معسكر ماكرون نجح في إيصال مرشحته إلى رئاسة البرلمان مجدداً بعد تفاهم ضمني مع اليمين

يائيل براون - بيفيه استفادت من انسحاب اليمين التقليدي لصالحها ومن أصوات 17 وزيراً صوتوا كنواب

انتخاب يائيل براون - بيفيه المؤيدة للرئيس إيمانويل ماكرون مجدداً رئيسة للجمعية الوطنية الفرنسية (رويترز)
انتخاب يائيل براون - بيفيه المؤيدة للرئيس إيمانويل ماكرون مجدداً رئيسة للجمعية الوطنية الفرنسية (رويترز)
TT

معسكر ماكرون نجح في إيصال مرشحته إلى رئاسة البرلمان مجدداً بعد تفاهم ضمني مع اليمين

انتخاب يائيل براون - بيفيه المؤيدة للرئيس إيمانويل ماكرون مجدداً رئيسة للجمعية الوطنية الفرنسية (رويترز)
انتخاب يائيل براون - بيفيه المؤيدة للرئيس إيمانويل ماكرون مجدداً رئيسة للجمعية الوطنية الفرنسية (رويترز)

غريب أمر السياسة الفرنسية وتشعباتها التي تخرج أحياناً عن علوم المنطق والحسابات البدائية. وجاءت إعادة انتخاب يائيل براون - بيفيه، لرئاسة الجمعية الوطنية (البرلمان) لتطرح أحجية يكنه أسرارها النظام الانتخابي الفرنسي، ولترسي معادلات ستكون لها تبعاتها للسنوات المقبلة، أو على الأقل للسنوات الثلاث المتبقية للرئيس إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه.

يائيل براون - بيفيه متحدثة ليل الخميس ــ الجمعة إلى النواب بعد إعادة انتخابها لترؤس البرلمان الجديد (أ.ف.ب)

تبين الأرقام التي لا تقبل الجدل أن معسكر ماكرون المتشكل من حزبه «تجدد» (الذي تغير اسمه إلى «معاً من أجل الجمهورية»)، ومن حزب الحركة الديمقراطية (وسط)، و«هوريزون» (يمين الوسط)، حصل في الانتخابات الأوروبية على أقل من 15 بالمائة من الأصوات، وعلى 20 بالمائة في الجولة الأولى من الانتخابات النيابية، وخسر ما يزيد على 80 مقعداً في الدورة البرلمانية الجديدة؛ إذ حل في المرتبة الثانية في حين حلت الجبهة الشعبية الجديدة (تحالف اليسار والخضر) في المرتبة الأولى. وبعكس توقعاته، لم يحز اليمين المتطرف ممثلاً بـ«التجمع الوطني» قصب السبق ليرتع في المرتبة الثالثة.

وكان يفترض بهذه النتائج التي تسبب بها قرار ماكرون حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة، أن تكون لها تبعاتها على تركيب السلطة. والحال، أن ماكرون ما زال في قصر الإليزيه، وأن رئيس حكومته، غابرييل أتال، رغم قبول استقالته منتصف الأسبوع المنتهي، ما زال في موقعه لـ«تصريف الأعمال». أما يائيل براون - بيفيه، فقد أعيد انتخابها ليل الخميس ــ الجمعة لولاية ثانية بحصولها على 220 صوتاً (من أصل 577 صوتاً)، متفوقة على أندريه شاسيني، النائب عن الحزب الشيوعي، مرشح الجبهة الشعبية الذي حصل على 207 أصوات.

جان لوك ميلونشون زعيم حزب فرنسا الأبية متحدثاً في مؤتمر صحافي في 10 يوليو (أ.ف.ب)

وللتوصل إلى هذه النتيجة، حصلت ثلاث جولات انتخابية استمرت نحو ست ساعات. والمرشح الثالث الذي بقي في السباق هو سيباستيان شينو، مرشح اليمين المتطرف الذي تأرجح، في الدورات الثلاث، ما بين 141 و143 صوتاً. بالمقابل، فإن براون - بيفيه حصلت في الدورة الأولى على 124 صوتاً لتقفز في الثانية إلى 210 أصوات ولتفوز في الثالثة بـ220 صوتاً.

