​الحر الشديد يتوج التكييف «ملكاً للاختراعات»

مساع علمية لتلطيف الأجواء بتكلفة بيئية ومادية أقل

مدن بالخليج من بينها دبي تشهد درجات حرارة مرتفعة في الصيف (عبد الفتاح فرج)
مدن بالخليج من بينها دبي تشهد درجات حرارة مرتفعة في الصيف (عبد الفتاح فرج)
TT

​الحر الشديد يتوج التكييف «ملكاً للاختراعات»

مدن بالخليج من بينها دبي تشهد درجات حرارة مرتفعة في الصيف (عبد الفتاح فرج)
مدن بالخليج من بينها دبي تشهد درجات حرارة مرتفعة في الصيف (عبد الفتاح فرج)

تحت وطأة موجات الحر المتتالية في مصر، قرر الشحات أبو مسلم (45 عاماً) الموظف في إحدى الشركات الخاصة بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) البقاء داخل مبنى الشركة المكيّف لنحو 3 ساعات يومياً بعد انتهاء الموعد الرسمي لعمله، هرباً من لهيب الشمس وقت الظهيرة ومن انقطاع التيار الكهربائي بمنزله.

ما يفعله أبو مسلم الذي يقيم في منطقة المنيب بالجيزة، خلال الصيف يشترك فيه زملاء آخرون له، فمعظم وسائل المواصلات العامة والخاصة في مصر غير مكيفة، ويخشون ركوبها خلال الظهيرة التي تلفح الوجوه، وتثير التعرق وتبعث على القلق.

«في الشتاء أُسرع للعودة إلى البيت للاستمتاع بما تبقى من النهار القصير الدافئ، لكن في الصيف أسعى للابتعاد عنه حتى يأتي المساء، لأنني ببساطة لا أمتلك رفاهية شراء جهاز تكييف في درجات حرارة تقارب الـ40 درجة يومياً»؛ وفق ما قاله أبو مسلم لـ«الشرق الأوسط».

ويعد أبو مسلم نفسه محظوظاً للغاية لعمله داخل مبنى مكيف، بينما يشفق على أصدقاء له يضطرون للعمل طويلاً في الشارع نهاراً.

ومع وصول درجات الحرارة إلى أرقام قياسية في الآونة الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط وكثير من دول العالم، سلط كثير من مستخدمي «السوشيال ميديا» الضوء على أهمية «التكييف»، راهناً، لدرجة تتويجه «ملكاً للاختراعات»؛ إذ يسمح بتبريد الأجواء الحارة في المنازل والسيارات والشركات والمستشفيات، وغيرها من المباني الحيوية لاقتصادنا وحياتنا اليومية.

المباني الحديثة تعتمد على نظم تبريد مركزية (عبد الفتاح فرج)

وبفضل درجات الحرارة الملتهبة بمنطقتنا العربية، يحظى مخترع جهاز التكييف، المهندس الأميركي ويليس هافيلاند كارير باحتفاء وتقدير بالغين، إذ يصف المواطن الكويتي (فزاع)، على صفحته على موقع «إكس» ابتكار كارير بأنه «أعظم خدمة للإنسانية»، مبرراً ذلك بأنه «يستمتع الآن بميزات هذه التكنولوجيا في وقت وصلت فيه درجة الحرارة في بلده إلى قرابة خمسين درجة مئوية».

فيما يقول الإعلامي السعودي عبد العزيز صالح الخضيري عبر حسابه على «إكس»: «إذا جاءك ولد، فسمّه (كارير)»، عادّاً أن ويليس هافيلاند كارير «هو اللي ضبّط هالبراد (التكييف)، قبل أكثر من مائة عام من الآن».

وذهب البعض إلى الدعاء لكارير على غرار صاحبة حساب على «إكس» من الإمارات تدعى «إلهام»، والتي غردت قائلة: «اللهم ارحم عبدك، واجعل ما قدمه للبشرية من علم نافع صدقة جارية في ميزان حسناته».

وتعد الدكتورة سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس المصرية، أن «الدعاء لكارير والاحتفاء به أمر طبيعي ومحمود»، مؤكدة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «تصريح البعض بأن التكييف أعظم خدمة للإنسانية قد يكون غير دقيق، لكنه يتواكب مع حاجة سكان المنطقة إلى التبريد خلال الصيف القائظ، لأن سكان الدول الأكثر برودة يعدون المدفأة الاختراع الأهم، خصوصاً في فصل الشتاء عندما تهبط درجات الحرارة إلى ما دون الصفر».

