الابتكار لحد الاختراع والرومانسية تأخذ وجوها جديدة

أسبوع باريس لخريف 2014 وشتاء 2015

من عرض نينا ريتشي
من عرض نينا ريتشي
TT

الابتكار لحد الاختراع والرومانسية تأخذ وجوها جديدة

من عرض نينا ريتشي
من عرض نينا ريتشي

انتهت أمس دورة الموضة لخريف وشتاء 2014. دورة بدأت في نيويورك، وانتقلت إلى لندن ثم ميلانو وأخيرا باريس، وقال فيها المصممون كلمتهم واقتراحاتهم، بالألوان والأقمشة. ورغم اختلاف لغة كل واحد منهم وأسلوبه، فإنهم اتفقوا على أن الوضع لم يعد يحتمل الجموح والشطحات الخيالية، وبأنه يتطلب ترويضا لهذه الاقتراحات. لهذا رأيناهم وعلى مدى شهر تقريبا يلبسونها ألوانا رومانسية وتصاميم واقعية تخاطب متطلبات العصر وجيلا جديدا من الزبونات، باستثناء حفنة من المصممين لم يقبلوا بهذا الحل، وحاولوا التميز بطرح ابتكارات أقرب إلى الاختراعات كما هو الحال في دار إيسي مياكي مثلا. أما في العموم، فقد تمخضت الدورة ككل عن تصاميم عصرية تركز على الجمال والمال، بمعنى التسويق، أكثر ما تركز على خض التابوهات.
في باريس، بدأت العروض هادئة في أول يومين، ليتسارع إيقاعها في اليوم الثالث بعروض نينا ريتشي ولانفان مثلا، وترتفع سخونتها في عروض ديور وشانيل وفالنتينو وسان لوران وغيرهم.
مكان العرض لم يتغير، فقد كان في حدائق التويلريز كعادة دار «نينا ريتشي» التي جعلته مسرحها المفضل منذ عدة مواسم. السجادة البيضاء المائلة إلى الرمادي، والتي تمتد من مدخل الحديقة إلى الخيمة المنصوبة وسطها، هي كذلك لم تتغير وإن تبللت هذه المرة إثر تساقط زخات من المطر قبل العرض بساعة وكأنها تريد أن تفسد منظرها ووظيفتها. لكن نينا ريتشي كانت عازمة ألا تترك أي شيء يفسد عليها يومها، فما إن تلج قاعة العرض حتى تشعر ليس بالدفء فحسب بل أيضا بموجة تغيير قادمة. فالديكور كان بسيطا وكأنك تدخل بيتا مريحا، مفروش بالسجاد وتتوسطه كنبة طويلة باللون البرقوقي من المخمل. هذا الإحساس بالتغيير يزيد قوة مع بداية العرض ومع كل إطلالة، لتخرج في النهاية وأنت مقتنع بأن هذه قد تكون أفضل تشكيلة يقدمها لها مصممها البريطاني بيتر كوبينغ منذ عدة مواسم. على العكس من الموسم الماضي، كانت فكرتها واضحة تلعب على عالم جديد تدخله المرأة وعلى جماليات الديكور الداخلي. وهو مجال يعشقه المصمم ويهتم به بشكل كبير بالنظر إلى تحركاته ونشاطه على شبكات التواصل الاجتماعي التي لا يتوقف فيها على نشر صور تشده وتثير انتباهه في هذا المجال. وقد شرح فيما بعد أن البذرة التي انطلق منها مجموعة من الصور جمعها عبر السنوات وزيارة لبيت مرفه يتمتع بتصميم عال وخاص. ولأنه انطلق من عنصر يحبه ويفهمه كثيرا، فإنه لم يته، بل العكس أبدع تشكيلة مركزة وقوية، تتراقص على ضوء ألوان هادئة، وتزخر بالأقمشة المتنوعة، التي تستعمل أحيانا في تنجيد قطع الأثاث مثل المخمل والبروكار. أما التصاميم فتمزج الرومانسية التي تطبع دار نينا ريتشي دائما مع جرعة أنوثة أقرب إلى النضج منها إلى