صعوبات أمام الفارين من الجيش الروسي في سعيهم للوصول إلى أوروبا

فرخاد زيغانشين الجندي الفار من الجيش الروسي يتحدث خلال مقابلة صحافية في أستانا (أ.ف.ب)
فرخاد زيغانشين الجندي الفار من الجيش الروسي يتحدث خلال مقابلة صحافية في أستانا (أ.ف.ب)
TT

صعوبات أمام الفارين من الجيش الروسي في سعيهم للوصول إلى أوروبا

فرخاد زيغانشين الجندي الفار من الجيش الروسي يتحدث خلال مقابلة صحافية في أستانا (أ.ف.ب)
فرخاد زيغانشين الجندي الفار من الجيش الروسي يتحدث خلال مقابلة صحافية في أستانا (أ.ف.ب)

يظهر شرطي كازاخستانيّ في مقطع فيديو انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي وهو يكبّل يدي فرخاد زيغانشين الذي فرّ من الجيش الروسي، ولجأ إلى كازاخستان بعد 7 أشهر من بدء غزو أوكرانيا، وهو يخشى أن يجري ترحيله إلى روسيا حيث ينتظره الأسوأ.

جرى توقيف العسكري السابق البالغ من العمر 24 عاماً مطلع يونيو (حزيران) في مكتب في أستانا كان يعمل فيه حتى ذلك الحين، وكانت هذه ثاني مرّة يجري توقيفه فيها منذ أن لجأ إلى الدولة الواقعة في آسيا الوسطى والمحاذية لروسيا. ففي المرة الأولى، أوقف بينما كان يسعى للانتقال إلى أرمينيا، واعتُقل عدة أيام.

فر الشاب إلى كازاخستان في سبتمبر (أيلول) 2022 لتفادي المشاركة في «العملية الخاصة» الروسية في أوكرانيا. وانتهت للتو صلاحية إقامته في كازاخستان حيث ينتظر تأشيرة دخول إلى فرنسا. وفي حال تسليمه إلى روسيا، يواجه فرخاد زيغانشين السجن لمدة تصل إلى 15 عاماً بتهمة «الفرار» و«التخلي عن وحدته».

وثمة نحو 500 فار آخر من الجيش الروسي يختبئون بحسب جمعيات تساعدهم في كازاخستان خصوصاً في أرمينيا، وجميعهم يخشون توقيفهم وترحيلهم إلى روسيا. وتقول «وكالة الصحافة الفرنسية» في تقرير لها إنها جمعت شهادات 6 منهم، بينهم اثنان ينتظران منحهما تأشيرة دخول إلى فرنسا، و4 مستنكفون ضميرياً لجأوا إلى هذا البلد.

«عمل سياسي»

لم يكن الفرار من الجيش مطروحاً بالنسبة لفرخاد زيغانشين الذي نشأ منذ طفولته في مدرسة داخلية عسكرية، قبل أن يتخرج في الكلية العليا لقيادة الدبابات في قازان حيث أصبح ضابطاً مدرّباً، غير أنّ حياته العسكرية توقفت فجأة في فبراير (شباط) 2022 بعد الغزو الروسي لأوكرانيا. ويقول العسكريّ السابق: «قالوا لنا... إنّ رجالنا يدافعون عن شرف وطننا، إنهم يقاتلون النازية الجديدة والفاشية»، ويضيف: «في تلك اللحظة، نظرنا إلى بعضنا من غير أن نقول شيئاً».

نجح بعد مشقة في مغادرة الجيش في 20 سبتمبر 2022، وفي اليوم التالي علم بأنه من بين 300 ألف جندي احتياط جرى استدعاؤهم للخدمة في أوكرانيا في إطار تعبئة جزئية أعلنها الرئيس فلاديمير بوتين.

وبينما انتشرت مقاطع فيديو على شبكات التواصل الاجتماعي لمجنّدين يُسحبون بالقوّة، كان مئات الآلاف من الروس يفرّون من البلاد.