ومنذ أن خرج هذا الاختراع للنور، نجح في أن يغير من طبيعة العالم الذي نعيش فيه، إذ يسمح لنا بأن نمارس طقوس حياتنا التي تعودنا عليها، حتى وإن كانت في درجات حرارة غير محتملة. فمع درجات الحرارة المرتفعة والرطوبة التي لا تطاق، يلجأ ملايين الأشخاص للضغط على ذلك المفتاح السحري القادر خلال دقائق معدودة على تحويل الأجواء الملتهبة لأخرى مريحة ومنعشة.

ووفق الدكتور إيهاب الخراط، استشاري الطب النفسي، فإن إحدى الدراسات الحديثة عدت «التكييف» من أهم الاختراعات تأثيراً في حياة البشر، مفسراً الدعاء لمخترعه من قبل البعض بدخوله الجنة «بأنه جزء من موجة فكرية داخل مختلف الديانات تدعو إلى التسامح، وعدّ أن إضافة الفرد الإيجابية لحياة من حوله هي العنصر الفاصل في تقييم حياته».

مكيف الهواء الحديث

ومثل معظم الإنجازات المهمة، فإن ابتكار تكنولوجيا تكييف الهواء جاءت نتاج سلسلة من الجهود المستمرة التي عمل عليها العلماء والمخترعون. فكيف ظهرت هذه التكنولوجيا وكيف تطورت مع مرور الوقت؟

وفي أربعينات القرن التاسع عشر، اقترح الطبيب والمخترع الدكتور جون جوري من فلوريدا الأميركية، فكرة تبريد المدن لتخفيف سكانها من «شرور درجات الحرارة المرتفعة».

وكما ذكر موقع وزارة الطاقة الأميركية على الإنترنت، اعتقد جوري أن التبريد هو المفتاح لتجنب أمراض، مثل الملاريا، وجعل المرضى أكثر راحة، لكن نظامه البدائي لتبريد غرف المستشفى كان يتطلب شحن الثلج إلى فلوريدا من البحيرات المتجمدة شمال الولايات المتحدة. وللتغلب على هذا التحدي المكلف، بدأ جوري بتجربة مفهوم التبريد الاصطناعي، حيث صمم آلة تصنع الجليد في عام 1851، ورغم عدم نجاحه في جلب تقنيته إلى الأسواق، وضع اختراعه الأساس لأنظمة تكييف الهواء والتبريد الحديثة.

وحدات التكييف تساعدنا على قضاء أوقاتنا بصورة طبيعية خلال الحر (عبد الفتاح فرج)

وظلت فكرة التبريد الاصطناعي راكدة لسنوات حتى اخترع المهندس ويليس كارير، أول وحدة تكييف هواء كهربائية حديثة في عام 1902. ووفق موقع وزارة الطاقة الأميركية، صمم كارير نظاماً يتحكم في الرطوبة ودرجة حرارة الهواء. ولم يمض وقت طويل قبل أن يدرك أن ابتكاره يمكن أن يكون مفيداً ليقرر بعد ذلك إنشاء شركة «كارير» الهندسية.

وأصبحت أنظمة التبريد المنزلية أصغر حجماً بعد أن حصل كل من سمو شولتز وج. ك. شيرمان على براءة اختراع لوحدة تكييف الهواء التي يمكن وضعها على حافة النافذة. ووصلت تلك الوحدات إلى الأسواق في عام 1932، ولكن تكلفتها كانت لا تزال مرتفعة. لذا واصل المهندس هنري جالسون، تطوير نسخة أكثر إحكاماً وغير مكلفة من مكيف هواء النافذة، وإنشاء خطوط إنتاج لكثير من الشركات المصنعة.

ووفق البيانات الصادرة عام 2018 عن وكالة الطاقة الدولية (IEA)، يعد التبريد الآن المصدر الأسرع نمواً لاستخدام الطاقة داخل البنايات، وتتوقع الوكالة تضاعف الطلب العالمي السنوي على استهلاك الطاقة لأغراض التبريد لثلاث مرات بحلول 2050.

وتوقع تقرير أصدرته «وكالة الطاقة الدولية» عام 2018 أن يتضاعف الطلب العالمي على الطاقة من مكيفات الهواء، ثلاث مرات بحلول عام 2050 مما يتطلب قدرة كهربائية جديدة تعادل القدرة الكهربائية المشتركة للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان اليوم.