الإثارة. وفي كل الحالات كان يلبي حاجة امرأة تريد خزانة متكاملة لكل مناسباتها، الخاصة والعامة. كانت هناك الكثير من القطع المنسدلة براحة للنهار مثل التايورات المكونة من تنورات عوض بنطلونات، والمعاطف الواسعة فضلا عن قطع منفصلة من الصوف أو الجلد أو الفرو طعمها بالحرير أو الساتان أو الدانتيل لكسر حدتها وإضفاء النعومة عليها. هناك أيضا أزياء خاصة بمناسبات الكوكتيل والمساء والسهرة، تضج بالأناقة لكن لا تنسى أبدا عنصر الراحة. وتتجسد هذه الراحة في انسدال التصاميم على الجسم عوض شدها، ما أعطى الانطباع أحيانا أنها مستلهمة من ملابس البيت أو النوم، مثل معطف واسع يلتف حول الجسم ويغمره وكأنه بطانية، وفساتين طويلة يتراقص فيها حرير الساتان مع الدانتيل، أحيانا بألوان الأسود أو الوردي الخفيف أو الليلكي، وهي ألوان طبعت أيضا قمصانا من الحرير مطبوعة بالورود وكنزات من الكشمير بياقات عالية.
المهم أن بيتر كوبينغ تخيل امرأة لا ينقصها شيء، بل العكس تعيش في بيت فاخر يعكس شخصيتها الرومانسية وتطلعاتها إلى حياة مرفهة ومريحة، من الصباح إلى المساء. وكانت النتيجة مثيرة لكن غير مبتذلة حتى بالنسبة للفساتين المستوحاة من ملابس النوم أو القطع المستلهمة من البيجاما الرجالية، بفضل تصاميمها المنسدلة وأقمشتها المأخوذة في بعض الأحيان من تلك المستعملة في قطع الأثاث مثل صوف النيوبرين، أو الجلد أو القماش المقصب.
عرض لانفان من العروض التي يترقبها الجميع وتنجح دائما في أن تكون في مستوى هذا الترقب أو أكثر. لهذا، وعلى الرغم أنها تكون عادة في وقت متأخر، الساعة الثامنة مساء هذه المرة مع الأخذ بعين الاعتبار أن الكل يعرف أنه قد يتأخر بنحو 45 دقيقة على الأقل، فإن هذا لا يخفف من حجم الحماس. حماس يؤججه المصمم ألبير إلبيز بتصاميمه، لكن أيضا بعرض تمهيدي، غير مقصود، قبل العرض الرئيس عارضاته نجمات أو سيدات مجتمع من آسيا. وهذا ما يجعل الحضور يعيش حالة من الإثارة وكأنه في مسرح مفتوح. فالمشروبات لا تنتهي والمقبلات متنوعة والوجوه المعروفة، مثل المغنية ريهانا والممثلة المخضرمة كاثرين دونوف أو الممثلة الصاعدة إيما روبرتس، تلهي الجميع عن الوقت المتأخر وتعب يوم طويل، يلتقطون صورهن بحماسة الأطفال لإرسالها عبر الـ«تويتر» أو الإنستغرام للأصدقاء، أو يتبادلون الآراء حول مظهرهن وأزيائهن، وهكذا إلى أن يبدأ العرض. وحتى هنا، لم يختف ذلك الشعور بأننا نعيش مسرحية تتهادى فيها العارضات بملابس تلعب على الخفة والسماكة من جهة، وعلى الضوء والظلام من جهة ثانية، في صورة تستحضر أحيانا «لو فيلم نوار»، لكن قد يعود هذا إلى اللون الأسود والإضاءة التي كانت تنعكس على وجوه العارضات فتمنحهن غموضا، خصوصا اللواتي ظهرن بقبعات ضخمة. كانت القطع تضج بالقوة إلى حد الوحشية أحيانا، ما يجعلك تعشقها وتريدها، مثل فستان أسود من الجلد ببليسيهات تغطي الصدر والتنورة، ومعطف أيضا من الجلد الناعم بلون الزيتون المائل إلى الأسود، وتايور رمادي بأجزاء