تركيا لإنشاء «ممر أمني» على طول الحدود مع العراق وسوريا

المعارضة تتهم الحكومة بالتغيير الديموغرافي في مناطق الأكراد

إردوغان طالب حلفاء «الناتو» بوقف التعاون مع المسلحين الأكراد في سوريا (الرئاسة التركية)
إردوغان طالب حلفاء «الناتو» بوقف التعاون مع المسلحين الأكراد في سوريا (الرئاسة التركية)
TT

تركيا لإنشاء «ممر أمني» على طول الحدود مع العراق وسوريا

إردوغان طالب حلفاء «الناتو» بوقف التعاون مع المسلحين الأكراد في سوريا (الرئاسة التركية)
إردوغان طالب حلفاء «الناتو» بوقف التعاون مع المسلحين الأكراد في سوريا (الرئاسة التركية)

أكد وزير الدفاع التركي، يشار غولر، أن بلاده عازمة على إنشاء «ممر أمني» بعمق 30 إلى 40 كيلومتراً على طول الحدود مع العراق وسوريا وتطهير المنطقة من «الإرهابيين». في حين قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، إن من يعتقدون أن بإمكانهم إقامة «دولة إرهابية» على الحدود الجنوبية لتركيا يعيشون حلماً بعيد المنال.

وشدد غولر، في تصريحات على هامش قمة «الناتو» التي حضرها ضمن الوفد المرافق لإردوغان، على أن القوات التركية ستواصل عملياتها في شمال سوريا والعراق حتى يتم القضاء على آخر إرهابي.

بدوره، قال مستشار الإعلام والعلاقات العامة بوزارة الدفاع التركية زكي أكتورك، في إفادة صحافية، الخميس، إن حدود تركيا محمية بأكثر الإجراءات صرامةً في تاريخها، مشيراً إلى أنه تم القبض على 338 شخصاً كانوا يحاولون عبور الحدود بشكل غير قانوني في الأسبوع الماضي، وأن 3 من الذين قُبض عليهم كانوا أعضاء في منظمة إرهابية.

تحقيقات قيصري

في الإطار ذاته، كشفت تحقيقات الشرطة التركية عن أن بعض الحسابات التي حرضت على أحداث العنف ضد اللاجئين السوريين بعد مزاعم عن تحرش شاب سوري بطفلة صغيرة من أقاربه في ولاية قيصري (وسط تركيا)، مرتبطة بتنظيمي «حزب العمال الكردستاني - اتحاد المجتمعات الكردستانية» و«فتح الله غولن» الإرهابيين.

الحرائق التي أشعلها أتراك غاضبون في قيصري (إكس)

وقالت مصادر أمنية تركية، الخميس، إن حسابات مؤيدة للتنظيمين المذكورين تداولت منشورات استفزازية ومضللة حول الأحداث التي استمرت في 22 ولاية تركية، في مقدمتها: هطاي، وغازي عنتاب، وقونيا، وبورصة وإسطنبول، إلى جانب المناطق الخاضعة لسيطرة القوات التركية والجيش الوطني السوري الموالي لأنقرة في شمال سوريا، وإن بعض مستخدمي تلك الحسابات لهم صلات بأفراد في الولايات المتحدة وألمانيا.

إردوغان طالب حلفاء «الناتو» بوقف التعاون مع المسلحين الأكراد في سوريا (الرئاسة التركية)

وانتقدت تركيا الدعم الغربي المقدم للمسلحين الأكراد في شمال سوريا. وقال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، في مقابلة مع مجلة «نيوزويك» الأميركية، إن من يعتقدون أن بإمكانهم إقامة «دولة إرهابية» في المنطقة على الحدود الجنوبية لتركيا يعيشون حلماً بعيد المنال لن يتحقق أبداً.

وأكد أن هدف تركيا الأساسي هو أن تكون الأراضي السورية خالية تماماً من الإرهاب، وأن تصبح دولة مزدهرة يحكمها السوريون.