وأفاد التقرير بأن المخزون العالمي من مكيفات الهواء في المباني سينمو إلى 5.6 مليار بحلول عام 2050، مقارنة بـ1.6 مليار قبل عام 2018.

وقالت الوكالة إن «استخدام مكيفات الهواء والمراوح الكهربائية يمثل 10 في المائة من إجمالي استهلاك الكهرباء على مستوى العالم»، متوقعة أن «يصبح استخدام مكيفات الهواء ثاني أكبر مصدر لنمو الطلب العالمي على الكهرباء بعد قطاع الصناعة، وأقوى محرك للمباني بحلول عام 2050».

مساعٍ جديدة

رغم فوائد التكييف المتعددة، فإن له تكلفة اقتصادية لافتة، وفق البروفسور كيم تشون ن.ج، أستاذ العلوم والهندسة البيئية بجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست).

يقول تشون في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «في السعودية، على سبيل المثال، يستهلك تكييف الهواء أكثر من 67 في المائة من إنتاج الكهرباء سنوياً، (أي ما يعادل 10.6 مليار دولار أميركي)».

ولتقليل الآثار البيئية والمادية الناجمة عن زيادة الطلب على استخدام المكيفات عالمياً، يعمل تشون وفريقه البحثي بالجامعة، على تطوير مبرد ذي تكلفة منخفضة وكفاءة عالية في توفير الطاقة، وتقليل الانبعاثات الضارة للبيئة.

ويؤكد: «نعقد مقارنة بين المبردات الحالية والمطورة لتتبع كل من عوامل الراحة الداخلية وتغيرات الطقس الخارجي منذ أبريل (نيسان) 2024، وسيتم الانتهاء من ذلك الاختبار بحلول ديسمبر (كانون الأول) 2024».

مضيفاً: «لقد حققنا حتى الآن توفيراً يومياً في استهلاك الكهرباء بنسبة 30 إلى 50 في المائة». وأوضح أنه مع هذه التقنيات المطورة، يمكن توفير الكهرباء في المملكة بنسبة تبلغ 45 في المائة سنوياً، وبما يعادل 93 تيراواط في الساعة، إضافة لتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 50 مليون طن.

وتسعى مشاريع أخرى لاستبدال المواد الضارة بالمبردات الحالية بواسطة مبردات أقل ضرراً. يقول نيهار شاه، مدير برنامج كفاءة التبريد العالمي في مختبر «لورانس بيركلي» الوطني بالولايات المتحدة إن «نحو 80 في المائة من انبعاثات الاحتباس الحراري الصادرة عن وحدة تكييف الهواء تأتي حالياً من الطاقة المستخدمة لتشغيلها».

نساء يعملن في خط إنتاج لتصنيع مكيفات الهواء بالصين (رويترز)

ويوضح شاه في تصريحات لمجلة «ساينتفيك أميركان»، 29 أغسطس (آب) 2023: «تعمل أنظمة تكييف الهواء على تبريد وإزالة الرطوبة من خلال آلية غير فعالة نسبياً، فمن أجل تكثيف الماء من الهواء، نقوم بتبريد الهواء أكثر من اللازم. لذلك، فإن كثيراً من التصميمات الجديدة تفصل بين عمليتي إزالة الرطوبة والتبريد، مما يتجنب الحاجة للتبريد الزائد».

وتعمل فرق بحثية على تطوير استراتيجيات إضافية تعتمد على التخطيط الحضري وتصميم المباني لتقليل الحاجة للتبريد في المقام الأول، ومن بينها تجربة ابتكار طلاء للنوافذ صديق للبيئة يسمح بدخول الضوء المرئي، ولكنه يحجب الأشعة فوق البنفسجية والأشعة تحت الحمراء المسببة لارتفاع الحرارة، حيث يشع الطلاء المطور الحرارة بعيداً عن النافذة، مما يساعد في الحفاظ على الهواء داخل المنزل بارداً نسبياً.

من المتوقع أن يصل عدد أجهزة التكييف المستخدمة إلى 5.6 مليار وحدة بحلول منتصف القرن الحالي (رويترز)

ويقول سيونجمين كيم، من قسم هندسة الطيران والهندسة الميكانيكية بـ«جامعة نوتردام»، بولاية إنديانا الأميركية: «طورنا تقنية المبردات الإشعاعية للنوافذ لتقليل احتياجات طاقة التبريد للمباني والسيارات، مما قد يسهم بشكل كبير في مواجهة تحديات تغير المناخ».