فابيان روسيل أمين عام الحزب الشيوعي (إ.ب.أ)

إعادة تكوين السلطة

ما كان أمر كهذا يمكن حصوله من غير التفاهم الضمني بين اليمين التقليدي ممثلاً بحزب «الجمهوريون» الذي غيّر اسمه إلى «اليمين الجمهوري»، وبين المعسكر الرئاسي ومرشحته براون - بيفيه من خلال سحب مرشحه النائب فيليب جوفان (48 صوتاً)، وانسحاب مرشحة «هورايزون» النائبة نعيمة موتشو، بحيث وفرا لبراون - بيفيه الأكثرية النسبية، في الجولة الثالثة، ما مكنها من العودة إلى موقعها السابق رئيسة للبرلمان.

أوليفيه فور أمين عام الحزب الاشتراكي (الثاني من اليمين) يتهم اليسار المتشدد بأنه يرغب في البقاء بالمعارضة (إ.ب.أ)

كان ذلك باسم منع جبهة اليسار من احتلال موقع رئيسي في الجمهورية الفرنسية؛ إذ إن رئيس البرلمان يعد الشخصية الرابعة في الدولة ويتمتع بصلاحيات واسعة. والأكثر من ذلك، أن اختصاصيين في القانون الدستوري يعتبرون أن مشاركة 17 وزيراً في الاقتراع وإن كان ماكرون قد قبل استقالة حكومته قبل يوم واحد، تعد مخالفة دستورية. ومن غير أصوات هؤلاء الوزراء الذين نجحوا في الانتخابات الأخيرة، ما كان لبراون - بيفيه أن تعود إلى سدة البرلمان.

حقيقة الأمر أن ما حصل في الجمعية الوطنية يعد خسارة واضحة للجبهة الشعبية الجديدة التي تتمتع بأكبر كتلة برلمانية (193 نائباً). إلا أن الصعوبة التي تعاني منها أنها تضم في صفوفها حزب «فرنسا الأبية» الذي يتزعمه المرشح الرئاسي الأسبق جان لوك ميلونشون. ومنذ سنوات، دأب اليمين بجناحيه التقليدي والمتطرف، وأيضاً معسكر ماكرون، على التعامل معه على أنه «الفزاعة» التي يتعين، بكل الوسائل، منعها من الوصول إلى السلطة.

مارين لوبان زعيمة اليمين المتطرف وجوردان باديلا رئيس حزب «التجمع الوطني» خلال مهرجان انتخابي في باريس يونيو الماضي قبل تبخر حلم الوصول إلى السلطة (أ.ب)

وبعد أن تعاون معسكر ماكرون مع الجبهة الشعبية عن طريق سحب 220 مرشحاً لقطع الطريق على الجبهة الوطنية وحرمانها من الحصول على الأكثرية المطلقة في البرلمان، تغيرت الأوضاع في انتخابات رئاسة الجمعية الوطنية؛ إذ حصل توافق ضمني بين كافة ألوان الطيف السياسي على حرمان اليسار من الرئاسة. يضاف إلى ذلك أن مشكلة الجبهة الشعبية أنها تفتقر لخزان من الأصوات الرديفة التي يمكن أن تسهل لها الحصول على الأكثرية النسبية.

منذ ليل السابع من يوليو (تموز)، يجهد قادة تحالف اليسار للتوافق على اسم مرشح يقدمونه لرئيس الجمهورية من أجل أن يشكل الحكومة الجديدة. والحال، أنهم حتى اليوم لم ينجحوا في ذلك بسبب المنافسة الحادة القائمة بين الحزب الاشتراكي و«فرنسا الأبية» على تزعم الجبهة وعلى اختيار شخصية قريبة منه لترؤس الحكومة.