وفي إشارة إلى الدعم المقدم من بعض دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى «وحدات حماية الشعب الكردية»، خاصة من الولايات المتحدة التي تعتبرها حليفة في الحرب على تنظيم «داعش» الإرهابي، حث إردوغان دول الحلف على تبني «نهج متسق» في مكافحة الإرهاب.

وأضاف في تصريحات، على هامش مشاركته في القمة الـ75 لـ«الناتو» في واشنطن، نقلتها وسائل الإعلام التركية، الخميس، أن «أهم ما تتطلع إليه تركيا من حلفائها في (الناتو) هو أن يتبنوا نهجاً غير مزدوج المعايير في مكافحة الإرهاب، وأن يدركوا أنه لا يمكنهم محاربة تنظيم إرهابي (داعش) من خلال التعاون مع آخر (الوحدات الكردية)».

انتقادات لسياسة الحكومة

في سياق متصل، شهد البرلمان التركي، الخميس، تراشقاً حاداً خلال مناقشة مقترح مقدم من حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المؤيد للأكراد، تحت عنوان: «التحقيق في المشاكل الناجمة عن سياسة تركيا الخاطئة في سوريا وحلولها».

عناصر «قسد» فوق مدرعة أميركية في شمال شرقي سوريا وسط انتقادات تركيا للدعم الأميركي للقوات الكردية (إكس)

وقال نائب أنقرة من حزب «الجيد» القومي، كورشاد زورلو: «نتابع الوضع الحالي في الشمال السوري والأحداث التي شهدتها سوريا منذ اندلاع الحرب في سوريا عام 2011، وشاهدنا أخطاء الحكومة التركية السياسية، لكن اليوم قضية اللاجئين والتطورات الحالية في شمال سوريا بحاجة إلى دراسة شاملة».

وأضاف أن هناك خطر نشوء ممر إرهابي على حدود البلاد الجنوبية، وتركيا ملزمة بالقضاء على هذا الخطر.

من جهتها، حمّلت نائبة رئيس المجموعة البرلمانية لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، غولشان كيليتش كوتش يغيت، الحكومة المسؤولية عن النتائج التي أدت إليها السياسة الخاطئة التي اتبعتها منذ عام 2011، والتي قالت إنها قادت تركيا إلى مأزق سياسي واجتماعي كبير. وعدت أن أكبر ضمان لأمن تركيا اليوم هو تحقيق السلام مع الأكراد.

وتساءل نائب حزب «الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة، عن مدينة ديار بكر ذات الغالبية الكردية في جنوب شرقي تركيا، سيزجين تانري كولو، عن السياسة التي اتبعتها الحكومة وعملية التغيير الديموغرافي التي قامت بها في عفرين ورأس العين وغيرهما من المدن في شمال وشمال شرقي سوريا حيث دفعت الآلاف إلى مغادرة منازلهم الموجودة هناك منذ آلاف السنين.

وقال موجهاً خطابه إلى نائب رئيس المجموعة البرلمانية لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم، عبد الحميد غل: «لقد استبدلتم بالأكراد أعضاء تنظيمات (القاعدة)، و(جبهة النصرة)، و(أحرار الشام)، و(غزاة الجيش السوري الحر)».

وأضاف: «ماذا حدث في نهاية المطاف؟ تريدون تطوير العلاقات مع الأسد، وأن يلتقي به إردوغان على مستوى العائلتين كما كان من قبل، لقد أحرق السوريون في مناطق سيطرة القوات التركية علم تركيا، وهاجموا المركبات العسكرية، وقالوا: (اتركوا بلدنا، أنتم غزاة). الآن، قمتم بتجريم كافة مطالب الأكراد وتدريب وتجهيز وإطعام الكثير من العناصر الدينية والطائفية و(داعش)، حتى لا يحصل الأكراد على مكانة ولا يكون لهم مستقبل في النهاية».