وصل فرخاد زيغانشين إلى كازاخستان في اليوم التالي؛ حيث طلب اللجوء، من دون أمل في الحصول عليه. ويقول أرتور ألخاستوف من المكتب الدولي الكازاخستاني لحقوق الإنسان: «في بلدنا ما بعد الاتحاد السوفياتي، لا يعدّ منح وضع لاجئ لمواطن (روسي) عملاً إنسانياً، بل هو عمل سياسي»، مشيراً إلى أنّ أستانا حريصة على «علاقاتها الجيّدة مع روسيا».

صورة للجندي الفار من الجيش الجيش الروسي فرخاد زيغانشين ضمن وثائق أخرى خلال مقابلة له في أستانا (أ.ف.ب)

«مختطف»

تتهم منظمات غير حكومية كازاخستان بتسهيل اعتقال روس موجودين على أراضيها. ومن هؤلاء الجندي الفار ميخائيل جيلين الذي ألقي القبض عليه ثمّ سُلّم إلى روسيا حيث حُكم عليه في مارس (آذار) 2023 بالسجن لمدّة 6 سنوات ونصف في سجن يخضع لإجراءات أمنية مشدّدة، وفق مصدر قضائي روسي.

وفي مايو (أيار)، «خُطف» الجندي كاميل ماراتوفيتش قاسيموف، واقتيد إلى قاعدة عسكرية روسية في كازاخستان، وفقاً لأرتور ألخاستوف. غير أنّ أستانا أكّدت أنّها لم تتلقَّ أيّ طلب تسليم في هذه القضية، حسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

يرتجف فرخاد زيغانشين خوفاً من مواجهته المصير ذاته. ويعرض على هاتفه مراسيم استدعاء والديه للاستجواب والمستندات التي تفيد بفتح تحقيق جنائي ضدّه في روسيا، ويقول: «أنا بحاجة للحصول على اللجوء السياسي في فرنسا»، وذلك رغم أنّه قد تمّ رفض طلبه الأول على هذا الصعيد.

تُعدّ كازاخستان وأرمينيا وقيرغيزستان وبيلاروسيا من الدول المقرّبة من روسيا، والتي يمكن للروس التوجّه إليها عبر استخدام جواز سفرهم الداخلي، أي ما يعادل بطاقة الهوية.

ونادراً ما يملك الجنود الروس جواز سفر عادياً، إذ إنّه يتوجّب عليهم الحصول على موافقة تتدرّج عبر التسلسل الهرمي وأجهزة الاستخبارات. وبعد ذلك، تجري مصادرة هذه الوثيقة، وفقاً لكثير من المنظمات غير الحكومية.

ويشير إيفان شوفيلياييف المتحدث باسم منظمة «إيديت ليسوم» (Edite Lessom) غير الحكومية، إلى أن الفارّين من الخدمة العسكرية «لا يمكنهم الذهاب إلى أوروبا لأنّهم لا يملكون جوازات سفر لوضع تأشيرة عليها. ولا يمكنهم العودة إلى روسيا للحصول على هذه الجوازات». ويضيف أنّهم «في خطر» حيث هم موجودون. وبحسب «إيديت ليسوم»، «خُطف» عسكريان فارّان في ديسمبر (كانون الأول) 2023 وأبريل (نيسان) 2024 من قبل جنود روس متمركزين في أرمينيا.

«موت عبثي»

اختار أندريه إيوسيينوف جورجيا. ويؤكد الجندي السابق في لواء البنادق الآلية رقم 39 أنّه «زيّف قصّته»، وانتحل شخصية مدني من أجل الحصول على جواز سفر دولي، والفرار من روسيا مع زوجته وطفله.

يرفض الشاب البالغ من العمر 24 «موتاً عبثياً» في أوكرانيا. ويقول في مقابلة عبر الهاتف: «كنت أرى أمّهات يبكَين أمام جنود لا يجيبونهن رغم علمهن بأنّ أولادهن قد قُتلوا».

وفي مايو، أعلنت باريس عن «خسائر عسكرية روسية بلغت 500 ألف جندي، بما في ذلك 150 ألف قتيل». ومع ذلك، يعتقد هذا العسكري الهارب بأنّ جورجيا غير آمنة. فقد زاد الحزب الحاكم من إجراءاته التي تُسهم في تقريب بلاده من روسيا بينما تخشى المعارضة انجرافاً مماثلاً لما حدث في روسيا بعد اعتماد قانون النفوذ الأجنبي مؤخراً.