غابرييل أتال رئيس الحكومة الفرنسية المستقيل (إ.ب.أ)

ولا شك أن الذي يعطيه الدستور حق اختيار رئيس الحكومة سيجد فيما حصل ليل الخميس - الجمعة في البرلمان حجة للامتناع عن استدعاء شخصية يسارية لممارسة السلطة التنفيذية إلى جانبه. ومنذ إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية، لم يوفر ماكرون فرصة إلا دعا الأحزاب السياسية إلى التفاهم فيما بينها من أجل تشكيل «قوس جمهوري» حول كتلته «الوسطية» يمتد من اليمين التقليدي وحتى اليسار الاشتراكي والخضر وربما أيضاً الشيوعيين، مستبعداً بذلك «التجمع الوطني» (اليمين المتطرف) الذي حصل في الجولة الأولى على 10.4 مليون صوت و«فرنسا الأبية».

الرهان على تفكك جبهة اليسار

ليس سراً أن ماكرون يراهن على تفكك صفوف جبهة اليسار وابتعاد الاشتراكيين والخضر عن ميلونشون بحيث يستعيد رئيس الجمهورية جانباً من حرية الحركة السياسية التي افتقد جزءاً كبيراً منها بعد خسارته الأكثرية النسبية في البرلمان. بيد أن ما حصل من انسحاب مرشح اليمين التقليدي لصالح مرشحة المعسكر الماكروني يؤشر لقيام تحالف حكومي بين الطرفين يمكن أن يرتدي أشكالاً مختلفة. ويستفيد حزب «اليمين الجمهوري» من حاجة معسكر ماكرون لأصوات نوابه الـ48 في البرلمان لفرض شروطه. ففي البرلمان الجديد ثلاث كتل رئيسية: الجبهة الشعبية الجديدة واليمين المتطرف والمعسكر الماكروني. والحال، أن الأولى ليس لديها حلفاء تتعاون معهم سوى عدد قليل من النواب لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة.

أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور (وسط) اقترح ترؤس الحكومة العتيدة وسط انقسامات حادة للجبهة الشعبية الجديدة التي تضم أحزاب اليسار والخضر (رويترز)

كذلك حال اليمين المتطرف الذي أُخرج من القوس الجمهوري، في حين أن كتلة ماكرون يمكن أن تبحث عن حلفاء يميناً ويساراً، أو أن تتعاون معهم «على القطعة»؛ أي بحسب مشروع القانون المقدم للبرلمان، وهو ما فعلته حكومة إليزابيث بورن وبعدها حكومة غابرييل أتال، وكلتاهما كانتا تفتقران للأكثرية المطلقة. ولكن بعد ما حصل في البرلمان، يمكن توقع تقارب أوضح وأقرب بين الكتلة الرئاسية واليمين التقليدي. وما يسهل الأمور أن سياسة ماكرون تميل إلى اليمين، وأن وزراء أساسيين من حكوماته المتعاقبة جاءوا من أوساط اليمين، وأبرزهم وزير الداخلية جيرالد درامانان، ووزير الاقتصاد برونو لومير.

حتى اليوم، لم تُعرف بعد أحزاب الأكثرية أو المعارضة بانتظار قيام حكومة جديدة. والثابت أن فرنسا دخلت حالة من المطبات الهوائية الصعبة. ولم يتأخر اليسار أو اليمين المتطرف في اتهام «الماكرونية السياسية» بأنها «سرقت» أصوات الناخبين الذين أرادوا التغيير. والحال، أن ما هو حاصل أو ما قد يحصل قد يعيد الأمور إلى المربع السابق وإعادة إنتاج السلطة نفسها، ما يمكن أن ينعكس صراعاً داخل البرلمان وحراكاً في الشارع.