لا مشكلة مع الأكراد

ورد غل قائلاً: «لا نقبل أبداً توجيه اتهامات ضد حزبنا أو حكومتنا بالعمل جنباً إلى جنب مع (داعش)، أو أي عناصر غير قانونية أخرى، تركيا بلد أظهر قتاله ضد جميع المنظمات الإرهابية الأخرى، بما في ذلك (داعش) وحزب (العمال الكردستاني) وحزب (الاتحاد الديمقراطي) و(وحدات حماية الشعب الكردية)».

وأضاف: «نهجنا هنا هو الحفاظ على البنية الوحدوية لسوريا وضمان وجود الأكراد في جميع المناطق، وبهذا المعنى لن نتردد أبداً في اتخاذ أي موقف ضد أي تنظيم إرهابي يهدد بلادنا».

وتابع: «إنشاء سوريا لسلامها الداخلي وعودة اللاجئين الطوعية والآمنة إلى وطنهم هو نهجنا الأساسي، نحن مستمرون في السياسة التي دافعنا عنها منذ البداية لتوضيح مسألة سوريا والوصول بها إلى نتيجة».


مقالات ذات صلة

هيغسيث سيتغيب عن اجتماع لوزراء دفاع الناتو

الولايات المتحدة​ وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث متحدّثاً خلال مناسبة في البنتاغون (أرشيفية - رويترز)

هيغسيث سيتغيب عن اجتماع لوزراء دفاع الناتو

سيحلّ محلّه ثالث أرفع مسؤول في البنتاغون، إلبريدج كولبي، وفق ما أفاد المصدر عينه الذي طلب عدم الكشف عن هويته ولم يقدّم الأسباب الكامنة وراء تغيّب هيغسيث.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما يوقع مع دميتري ميدفيديف الرئيس الروسي السابق معاهدة «ستارت III» (رويترز)

موسكو «تسترشد بمصالحها» بعد انتهاء صلاحية معاهدة «ستارت» النووية

روسيا «تسترشد بمصالحها» بعد انتهاء صلاحية معاهدة «ستارت» النووية، وتتفق مع واشنطن على استئناف الحوار العسكري رفيع المستوى.

رائد جبر (موسكو )
أوروبا مركبات الجيش الروسي تظهر في أثناء التدريبات على نشر الأسلحة النووية التكتيكية (أرشيفية - رويترز)

الاستخبارات الألمانية: الإنفاق العسكري الروسي يفوق بكثير المعلن عنه

الإنفاق العسكري الروسي في عامي 2022 و2023 كان أعلى بنحو 66% من الرقم المعلن رسميا.

«الشرق الأوسط» (برلين)
تحليل إخباري رجال إطفاء يعملون على إخماد نيران بمبنى أصابته مسيّرة روسية في خاركيف الثلاثاء (رويترز)

تحليل إخباري ضربات الطاقة الأوكرانية... ماذا تريد موسكو من التصعيد؟

عشية استئناف المحادثات الثلاثية في أبوظبي، جاء الهجوم الروسي الواسع على منشآت الطاقة والبنية التحتية الأوكرانية.

إيلي يوسف (واشنطن)
أوروبا صورة أرشيفية لمارك روته تعود لعام 2021 أمام البرلمان الهولندي عندما كان رئيساً للوزراء (أ.ف.ب) p-circle

قلق أوروبي من إفراط أمين عام «ناتو» في محاباة ترمب

قلق أوروبي من إفراط أمين عام «ناتو» في محاباة ترمب وروته يعترف ودول الحلف ترى أنه قد تجاوز الحدود بإظهاره التأييد غير المشروط للرئيس الأميركي على حسابها

شوقي الريّس (بروكسل)

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
TT

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أهمية تنفيذ خطة السلام في غزة وضمان استمرار وقف إطلاق النار والبدء في إعادة إعمار القطاع، والحفاظ على وصول مستدام للمساعدات الإنسانية لسكان القطاع.

