​فرنسا على مفترق طرق... وماكرون قد يصبح «الخاسر الأكبر»

يواجه ضغوطاً لدعم «جبهة جمهورية» تحول دون وصول اليمين المتطرف إلى السلطة

ناخبان فرنسيان يدليان بصوتهما في مكتب اقتراع بلوزان السويسرية الأحد (إ.ب.أ)
ناخبان فرنسيان يدليان بصوتهما في مكتب اقتراع بلوزان السويسرية الأحد (إ.ب.أ)
TT

​فرنسا على مفترق طرق... وماكرون قد يصبح «الخاسر الأكبر»

ناخبان فرنسيان يدليان بصوتهما في مكتب اقتراع بلوزان السويسرية الأحد (إ.ب.أ)
ناخبان فرنسيان يدليان بصوتهما في مكتب اقتراع بلوزان السويسرية الأحد (إ.ب.أ)

منذ الثامنة صباحاً، بدأ الناخبون الفرنسيون البالغ عددهم 49.5 مليون شخص بالتدفق بكثافة غير معهودة على مراكز الاقتراع، في إطار الجولة الأولى من الانتخابات لاختيار نوابهم الـ577 من بين 4011 مرشحاً، وذلك لولاية من خمس سنوات.

وأفادت وزارة الداخلية أن نسبة المشاركة حتى الخامسة بعد الظهر وصلت إلى 59.39 في المائة، بزيادة 20 نقطة عما كانت عليه في انتخابات العام 2022 في الفترة عينها. وقياساً لنسب الظهيرة، فإنه من المنتظر أن تتخطى المشاركة نسبة 67 في المائة مع إغلاق مكاتب الاقتراع في العاصمة باريس والمدن الكبرى عند الثامنة مساء.

وتدل هذه النسب على أن الرهان على تعبئة شعبية واسعة من أجل انتخابات استثنائية كان صائباً، الأمر الذي تفسره التحديات الكبرى التي ستفرض نفسها على البلاد، فيما ملامح المستقبل القريب تبدو غامضة.

ماكرون الخاسر الأكبر

وبانتظار الجولة الثانية الأحد المقبل، التي سترسم صورة المجلس النيابي الجديد والتوازنات السياسية الجديدة، يبدو واضحاً، اليوم، أن التحدي الأكبر سيواجهه «ائتلاف الوسط» المشكل من الأحزاب الثلاثة «تجدد»، و«الحركة الديمقراطية»، و«هورايزون» الداعمة للرئيس إيمانويل ماكرون وعهده.

ماكرون برفقة مواطنيه خارج مكتب اقتراع في منتجع «لو توكيه» (أ.ف.ب)

ذلك أن الائتلاف المذكور يظهر بصورة «الحلقة الأضعف» من بين المجموعات السياسية الثلاث؛ اليمين المتطرف الممثل بـ«التجمع الوطني»، وتحالف أحزاب اليسار والخضر تحت اسم «الجبهة الشعبية الجديدة» وائتلاف الوسط، الذي يهيمن على الانتخابات المبكرة. وعمد ماكرون إلى حل البرلمان ليل التاسع من يونيو (حزيران)، عقب النتائج الهزيلة التي حصل عليها داعموه في الانتخابات الأوروبية. وثمة إجماع داخل الطبقة السياسية على أن الرئيس الفرنسي «ارتكب خطأً سياسياً من الحجم الكبير» بإقدامه على حل البرلمان، وأنه قام برهانات خاسرة سيكون هو وحزبه أول من سيدفع ثمنها.

الدليل على ذلك «وقبل أن تظهر نتائج الجولة الأولى من الانتخابات»، التراجع الكبير للوائح «ائتلاف الوسط»، والنسبة غير المسبوقة من أصوات الناخبين التي ترجح استطلاعات الرأي منذ ثلاثة أسابيع أن يحصل عليها اليمين المتطرف. وذهب الرئيس السابق فرنسوا هولاند إلى أن «الماكرونية السياسية قد انتهت».