«مقاومون حقيقيون»

في بداية مايو، رفضت السفارة الفرنسية في تبليسي منحه تأشيرة، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية». تطرّق وزير الخارجية الفرنسية ستيفان سيجورنيه في مقابلة مع «نوفايا غازيتا يوروب» (Novaia Gazeta Europe) هذا الشهر إلى «تقليد فرنسا في الترحيب». فمنذ يوليو (تموز) 2023، رأت المحكمة الوطنية الفرنسية للجوء (CNDA)، وهي محكمة الاستئناف الخاصة باللاجئين، أنّ «الروس الفارّين من التعبئة من أجل الحرب في أوكرانيا وأولئك الذين فرّوا من الخدمة يمكنهم الحصول على وضع لاجئ». وحصل 102 من الروس على هذا الوضع خلال 10 أشهر بسبب «تمرّدهم على التعبئة الجزئية» أو الاستنكاف الضميري، ولكن لم يكن بينهم أيّ من الفارّين، وفقاً للمحكمة الوطنية الفرنسية للجوء.

وتقول أولغا بروكوبييفا رئيسة منظمة «روسيا - حريات» غير الحكومية: «نودّ أن تلتزم فرنسا بالمزيد» تجاه الفارّين من الخدمة، مشيرة إلى أنّ هؤلاء «مقاتلو المقاومة الحقيقيون» الذين «يرفضون المشاركة في جرائم الحرب».

وفي ألمانيا التي تتواصل معها المنظمات غير الحكومية أيضاً للحصول على اللجوء لفارّين روس، «ليس من المخطّط إصدار تأشيرات في حال الفرار أو الاعتراض على الخدمة العسكرية»، حسبما توضح وزارة الخارجية الألمانية. ولكنّها تضيف أنّه يمكن للجنود الروس الحصول على تأشيرة إذا كانوا «معرّضين بشكل خاص لخطر الاضطهاد».

وفي هذا الإطار، يقول المحامي أرتيم كليغا من «حركة المستنكفين ضميرياً» الروسية إنّ برلين لا تستجيب حالياً لمطالبهم، مضيفاً أنّه يسمع «في كثير من الأحيان أنّ كلّ هؤلاء الروس مجرمو حرب».

من جهته، يشير ألكسندر دلافاي المحامي الفرنسي عن طالبي اللجوء الروس إلى نقص «التناغم» في أوروبا، ويضيف: «لا يمكننا أن نقول إنّ أوكرانيا يجب أن تفوز من دون أن تستعين بالوسائل لاستقبال أولئك الذين لا يريدون ملء صفوف الجيش الروسي».


مقالات ذات صلة

تبادل دموي للهجمات بين موسكو وكييف

أوروبا أوكرانيون يعاينون ما تبقى من سوق للكتب في كييف قصفها الروس ليلا (إ.ب.أ)

تبادل دموي للهجمات بين موسكو وكييف

استهدفت مئات الطائرات المسيّرة موسكو ومناطق أخرى، ما أدى إلى مقتل 6 أشخاص، أمس (الأحد)، فيما شنت روسيا ضربات صاروخية أسفرت عن مقتل وإصابة أكثر من 20 شخصاً.

«الشرق الأوسط» (كييف - موسكو)
أوروبا جانب من الدخان المتصاعد نتيجة القصف الأوكراني لمستودع شركة «وايلدبيريز» بمنطقة موسكو (رويترز)

تبادل دموي للهجمات الجوية والصاروخية بين موسكو وكييف

وصف حاكم منطقة موسكو أندريه فوروبيوف الهجوم الأوكراني بأنه «أحد أضخم هجمات الطائرات المسيّرة في الذاكرة الحديثة»

«الشرق الأوسط» (كييف) «الشرق الأوسط» (موسكو) «الشرق الأوسط» (بوخارست)
أوروبا رجل يسير بموقع انفجار مبنى سكني عقب استهدافه بطائرة مسيّرة بالقرب من الحدود مع أوكرانيا بغالاتي الرومانية في مايو الماضي (رويترز)

مقاتلة تابعة لـ«الناتو» تُسقط مسيّرة اخترقت أجواء رومانيا

أعلنت وزارة الدفاع الرومانية أن طياراً إسبانياً يقود مقاتلة «إف-18» في مهمة حراسة جوية تابعة لحلف «ناتو» في رومانيا، أسقط طائرة مسيّرة انتهكت المجال الجوي.