من الفرو. كما لم تغب بصمته التي تعتمد على الطيات والثنيات المختلفة والمدروسة، في مزجه التويد مع القطن، ولا في الإكسسوارات اللافتة بدءا من القبعات الضخمة إلى القلادات وغيرها. منذ عدة مواسم، ونحن نلاحظ أن ألبير إلبيز يزيد جرأة، حيث نصب نفسه محررا للمرأة من التصاميم التقليدية، متحملا مسؤولية تحريك المياه الراكدة حتى وإن كلفه الأمر استغراب البعض وعدم فهمهم لفلسفته الجديدة. وحتى هؤلاء، أي الذين لا يفهمونها، يعانقونها من باب عشقهم له ولكل ما تصوغه أنامله ويجود به خياله. وهذا يؤكد أنه يفهم سوقه جيدا عدا أنه كان البطل بلا منازع في هذه المسرحية المتشابكة الخيوط، والتي تتوفر على كل عناصر الإثارة والتشويق.
في عرض إيسي مياكي، كان السيناريو مختلفا. ديناميكيا ومتحولا بعدة وجوه ووظائف في الوقت ذاته. فقد عودنا المصمم يوشييوكو مياماي على معانقة الحداثة والابتكار، إن لم نقل الاختراع، بعروض تقوم فيها العارضات بارتداء القطع أمام أعيننا لمزيد من الإبهار والتأكيد على وظائفها المتنوعة. هذه المرة، أطللن علينا، وهنا يحملن حقائب كبيرة مستديرة ومسطحة ما إن فتحنها حتى تحولت إلى فساتين بأشكال وألوان مختلفة. ورغم أنها ليست المرة الأولى التي نرى فيها ابتكارات مماثلة في عروض الدار، فإنها دائما تنجح في انتزاع شهقات الإعجاب. بعد هذه المقدمة، توالت القطع، أغلبها ثلاثية الأبعاد وتميل إلى الاتساع، بعضها يتميز بطبعات مستوحاة من الأرت ديكو، وأغلبها من أقمشة مرنة تهتز مع كل حركة بفضل تقنيات يعشقها يوشيكييو مياماي، ورسخت مكانته كمصمم يتمتع بمهارة فائقة في مزج الابتكار بالحرفية، لتكون النتيجة دائما حداثية وواقعية في الوقت ذاته. هذا، على الأقل بالنسبة لسوقه الآسيوي وشرائح الشباب، من الذين لم يتوقفوا عن التصفيق له بعد العرض ورفضوا التوقف إلى أن أطل عليهم ثانية، وهو ما لا يحدث في أي عرض، لأن الحضور في العادة يتسابقون على الخروج عند أول فرصة حتى يتجنبوا الازدحام ويصلوا إلى العرض التالي في الموعد المحدد.
من أهم التقنيات التي اعتمدها المصمم هنا تقنية تعتمد على تمديد القماش بالبخار، ينكمش بعدها ليكتسب مظهرا ثلاثي الأبعاد، فضلا عن جمالية عضوية أقرب إلى الشاعرية انعكست هنا على فساتين وجاكيتات قصيرة بعيدة كل البعد عن الجمود، وتلخص رؤية المصمم، بأن «الملابس تختزن قوة الحياة.. ما إن تلفك حتى يغمرك إحساس بالسعادة»، وهذا الشعور بالسعادة هو ما منحه لنا بالضبط السيد يوشييوكو مياماي.
دائما يجرنا الحديث عن التقنيات الحديثة والرغبة في الابتكار والتفرد إلى الحديث عن دار «ميزون مارتان مارجيلا»، رغم أنها بدأت في الآونة الأخيرة تروض جنوحها للاختراع بالاكتفاء باستعراض الحرفية وتبني الإبهار. أكبر دليل على هذا أنها، في الموسم الماضي، وإن لم تتخل عن الخياطة المفصلة، فإنها أضافت إليها بريق الأحجار، وهو ما كان جديدا، إن لم نقل ثوريا على دار تعشق التصاميم التجريبية والعوم ضد التيار. لموسمي الخريف