وقالت مصادر تركية إن إردوغان والملك عبد الله بحثا، خلال لقائهما في المكتب الرئاسي بقصر دولمه بهشه في إسطنبول، السبت، العلاقات بين بلديهما وسبل تعزيزها في مختلف المجالات، وتناولا القضايا والتطورات الإقليمية والدولية.

وعقد إردوغان والملك عبد الله جلسة مباحثات ثنائية، أعقبها جلسة موسعة بمشاركة وفدي البلدين، بعد وصول العاهل الأردني في زيارة قصيرة تلبية لدعوة من الرئيس التركي.

وتناولت المباحثات بالتفصيل تطورات الأوضاع في قطاع غزة وتنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام، وشددا على ضرورة استمرار وقف إطلاق النار ورفض الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة، واستدامة وصول المساعدات الإنسانية ورفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين.

كما تناولت المباحثات التطورات في سوريا، وأكد إردوغان والملك عبد الله ضرورة الحفاظ على وحدة أراضي سوريا وسيادتها ورفض أي محاولات لهز استقرارها، وضمان عودة السوريين إلى بلادهم بشكل طوعي وآمن.

جانب من المباحثات الموسعة بين إردوغان وعاهل الأردن بحضور وفدي البلدين (الرئاسة التركية)

وبحسب المصادر، ناقشت المباحثات الثنائية والموسعة مختلف التطورات في المنطقة وأكد الجانبان استمرار التعاون والعمل معاً لضمان الاستقرار في المنطقة.

وشارك في المباحثات من الجانب التركي وزيرا الخارجية هاكان فيدان، والدفاع يشار غولر، ورئيس المخابرات إبراهيم كالين، ومستشار رئيس الجمهورية للشؤون الخارجية والأمنية عاكف تشاغطاي كيليتش، ونظراؤهم من الجانب الأردني.

وجاءت زيارة العاهل الأردني لتركيا، غداة استئناف حركة الشحن البري باتجاه تركيا واليونان عبر بوابة «جيلوه غوزو» (باب الهوى) الحدودية بين تركيا وسوريا، بعد توقف استمر 15 عاماً.

وجاءت الخطوة نتيجة جهود وتنسيق مشترك بين وزارتي النقل في البلدين أدت إلى إزالة جميع العقبات الجمركية والإجرائية، حيث دخلت 3 شاحنات الأراضي التركية، الجمعة، في خطوة تجريبية عبر البوابة الحدودية.

وينتظر أن تشكل هذه الخطوة قفزة نوعية في خريطة النقل البري الإقليمي وإحياء لشريان تجاري مهم يربط الأردن بالقارة الأوروبية عبر الأراضي السورية والتركية، من خلال معبري جيلوه غوزو (باب الهوى) وأونجو بينار (باب السلامة).


صفر تخصيب... «جرعة سُم» قد تقتل مفاوضات مسقط

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
TT

صفر تخصيب... «جرعة سُم» قد تقتل مفاوضات مسقط

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)

رغم وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب محادثات مسقط بأنها «جيدة جداً»، ومع كسر الشكل التفاوضي لمجرد حصول لقاء مباشر بين الوفدين الإيراني والأميركي، فإن القراءة الأكثر شيوعاً في واشنطن تميل إلى التشاؤم أكثر.

والسبب ليس ما قيل داخل الغرف بقدر ما لم يتغير خارجها: طبيعة الفجوة الاستراتيجية، وتناقض «الخطوط الحمراء»، وسقف التوقعات الذي ترفعه التهديدات العسكرية والعقوبات، ثم يعود ليصطدم بواقع نظامٍ يتقن كسب الوقت وإدارة التفاوض كأداة لتخفيف الضغط لا كطريقٍ لإنهائه.