مقالات ذات صلة

انتخابات الجزائر 2026: المعارضة تواجه «عقبة التوقيعات»

شمال افريقيا التصويت على قانون الأحزاب الجديد في البرلمان الجزائري (البرلمان)

انتخابات الجزائر 2026: المعارضة تواجه «عقبة التوقيعات»

مع اقتراب موعد انتخابات البرلمان المقررة بالجزائر في الثاني من يوليو 2026 تواجه السلطات تشكيكاً كبيراً من طرف المعارضة

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
المشرق العربي فلسطينية تدلي بصوتها داخل مركز اقتراع في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (إ.ب.أ)

دير البلح حاضرة في أول انتخابات محلية في قطاع غزة منذ 22 عاماً

شهدت مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية تجري في القطاع منذ 22 عاماً، على خلفية الانقسام الفلسطيني الداخلي والعدوان الإسرائيلي المتواصل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقام مسؤولون انتخابيون فلسطينيون مركز اقتراع في خيمة لإجراء الانتخابات البلدية بدير البلح (أ.ف.ب)

الأولى منذ اندلاع الحرب... بدء التصويت في الانتخابات البلدية بالضفة ووسط غزة

فتحت مراكز التصويت صباح اليوم (السبت)، في جميع مناطق الضفة الغربية ووسط قطاع غزة، أمام الناخبين الفلسطينيين لانتخاب المجالس البلدية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي من جلسة البرلمان العراقي لانتخاب رئيس الجمهورية (أ.ف.ب)

ضغوط تعوق «التنسيقي» عن تشكيل الحكومة العراقية

تواجه القوى الشيعية الرئيسية في العراق صعوبات متزايدة في التوصل إلى توافق على مرشح لتشكيل الحكومة قبل انتهاء المهلة الدستورية.

حمزة مصطفى (بغداد)
الولايات المتحدة​ من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)

الجمهوريون لترسيم خرائط فلوريدا لتعويض خسارتهم في فيرجينيا

بعد خسارتهم في فيرجينيا، سعى الجمهوريون إلى نقل معركة ترسيم الخرائط الانتخابية إلى فلوريدا، آملين إعادة التوازن مع خصومهم قبل الانتخابات النصفية للكونغرس.

علي بردى (واشنطن)

انفجارات في كييف بعد ساعات من هجوم أوكراني على مصفاة روسية

الدخان والنيران يتصاعدان من مصفاة توابسي النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)
الدخان والنيران يتصاعدان من مصفاة توابسي النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)
TT

انفجارات في كييف بعد ساعات من هجوم أوكراني على مصفاة روسية

الدخان والنيران يتصاعدان من مصفاة توابسي النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)
الدخان والنيران يتصاعدان من مصفاة توابسي النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)

دوّت انفجارات في سماء كييف اليوم (الثلاثاء)، بينما حثّ مسؤولون أوكرانيون سكان العاصمة على الاحتماء بسبب تهديد بشنّ هجوم روسي بطائرات مسيّرة.

وذكر صحافيون في وكالة الصحافة الفرنسية في كييف أنهم سمعوا دويّ انفجار قوي واحد على الأقل فوق المدينة بعد الساعة 14,15 بقليل (11,15 بتوقيت غرينتش)، بينما أعلنت السلطات المحلية أن أنظمة الدفاع الجوي تعمل على التصدي للهجوم وسط تحليق للطائرات المسيّرة الروسية فوق المدينة.

يأتي ذلك بعد ساعات قليلة من اعلان هيئة الأركان العامة للجيش الأوكراني، عبر تطبيق «تلغرام»، أن قواتها شنّت هجوماً جديداً خلال الليل استهدف مصفاة توابسي الروسية للنفط على ساحل البحر الأسود، باستخدام طائرات مسيّرة؛ ما أدى إلى اندلاع حريق في المنشأة، مشيرة إلى أن تقييم حجم الأضرار لا يزال جارياً.

في المقابل، أكد مسؤولون روس وقوع الهجوم، مشيرين إلى أن الطائرات المسيّرة الأوكرانية تسببت في «حريق واسع النطاق» داخل المصفاة؛ ما استدعى إخلاء المباني المجاورة إجراءً احترازياً.

وقال الكرملين إن روسيا تتخذ الإجراءات اللازمة في أعقاب الهجوم، دون تقديم تفاصيل إضافية، في وقت يتواصل فيه التصعيد بين الطرفين واستهداف البنى التحتية الحيوية.