وأضاف كيم لـ«الشرق الأوسط»: «تؤدي هذه المبردات إلى توفير طاقة تصل إلى 86.3 ميغا جول-م2 في المناخات الحارة سنوياً، مقارنة بالنوافذ الزجاجية العادية».

مؤكداً: «ساعدتنا تقنيات الحوسبة الكمومية في تصميم الهياكل المعقدة لنظم التبريد الحديثة تلك، الأمر الذي قد يكون صعباً باستخدام الطرق التقليدية. لقد أظهر هذا النظام خصائص وقدرات تبريد رائعة».



تقرير: «سبيس إكس» تؤجل خططها للمريخ وتركز على القمر

إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من  مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)
إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)
TT

تقرير: «سبيس إكس» تؤجل خططها للمريخ وتركز على القمر

إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من  مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)
إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)

ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أمس (الجمعة)، نقلاً عن مصادر، أن ​شركة «سبيس إكس» التابعة للملياردير إيلون ماسك، أبلغت المستثمرين بأنها ستعطي الأولوية للوصول إلى القمر أولاً، وستحاول القيام برحلة إلى المريخ لاحقاً، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف التقرير أن الشركة ستستهدف شهر مارس (آذار) 2027، للهبوط على سطح القمر ‌من دون إرسال ‌رواد فضاء على ‌متن ⁠المركبة.

يأتي ​ذلك ‌بعد أن وافقت «سبيس إكس» على الاستحواذ على شركة «إكس إيه آي»، في صفقة قياسية تدمج شركة الصواريخ والأقمار الاصطناعية مع شركة الذكاء الاصطناعي المصنعة لروبوت الدردشة «غروك». وتقدر قيمة شركة ⁠الصواريخ والأقمار الاصطناعية بتريليون دولار وقيمة ‌شركة الذكاء الاصطناعي بـ250 مليار دولار.

صورة مركبة تظهر الملياردير إيلون ماسك وشعار شركة «سبيس إكس» (رويترز)

وقال ماسك العام الماضي، إنه يهدف إلى إرسال مهمة غير مأهولة إلى المريخ بحلول نهاية عام 2026.

وتعمل «سبيس ​إكس» على تطوير صاروخ «ستارشيب» من الجيل التالي، وهو صاروخ ضخم ⁠مصنوع من الفولاذ المقاوم للصدأ، ومصمم ليكون قابلاً لإعادة الاستخدام بالكامل، وليخدم مجموعة من المهام بما في ذلك الرحلات إلى القمر والمريخ.

وتواجه الولايات المتحدة منافسة شديدة هذا العقد، من الصين، في سعيها لإعادة رواد الفضاء إلى القمر، حيث لم يصل إليه أي إنسان منذ آخر مهمة ‌مأهولة ضمن برنامج «أبولّو» الأميركي في عام 1972.


دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
TT

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)

افتتح الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس، «معرض دمشق الدولي للكتاب 2026»، في قصر المؤتمرات بالعاصمة، واستقبل وزيرَ الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، الذي تشارك فيه بلاده ضيفةَ شرف.

وتمثّل هذه الدورة من المعرض، محطة إشعاع ثقافي مهمة، تعيد الاعتبار للكتاب بوصفه حاملاً للمعنى ومساحة للحوار.

وخلال زيارته الرسمية، التقى وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، وقدَّم له التهنئة بمناسبة إقامة المعرض.

ودشّن الوزير السعودي جناح بلاده في المعرض، بحضور نظيريه السوري والقطري الشيخ عبد الرحمن بن حمد آل ثاني. وتستمر فعاليات المعرض حتى 16 فبراير (شباط) الحالي، في حضور ثقافي عربي يعكس دور السعودية الريادي في المشهد الثقافي العربي والدولي.


«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
TT

«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)

يغوص الفنان التشكيلي جوزيف أفرام في الذات، كاشفاً مشاعر وأحاسيس تكتنفها لعبة الحياة. ومن هذا المنطلق، يُتيح معرضه «القوى الدافعة» في غاليري «آرت ديستريكت» للزائر أن يُسقط قراءته الخاصة على الأعمال. وبين لعبة الحياة ولعبة الدول، يستكشف تركيبات السياسات الدولية المؤثرة في العالم، ويزيح الأقنعة التي تُخفى خلفها حالات الإحباط.