انتقادات حادة

ونقلت صحيفة «لو موند» المستقلة عن مستشاره الإعلامي السابق غاسبار غانتزر قوله: إن «التاريخ سيحاكم ماكرون، وإذا فاز اليمين المتطرف بالسلطة، فسيعده المسؤول عن ذلك». ولم تتردد مجلة «دير شبيغل» الألمانية، الأسبوع الماضي في تقديم تحليل تحت عنوان: «هل ستسقط فرنسا؟ كيف قدم إيمانويل ماكرون فرنسا إلى اليمين المتطرف؟». وسبق للمستشار أولاف شولتس ولغيره من القادة الأوروبيين التعبير عن قلقهم إزاء الوضع السياسي في فرنسا وما ستسفر عنه الانتخابات التشريعية، التي من شأنها قلب التوازنات السياسية في الاتحاد الأوروبي، وتهشيم العلاقة الخاصة القائمة بين باريس وبرلين، لا بل تهديد المشروع الأوروبي.

مارين لوبان زعيمة اليمين المتطرف بعد خروجها من مركز الاقتراع في مدينة هينان - بوفون شمال البلاد الأحد (رويترز)

أما إدوار فيليب، رئيس الوزراء السابق، ومن أكثر الشخصيات السياسية شعبية في فرنسا، فقد اتهم ماكرون بـ«القضاء على الأكثرية»، ووصف حل البرلمان بـ«العمل المتهور»، ما يعني أن رئيس الجمهورية «منقطع» عن حقيقة الواقع السياسي الذي تعيشه فرنسا، وعن انفراط عقد الفرنسيين الذين مشوا في مشروعه السياسي وساعدوه مرتين في 2017 و2022 في هزيمة مارين لوبان، مرشحة اليمين التي لم تتردد في تأكيد أن حزبها، «التجمع الوطني»، «جاهز لتسلم السلطة».

الوعد المنسي

إذا صدقت استطلاعات الرأي وفاز اليمين المتطرف بالأكثرية النيابية «289 نائباً»، أو اقترب منها إلى حد بعيد بحيث يحصل على الأكثرية النسبية، فلن يكون من مفر لماكرون سوى استدعاء رئيس الحزب المذكور لتشكيل حكومة جديدة، بحيث تصبح السلطة التنفيذية في فرنسا برأسين في إطار ما يسمى «المساكنة» بين رئيس للجمهورية من فريق، وحكومة من فريق آخر.

والمفارقة أن ماكرون وعد الفرنسيين منذ انتخابه الأول أن هدفه السياسي الأول هو محاربة اليمين المتطرف، ومنعه من حكم البلاد. لكن النتيجة جاءت مغايرة للواقع تماماً، إذ بعد سبع سنوات على رأس الجمهورية، ها هو يقدم السلطة على «طبق من فضة» لليمين المتطرف الواصل إليها مع برنامج شعبوي وخطط تتعارض مع الدستور الفرنسي، ولا تحترم القيم المعمول بها في إطار الجمهورية.

جوردان بارديلا رئيس حزب «التجمع الوطني» قد يكون على بُعد خطوات من رئاسة الحكومة (أ.ف.ب)

ومن الأمثلة على ذلك، حرمان مزدوجي الجنسية من تسلم وظائف «حساسة أو استراتيجية»، ما يعني عملياً التشكيك في ولائهم للجمهورية الفرنسية، ونسف مبدأ المساواة بين الفرنسيين. كذلك، يريد اليمين المتطرف تنظيم استفتاء شعبي لحرمان المولودين على الأراضي الفرنسية من الجنسية، وهو مبدأ معمول به منذ عام 1851. ورغم أن «التجمع الوطني» عمد إلى «تهذيب» برنامجه الانتخابي، فإن وصوله إلى السلطة يثير مخاوف داخل الأوساط الإعلامية والثقافية والنقابية والدبلوماسية.