«الشرق الأوسط» (بوخارست )
آسيا بوتين يصافح الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون خلال لقاء عام 2019 (أ.ب)

زعيم كوريا الشمالية يتوقع «مستقبلاً أكثر تميزاً» للعلاقات مع روسيا

أبلغ زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أنه «فخور» بالعلاقات القوية التي تجمع بين بلديهما، وفق ما ذكرت وسائل إعلام رسمية.

«الشرق الأوسط» (سيول)
أوروبا امرأة تتحدث عبر الهاتف في موقع غارة روسية بكييف (أ.ف.ب) p-circle 00:40

ضربات على كييف ومسقط رأس زيلينسكي... و600 مسيّرة تستهدف موسكو

دوت انفجارات في العاصمة الأوكرانية، كييف، في وقت مبكِّر الأحد جراء هجوم روسي بصواريخ بالستية أسفر، بحسب السلطات، عن إصابة شخص واحد على الأقل.

«الشرق الأوسط» (كييف - موسكو)

تبادل دموي للهجمات بين موسكو وكييف

أوكرانيون يعاينون ما تبقى من سوق للكتب في كييف قصفها الروس ليلا (إ.ب.أ)
أوكرانيون يعاينون ما تبقى من سوق للكتب في كييف قصفها الروس ليلا (إ.ب.أ)
TT

تبادل دموي للهجمات بين موسكو وكييف

أوكرانيون يعاينون ما تبقى من سوق للكتب في كييف قصفها الروس ليلا (إ.ب.أ)
أوكرانيون يعاينون ما تبقى من سوق للكتب في كييف قصفها الروس ليلا (إ.ب.أ)

استهدفت مئات الطائرات المسيّرة موسكو ومناطق أخرى، ما أدى إلى مقتل 6 أشخاص، أمس (الأحد)، فيما شنت روسيا ضربات صاروخية أسفرت عن مقتل وإصابة أكثر من 20 شخصاً في كييف ومدن أوكرانية، وفق ما أفاد مسؤولون في البلدين.

وقال رئيس بلدية موسكو، سيرغي سوبيانين، إن العاصمة الروسية تعرضت طوال ليل السبت - الأحد، لهجوم متواصل بالطائرات المسيّرة واعترضت الدفاعات الجوية أكثر من 600 منها، فيما وصف حاكم المنطقة أندريه فوروبيوف الهجوم بأنه «أحد أضخم هجمات الطائرات المسيّرة في الذاكرة الحديثة».

وعلى الجانب الآخر، طالب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مجدداً، عبر منصة «تلغرام»، حلفاء بلاده بإمدادها بصواريخ دفاع جوي. وأوضح: «إذا كانت الصواريخ الكورية الشمالية تدمر البنية التحتية وتحصد الأرواح هنا في أوروبا، فلا يمكننا أن نسمح للصواريخ الأوروبية المضادة للطائرات بالبقاء ببساطة في المستودعات».


إردوغان: عضوية الاتحاد الأوروبي لم تعد أولوية لتركيا

إردوغان خلال استقباله رئيس «مجلس أوروبا» أنطونيو كوستا ورئيسة «المفوضية الأوروبية» فون دير لاين بالقصر الرئاسي في أنقرة 8 يوليو الماضي (الرئاسة التركية)
إردوغان خلال استقباله رئيس «مجلس أوروبا» أنطونيو كوستا ورئيسة «المفوضية الأوروبية» فون دير لاين بالقصر الرئاسي في أنقرة 8 يوليو الماضي (الرئاسة التركية)
TT

