسد» على طريق في دير الزور (أ.ف.ب)

من جهة أخرى، يقول عاصي إنّ الانتشار في المحافظة يتيح لإيران الضغط على مشروع حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي)، عبر استهداف «قسد» بشكل مباشر (تسيطر على محافظة الحسكة المجاورة وبعض دير الزور)، وإحداث الاختراق الأمني ودعم مجموعات مسلحة في مناطق شرق الفرات.

الخلاصة

يخلص التقرير إلى أن روسيا لا تزال تحتفظ بجميع مواقعها، كما أنّها انتشرت خلال الأشهر الأولى من عام 2024 في نقاط جديدة لأول مرة، في محافظة القنيطرة المُطِلّة على منطقة الجولان، مما يمنح روسيا أداة قوة وضغط في أي مفاوضات مع إسرائيل. وهي لا تزال تمتلك توزُّعاً عسكرياً ذا قيمة استراتيجية عالية، يركز بشكل كبير على الساحل السوري المُطِلّ على البحر المتوسط وفي معظم المنشآت والمراكز الاستراتيجية التابعة للنظام.

هذا بالإضافة إلى شمال شرقي البلاد الذي يتركز فيه معظم حقول النفط والغاز السورية، وتتمركز ضِمن جزء منه مواقع قوات التحالف الدولي، مما يمنح روسيا أداة ضغط على الولايات المتحدة متاحة للاستخدام في أي وقت.

وجود أميركي نوعي

أما قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، بدورها، متمسكة بانتشارها العسكري في سوريا، ويلاحظ التقرير قلة مواقعها مقارَنةً مع بقية الفاعلين، وما يفسر ذلك أنها تعتمد على القواعد العسكرية لا على النقاط الصغيرة.

جندي عراقي يراقب الأوضاع بالقرب من الحدود العراقية - السورية عند معبر البوكمال - القائم الحدودي (رويترز)

وبالتالي، فإن «وجودها العسكري نوعي وليس كمّيّاً»، يركز على منطقة تُحقِّق لها أهدافاً استراتيجية، مثل مراقبة أنشطة خلايا تنظيم «داعش» والميليشيات الإيرانية بين العراق وسوريا، وضمان المشاركة في تطبيق حصار اقتصادي على النظام السوري عَبْر حرمانه من استخراج النفط وبيعه في مناطقه.

لاحَظ التقرير زيادة التحالف موقعين له في محافظة الرقة، بعد انسحاب من المحافظة في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، مما يعكس الرغبة في إعادة حضوره في هذه المنطقة وموازنته مع الوجود الروسي فيها.

وبالنسبة إلى تركيا، فهي تركز على الانتشار العسكري في المناطق القريبة من الشريط الحدودي من إدلب حتى الحسكة، مروراً بريفَي حلب والرقة، وتغلب عليه الطبيعة الأمنية بما يعكس أهداف تركيا في سوريا، المتمثلة في الدفاع عن أمنها القومي ضد نشوء كيان انفصالي كردي على حدودها الجنوبية.


مقالات ذات صلة

أولوية فرنسا في سوريا محاربة الإرهاب والضمانات للأكراد

المشرق العربي وزيرا خارجية سوريا وفرنسا أسعد الشيباني وجان نويل بارو في القصر الرئاسي في دمشق الخميس (أ.ف.ب)

أولوية فرنسا في سوريا محاربة الإرهاب والضمانات للأكراد

وزير الخارجية الفرنسي في دمشق، وعين باريس على محاربة «داعش» وتوفير الضمانات لأكراد سوريا، وتؤكد استعدادها لإنجاح المشروع الحكومي السوري

ميشال أبونجم (باريس)
العالم وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (أ.ف.ب)

وزير الخارجية الفرنسي يبدأ الخميس جولة شرق أوسطية تشمل سوريا والعراق ولبنان

يبدأ وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو الخميس جولة في الشرق الأوسط، حيث تسعى فرنسا إلى الاضطلاع بدور وازن في ملفات حساسة عدة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي مروحية أباتشي أميركية خلال تدريب بالذخيرة الحية 14 أغسطس 2024 (رويترز)