السد المنيع

ثمة سبيل وحيد لمنع اليمين المتطرف من الإمساك بتلابيب السلطة، وذلك من خلال تشكيل ما يسمى في فرنسا «الجبهة الجمهورية» التي يمكن أن تضم كافة الأطراف التي تتبنى قيم الجمهورية من حرية وإخاء ومساواة، والتقاليد المتبعة والرغبة في العيش المشترك. وثمة سابقة «تاريخية» برزت في عام 2002 عندما تشكلت هذه الجبهة لمنع جان ماري لوبان، والد المرشحة الرئاسية مارين لوبان وزعيمة اليمين المتطرف، من الفوز في الانتخابات الرئاسية، حيث تنافس في جولتها الحاسمة مع الرئيس اليميني الأسبق جاك شيراك. وكانت النتيجة احتواء لوبان الأب، حيث فاز شيراك بنسبة 80 في المائة من الأصوات، وهي نسبة لم يحصل عليها أي رئيس آخر في الجمهورية الخامسة، بمن فيهم مؤسسها الجنرال شارل ديغول. بيد أن أمراً مثل هذا مرهون بما سيقرره الرئيس ماكرون و«ائتلاف الوسط» بالنظر إلى أنه سيحل في كثير من الدوائر الانتخابية في المرتبة الثالثة.

غابريال أتال رئيس الحكومة الحالي يلتقط صورة «سيلفي» في ضاحية «فان» جنوب باريس (رويترز)

وينص القانون الانتخابي على أن أي مرشح يحصل على نسبة 12.5 في المائة من أصوات الناخبين في الدائرة التي يترشح فيها من حقه الاستمرار في التنافس في الجولة الثانية. لكن حظوظه بالفوز ستكون عملياً معدومة. لكنه بالمقابل، يستطيع تجيير أصواته إما إلى مرشح اليمين المتطرف، وإما إلى «الجبهة الشعبية الجديدة».

من هنا تأتي أهمية «التعليمات» الصادرة عن الائتلاف، وعن المرشحين أنفسهم، للناخبين. لكن الصعوبة تكمن في أن غابريال أتال، رئيس الحكومة، الذي قاد الحملة الانتخابية عن جبهة ماكرون، بنى دعايته السياسية على «التحذير والتخويف من مخاطر الأطراف»، بحيث إن وصول أي من المجموعتين إلى السلطة سيعني «دفع البلاد إلى الإفلاس والفوضى».

جان لوك ميلونشون زعيم حزب «فرنسا الأبية» لحظة اقتراعه في أحد مراكز العاصمة (أ.ف.ب)

وبكلام آخر، فإن أتال يساوي بين المجموعتين، علماً بأن اليسار هو من ضمن لماكرون الفوز بالانتخابات الرئاسية مرتين متتاليتين، وبالتالي سيعدّ رفض ائتلافه الدعوة للاقتراع ضد اليمين المتطرف بمثابة «خيانة»؛ لذا ستكون الأيام القليلة الفاصلة عن الجولة الثانية حاسمة، إن لم يكن لاحتواء تقدم «التجمع الوطني»، فعلى الأقل لمنعه من الحصول على الأكثرية المطلقة.

وفي رسالة جماعية، نشرتها صحيفة «لو موند» يوم 25 يونيو، دعت 220 شخصية سياسية ومن المجتمع المدني الماكرونيين إلى التوقيع على اتفاق مبدئي مسبق للتنازل المتبادل بين جبهة اليسار والائتلاف الماكروني، وتمكين المرشح المتمتع بأكبر فرصة من منازلة اليمين المتطرف.

ووجهت مارتين أوبري، الوزيرة السابقة والشخصية المرموقة المنتمية إلى «الحزب الاشتراكي»، ورئيسة بلدية مدينة ليل (شمال)، رسالة إلى الرئيس ماكرون على منصة «إكس» جاء فيها: «السيد الرئيس، أنت غير قادر على رفض مبدأ التنازل الذي سمح لك بالفوز بولايتين رئاسيتين، وإلا فإنك تخاطر عن وعي بتمكين التجمع الوطني من الحصول على الأكثرية المطلقة».

هل سيستمع ماكرون لهذه النداءات الموجهة إليه؟ السؤال مطروح بقوة وله تبعات جذرية على مستقبل فرنسا، وعلى صورتها في أوروبا والعالم، وعلى دورها في الأزمات؛ أكانت حرب أوكرانيا أو غزة أو مستقبل الاتحاد الأوروبي. فالصوت الغالب يساراً هو التنازل للمرشح الأكثر أهلية، والهدف تحصين «السد المنيع» بوجه اليمين المتطرف. بيد أن المثل الشعبي يقول: «يد واحدة لا تصفق».