إردوغان: عضوية الاتحاد الأوروبي لم تعد أولوية لتركيا

إردوغان خلال استقباله رئيس «مجلس أوروبا» أنطونيو كوستا ورئيسة «المفوضية الأوروبية» فون دير لاين بالقصر الرئاسي في أنقرة 8 يوليو الماضي (الرئاسة التركية)
إردوغان خلال استقباله رئيس «مجلس أوروبا» أنطونيو كوستا ورئيسة «المفوضية الأوروبية» فون دير لاين بالقصر الرئاسي في أنقرة 8 يوليو الماضي (الرئاسة التركية)

كشفت تركيا، الأحد، عن أن عضويتها بالاتحاد الأوروبي لم تعد ضمن أولوياتها، وذلك بعدما فشلت مساع مكثفة على مدى العامين الماضيين لفتح فصول جديدة للمفاوضات، أو البدء بمفاوضات تحديث اتفاقية الاتحاد الجمركي الموقعة عام 1995، وتخفيف القيود المفروضة على حصول مواطنيها على تأشيرة الدخول لدول الاتحاد (شنغن).

وقال الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، إن الاتحاد الأوروبي «لا يبدو راغباً في قبول تركيا عضواً فيه»، عادّاً «أن أوروبا ستكون هي الخاسر الأكبر».

ولطالما أكدت تركيا أن انضمامها إلى عضوية الاتحاد تُشكل «هدفاً استراتيجياً»، لكن إردوغان، قال في مقابلة تلفزيونية نقلت وسائل إعلام تركيا بعضاً منها، الأحد، إن «عضوية الاتحاد الأوروبي لم تعد أولوية بالنسبة لأنقرة»، متهماً قادة أوروبا «بالافتقار إلى الإرادة السياسية لقبول تركيا في عضوية الاتحاد». وأضاف: «أوروبا ستخسر في نهاية المطاف أكثر من تركيا إذا استمرت جهود الانضمام متعثرة».

مسيرة طويلة متعثرة

واعترف الاتحاد الأوروبي بتركيا بصفتها دولة مرشحة للعضوية في عام 1999 بعد عقود من طلبها الحصول على العضوية، وبدأ مفاوضاته معها عام 2004، وتم فتح 12 فصلاً من أصل 35 فصلاً تتضمن معايير على تركيا الالتزام بها وتنفيذها لتكون مؤهلة للانضمام، لكن المفاوضات جمّدت تماماً منذ عام 2016، إثر هجوم من إردوغان على الاتحاد لعدم دعم بلاده في مواجهة محاولة انقلاب فاشلة على حكمه وقعت في 15 يوليو (تموز) من ذلك العام.

بعض تصريحات إردوغان الناقدة للاتحاد الأوروبي تسببت في موقف متعنت تجاه عضوية تركيا (الرئاسة التركية)

وتسببت التصريحات الحادة، في كثير من المناسبات، ولا سيما في الفترات التي شهدت فيها تركيا انتخابات برلمانية ورئاسية، في تعنت من جانب الاتحاد في استئناف المفاوضات، بذريعة «ابتعاد تركيا عن معايير الديمقراطية، وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان، وحرية التعبير، بسبب التوسع في اعتقالات السياسيين والصحافيين المعارضين لإردوغان».

وفتحت «وثيقة التفاهم المشترك» الصادرة عن الاتحاد الأوروبي في منتصف يوليو الماضي، فصلاً جديداً للتوتر مع تركيا بعدما تجاهلت وضعها بصفتها دولة مرشحة للانضمام.

ووصفت تركيا الوثيقة، بأنها تفتقد «الموضوعية والإنصاف»، وتبرهن، مجدداً، على انعدام الرؤية الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي تجاه المستقبل المشترك، لا سيما وأنها صيغت بعد أيام من قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) في أنقرة يومي 7 و8 يوليو، التي أكدت الدور الذي لا غنى عنه لتركيا في أمن أوروبا.

وقالت أنقرة إن «الوثيقة أوردت ادعاءات بشأن شرق البحر المتوسط لا أساس لها من الصحة، وتدل على أن الاتحاد الأوروبي ما زال أسير فهم متحيز ومشوَّه للأحداث».

موقف أوروبي صارم

وجاءت الوثيقة التركية بعد أيام قليلة من قرار للبرلمان الأوروبي، صدر في 8 يوليو، عدَّ فيه تدخل تركيا في شمال قبرص عام 1974 «غزواً»، متهماً جيشها «بارتكاب فظائع بحق القبارصة اليونانيين».