صاحب الغاليري ماهر عطّار يصف أفرام بأنه من المواهب اللبنانية اللافتة، وفنان ذو رؤية مختلفة وأفكار عميقة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه يخرج في أعماله عن المألوف، ويأخذ الزائر إلى مساحات فنية مفتوحة على احتمالات لا حدود لها.

يرسم أفرام الثبات والإحباط، كما الصمود والثورة، في لوحات تقوم على التناقض، مستخدماً الأبيض والأسود كلغتين بصريتين أساسيتين. ويرتكز في أعماله على «الأكريليك» والحبر الصيني، المتوَّجين بتقنية الـ«جيسو»، لتتراكم الطبقات وتُسلّط الضوء على موضوعاته. بهذا تتحوّل اللوحات إلى ما يشبه لآلئ لامعة، صاغها الفنان بالفرشاة والمجحاف والإسفنج.

من «القوى الدافعة» لجوزيف أفرام في غاليري «أرت ديستريكت» (الشرق الأوسط)

يشير أفرام إلى أن أعماله تبدأ برسوم تحضيرية تتطوّر لاحقاً إلى لوحات كبيرة. ويقول: «أعتمد هذا الأسلوب انطلاقاً من دراستي الجامعية في الهندسة الداخلية. لكن عندما أقف أمام المساحة البيضاء، حتى أغوص في عالم آخر يجرّني إلى تفاصيل لم أُحضِّر لها مسبقاً».

عناوين اللوحات المعروضة تحمل دلالات نفسية وإنسانية واضحة، وتعكس حالات نمرُّ بها في الحياة. في لوحة «المتأمِّل» تحلِّق في رحلة علاج داخلي، وفي «خيبة أمل في اللعبة» تدرك أن الحياة لا تستحق هذا القدر من التعقيد. أما في «الثوري» و«لا بأس بأن تكون معصوب العينين» فيدفعان المتلقي إلى التوقّف وإعادة النظر.

ويؤكد أفرام أن أكثر ما يشغله في أثناء تنفيذه أي لوحة هو وضوح الرسالة. ويقول: «أضيف تفاصيل صغيرة لتكشف عن نفسها بنفسها. أشكّل لوحتي من مجموعة رسومات يسكنها التجدد. أتناول أعماق الإنسان بصور تُكمل بعضها بعضاً؛ فتأتي أحياناً واضحة، وأحياناً أخرى مخفيَّة تحت وطأة لعبة الحياة التي تتطلّب منّا غضّ النظر».

في لوحة «الثوري»، يحرِّر أفرام مشاعر مدفونة تراكمت مع الزمن. وفي «المقاومة» يظهر وحيد القرن في مواجهة العواصف، رمزاً للثبات والقوة. ويعلّق: «اخترت هذا الحيوان لما يجسِّده من قدرة على التحمُّل والمواجهة».

لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» (الشرق الأوسط)

أما «الرجل الجنين» فيستحضر الحاجة إلى الأمان؛ يقول: «مرحلة وجود الجنين في رحم أمّه قد تكون الوحيدة التي تعيدنا إلى الأمان المطلق». وفي اللوحة الثنائية «الفائض بالروح» يقف كل قسم منها في مواجهة الآخر، مستحضراً مرحلة الغوص في الذات.

بعض الأعمال يدخل إليها اللونان البرتقالي والأزرق إلى جانب الأبيض والأسود. ويوضح: «في الحياة لا نكشف دائماً عن مشاعرنا الحقيقية، كما تترك السياسات آثارها السلبية علينا. استخدمت البرتقالي لتقديم الإحباط ضمن مساحة مضيئة، والأزرق للدلالة على حقائق زائفة تحتاج إلى مواجهة هادئة».

ويلاحظ أفرام أن المتلقي اليوم يميل إلى مشاهدة العمل الفني بوصفه مساحة تحليل، لا مجرد صورة عابرة. ويقول: «مع تسارع العصر وحضور الذكاء الاصطناعي، تزداد حاجتنا إلى التأمل للحفاظ على تواصلنا مع ذواتنا، لذلك اعتمدت لغة جسد مرنة تمنح الشكل بُعداً إنسانياً».

في لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» يقدِّم رسالة مباشرة: «أحياناً يكون غضّ الطرف ضرورة». ويختم: «المهم أن نبدأ من جديد وألا نستسلم للعتمة، بل نبحث عن الضوء الذي يسمح بالاستمرار».