المحادثات التي جرت في مسقط بوساطة سلطنة عمان استمرت ساعات طويلة وانتهت بتصريحات عامة من الطرفين عن «أجواء إيجابية» و«بداية جيدة»، مع توقع جولة تالية الأسبوع المقبل، بحسب ما أعلنه ترمب. وقال إن إيران «تريد إبرام صفقة»، وإن المباحثات ستُستكمل «مطلع الأسبوع المقبل».

وأشار «أكسيوس» إلى أن لقاءً مباشراً حصل بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ومبعوثي الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. لكن هذا «التقدم الشكلي» لم يبدد الشكوك حول أن الجولة قد تكون افتتاحاً لمسار طويل من الجولات، أي ما تخشاه واشنطن وحلفاؤها تحديداً.

صورة مركبة لاستقبال وزير خارجية عُمان البوسعيدي نظيره الإيراني عراقجي (يمين) ثم استقباله ويتكوف وكوشنر قبل بدء المباحثات في مسقط أمس (إ.ب.أ)

عقدة «الصفر»

جوهر التشاؤم يبدأ من سؤال واحد: ما الحد الأدنى الذي سيعتبره الطرفان «صفقة»؟ في المقاربة الأميركية التي يكررها ترمب، هناك مطلب مُبسط ومطلق: «لا سلاح نووي» ويُترجم عملياً لدى فريقه إلى خط أحمر على التخصيب.

في المقابل، ترى طهران أن التخصيب جزء من السيادة ورمز للاستقلال، وتعتبر التنازل عنه هزيمة سياسية داخلية لا تقل كلفة عن العقوبات نفسها. هذه الثنائية (صفر مقابل حق) تجعل مساحات التسوية ضيقة بطبيعتها: حتى لو وجد حل تقني وسط (نسب وسقوف ورقابة)، فإن الغلاف السياسي لكل طرف يدفعه إلى التصلب.

الصحف الأميركية تناولت هذه المعضلة، ولخص تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» المعضلة برقم واحد: «صفر»، بوصفه التعريف العملي لمطلب «صفر تخصيب»، محذّراً من أن الإصرار عليه قد يتحول إلى «جرعة سم» قد تقتل التفاوض مهما كانت الأجواء الإيجابية.

السبب الثاني للتشاؤم مؤسسي بحت: مَن يملك القرار النهائي في طهران؟ حتى لو تفاوض عباس عراقجي بمرونة، يبقى اختبار أي تفاهم هو قدرته على عبور مراكز القوة وصولاً إلى المرشد علي خامنئي. وهذا ليس تفصيلاً؛ إنه ما يجعل الدبلوماسية مع إيران بطيئة بطبيعتها، وأحياناً «مجزّأة» إلى رسائل متناقضة بين ما يقوله المفاوض وما تسمح به دوائر القرار.

هذا المعنى ظهر حتى في الخطاب الأميركي الداخلي: افتتاح التفاوض لا يُعامل كإنجاز بحد ذاته، بل كمرحلة لاختبار «النية» و«القدرة على الالتزام». وفي مثل هذه البيئة، أي تنازلٍ يُقرأ داخل إيران على أنه رضوخ تحت التهديد، خصوصاً مع الحشد العسكري، الذي قد يدفع النظام إلى التصلب بدل المرونة.

شراء الوقت؟

يُفترض أن الجمع بين «الجزرة والعصا» يُسرّع التفاهم. لكن في الحالة الإيرانية غالباً ما ينتج أثراً مزدوجاً: يرفع ضغطاً اقتصادياً ونفسياً قد يدفع طهران للعودة إلى الطاولة. وفي الوقت نفسه يمنحها حافزاً لاستخدام الطاولة لتخفيف الضغط دون حسم الملفات، أي استراتيجية «إدارة الأزمة» لا حلّها.