برنامج «التجمع الوطني»

منذ اليوم، تدور تساؤلات حول ما سيعمد اليمين المتطرف إلى تنفيذه من برنامجه الانتخابي الراديكالي، ولكن أيضاً بشأن تعامل الخارج معه وتأثيرات ذلك كله على سياسة فرنسا الخارجية؛ من الحرب في أوكرانيا، ومستقبل الترسانة النووية الفرنسية والجهة التي تديرها، والعلاقة مع روسيا والولايات المتحدة الأميركية ودور ونفوذ فرنسا داخل الاتحاد الأوروبي وفي مجلس الأمن الدولي وبشأن أزمات العالم كله، خصوصاً أن باريس تمتلك ثالث أكبر شبكة دبلوماسية في العالم.

جوردان بارديلا ومارين لوبان خلال إطلاق حملة «التجمع الوطني» للانتخابات الأوروبية في مرسيليا (رويترز)

وفي الجانبين الاقتصادي والمالي، برزت في الأسابيع الثلاثة الماضية علامات مقلقة لجهة ارتفاع قيمة الفوائد على الديون الفرنسية، والوهن الذي أصاب العملة الأوروبية الموحدة (اليورو). كذلك، برزت تساؤلات حول السياسة الاقتصادية لفرنسا التي كان عنوانها الليبرالية وتشجيع الاستثمار وخفض الضرائب على الشركات.

وأخيراً، ورغم التحول في طروحات «التجمع الوطني»، وهو الاسم الجديد لـ«الجبهة الوطنية» التي كان جان ماري لوبان أحد مؤسسيها، فما زالت العديد من المخاوف تنتاب شرائح من الفرنسيين بسبب رؤيته المتسمة بالعنصرية ومعاداة الأجانب والسامية والجالية المسلمة، فضلاً عن علاقاته مع روسيا.


مقالات ذات صلة

ماكرون يعلن اعتراض سفينة يشتبه في انتمائها إلى «أسطول الظل» الروسي

أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس (رويترز)

ماكرون يعلن اعتراض سفينة يشتبه في انتمائها إلى «أسطول الظل» الروسي

أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون أن البحرية الفرنسية اعترضت أمس (الاثنين) سفينة «يُشتبه في أنها تبحر تحت علم مزيف» و«متورطة» في عمليات «نقل وقود» روسي.

«الشرق الأوسط» (باريس )
خاص مزارعون فلسطينيون يقطفون ثمار الزيتون يوم الاثنين من بساتينهم قرب رام الله في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل وسط هجمات من المستوطنين (أ.ف.ب) p-circle

خاص مصدر فلسطيني لـ«الشرق الأوسط»: لا فرصة للتراجع عن تأجيل الانتخابات

أكد مصدر فلسطيني مطلع أنه «لا يوجد فرصة للتراجع» عن قرار الرئيس محمود عباس بتأجيل الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

كفاح زبون (رام الله)
أوروبا عناصر من الشرطة البلدية الفرنسية ينفذون دورية أمام مدرسة «جوزيف لاكانال» الإعدادية في أوباني جنوب فرنسا بعد إصابة مديرها بطلق ناري من بندقية صيد وتوقيف مراهق اليوم (أ.ف.ب)

طالب يطلق النار على مدرّسين ببندقية صيد في الجنوب الفرنسي

قال مسؤول محلي فرنسي إن طالباً في المرحلة الإعدادية أطلق النار باستخدام بندقية صيد فأصاب مدير مدرسة ومعلمة بمدرسة قرب مرسيليا، اليوم (الاثنين).