والشتاء المقبلين، اعتمدت على دفء التويد لتفكك رموز أزياء رجالية وتضيفها إلى خزانة المرأة، ولو من خلال تفاصيل وجزئيات صغيرة. مثلا كان هناك فستان يبدو وكأنه صنع من بطانة بدلة رجالية زينته حواشي من الدانتيل، بينما كان ظهره من التويد، وآخر مصمم على شكل بنطلون وغيرها من التصاميم التي تتميز ببصمات فريق الدار، من الأكتاف الحادة إلى المعاطف الواسعة مرورا بالحياكة التي قد تعطي الانطباع بأن القطعة لم تكتمل بعد. ورغم أن البعض يرى أن أزياء الرجل، خصوصا التويد وما يوحيه من تصاميم تقليدية قديمة، غير مغرية إلا أن «ميزون مارتان مارجيلا» نجحت في إدخال عنصر جديد عليها، ألا وهو الجاذبية الذكية، لا سيما وأن بعض هذه التصاميم، وإن كانت تبدو للوهلة الأولى تجريبية، إلا أننا بتنا نعرف أنها عندما تصل إلى السوق فإنها تبدو مكتملة وناضجة، تغري بقطفها للتلذذ بجمالياتها.
بالنسبة للمصممة تسوموري شيساتو، وقبل الحديث عن تشكيلتها، لا بأس من الإشارة إلى أنها عملت في السبعينات من القرن الماضي في دار إيسي مياكي، قبل أن تؤسس دارها الخاصة في التسعينات. وهذا يعني أن الرغبة في الابتكار تجري في دمها، وأنها من مدرسة تتوخى أن تستعرض قدراتها الفنية. هذه الفنية بالنسبة لها تركزت في الأسبوع الماضي على طبعات صارخة وعلى أسلوب بوهيمي ناعم، بعد أن قررت أن تقدم لخريف وشتاء 2014، طبقا من فاكهة الموز، وأن تأخذنا في رحلة إلى غابة استوائية تتعايش فيها القرود مع الببغاوات، ما يفسر تصدرها كنزات صوفية وجاكيتات منفوخة من الظهر وقطعا كثيرة أخرى. كان كل شيء في هذه التشكيلة، باستثناء الأقمشة الدافئة، يخاطب الصيف، بدءا من الألوان المشعة بالأصفر المستردي والأخضر الليموني والأحمر التوتي، إلى الطبعات المستوحاة من الحيوانات وتغري برحلة استكشافية. ومع ذلك توصلت فيها المصممة إلى خلق توازن ارتكزت فيه على التصاميم الأنيقة، خصوصا في الجاكيتات والتنورات المستقيمة التي لم تخرجها صور القرود ووجوه الغوريلات أو الببغاوات عن رزانتها، ولا ذلك الإحساس بالفينتاج أحيانا عن عصريتها.
على العكس تماما من شيساتو، فإن الثنائي فيكتور هورستينغ ورولف سنورين، فيكتور آند رولف، اختارا اللون الرمادي عنوانا للموسمين المقبلين. ليس لأنهما يتوقعان موسمين قاتمين، بل لأنه لونهما المفضل. القاعة في حدائق التويلريز يوم السبت الماضي، تحولت إلى شارع طويل بأرضية من الإسمنت وأضواء جانبية، اسمه «الطريق إلى الجحيم» حسب كلمات الأغنية الحزينة التي صاحبت العرض. لحسن الحظ أن القطع لم تعكس هذا الجحيم بل العكس، خصوصا القطع الصوفية، التي يمكن القول إنها ستكون الأجمل في الموسمين المقبلين، بعد أن تم ترصيعها بأحجار الكريستال، واستعملت فيها درجتين من الرمادي أو مزيجا من الخامات المختلفة مثل المخمل. بعضها على شكل كنزات وبعضها الآخر طويل، بحيث يمكن أن تعوض عن معطف في أي مناسبة من المناسبات. لم يكن الرمادي اللون الوحيد هنا إذ اخترقته ومضات من الأزرق والبرتقالي والأبيض، كما لم تكن هذه أقوى تشكيلة يقدمها الثنائي، لكنها عملية وواقعية بكل المقاييس، وهذا ما يجعل كل امرأة، ترى نفسها فيها وترغب فيها، أيا كان أسلوبها.