«سنتكوم» تعلن تنفيذ 5 ضربات على أهداف ﻟ«داعش» في سوريا خلال أسبوع

أعلنت القيادة المركزية الأميركية الأربعاء أن قواتها نفّذت 5 ضربات على أهداف لـ«تنظيم داعش» في الأراضي السورية خلال الفترة من 27 يناير إلى 2 فبراير

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي قوات أميركية بريف الرميلان بمحافظة الحسكة شرق سوريا يونيو 2023 (أ.ف.ب)

القوات الأميركية تستعد لمغادرة قاعدة الشدادي في سوريا

تستعد القوات الأميركية في قاعدة الشدادي بمحافظة الحسكة شمال شرقي سوريا للانسحاب الكامل خلال الساعات القادمة.

المشرق العربي أحد العناصر الأمنية العراقية (الداخلية العراقية)

«نقص الأدلة» أبرز تحديات محاكمة «داعش» في العراق

أعلن مجلس القضاء في العراق المباشرة بالتحقيق مع 1387 عنصراً من «داعش» الذين نُقلوا من السجون السورية.

فاضل النشمي (بغداد)

الجيش الإسرائيلي يتباهى بـ5 ميليشيات تعمل لمصلحته في غزة

عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية - رويترز)
عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية - رويترز)
TT

الجيش الإسرائيلي يتباهى بـ5 ميليشيات تعمل لمصلحته في غزة

عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية - رويترز)
عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية - رويترز)

في الوقت الذي يتباهى فيه الجيش الإسرائيلي بتشكيل 5 فرق ميليشيات فلسطينية تعمل ضد حركة «حماس» في قطاع غزة، حذرت أوساط في اليمين الحاكم من دورها، ومن صرف الأموال الطائلة عليها من منطلق أن هذا النوع من التنظيمات يعمل بدافع الجشع إلى المال في أحسن الأحوال، ومن غير المستبعد أن ينقلب على مشغليه، ويصبح معادياً لإسرائيل فيما لو وجد من يدفع له أكثر.

وحاول الجيش الرد على هذه الأقوال، فأكد أنه حذر ويراقب هذه القوات جيداً، وامتدحها قائلاً إنها اليوم تقوم بمهام على «الخط الأصفر» ضد خلايا «حماس»، لو قام بها الجيش لكان سيضع حياة جنوده في خطر.

وأشار الجيش إلى أن هذه الميليشيات تقوم اليوم باغتيال عناصر «حماس» وإذلالها أمام الجمهور.

لكن قوى اليمين تتحفظ وتؤكد أن هذه الميليشيات مبنية على مصالح ذاتية، وعلى صراعات بين عشائر وعلى تنافس بين عصابات الإجرام، ولا يوجد أي مكان للثقة بها.

الفلسطيني ياسر أبو شباب الذي قاد ميليشيا مسلحة في غزة ولقي مصرعه (صورة نشرتها «يديعوت أحرونوت»)

وكانت مصادر إسرائيلية قد أكدت أن هناك 5 ميليشيات مسلحة تعمل في غزة حالياً: الأولى في الشمال بمنطقة بيت لاهيا، ويقودها أشرف المنسي؛ والثانية بالقرب من حي الشجاعية بمدينة غزة في الشمال، بقيادة رامي عدنان حلس؛ والثالثة في الوسط بالقرب من دير البلح بقيادة شوقي أبو نصيرة؛ والرابعة في خان يونس بقيادة حسام الأسطل؛ والخامسة كانت بقيادة ياسر أبو شباب وتعمل في منطقة رفح، ومنذ اغتيال أبو شباب حل محله غسان الدهيني، الذي انتشرت إشاعة في غزة بأنه أصيب مؤخراً في محاولة اغتيال.