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يغمز بعينه خلال فعالية في مدينة سبليت الكرواتية يوم 7 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

ماكرون يدعو إلى ضبط النفس مع استمرار احتجاجات المدارس في فرنسا

دعا ماكرون لضبط النفس مع استمرار الاحتجاجات الطلابية وإغلاق 528 مدرسة كلياً أو جزئياً، بينما علّقت السلطات استخدام القنابل الصوتية ودعت النقابات لمظاهرات جديدة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا دميتري بيسكوف المتحدث باسم «الكرملين» (د.ب.أ)

روسيا تدين «عسكرة» الاتحاد الأوروبي بعد اختبار صاروخي فرنسي

ندّدت روسيا، الأربعاء، بـ«عسكرة» الاتحاد الأوروبي، غداة اختبار فرنسا صاروخاً جديداً عابراً للقارات قادراً على حمل رأس نووي ويطلق من غواصة

«الشرق الأوسط» (موسكو)

موسكو تتجاهل «هدنة الطاقة» وتستهدف كييف

أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)
أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)
TT

موسكو تتجاهل «هدنة الطاقة» وتستهدف كييف

أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)
أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)

شنّت القوات الروسية هجوماً واسعاً على بنى تحتية للطاقة في العاصمة الأوكرانية ومحيطها ومدن أوكرانية أخرى، فيما بدا تجاهلاً لـ«هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في وقت سابق، ولم تؤكد موسكو التزامها بها.

ووجّهت كييف انتقادات قاسية لواشنطن، إذ اتهمتها بـ«مساعدة روسيا في حربها» على خلفية تراجع الدعم الاستخباراتي، على الرغم من تأكيد الإدارة الأميركية أنها لم تقلص التعاون مع الأوكرانيين في هذا المجال. وانعكس التوتر المتفاقم في العلاقات الأميركية بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، على الوضع الميداني في جبهات القتال.

وكرّر زيلينسكي، أمس (الأربعاء)، التحذير بأن أوكرانيا «لم تتلقَّ تحذيرات مرتين بشأن إطلاق صواريخ باليستية على كييف». وكتب: «أبلغتكم بالضربة الروسية على كييف وعدم تلقينا أي تحذير من شركائنا بشأن إطلاق الصاروخ الباليستي. هذه ثاني مرة لا تتلقى فيها أوكرانيا أي تحذير».

واتهم مسؤول أوكراني رفيع المستوى، فضّل عدم الكشف عن هويته، واشنطن، بمساعدة روسيا ضد أوكرانيا، مؤكداً أنها لم تحذّر كييف مسبقاً بشأن هجمات روسية، كما أنها أبطأت خدمات «ستارلينك». وأضاف المسؤول الأوكراني: «لم نتلقَّ تحذيرات من واشنطن في حالتين حتى الآن بشأن إطلاق صواريخ باليستية روسية في هجوم باليستي واسع النطاق على قطاع الطاقة».


زيلينسكي: من «المؤلم» اختيار ترمب الانحياز إلى الطرف الآخر في الحرب

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقي رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في مقر الحكومة بـ«10 داونينغ ستريت» في لندن يوم 14 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقي رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في مقر الحكومة بـ«10 داونينغ ستريت» في لندن يوم 14 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)
TT

زيلينسكي: من «المؤلم» اختيار ترمب الانحياز إلى الطرف الآخر في الحرب

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقي رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في مقر الحكومة بـ«10 داونينغ ستريت» في لندن يوم 14 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقي رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في مقر الحكومة بـ«10 داونينغ ستريت» في لندن يوم 14 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في مقابلة، الأربعاء، إن الأمر كان «مؤلماً»، عندما انحاز الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الطرف الآخر في الحرب الدائرة بين أوكرانيا وروسيا، وذلك بعد أن قال إن زيلينسكي يجب استبداله.

وقال زيلينسكي لبرنامج بيرس مورغان «أنسنسورد» إنه «من المؤلم أن يختار الرئيس ترمب جانباً واحداً... ليس جانبنا».

وقال أيضاً إنه لا يمانع في أن يكون ترمب في الوسط بين أوكرانيا وروسيا، لكنه أضاف: «إذا كنتَ في الوسط، فعليك أن تبقى في الوسط».

ورداً على سؤال عما إذا كان يشعر بالخيانة من ترمب، الذي دعا مطلع الأسبوع إلى أن يكون هناك رئيس جديد لأوكرانيا، بعد أن وافق على رفع العقوبات عن صادرات الديزل الروسية، أجاب زيلينسكي: «حقّاً، نعم... لكن الأمر أكثر تعقيداً قليلاً من مجرد عواطفي أو مشاعري».

وأضاف: «من المؤسف أننا نفقد شريكاً قوياً».