وحسب وكالة «رويترز» للأنباء، تعرضت المصفاة المملوكة لشركة «روسنفت»، وميناء توابسي لهجمات متكررة بطائرات مسيّرة خلال الأسابيع القليلة الماضية.

ومصفاة توابسي لديها القدرة على معالجة نحو 240 ألف برميل يومياً، وتوفر منتجات مثل النفتا، وزيت الوقود، والديزل.

إلى ذلك، قال فياتشيسلاف ‌جلادكوف، حاكم ‌منطقة ​بيلغورود الروسية، ⁠إن ​هجمات بطائرات ⁠مسيّرة ⁠أوكرانية ‌على سيارات ‌مدنية ​أسفرت ‌عن مقتل ‌ثلاثة ‌أشخاص وإصابة ثلاثة ⁠آخرين في ⁠أنحاء عدة بالمنطقة.

وكثّفت أوكرانيا ضرباتها على روسيا منذ ‌مارس (آذار)، مع توقف محادثات السلام التي تتوسط ⁠فيها ⁠الولايات المتحدة، في وقت تصبّ فيه واشنطن تركيزها على حرب إيران.


تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
TT

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

لم تُفاجأ القمة الأوروبية بإعلان قبرص، التي تترأس راهناً الاتحاد الأوروبي، رغبتها في أن تركز القمة التي استضافتها الأسبوع الماضي على تفعيل المادة «42» بفقرتها السابعة من معاهدة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالتضامن مع أي عضو في الاتحاد في حال تعرضه لـ«اعتداء عسكري يستهدف أراضيه».

فقبرص التي لا تنتمي إلى «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) كانت هدفاً في الأول من مارس (آذار) الماضي لمسيّرات يُظن أنها انطلقت من لبنان وضربت قاعدة «أكروتيري» العسكرية التي تشغلها بريطانيا. وسارعت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليونان إلى إرسال تعزيزات عسكرية إلى الجزيرة المتوسطية، وكذلك فعلت بريطانيا. وتُعد المادة «42» صنواً للمادة الخامسة من معاهدة الحلف الأطلسي، ولم يجر تفعيلها سوى مرة واحدة في عام 2015 بطلب من فرنسا التي تعرضت لهجمات إرهابية دامية.

وما أرادته نيقوسيا خلال القمة غير الرسمية، التي رأستها، هو تقييم ما وصل إليه قسم «العمل الخارجي» التابع للاتحاد حول كيفية تفعيل المادة المذكورة وتوفير دفعة سياسية لتسريع العمل بهذا الخصوص.

قادة أوروبيون وشرق أوسطيين خلال القمة غير الرسمية التي استضافتها قبرص يوم 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ولم يتردد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع نظيره اليوناني ميتسوتاكيس، عقب تجديد الاتفاقية الاستراتيجية مع اليونان، السبت، في اعتبار بند الدفاع الأوروبي المشترك «أقوى من المادة الخامسة» من حيث إنه «يتيح التضامن (الدفاعي) بين الدول الأعضاء» في الاتحاد الأوروبي. ونقلت صحيفة «لوموند» عن الباحثة السويسرية في المجال الأمني، جيسين ويبير، أن المادة «42» في فقرتها السابعة «أسهل استخداماً»؛ إذ إنها بعكس المادة الخامسة «لا تتطلّب الإجماع لتفعيلها، وفي حال دعوة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي إلى ذلك، فإن الدول الراغبة فقط تلتزم بالعمل بموجبها، مما يمنع وجود خطر عرقلة مؤسساتية».

«أطلسي» أوروبي أم دفاع «مستقل»؟

أهمية ما سبق أنه يأتي بوصفه ترجمة فعلية للتضامن الأوروبي في الوقت الذي تتكاثر فيه الشكوك والتساؤلات، أوروبياً، حول مدى التزام الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بتفعيل المادة الخامسة بعد الانتقادات العنيفة التي وجهها إلى الحلف الأطلسي الذي لم يهب لمساعدة الولايات المتحدة في حربها (مع إسرائيل) على إيران ورفض الانضمام إليها في المحافظة على أمن مضيق هرمز.