وتقول عناصر أمنية لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، إن الميليشيات التي تعمل في الشمال والجنوب تنتمي إلى عشائر ويسيطر عليها أناس معروفون بتاريخ جنائي، وأما المجموعتان في الوسط فقادتهما معروفون بارتباط سابق بـ«منظمة التحرير»، ولذلك فمن غير المستبعد أن تكون دوافعهما وطنية، ويكون الجيش الإسرائيلي هو الذي يُستخدم من قبلهما لغرض خدمة المصالح الفلسطينية.

وأشارت الصحيفة إلى وجود مخاوف داخل الأوساط الإسرائيلية من احتمال فقدان السيطرة على هذه الأسلحة لاحقاً، واستخدامها ضد جيش الاحتلال نفسه، سواء بعد ضياعها من قادة الميليشيات، أو وقوعها في أيدي جهات أخرى داخل القطاع.

حسام الأسطل الذي يقود ميليشيا موالية لإسرائيل في خان يونس (صفحة شبكة الصحافة الفلسطينية)

وتطرقت الصحيفة إلى مقطع الفيديو الذي نشره المتعاون مع الاحتلال غسان الدهيني، وظهر فيه وهو يهدد «حماس» وقوى المقاومة، ويوجه إهانات للقائد الميداني في «كتائب القسام»، أدهم العكر، الذي جرى أسره في رفح جنوب قطاع غزة، بغطاء وحماية جوية إسرائيلية. وقالت الصحيفة إن الفيديو أظهر الدهيني مرتدياً زياً عسكرياً مموهاً ودرعاً واقية لم تكن متوافرة سابقة في قطاع غزة، وهو يدخن سيجارة تُعد سلعة نادرة وباهظة الثمن في القطاع، بينما ظهرت في الخلفية مركبات «بيك أب» حديثة، وعلى مسافة قريبة مبنى يُرجّح أنه موقع عسكري إسرائيلي.

من جهة ثانية، نشرت شبكة «سي إن إن» وصحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركيتان، نقلاً عن مصادر إسرائيلية، أن سلطات الاحتلال تسلّح هذه الميليشيات بعدد كبير من البنادق والذخائر، في مشهد يعيد إلى الأذهان اتفاقيات «أوسلو»، حين سمحت السلطات الإسرائيلية للسلطة الفلسطينية بالحصول على أسلحة، وهو ما قوبل حينها بمعارضة شديدة من اليمين الإسرائيلي تحت شعار: «لا تعطوهم بنادق». كما نقلت «وول ستريت جورنال» عن ضباط احتياط، أن إسرائيل تزيد من استثماراتها في هذه الميليشيات التي تنشط ضد «حماس»، وتزوّدها بمعدات عسكرية، وتوفر لعناصرها العلاج في مستشفيات داخل إسرائيل، إلى جانب تقديم دعم لعائلاتهم، لافتة إلى أن بعض هؤلاء العناصر مرتبط بالسلطة الفلسطينية، فيما يمتلك آخرون، لا سيما في رفح، سجلات إجرامية.

طفل فلسطيني يقف خلفه مقاتلون من «كتائب القسام» التابعة لـ«حماس» في مخيم جباليا (أرشيفية - إ.ب.أ)

وبيّنت «وول ستريت جورنال» أن الإمدادات الإسرائيلية تشمل الوقود والغذاء والمركبات وحتى السجائر، وتساعد هذه المجموعات في التمركز بمنطقة «الخط الأصفر» بين مواقع الجيش الإسرائيلي وبالقرب من الجنود، مرجحة أن تصل تكلفة هذا الدعم إلى عشرات ملايين الشواقل من ميزانية الأمن الإسرائيلية.

وأشارت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إلى التباين في وجهات النظر داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بشأن دعم هذه الميليشيات؛ إذ يرى مؤيدو هذا النهج أن مهامها توفّر فائدة تكتيكية في استهداف «حماس» وتقليل المخاطر على الجنود، بينما يحذّر المعارضون من خطر انقلاب محتمل، سواء بسقوط السلاح في أيدي جهات أخرى، أو بتوجّه بعض العناصر لاستخدامه ضد إسرائيل، في محاولة للاندماج مجدداً في المجتمع الفلسطيني. وأكدت الصحيفة أن هذه الميليشيات تفتقر إلى إطار تنظيمي موحّد قادر على تحدي حركة «حماس» وذراعها العسكرية، وتعمل عملياً تحت إشراف الجيش الإسرائيلي وجهاز «الشاباك» فقط.