نفس الشيء يمكن أن يقال على تشكيلة رولان موريه، التي أكدت أن المصمم الفرنسي الأصل وصل إلى مرحلة في حياته المهنية لم يعد يحتاج فيها أن يثبت قدراته أو يغير أسلوبه تماشيا مع تغير أحوال السوق. نعم هناك تغيير في التفاصيل والاتجاه لكن من دون المساس بالأساس، وهو ما كتبه في ورقة وضعها على كل الكراسي قبل العرض يشرح فيها: «لقد وصلت إلى مرحلة معينة من الحياة، أشعر فيها بأني محظوظ لأني أقوم بما أعشقه وأقتنع به وليس ما هو متوقعا مني». ولا شك أن المصمم، بعد 50 عاما، وصل إلى مرحلة من الثقة والاقتناع بأسلوب برهن أنه يروق لشرائح كبيرة من النساء، وحقق له سمعة طيبة عبر السنوات، وبالتالي يرى أنه يجب أن يبادله نفس الإخلاص. لهذا ترجمة في فساتين رشيقة تحدد الجسم لكن لا تشده مثل السابق، بعضها بسحابات واضحة، وبعضها الآخر بزخات من الألوان موضوعة بطريقة محسوبة ودرامية لتحدد جزءا معينا من الجسم أو تموه عنه، لكن أغلبها بياقات من الجلد. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الياقات منفصلة، أي أنها إكسسوارات أكثر منها جزءا من القطعة. وهذا وحده يشير إلى أنه يعرف ما يريده السوق، وما يبيع.
ولأن موريه ليس مصمما فقط بل عمل في بدايته كخبير ومنسق أزياء، لهذا فهو ضليع في خلق إطلالات تروق للعين، وفي الوقت ذاته تغذي رغبته في تجربة أشكال جديدة. وهذا ما برهنه بمزجه ثلاثة أنواع من الدانتيل مثلا في قطعة واحدة، وفي استعمال الريش كجزء من حواشي بعض القطع، وغيرها من الأمور التي شرح بأنه كان يقوم بها في بدايته من باب الزينة وخلق تأثير درامي، والآن توصل إلى جعلها جزءا لا يتجزأ من القطعة، لتحاكي الـ«هوت كوتير». هذا الطموح إلى الـ«هوت كوتير»، الجانب الفني لصناعة الأزياء ظهر أيضا في تنورات من الجلد مقصوصة على شكل شراشيب، ومجموعة من الفساتين بسحابات ومطبوعة بورود، كما في معاطف مفصلة من الكشمير وغيرها من القطع المنفصلة.
أما مصممة دار كلوي، البريطانية كلير وايت كيلير، فقدمت يوم الأحد الماضي، تشكيلة لم تكن أفضل ما قدمته ولم يشفع لها سوى المعاطف وحقائب اليد. لم تكن واضحة المعالم، وإن تميزت بخطوط ناعمة وألوان هادئة بدت فيها المصممة وكأنها تريد أن تمسك بخيوط الدار وأن لا تتخلى عن جيناتها، لكنها لم تضف إليها شيئا يذكر، ما جعلها تبدو نسخة باهتة وغير متماشية مع متطلبات امرأة عصرية. وحتى عندما شرحت المصممة وجهة نظرها قائلة بأنها كانت تتوجه «إلى فتاة مختلفة.. أكثر جموحا وغموضا» فإنها لم تقنع.
بيد أنه لا يمكن لأحد أن ينكر بأن المعاطف كانت في غاية الأناقة والجمال، سواء من حيث تصاميمها المبتكرة أو خاماتها المترفة أو ألوانها الباستيلية، مما يشير إلى أنها ستكون مطمع أي فتاة أنيقة سواء كانت جامحة وجريئة أو هادئة وناعمة.