مسيرات من طراز «فيكتور» الألمانية الصنع خلال تدريبات «إيسترن فينيكس» في ميدان التدريب «كابو ميديا» بمقاطعة كونستانتا في رومانيا يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

كذلك كثر الحديث في الأسابيع الأخيرة عن مشاورات أوروبية لتشكيل ما سُمي «الناتو الأوروبي». وصدرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية بعنوان على صفحتها الأولى يوم 14 من الشهر الحالي هو: «أوروبا تسرّع إعداد خطة بديلة لحلف شمال الأطلسي في حال انسحاب ترمب». وما يريده الأوروبيون حقيقة هو تدارك المخاطر المترتبة على ابتعاد أميركي عن الحلف العسكري فيما تهيمن على الأوروبيين مخاوف جدية من خطط عسكرية روسية مستقبلية لاستهدافهم. ووفق تحذيرات ذاعت على نطاق واسع في فرنسا وألمانيا ودول أخرى، فإن أمراً مثل هذا يرجح حصوله قبل نهاية العقد الحالي.

ليس سراً أن الرئيس ماكرون حمل، منذ وصوله إلى قصر الإليزيه، عبء الدعوة إلى «استقلالية استراتيجية» أوروبية؛ بحيث تتمكن أوروبا من الدفاع عن نفسها. وفي عام 2017، دعا، بمناسبة خطاب شهير في جامعة السوربون في باريس، إلى التركيز على هذا الهدف، وما فتئت باريس تحث على بلوغه. بيد أن دعواتها المتكررة كانت تثير الأسئلة والمخاوف خصوصاً لدى دول تتمسك بالمظلة النووية الأميركية-الأطلسية التي لا تريد مبادلتها بمظلة نووية أوروبية غير موجودة. لكن مواقف ترمب من الحرب في أوكرانيا ولاحقاً رغبته في الهيمنة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، وأخيراً ملف الحرب على إيران فعلت فعلها لدى دول كانت تعارض الدعوة الفرنسية مثل ألمانيا وبولندا وغيرهما. لكن في الوقت عينه، عدل ماكرون دعوته، الأمر الذي برز في تصريحاته بأثينا، حيث حرص على التذكير بأن دعوته لا تهدف إلى إضعاف الحلف الأطلسي بل تأتي استجابة لمطالب أميركية-ترمبية، قديمة وجديدة، للقارة الأوروبية بأن تتولى زمام أمنها بنفسها.

وقال ماكرون ما نصه: «إن الدرس الذي يجب أن نستخلصه هو ألا نظل معتمدين على غيرنا. ويجب علينا، نحن الأوروبيين، تقوية الركيزة الأوروبية لـ(الناتو)، وتعزيز دفاعنا الأوروبي، ليس ضد أحد، وليس بديلاً عن أي شيء». وذهب ميتسوتاكيس في الاتجاه نفسه بتأكيده أنه يتعين على واشنطن أن تسعد بجدية الاتحاد الأوروبي في الاعتماد على الذات ومضاعفة الإنفاق الدفاعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس يستمعان السبت إلى شرح من ضابط على متن الفرقاطة «كيمون» اليونانية التي اشترتها أثينا من فرنسا (إ.ب.أ)

أين المظلة النووية الأوروبية؟

قبل أثينا، نبّه ماكرون في نيقوسيا من أن «التحدي الذي تواجهه أوروبا هو أن تصبح أقوى وأكثر استقلالية، لأن الولايات المتحدة لن تحمينا بعد الآن على المدى الطويل». وأضاف أن «أوروبا بُنيت على أساس أن الولايات المتحدة ستحمينا إلى الأبد. وبالنسبة للجيل القادم، أعتقد أن هذا لن يكون صحيحاً بعد الآن».