هنا يتقاطع تشاؤم المنتقدين مع ما نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، في افتتاحية تتهم إيران بالعودة إلى أسلوب «المماطلة التفاوضية»: جولات متتابعة من دون تنازلات جوهرية، مع رفضٍ لإنهاء التخصيب أو نقلِه للخارج، ورفضٍ، بحسب الافتتاحية، لمنح ضمانات أو عمليات تحقق كافية بعد الضربات السابقة على منشآت نووية.

وفي يوم المحادثات نفسه، تزامن المسار الدبلوماسي مع مزيد من ضغط «العصا»: عقوبات أميركية جديدة مرتبطة بـ«أسطول الظل» النفطي الإيراني. هذا التزامن قد يكون رسالة تفاوضية، لكنه أيضاً يسهّل على طهران تسويق روايتها بأن واشنطن تفاوض «تحت التهديد»، ما يبرر تشدداً داخلياً.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)

«نطاق» الملفات

حتى لو انحصرت الجولة على الملف النووي، فإن التناقض البنيوي قائم: واشنطن، وفق ما نُقل، كانت تميل إلى مسارين، نووي و«أوسع» يشمل الصواريخ والشبكات الإقليمية، بينما أعلن عراقجي أن النقاش يقتصر على النووي فقط. هذا يعني أن أي «تقدم» نووي، إن حصل، قد يُستهلك سياسياً داخل واشنطن إذا بدا أنه يتجاهل ملفات يعتبرها صقور الإدارة والكونغرس جزءاً من «السلوك الإيراني» لا يمكن فصله عن النووي. لذلك يأتي التشاؤم أيضاً من داخل واشنطن: حتى لو تحقق اتفاق تقني، قد لا يملك الغطاء السياسي الكافي ليصمد، هذا من دون الحديث عن إسرائيل.

ومن دون الغرق في تفاصيل مسقط، يمكن تلخيص معيار النجاح في الجولة المقبلة بـ3 إشارات لا تحتاج إلى بيانات مطولة: لغة واضحة حول التخصيب، تتجاوز مفردات «الحق» أو «الصفر» كشعارات، بل صيغة عملية قابلة للقياس والتحقق والجدولة. إطار تحقق عبر عودة جدية للرقابة والوصول، لأن أي اتفاق بلا تحقق سيُعامل كهدنة مؤقتة لا كصفقة. تسلسل العقوبات مقابل الخطوات، بحيث إذا لم تُحسم آلية رفع أو تعليق العقوبات مقابل خطوات نووية محددة، ستبقى كل جولة مجرد «استماع متبادل».

لهذا، تبدو مفارقة مسقط منطقية: يمكن لترمب أن يصف المحادثات بـ«الجيدة» لأنها فتحت باباً مباشراً وأعادت اختبار الدبلوماسية تحت سقف التهديد. لكن التشاؤم يسود لأن الاختبار الحقيقي ليس الجوّ، بل القدرة على كسر عقدة الصفر، وتأمين التحقق، ومنع إيران من تحويل التفاوض إلى مساحة زمنية آمنة لإعادة التموضع، وهي مهارة راكمتها طهران تاريخياً، وتخشى واشنطن اليوم أن تعود إليها بحلتها المعتادة.


رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
TT

رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)

نقلت وسائل إعلام إيرانية عن رئيس هيئة الأركان، اللواء عبد الرحيم موسوي، قوله إن بلاده لن تبدأ الحرب أبداً، لكنها لن تتردَّد لحظة في الدفاع الحاسم عن أمنها القومي في حال تعرُّضها لأي تهديد.

وأضاف أن أي عمل عسكري يهدف إلى فرض الحرب على إيران سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع وتفاقم الأزمة في جميع أنحاء المنطقة، محذراً من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليميَّين.

وأكد رئيس الأركان، بحسب الإعلام الإيراني، أن إيران تحتفظ بحقها الكامل في الرد، وأن قواتها المسلحة في جاهزية تامة للتعامل مع أي تطورات أو تهديدات محتملة.

وجاءت تصريحات موسوي غداة مفاوضات عُقدت مع واشنطن في مسقط.