«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
TT

«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)

لا يختلف اثنان على أننا في عصر تنتشر فيه الصورة أسرع من أي بيان سياسي... يكفي ظهورُ نجمةٍ أو شخصية معروفة بإطلالة مدروسة في مناسبةٍ ما لكي تتحول جزءاً من النقاش العام.

ومع انطلاق «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026»، يبرز التساؤل بشأن قدرة مصممي الأزياء على الاستفادة من هذه الومضات والإشعاعات المؤقتة، وما إذا كان ظهور نجمة كبيرة بقطعة مُوقّعة من أحدهم يمكن أن يرتقي به إلى مصاف الكبار من أمثال رالف لورين، وتوري بورش، وكارولينا هيريرا... وغيرهم ممن نجحوا في تأسيس علامات راسخة تمتلك موارد كافية لتجاوز أي تغيرات اقتصادية قصيرة المدى. الجواب وفق ما تابعناه مؤخراً مختلف بالنسبة إلى المصممين الجدد... قد يمنحهم بريقاً سريعاً، لكنه مؤقت لا يترجَم دائماً إلى أرقام.

ليدي غاغا وهي تغني في الـ«سوبر بول إل إكس» بفستان من توقيع المصمم راوول لوبيز (كيربي لي إيماجن)

عندما اعتلت ليدي غاغا مسرح الـ«سوبر بول إل إكس» حديثاً لتقدم عرضها الموسيقي، ارتدت فستاناً أزرق سماوياً صممه الدومينيكاني المقيم في نيويورك، راوول لوبيز، خصيصاً لها. كان رائعاً ولافتاً، وكان من المتوقع أن ينال مصممه ولو قليلاً من سحره. لكن مع انطلاق «أسبوع نيويورك»، غاب اسمه من البرنامج الرسمي. ورغم أنه لم يُصرّح بالسبب، فإن ضيق الحال قد يكون السبب. وهذا يشير إلى أن المنصات الكبرى قد توفر دفعة هائلة للناشئين، لكنها ليست بديلاً عن بيئة اقتصادية مستقرة، ودعم هيكلي مستدام، يساعدان في نمو العلامة.

نيويورك... الحقبة الانتقالية

الدورة الحالية من «أسبوع الموضة الأميركية» تأتي في لحظة مفصلية تتقاطع فيها الموضة مع مناخ سياسي متقلب ووضع اقتصادي هش يضغط على هذه الصناعة منذ سنوات.

رئيس بلدية نيويورك الحالي، زهران ممداني، صرّح مؤخراً أمام مجلس شيوخ الولاية في اجتماع لمناقشة ميزانيتها لعام 2026، بأنها «تقف على حافة الهاوية» ودعا إلى زيادة الضرائب اثنين في المائة على سكان نيويورك الذين يتقاضون أكثر من مليون دولار سنوياً، إلى جانب زيادة معدل الضريبة على الشركات في الولاية. مقترحات طرحها خلال حملته الانتخابية وأكسبته أصواتاً كثيرة ويحتاج إلى تنفيذها على أرض الواقع.

بالنسبة إلى الموضة، فإنها شهدت في العام الماضي انهيار نموذج تجارة التجزئة متعددة العلامات؛ مما خلق حالة من عدم الاستقرار لكثير ممن كانوا يعتمدون عليها للوصول إلى الزبائن. فقد تقدّمت منصة «إسنس» الكندية المعروفة باحتضانها علامات مستقلة بطلب حماية من الإفلاس في أغسطس (آب) الماضي، وكانت مدينةً حينها بنحو 93 مليون دولار كندي للمورّدين. كما أدى اندماج «بيرغدوف غودمان» و«نيمان ماركوس» و«ساكس» تحت مظلة «ساكس غلوبال»، وما تبع ذلك من تعقيدات وتصفيات مالية مطلع هذا العام، إلى تعقيدات كان الكل في غنى عنها.