والمهم اليوم أن أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) أصبحت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي رغم أنها كانت (باستثناء فرنسا) من الأقرب إلى واشنطن، وبالتالي للحلف الأطلسي. لكنها اليوم قررت السير بمشروع تعزيز الدفاع الأوروبي خصوصاً أنه لم يعد يعني التخلي عن «الأطلسي» بل العمل إما داخله وإما إلى جانبه. وما يريده المروجون لـ«الناتو الأوروبي» تمكين القارة القديمة من الدفاع عن نفسها في حال «فتر» الالتزام الأميركي بالمادة الخامسة من شرعية الحلف، أو أن تكون واشنطن قد ركزت اهتماماتها بالدرجة الأولى على المنافسة الحامية التي تواجهها من الصين.

رغم هذه الانعطافة الأوروبية باتجاه تعزيز الدفاع الذاتي، فإن الكثير من المتابعين لهذه المسألة يرون أنه مشروع «للمدى البعيد»؛ إذ إن العديد من الدول الأوروبية التي تستشعر أكثر من غيرها التهديدات الروسية لا تريد الابتعاد قيد أنملة عن الحلف الأطلسي، وعلى رأسها دول بحر البلطيق ورومانيا... وكان لافتاً أن دولتين أوروبيتين (السويد وفنلندا) رفضتا دوماً الانضمام إلى الحلف الغربي تحولتا إلى دولتين أطلسيتين. وتعي باريس أن إحدى نقاط الضعف في مشروعها تكمن في غياب المظلة النووية الأوروبية. والحال أنها ولندن تمتلكان، وحدهما، القدرة النووية. من هنا، فإن ماكرون أخذ يشدد في مداخلاته على «البعد الأوروبي» لنووي فرنسا. وثمة مناقشات تدور في السر بين باريس ولندن وبرلين ووارسو حول كيفية تمكين الأوروبيين من الاستفادة من قدرات الدولتين النوويتين. ومؤخراً، طرح ماكرون خططاً لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وعرض أن تستضيف دول أوروبية شريكة لبلاده قاذفات استراتيجية فرنسية ذات قدرات نووية في عمليات انتشار مؤقتة؛ الأمر الذي أثار غيظ موسكو التي حذرت من أن أي دولة تقبل بالعرض الفرنسي يمكن أن تتحول إلى هدف لهجمات روسية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
TT

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا، وربط هذه التنازلات بفرص انضمامها للاتحاد الأوروبي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال ميرتس: «في مرحلة ما، ستوقِّع أوكرانيا اتفاقاً لوقف إطلاق النار. ونأمل في مرحلة ما أن توقِّع معاهدة سلام مع روسيا. وقتها قد يصبح جزء من أراضي أوكرانيا غير أوكراني».

وأضاف: «إذا كان الرئيس (فولوديمير) زيلينسكي يريد نقل هذا الأمر إلى شعبه، والحصول على أغلبية لإقراره، ويحتاج إلى إجراء استفتاء بشأنه، فعليه في الوقت نفسه أن يقول للشعب: لقد فتحت لكم الطريق إلى أوروبا».

ولدى أوكرانيا حالياً وضع مرشح رسمي لعضوية الاتحاد الأوروبي.

وحذَّر ميرتس من الإفراط في التفاؤل بشأن انضمام أوكرانيا سريعاً للاتحاد الأوروبي، وقال إن كييف لا يمكنها الانضمام إلى التكتل وهي في حالة حرب، ويجب عليها أولاً أن تستوفي معايير صارمة، بما في ذلك ما يتعلق بسيادة القانون ومكافحة الفساد.

وتابع قائلاً: «لدى زيلينسكي فكرة أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يتم في الأول من يناير (كانون الثاني) 2027. هذا لن ينجح. حتى الأول من يناير 2028 ليس واقعياً».

واقترح خطوات تمهيدية، مثل منح أوكرانيا صفة مراقب في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والتي قال إنها فكرة لاقت قبولاً واسعاً بين القادة الأوروبيين، في قمة عُقدت الأسبوع الماضي في قبرص بحضور زيلينسكي.