البرلمان الأوروبي صدم تركيا مجدداً في تقريره حول التقدم بمفاوضات عضويتها بالاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)

و تأتي هذه التطورات، على الرغم من جهود دبلوماسية تركية على مدى العامين الماضيين لاستئناف مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، عبر لقاءات على مستوى رفيع.

والتقى إردوغان، على هامش قمة حلف «ناتو» في أنقرة التي عقدت يومي 7 و8 يوليو، رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، ورئيس مجلس أوروبا، أنطونيو كوستا، لبحث العلاقات بين تركيا وأوروبا.

محادثات بين وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ووفد الوزارة مع وفد الاتحاد الأوروبي في 30 يونيو الماضي (الخارجية التركية)

كما استضافت أنقرة، في 30 يونيو (حزيران) الماضي، وفداً رفيع المستوى من «الاتحاد الأوروبي» ضم: الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، ومفوضة التوسيع، مارتا كوس، ومفوض الشؤون الداخلية، ماغنوس برونر، في زيارة نادرة، جاءت عقب موافقة البرلمان الأوروبي على تقرير أعده المقرر الخاص بتركيا، النائب الإسباني ناتشو آمور سانشيز، أكد أنه «لا يمكن استئناف المفاوضات مع تركيا في ظل الوضع الراهن الذي يشهد تآكلاً خطيراً ومستمراً لسيادة القانون مع التضييق على المعارضة، فضلاً عن الأزمات التي تدخل فيها تركيا مع دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، مثل اليونان وقبرص».

استمرار التعاون بعيداً عن العضوية

وأجرى الوفد محادثات مع وزير الخارجية، هاكان فيدان، وعدد من مسؤولي الوزارة. وأكد الجانبان، في بيان مشترك، الأهمية الاستراتيجية للعلاقات التركية - الأوروبية لتحقيق الاستقرار الإقليمي والاقتصادي، وشددا على «ضرورة العمل معاً في مواجهة التحديات الجيوسياسية، وعلى أهمية التعاون في مجالات التجارة والطاقة والنقل والرقمنة في سياق أجندة الربط الإقليمي».

وقالت وزارة الخارجية التركية، في بيان، إن عضوية «الاتحاد الأوروبي» لا تزال«هدفاً استراتيجياً» لتركيا، وإنها على استعداد لتطوير العلاقات مع «الاتحاد الأوروبي» على هذا الأساس. وأضافت: «نتوقع من الاتحاد الأوروبي أن يعزز علاقاته بتركيا على أساس معايير موضوعية وجدارة، دون تمييز».

فيدان خلال استقباله وفد الاتحاد الأوروبي بمقر وزارة الخارجية التركية في أنقرة 30 يونيو الماضي (الخارجية التركية)

وبدا أن المباحثات لم تركز بشكل كبير على استئناف مفاوضات انضمام تركيا إلى «الاتحاد الأوروبي» المجمدة.

وخلال اجتماع الجمعية العمومية لـ«المفوضية الأوروبية»، الذي عُقد بمقرها في بروكسل في يونيو، أكد «الاتحاد الأوروبي» مجدداً على «انتهاكات سيادة القانون والديمقراطية في تركيا».

وتطرق البيان الصادر في ختام زيارة الوفد الأوروبي إلى مسألة التوسع، موضحاً أن «الاتحاد الأوروبي» أكد «ضرورة تعزيز سيادة القانون، وحماية الحقوق والحريات الأساسية، وضمان معايير ديمقراطية رفيعة في تركيا من أجل استئناف المفاوضات».