وخلصت «يديعوت أحرونوت» إلى أن استخدام هذه المجموعات قد يشكّل حلاً تكتيكياً قصير الأمد، عبر الدفع بها للبحث عن عناصر «حماس» داخل الأنفاق، أو بين الأنقاض في منطقة «الخط الأصفر» قبل تنفيذ عمليات نسف واسعة، بهدف تقليل المخاطر على الجنود، لكنها شددت على أن هذه المجموعات، في ظل غياب تنظيم جامع، لا تملك أي فرصة حقيقية لحلّ محل «حماس»، التي تواصل - وفق تقديرها - استعادة عافيتها وتعزيز سيطرتها خلال فترة وقف إطلاق النار.

وقال مصدر سياسي يميني في تل أبيب لـ«يديعوت أحرونوت»، إن هذه الميليشيات تذكره بحرب لبنان الأولى، حيث تورطت إسرائيل في تفعيل ميليشيات لبنانية ضد «منظمة التحرير» الفلسطينية، وفيما بعد ضد «حزب الله»، فقد نفذت تلك الميليشيات مجازر في مخيمي صبرا وشاتيلا قرب بيروت. وحملت إسرائيل وزر جرائمها، ولذلك يجب الانتباه والامتناع عن المبالغة في التعاطي معها، وبالتأكيد لا يجوز البناء عليها.


هكذا دفعت «حماس» ترمب للإشادة بها عدة مرات

مقاتلون من «حماس» يحملون جثماناً بعد استخراجه من نفق خلال البحث عن جثث الرهائن الإسرائيليين في خان يونس 29 أكتوبر 2025 (أ.ب)
مقاتلون من «حماس» يحملون جثماناً بعد استخراجه من نفق خلال البحث عن جثث الرهائن الإسرائيليين في خان يونس 29 أكتوبر 2025 (أ.ب)
TT

هكذا دفعت «حماس» ترمب للإشادة بها عدة مرات

مقاتلون من «حماس» يحملون جثماناً بعد استخراجه من نفق خلال البحث عن جثث الرهائن الإسرائيليين في خان يونس 29 أكتوبر 2025 (أ.ب)
مقاتلون من «حماس» يحملون جثماناً بعد استخراجه من نفق خلال البحث عن جثث الرهائن الإسرائيليين في خان يونس 29 أكتوبر 2025 (أ.ب)

لم يتوقف الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، خلال تصريحاته المتكررة عن قطاع غزة في الآونة الأخيرة، عن الإشادة بحركة «حماس»، ودورها في إعادة المختطفين الأحياء والأموات الإسرائيليين، بما في ذلك بذلها جهداً كبيراً لإعادة جثة آخر مختطف ران غويلي، بعد تعقيدات كبيرة تخللت عملية العثور على جثمانه.

وتظهر تصريحات ترمب المتكررة أن أشد المتفائلين في الإدارة الأميركية، وكذلك الحكومة الإسرائيلية، وحتى المراقبين للشأن الفلسطيني، لم يتوقعوا أن تنجح عملية استعادة جميع المختطفين الأحياء والأموات بهذه الفترة القصيرة، في ظل حرب إسرائيلية استمرت عامين، وطالت اليابس والأخضر في قطاع غزة.

رجل وولد يمران قرب صور الرهائن الإسرائيليين لدى «حماس» في أحد شوارع تل أبيب 21 نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)

ولفترات عدة كانت التقديرات الأميركية والإسرائيلية تظهر أنه قد لا يتم الوصول إلى 4 جثث، أو جثتين على الأقل من المختطفين، في ظل حالة التدمير الشديدة، والعمليات العسكرية الكبيرة التي نفذها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، وقد ازدادت هذه التقديرات مع صعوبة التوصل إلى ران غويلي، آخر مختطف عثر على جثته بعد أسابيع من تسليم الجثث السابقة.