هذا الواقع كشف عن هشاشة اعتماد العلامات الصغيرة على شبكات توزيع محدودة؛ لأن تأخر مستحقات موسم واحد قد يعني إلغاء عرض أو تقليصه، إضافة إلى تأجيل الإنتاج أو إعادة هيكلة الفريق بالكامل. انسحاب المصمم راوول لوبيز مثلاً من العرض في البرنامج الرسمي لـ«الأسبوع» بات ظاهرة متكررة.

إطلالة كلاسيكية بتوقيع علامة «ذي بابليك سكول نيويورك» التي تأسست عام 2008 (رويترز)

السياسة والموضة

آمال كبيرة معقودة على زهران ممداني حالياً؛ فقد وعد بدعم العلامات الناشئة بغض النظر عن الهوية، بتقديم دعم اقتصادي ملموس لهم؛ مما يمكن أن يُحسن أيضاً الاقتصاد عامة.

فتلاقي الموضة بالسياسة من خلال الاقتصاد في الولايات المتحدة الأميركية عموماً، ونيويورك تحديداً، ليس جديداً؛ ففي عام 2020 نشطت مبادرات، مثل «فاشن أور فيوتشر 2020»، أطلقتها المصممة أبريما إروياه والممثلة روزاريو داوسون، بالتعاون مع أسماء بارزة؛ لتحفيز الجماهير على التسجيل للتصويت. وفي سبتمبر (أيلول) 2024، نظم «مجلس مصممي الأزياء» في أميركا، بدعم من مجلة «فوغ»، مسيرة، مع انطلاق «أسبوع الموضة»، لحشد من الناخبين في فعالية وُصفت بـ«غير الحزبية» رغم مشاركة السيدة الأميركية الأولى حينها، جيل بايدن، فيها.

ألوان زاهية وتصاميم عملية من توري بورش (أ.ف.ب)

الشعارات وحدها لا تكفي

هذا الموسم يلاحَظ خلال «الأسبوع»، وفي مناسبات السجاد الأحمر التي سبقته مثل حفل «غولدن غلوب» توزيع دبابيس «Ice Out» و«Be Good»، وهي مبادرات تراهن على الصور المتداولة رقمياً، وتذكر بقضايا إنسانية ووجودية. لكن هل تكفي لخلق تأثير حقيقي؟ تساؤل يطرحه مصممون، مثل ويلي شافاريا، وهو من أصول آيرلندية ومكسيكية، الذي هجر نيويورك للعرض في «أسبوع باريس»، وتساءل عن جدوى هذه المبادرات الرمزية، قائلاً إن التعبير عن الهوية في حد ذاته سياسي. كثير من المصممين الشباب يوافقونه الرأي ويعتقدون أن الموضة الأميركية تحتاج إلى أكثر من دبابيس أو شعارات. الحل بالنسبة إليهم حالياً هو إبراز القصص الفردية لكل مصمم، من الذي يمثلون «الآخر» بمعناه الثقافي والإنساني. ففي تفرد الهوية تكمن العالمية؛ شرط أن تكون الرسالة واضحة وصادقة. كذلك أعاد فوز زهران ممداني الأمل في عدالة اجتماعية وفي تحريك الأنشطة الإبداعية، خصوصاً أن زوجته ناشطة في المجال الفني بنيويورك.

وبين الغيابات وحضور العلامات الكبيرة، تقف نيويورك اليوم أمام اختبار مزدوج: اقتصادي ثقافي؛ من خلال الرهان على ممداني ذي الأصول الهندية، كما على قدرة مصمميها على تحويل هشاشة اللحظة إلى لغة تُعبر عن التغيير الإيجابي. فنيويورك اقتصاد متكامل بين العقارات والمال والأعمال والمجالات الإبداعية بكل أشكالها. وبينما يبقى مستقبل هذا الاقتصاد في طور التكوين والبناء، فإن ما قُدّم على منصات العرض منذ بداية «الأسبوع» يشير إلى أن القوة لا تزال بيد دور الأزياء ذات التاريخ الطويل. فالطفرات الاقتصادية التي عاشتها نيويورك في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي تجعلها تتحرك بمرونة أكبر بفضل مواردها الكافية لمواجهة تقلبات السوق.