وقال زيلينسكي أيضاً: «لا نبيع بلدنا... الأمر لا يتعلّق بالأعمال بالنسبة لنا. إنها حياتنا فحسب، وهذا بلدنا».


مثول جندي أوكراني متهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم» أمام المحكمة

الجندي الأوكراني «سيرهي.ك» المتهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» ماثلاً أمام المحكمة العليا في هامبورغ (إ.ب.أ)
الجندي الأوكراني «سيرهي.ك» المتهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» ماثلاً أمام المحكمة العليا في هامبورغ (إ.ب.أ)
TT

مثول جندي أوكراني متهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم» أمام المحكمة

الجندي الأوكراني «سيرهي.ك» المتهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» ماثلاً أمام المحكمة العليا في هامبورغ (إ.ب.أ)
الجندي الأوكراني «سيرهي.ك» المتهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» ماثلاً أمام المحكمة العليا في هامبورغ (إ.ب.أ)

في محاكمة مشحونة سياسياً وتشكل حرجاً للحكومة الألمانية، مثل جندي أوكراني سابق أمام المحكمة العليا في مدينة هامبورغ بقضية تخريب خط أنابيب الغاز «نورد ستريم1» الذي كان يوصل الغاز الروسي مباشرة إلى ألمانيا، قبل 4 سنوات.

ويواجه «سيرهي.ك»؛ الذي كان اعتقل بإيطاليا في أغسطس (آب) 2025 بناء على مذكرة توقيف ألمانية، اتهامات بارتكاب جرائم حرب بالتخطيط لاستهداف بنى تحتية مدنية. ويقول الادعاء إن سيرهي نفذ أوامر دولة؛ مما يعني أنه يتهم الحكومة الأوكرانية بإعطاء الأوامر لتخريب خط الأنابيب الروسي. ونفى الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، تورط بلاده في العملية، متهماً روسيا بها.

قاعة المحكمة العليا في هامبورغ مع انطلاق محاكمة «سيرهي.ك» بقضية تفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» (إ.ب.أ)

وقد اعترض محامو الدفاع على الاتهامات الموجهة إلى سيرهي، وعدّوا أن أنبوب الغاز «لا يمكن عدّه بنية تحتية مدنية، بل إنه كان أداة حرب عسكرية وسياسية ومالية في يد روسيا ضد كييف؛ نظراً إلى أن عائداتها كانت تتدفق إلى ميزانية الدولة لتمويل الحرب على أوكرانيا». وقال المحامون إن سيرهي ملزم الصمت وإنه لا يمكنه الدفاع عن نفسه؛ بسبب السرية التي هو محكوم بها بصفته جندياً سابقاً. وطالبوا إثر ذلك بإسقاط القضية عنه.

والتزم بالفعل سيرهي الصمت في اليوم الأول من محاكمته، في حين تداول محاموه الثلاثة على قراءة بيانات؛ رافضين القضية برمتها. وقال أحد المحامين إن هناك «مصالح سياسية تلعب دوراً في القضية؛ مما يحول المحاكمة استعراضاً سياسياً».

ويُتهم سيرهي بقيادة فريق من الغواصين والمختصين في المتفجرات لزرع عبوة ناسفة أسفل المحيط لتفجير خط الأنابيب. وقد عثر المحققون على قارب في بولندا قادهم إلى المتهمين بعد العثور على آثار متفجرات وحمض نووي فيه.

وفي حين كانت المحاكمة تُجرى في الداخل، تجمع في الخارج العشرات من مؤيدي أوكرانيا رافعين لافتات تتهم روسيا بارتكاب جرائم حرب.

وتواجه الحكومة الألمانية، التي تعدّ أكبر داعم عسكري لكييف في حربها ضد روسيا، حرجاً كبيراً من القضية التي قد تورط الحكومة الأوكرانية. وحتى الآن تلتزم برلين الصمت بشأن الموضوع، وتكتفي بالقول إنها تنتظر انتهاء المحاكمة.