تبادل دموي للهجمات الجوية والصاروخية بين موسكو وكييف

جانب من الدخان المتصاعد نتيجة القصف الأوكراني لمستودع شركة «وايلدبيريز» بمنطقة موسكو (رويترز)
جانب من الدخان المتصاعد نتيجة القصف الأوكراني لمستودع شركة «وايلدبيريز» بمنطقة موسكو (رويترز)
TT

تبادل دموي للهجمات الجوية والصاروخية بين موسكو وكييف

جانب من الدخان المتصاعد نتيجة القصف الأوكراني لمستودع شركة «وايلدبيريز» بمنطقة موسكو (رويترز)
جانب من الدخان المتصاعد نتيجة القصف الأوكراني لمستودع شركة «وايلدبيريز» بمنطقة موسكو (رويترز)

استهدفت مئات الطائرات المسيّرة موسكو ومناطق أخرى، ما أدى إلى مقتل 6 أشخاص الأحد، فيما شنت روسيا ضربات صاروخية أسفرت عن مقتل 3 أشخاص وإصابة أكثر من 12 في كييف ومدن أوكرانية، وفق ما أفاد مسؤولون في البلدين.

وقُتل 3 أشخاص في مدينة روستوف الروسية، فيما أسقطت مقاتلة إسبانية تابعة لحلف شمال الأطلسي طائرة مسيّرة توغلت داخل الأراضي الرومانية. وهي المرة الثانية في يومين التي يصل فيها النزاع بين موسكو وكييف إلى شرق أوروبا.

من أضرار القصف الروسي الذي أصاب مبنى سكنياً في كييف (إ.ب.أ)

وأعلنت وزارة الدفاع الرومانية أن مقاتلة إسبانية تقوم بمهمة في رومانيا في إطار حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أسقطت مسيّرة خرقت المجال الجوي الروماني قرب الحدود مع أوكرانيا ومولدافيا. وأوضحت في بيان، أن اعتراض المسيّرة الآتية من مولدافيا تم بواسطة طائرتي «إف-18» أميركيتي الصنع.

كذلك، أكد وزير الدفاع الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، عبر منصة «إكس»، أن سلاح الجو الإسباني أظهر «احترافاً استثنائياً في الدفاع عن المجال الجوي الأوروبي». وأوضح أنه أجرى محادثات مع وزيرة الدفاع الرومانية أوانا تويو التي شكرت الطيّارين.

وأعلنت القيادة الجوية للحلف الأطلسي عبر «إكس»، أن عملية الاعتراض «جرت بواسطة طائرتي (إف-18) تابعتين لقوة إسبانية متمركزة في رومانيا، وتضم نحو 200 عسكري و11 طائرة».

وباتت رومانيا البالغ عدد سكانها 19 مليون نسمة، من دول حلف الأطلسي الأكثر عرضة لتبعات الحرب في أوكرانيا؛ فواجهتها الشرقية المطلة على البحر الأسود، قريبة من مناطق أوكرانية غالباً ما تستهدفها الضربات الروسية.

وأعلنت السلطات الرومانية مراراً منذ 2023، العثور على حطام مسيّرات بعد هجمات على الموانئ الأوكرانية على نهر الدانوب.

عمال إطفاء في موقع أصيب بالقصف الروسي للعاصمة الأوكرانية (أ.ف.ب)

وفي نهاية يوليو (تموز)، أسقطت رومانيا مسيّرة على مسافة نحو 100 كلم من العاصمة بوخارست، وذلك للمرة الأولى منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022. كما تعرضت بولندا ودول البلطيق الواقعة على الخاصرة الشرقية للحلف الأطلسي مراراً لتوغل مسيرات في مجالها الجوي. وأعلن الحلف الأطلسي يوم الجمعة الماضي، أن مقاتلات إيطالية أسقطت مسيرة دخلت أجواء لاتفيا.

المسيرات

إلى ذلك، أورد رئيس بلدية موسكو سيرغي سوبيانين، أن العاصمة الروسية تعرضت طوال ليل السبت - الأحد، لهجوم متواصل بالطائرات المسيّرة، ما استدعى إصدار سلسلة من التحديثات عن تطور الأوضاع لساعات عدة.

واعترضت الدفاعات الجوية أكثر من 600 طائرة مسيّرة كانت متجهة نحو موسكو، وأُسقط نحو 200 منها في المنطقة، بحسب ما أفاد على منصة «ماكس» المدعومة من الدولة.

ووصف حاكم منطقة موسكو أندريه فوروبيوف الهجوم، بأنه «أحد أضخم هجمات الطائرات المسيّرة في الذاكرة الحديثة»، لافتاً إلى إصابة 6 أشخاص في المنطقة.