تقول مصادر من «حماس» وفصائل فلسطينية لـ«الشرق الأوسط» إن عملية الحفاظ على المختطفين الإسرائيليين الأحياء والأموات كانت مهمة صعبة، وشاقة للغاية، ولم تكن سهلة أبداً، مبينةً أنه صدرت تعليمات مشددة من قبل قيادة المستوى الأول في الجناحين السياسي والعسكري بضرورة العمل المكثف للحفاظ عليهم، بما في ذلك الأموات.

وتكشف المصادر أن قيادة «كتائب القسام» (الجناح العسكري لـ«حماس») بعد أيام من هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أجرت سلسلة اتصالات مباشرة وغير مباشرة مع قيادات ميدانية من فصائل أخرى كان لديها مختطفون من الأحياء والأموات، ورتبت معها عملية الاحتفاظ معهم بالمختطفين، وكذلك حصر هوياتهم، وأعدادهم، ونقل بعضهم للحماية تحت قيادة «القسام»، وبعضهم تحت قيادة «سرايا القدس» الجناح المسلح لـ«الجهاد الإسلامي».

مسلحون من «حماس» يحرسون منطقة كان يجري فيها البحث عن جثث الرهائن بمساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

وبحسب المصادر، فإن قيادة «القسام» كانت تتابع عملية الاحتفاظ بالمختطفين الأحياء والجثث، سواء لديها، أو مع الفصائل الأخرى، وأنه بعد هدنة الأيام الأولى السبعة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، أجرت لقاءات مباشرة وجهاً لوجه مع قيادات عسكرية من الفصائل الأخرى، لترتيب هذا الملف، وإعادة حصر من هم على قيد الحياة، والأموات منهم، ونقل إليها المزيد من المختطفين ليكونوا تحت حمايتها، باعتبارها الجهة الأكثر قدرةً على ذلك.

ووفقاً للمصادر، فإن قيادة «القسام» وبالتعاون مع المستوى السياسي في «حماس» وفصائل أخرى اتخذت خلال وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في يناير (كانون الثاني) 2025 إجراءات تنسيق مشترك وموسع، لإبقاء هذا الملف تحت رعايتها الكاملة، وكانت تعتمد على التعاون المشترك مع «سرايا القدس» لمساعدتها في هذا الملف، باعتبار أن الأخيرة تمتلك قدرات عسكرية أفضل من فصائل أخرى، ولديها إمكانيات -مثل الأنفاق وغيرها- يمكن أن تساعد وتساهم في عملية الاحتفاظ بأولئك المختطفين.

والدة أحد المحتجَزين لدى «حماس» تجلس قرب مجسّم لتابوت خلال احتجاج بتل أبيب للمطالبة بإنهاء حرب غزة وإطلاق الرهائن في 12 أغسطس 2025 (أ.ب)

وجرى حينها إعادة حصر أعداد الأحياء والأموات، وتحديد أماكنهم، لتسليمهم ضمن الاتفاق الذي وقع حينها بتحديد أعداد معينة كل عملية تسليم كانت تجري أسبوعياً مرة أو مرتين، وفق الظروف الميدانية، وتفاصيل الاتفاق.

ونجحت إسرائيل على فترات في استعادة بعض جثث المختطفين خلال عمليات عسكرية، إما كانت بالصدفة، وأخرى كانت بعد اعتقالها لنشطاء من «القسام» أو فصائل فلسطينية أخرى، كما استعادت 6 مختطفين أحياء في عمليتين منفصلتين نتيجة جهد استخباراتي مكثف، لكن غالبية المختطفين من الأحياء والأموات استعادتهم عبر صفقات تبادل خلال الحرب مقابل وقف إطلاق نار مؤقت، واستعادت آخرين بعد اتفاق وقف إطلاق النار الشامل الذي تم التوصل إليه في أكتوبر 2025.