وقد كرر وزير الخارجية الألماني، يوهان فادفول، ذلك، وقال؛ بعيد انطلاق محاكمة سيرهي، رداً على سؤال خلال مؤتمر صحافي في برلين، إنه يجب انتظار انتهاء المحاكمة ونتائجها. ولكنه أشار إلى نفي الرئيس الأوكراني تورطه في القضية، مضيفاً أنه مع ذلك؛ فإن الحكومة الألمانية ستتعامل مع أي نتيجة تظهر، وأنها ستحدد موقفها آنذاك.

وحذر سياسيون ألمان من استغلال الأحزاب الشعبوية المؤيدة لروسيا المحاكمة، وتحديداً «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي يحل بالطليعة في استطلاعات الرأي، وكذلك حزب آخر صغير من أقصى اليسار ترأسه زارا فغنكناشت. ويطالب الحزبان بوقف المساعدات عن أوكرانيا التي يقولان إنها تزيد من الأزمة الاقتصادية في ألمانيا. ويتهم الحزبان الحكومة بإنفاق أموال الميزانية العامة على كييف بدلاً من إنفاقها على الداخل لإنعاش الاقتصاد، ويقولان إن كييف كانت مسؤولة عن تفجير خط الأنابيب الذي كان يجلب الغاز الرخيص إلى البلاد.

وكانت الحكومة الألمانية قد أوقفت استيراد الغاز الروسي عبر خط «نورد ستريم» قبل تفجيره، من ضمن العقوبات ضدها؛ بسب شنها حرباً على أوكرانيا. ويدعو الحزبان الآن إلى فرض عقوبات على أوكرانيا بعد اتهامها بالمسؤولية عن تفجير خط أنابيب الغاز، وليس فقط وقف المساعدات المقدمة إليها.

متظاهرون خارج قاعة المحكمة من مؤيدي أوكرانيا يرفعون لافتات تتهم روسيا بالإرهاب (إ.ب.أ)

ويتهم حزب «البديل من أجل ألمانيا» الحكومة بازدواجية المعايير، ويقول إنها لم تتردد في فرض عقوبات على موسكو بعد اتهامات بالمسؤولية عن الهجوم الفاشل بالمسيّرات على مطار لايبزيغ في أغسطس الماضي، وإنها فعلت ذلك في حين كانت التحقيقات ما زالت مستمرة. وأعلنت الحكومة الألمانية مطلع الشهر إغلاق القنصلية الروسية في بون و«المركز الثقافي الروسي» في برلين؛ رداً على العثور على مسيرات محملة بمتفجرات في مطار لايبزيغ قالت إن الكرملين مسؤول عنها.

وقد رد المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، على تلك الاتهامات في كلمة أمام «البرلمان الفيدرالي (بوندستاغ)»، قبيل سفره إلى بروكسل للمشاركة في القمة الأوروبية يومي الخميس والجمعة، وقال إنه «على عكس ما نسمع؛ فإن الأموال التي ترسل إلى أوكرانيا لا تؤخذ من نظامنا الاجتماعي». وأضاف: «الأموال المتعلقة بالدفاع تُنفَق من صندوق خاص ومنفصل عن الإنفاق على نظامينا؛ الصحي والاجتماعي». وشدد؛ متوجهاً إلى الحزبين المؤيدين لروسيا، بالقول إن «التهديد حقيقي، ونحن نرى أن روسيا دائماً مستعدة للتصعيد»، مضيفاً: «لا أفهم كيف يمكن لأقصى اليمين وأقصى اليسار التقليل من شأن ذلك».

المستشار الألماني فريدريش ميرتس متحدثاً أمام الـ«بوندستاغ» في برلين مع انطلاق محاكمة «سيرهي.ك» (د.ب.أ)

ويستبعد خبراء أن تُثبت المحاكمة الجارية تورط الحكومة الأوكرانية أو استبعاد تورطها، ونقلت القناة الألمانية العامة «إن دي آر» عن الخبير في الشؤون الجيوسياسية يواكيم ويبر، من جامعة بون، قوله إن الحقيقة لن تظهر؛ «لأنه لا أحد سيعترف بمن هي السلطة العليا إلى أعطت أوامر» تفجير الأنابيب. وأضاف أن هذا يعني أن «التخمينات بشأن ما إذا كان الرئيس زيلينسكي قد أعطى الأوامر، أو كان يعلم بها، ستبقى على الأرجح تخمينات» في نهاية المحاكمة.