وأضاف: «في بودولسك، تسبب قصف بمسيرة في اندلاع حريق في مستودع تابع لشركة (وايلدبيريز) بمجمع كوليدينو الصناعي».

وكثفت أوكرانيا في الآونة الأخيرة استهدافها لمستودعات «وايلدبيريز»، وهي شركة بيع بالتجزئة عبر الإنترنت، قائلة إنها ترد بذلك على قصف موسكو للمدن والبنى التحتية الأوكرانية... ومنذ منتصف يوليو، قصفت أوكرانيا نحو 20 مستودعاً ومبنى تابعاً للشركة المذكورة.

حريق في مستودع شركة «وايلدبيريز» في «مجمع كوليدينو الصناعي» الروسي نتيجة القصف الأوكراني (رويترز)

ومن جانبه، قال يوري سليوسار، حاكم منطقة روستوف الواقعة جنوب غربي روسيا، إن 5 أشخاص لقوا حتفهم في المنطقة، حيث تعرضت 3 بلدات لهجمات. كما قُتل رجل (83 عاماً) بعد أن أصابت طائرة مسيّرة أوكرانية منزلاً خاصاً في منطقة موسكو.

وعلى الجانب الآخر، أسفر قصف صاروخي روسي عن مقتل شخصين في منطقة زابوريجيا الأوكرانية، مع سقوط قتيل ثالث في كريفي ريغ، مسقط الرئيس فولوديمير زيلينسكي. وأُصيب أكثر من 20 شخصاً في كييف وبروفاري وكريفي ريغ وأوديسا ودنيبتروفسك.

وقال رئيس مجلس الدفاع المحلي أولكسندر فيلكول عبر منصة «تلغرام»، إن القوات الروسية قصفت موقعين صناعيين في كريفي ريغ. وفي العاصمة الأوكرانية، حذرت السلطات من الغارات الجوية قبيل الساعة الثانية صباحاً، وسُمعت انفجارات عدة بعيد ذلك. وصرح رئيس البلدية فيتالي كليتشكو، بأن كييف «تتعرض لهجوم صاروخي باليستي»، وحض السكان على البقاء في الملاجئ. وأدت الغارات إلى اندلاع حرائق في منطقتي أوبولونسكي وهولوسيفسكي بالعاصمة.

كذلك، أفاد مسؤولون محليون بتعرض مدينة كريمينشوك في منطقة بولتافا بوسط البلاد لهجوم، من دون تقديم تفاصيل عن الأضرار أو الخسائر البشرية.

وتواصل روسيا بشكل شبه يومي، شنّ ضربات صاروخية وبطائرات مسيّرة على الأراضي الأوكرانية، منذ بدء غزوها مطلع عام 2022، فيما سبق أن أوضح الرئيس زيلينسكي أن الهجمات الأوكرانية المتزايدة في عمق الأراضي الروسية، والتي تستهدف مصافي النفط والمستودعات، «تهدف إلى تقويض اقتصاد الحرب الروسي».

وكتب الأحد، عبر تطبيق «تلغرام»، أن «أفراد الطوارئ يقومون بعملهم في مواقع الهجمات الروسية»، وأنه تم إخماد الحرائق سريعاً في كييف، حيث كانت سوق للكتب من ضمن المواقع التي تم استهدافها.

سيدة تحمل ما تيسر من سوق للكتب في كييف أصيبت بالقصف الروسي (أ.ف.ب)

وقال زيلينسكي: «حيثما تصل الصواريخ الروسية، فهي تهاجم بنية تحتية مدنية»، محذراً من موجة أخرى من الهجمات. وأوضح أن روسيا أطلقت أكثر من 1550 طائرة مسيرة ونحو 1560 قنبلة و62 صاروخاً على أوكرانيا هذا الأسبوع. وطالب مجدداً، حلفاء أوكرانيا بإمدادها بصواريخ دفاع جوي. وكتب زيلينسكي: «إذا كانت الصواريخ الكورية الشمالية تدمر البنية التحتية وتحصد الأرواح هنا في أوروبا، فلا يمكننا أن نسمح للصواريخ الأوروبية المضادة للطائرات بالبقاء ببساطة في المستودعات».