وتوضح المصادر أن المختطفين الأحياء كان يتم نقلهم باستمرار من مكان إلى آخر، ومن منطقة إلى أخرى، وفق الظروف الميدانية، وتحت حراسة مشددة من دون أن يتم لفت الانتباه إلى ذلك، إلى جانب أنهم تنقلوا ما بين أنفاق وشقق سكنية فوق الأرض، وأماكن أخرى، بينما تم الاحتفاظ بالجثث إما في قبور داخل الأنفاق، أو في محيط مقابر، أو في نقاط مخصصة للفصائل توجد بها مقومات الاحتفاظ بالجثث.

فلسطينيون يراقبون آليات وفرقاً من مصر خلال عمليات البحث عن جثث الرهائن بمدينة حمد في خان يونس جنوب قطاع غزة 27 أكتوبر 2025 (أ.ب)

ولفتت إلى أن أمر حماية هؤلاء المختطفين من الأحياء والأموات لم يقتصر على عمل وحدة الظل التابعة لـ«القسام»، بل امتد لوحدات أخرى لتقديم الدعم لها في ظل الحرب الشرسة التي كانت تقوم بها إسرائيل، وأنه تم نقل العديد من المختطفين من مناطق شمال القطاع إلى جنوبه، في ظروف أمنية مشددة، ولم تنجح إسرائيل في فك شيفرتها، في وقت كانت تنفذ فيه عمليات كبيرة داخل مناطق متفرقة من القطاع.

وتكشف المصادر أنه في بعض المرات كان الجيش الإسرائيلي يبعد عن بعض المختطفين أمتاراً محدودة، وكان من يشرف على حمايتهم ينجح في تضليل تلك القوات في الوصول إليهم، أو إخراجهم من هناك بطرق مختلفة لم تكشف، وبعضهم كانوا في أنفاق أسفل تمركز القوات الإسرائيلية ولم يتم كشفهم، وفي النهاية أجبرت إسرائيل على استعادتهم ضمن صفقات التبادل التي جرت.


«صحة غزة»: ما تبقى من مستشفيات يصارع لاستمرار تقديم الخدمة

خبراء الطب الشرعي والأطباء يفحصون رفات متوفين من سكان غزة في مستشفى الشفاء (أ.ف.ب)
خبراء الطب الشرعي والأطباء يفحصون رفات متوفين من سكان غزة في مستشفى الشفاء (أ.ف.ب)
TT

«صحة غزة»: ما تبقى من مستشفيات يصارع لاستمرار تقديم الخدمة

خبراء الطب الشرعي والأطباء يفحصون رفات متوفين من سكان غزة في مستشفى الشفاء (أ.ف.ب)
خبراء الطب الشرعي والأطباء يفحصون رفات متوفين من سكان غزة في مستشفى الشفاء (أ.ف.ب)

كشفت وزارة الصحة في غزة اليوم (السبت)، أن ما تبقى من مستشفيات في القطاع يصارع من أجل استمرار تقديم الخدمة، وأصبح مجرد محطات انتظار قسرية لآلاف المرضى والجرحى «الذين يواجهون مصيراً مجهولاً».

وأضافت في بيان، أن ما تركته «الإبادة الصحية» من تأثيرات كارثية، جعل من استمرار تقديم الرعاية الصحية معجزة يومية، وتحدياً كبيراً أمام جهود التعافي، واستعادة كثير من الخدمات التخصصية.

وتابعت أن «الأرصدة الصفرية» من الأدوية والمستهلكات الطبية جعلت من أبسط المسكنات «ترفاً لا يملكه من يواجهون الموت كل دقيقة»، موضحة أن 46 في المائة من قائمة الأدوية الأساسية رصيدها صفر، و66 في المائة من المستهلكات الطبية رصيدها صفر، وكذلك 84 في المائة من المواد المخبرية وبنوك الدم.

وقالت الوزارة إن ما يصل إلى مستشفيات القطاع من أدوية، كميات محدودة لا يمكنها تلبية الاحتياج الفعلي لاستمرار تقديم الخدمة الصحية، وجددت المناشدة العاجلة والفورية إلى كل الجهات المعنية بالتدخل لتعزيز الأرصدة الدوائية.