من اقتراحات توري بورش (رويترز)

توري بورش مثلاً قدمت عرضها في مبنى «ماديسون أفينيو»، مؤكدة قدرتها على تحقيق المعادلة بين أزياء يسهل تسويقها، والأناقة العابرة للأجيال. تنوعت التصاميم بين بنطلونات من قماش «الكوردروي» ومعاطف خفيفة كأنها مستلهمة من عبايات، وكنزات صوفية نسقتها مع تنورات بعضها مقلّم. في كل هذا ركزت المصممة على أسلوب كلاسيكي يمكن أن يجعل كل قطعة تبقى رفيقة صاحبتها أكثر من موسم. الصوف مثلاً اكتسب لمسة ذهبية من خلال تطريزات معدنية نُفّذت بأيادٍ هندية، والحرير طُوّع في فساتين منسدلة تتميز بخصور منخفضة وألوان تباينت بين الأحمر والأصفر بكل درجاتهما، وعلى نغمات أغنية دوللي بارتون الشهيرة «9 تو 5»، أطلقت مجموعة مستوحاة من ثمانينات القرن الماضي أكدت فيها أن الكلاسيكيات لا تموت، وأن العملية لا تتناقض مع الأناقة.

من اقتراحات «كوتش» وتغلب عليها روح «سبور» وأسلوب عملي مستلهم من حقب ماضية (كوتش)

علامة «كوتش» أيضاً قدمت عرضاً لخص المفهومَين التجاري والفني... قالت الدار إنها استوحته من عصور وحقب ماضية، مثل الأطقم الرياضية المستوحاة من قمصان كرة القدم في السبعينات، والأحذية المصنوعة من جلد الشامواه المعتق، بينما استلهمت الفساتين من الحقبة الفيكتورية، كذلك القمصان ذات الياقات العالية التي تُربط على شكل فيونكة.

العارضة جيجي حديد تفتتح عرض «رالف لورين» (رويترز)

لكن يبقى عرض «رالف لورين» الأكبر إبهاراً؛ فتصاميم الدار تلامس شريحة عالية من الناس حول العالم، كما أن قدراتها التسويقية هائلة، وتتمثل في مشاركات عالمية، مثل «دورة الألعاب الأولمبية الشتوية» الحالية، وإقبال سيدات البيت الأبيض على تصاميمها، حتى أصبحت رمزاً أميركياً قائماً بذاته. لكن الأهم أنها في كل مرة تدغدغ أحلام امرأة تريد «السهل الممتنع».

إطلالة مخملية ظهرت بها جيجي حديد في عرض «رالف لورين» (أ.ف.ب)

ما يُذكر أن الدار واكبت تغيرات عدة؛ اقتصادية واجتماعية وثقافية، ونجحت في التأقلم معها؛ بل وتجاوزها في أحيان كثيرة. لكن هذا لا يمنع من القول إنها كانت محظوظة في أنها واكبت حقباً اقتصادية مزدهرة قادها رؤساء أميركيون، مثل بيل كلينتون. وفي كل المراحل، كانت تصاميمها تعكس الحلم الأميركي. حتى بعد أن دخل «جِيلِ زد» على الخط، وبدأ يفرض أسلوبه على المصممين، قرأ مؤسسها، البالغ من العمر 86 عاماً، نبض السوق جيداً... وهذا ما جعل الدار حتى الآن من بين أكبر المؤثرين على الموضة الأميركية. حتى انخفاض المبيعات بين عامي 2016 و2018 لم يُضعفها، وما اقترحته، مساء الثلاثاء الماضي، كان تحدياً للأزمة النيويوركية، ويؤكد أن الفساتين المخملية والقطع الجلدية ستعرف طريقها إلى خزانة المرأة أينما هي، وأَيَّمَّا كانت هويتها.


ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.


كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».